حقيقة التكلّم الإلهيّ ومسألة خلق القرآن
التكلّم الإلهيّ ومكانته في علم الكلام
أجمع المسلمون، تبعاً للكتاب والسنّة، على أنّ الله سبحانه متكلّم، غير أنّهم اختلفوا في حقيقة كلامه، وهل هو حادث أو قديم. وقد شغلت هذه المسألة علماء المسلمين ومفكّريهم، وأدّت إلى نزاعات عُرفت تاريخيّاً بـ«محنة خلق القرآن»، حيث استُخدمت أحياناً وسيلةً للضغط على المخالفين وإبعاد الناس عن القضايا الأهمّ في الدين والدنيا.
وقد ساهم في إثارة هذا البحث عاملان رئيسيان: اختلاط المسلمين بالثقافات الأخرى نتيجة الفتوحات الإسلاميّة، وترويج بعض الخلفاء لهذه المناقشات لصرف المفكّرين عن نقد أفعالهم وانحرافاتهم. كما نُسب إلى يوحنّا الدمشقيّ، الذي كان يشكّك المسلمين في دينهم، إثارة مسألة قِدَم كلمة الله من خلال ما ورد في القرآن الكريم بشأن عيسى بن مريم عليه السلام بوصفه كلمة الله.
وقد ظهرت في هذه المسألة اتجاهات مختلفة؛ فقبل المعتزلة القول بحدوث القرآن وكونه مخلوقاً لله تعالى، ثمّ حظيت نظريّتهم بالتأييد في عهد المأمون ومن بعده إلى زمن المتوكّل، قبل أن يتحوّل موقف السلطة لصالح أهل الحديث والحنابلة. وقد أدّت هذه التحوّلات إلى محن وصدامات أضرّت بالمسلمين.
حقيقة التكلّم الإلهيّ بين آراء المتكلّمين
لا خلاف بين المسلمين في أصل اتّصاف الله تعالى بالتكلّم، وإنّما وقع الخلاف في حقيقة كلامه، ويتفرّع على ذلك البحث في حدوثه أو قدمه. ويمكن عرض أبرز النظريّات في هذا المجال كما يأتي:
رأي المعتزلة في حقيقة الكلام الإلهيّ
ترى المعتزلة أنّ كلام الله تعالى عبارة عن حروف وأصوات يخلقها في غيره، كاللوح المحفوظ أو جبرائيل أو النبيّ، ولا تقوم بذاته سبحانه. وقد عرّف القاضي عبد الجبّار حقيقة الكلام بأنّها الحروف المنظومة والأصوات المقطّعة، وبيّن أنّ المتكلّم قد يُوجِد الكلام في غيره، كما يُنعِم ويَرزق من دون أن يحلّ أثر فعله فيه.
ولا يُنكر هذا التفسير أصلَ الكلام اللفظيّ، وإنّما يقع البحث في حصر كلام الله تعالى به؛ لأنّ كلامه لا يقتصر على الخطاب الموجّه إلى مخاطب معيّن، بل يشمل أيضاً فعله المطلق الذي يكشف عن جماله وكماله. وهذا الفعل لا ينحصر في الحروف والأصوات، بل يتجلّى في الموجودات الخارجيّة وجواهر العالم وأعراضه.
الكلام الفعليّ في الرؤية الفلسفيّة
يرى الحكماء أنّ الكلام، وإن كان يُطلق في الأصل على الحروف والأصوات الدالّة على المعاني، فإنّ استعماله قد يتّسع ليشمل كلّ ما يكشف عن مكنونات المتكلّم وحقائقه. فكما يُطلق الكلام على خطبة منقولة أو شعر مرويّ، مع زوال الأصوات التي صدرت بها، يصحّ إطلاقه على فعل يكشف عن صفات فاعله وكمالاته.
وبناءً على ذلك، فإنّ أفعال الله تعالى ومخلوقاته تكشف عن علمه وقدرته وعظمته، ويصحّ وصفها بالكلام الفعليّ. فالعالم الإمكانيّ كلّه كلام الله سبحانه، إذ يُظهر بإيجاده وإنشائه ما في أسمائه وصفاته من الكمال والجمال.
ويؤيّد ذلك وصف عيسى بن مريم عليه السلام بأنّه كلمة الله التي ألقاها إلى مريم، لما يكشف وجوده عن قدرة الله على خلق الإنسان من دون لقاء بين ذكر وأنثى. كما قال تعالى:
﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾.
وقال أمير المؤمنين عليه السلام:
« يَقُولُ لِمَا أَرَادَ كَوْنَهُ: كُنْ، فَيَكُونُ. لَا بِصَوْتٍ يَقْرَعُ، وَلَا بِنِدَاءٍ يُسْمَعُ، وَإِنَّمَا كَلَامُهُ سُبْحَانَهُ فِعْلٌ مِنْهُ، أَنْشَأَهُ وَمَثَّلَهُ، لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ كَائِنًا، وَلَوْ كَانَ قَدِيمًا لَكَانَ إِلَهًا ثَانِيًا ».
وعليه، فإنّ الموجودات الخارجيّة، بما تكشف عنه من كمال علّتها، تُعدّ كلاماً فعليّاً لله سبحانه، وإن كانت الحروف والألفاظ كلاماً لفظيّاً.
الكلام النفسيّ عند الأشاعرة ومناقشته
جعل الأشاعرة التكلّم من صفات الذات، وقالوا بوجود كلام نفسيّ قديم قائم بذات الله تعالى، مغاير للعلم والإرادة والكراهة، وأنّ الكلام اللفظيّ تعبير عنه.
واستدلّوا بأنّ الإنسان قد يُخبر عمّا لا يعلمه، أو عمّا يعلم خلافه، وقد يأمر بما لا يريده، كما في الأوامر الاختباريّة؛ فدلّ ذلك، بحسب رأيهم، على وجود معنى نفسيّ وراء العلم والإرادة.
غير أنّ هذا الاستدلال لا يثبت وجود صفة مستقلّة تسمّى الكلام النفسيّ؛ لأنّ الإخبار يتضمّن تصوّر الموضوع والمحمول والنسبة، وهذه كلّها من أقسام العلم، سواء وُجد التصديق أم لم يوجد. أمّا الإنشاء، فيرجع إلى الإرادة والكراهة وما يتقدّمهما من التصوّر والتصديق.
ولا تدلّ الأوامر الاختباريّة على انتفاء الإرادة؛ فقد تتعلّق الإرادة بالمقدّمات دون الفعل المقصود، أو تتعلّق بالمقدّمات والفعل معاً، بحسب الغاية من الأمر. كما أنّ إرادة الآمر تتعلّق بفعله الاختياريّ، أي بإنشاء البعث أو الزجر، لا بفعل المأمور الذي لا يقع تحت اختيار الآمر.
ولا يلزم من عدم امتثال العبد انتفاء الإرادة التشريعيّة؛ لأنّ متعلّقها هو إنشاء الأمر أو النهي، وهو متحقّق سواء امتثل العبد أم خالف. أمّا إرادة الله التكوينيّة، فلا تتخلّف عن مرادها.
وأمّا الاستدلال بأنّ المتكلّم لا بدّ أن تقوم به صفة التكلّم، فالقيام ليس منحصرًا في القيام الحلوليّ، بل قد يكون صدوريّاً، كما في الضرب والقتل. والتكلّم من هذا القبيل؛ إذ يصحّ وصف الله تعالى به لإيجاده الكلام.
كذلك، فإنّ إطلاق القول على ما في الضمير لا يثبت وجود كلام نفسيّ مستقلّ؛ لأنّه قد يكون من باب العناية والمشاكلة.
حصيلة البحث: لا يثبت وراء العلم في الجمل الخبريّة، ولا وراء الإرادة والكراهة في الجمل الإنشائيّة، معنى مستقلّ يمكن تسميته بالكلام النفسيّ. ولذلك لا يصحّ جعل الكلام النفسيّ صفةً ذاتيّةً مغايرةً للعلم والإرادة.
حدوث الكلام الإلهيّ وقدمه
ارتبط البحث في حدوث القرآن وقدمه بالمحنة التي وقعت في العصر العبّاسيّ. فقد تبنّت المعتزلة القول بخلق القرآن، وأيّدهم المأمون ومن بعده، وأُلزم العلماء بإعلان موقفهم، فعُذّب أحمد بن حنبل بسبب امتناعه عن القول بخلق القرآن. ثمّ تغيّر موقف السلطة في عهد المتوكّل، فحظي أهل الحديث والحنابلة بالتأييد.
قال أحمد بن حنبل:
« وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ فَهُوَ جَهْمِيٌّ كَافِرٌ ».
وقال أبو الحسن الأشعري:
« نَقُولُ إِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَإِنَّ مَنْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ فَهُوَ كَافِرٌ ».
في المقابل، قال القاضي عبد الجبّار إنّ القرآن كلام الله ووحيه، وهو مخلوق مُحدَث أنزله الله على نبيّه ليكون دليلاً على نبوّته ومرجعاً للأحكام.
ملاحظات حول النزاع
يرى المؤلّف أنّ هذه المسألة طُرحت في أجواء مضطربة، حتى كفّرت كلّ طائفة مخالفيها، مع أنّها لم ترد في الشريعة بنصّ صريح يجعلها أصلاً من أصول الإيمان والكفر. كما أنّ بعض السلف تحرّجوا من وصف القرآن بالقدم، واكتفوا بالقول إنّه غير مخلوق، ثمّ تطوّر الأمر إلى التصريح بقدمه.
ويؤكد المؤلّف أنّ القرآن المقروء، بما يشتمل عليه من حروف وألفاظ متعاقبة، لا يمكن أن يكون قديماً؛ لأنّ الحروف والجمل تتكوّن بالتتابع، وما كان كذلك فهو حادث. وقد أقرّ ابن تيميّة بحدوث القرآن المقروء، مع استدلاله على ذلك بما يقتضي حدوث الحروف والكلمات.
ولمعالجة النزاع، ينبغي تحديد المقصود بكلام الله غير المخلوق، إذ يمكن أن يراد به أحد أمور متعدّدة:
-
الألفاظ والجمل القرآنيّة: وهي من الموجودات الحادثة، فلا يصحّ وصفها بالقدم أو نفي الخلق عنها.
-
المعاني والحوادث التي يتحدّث عنها القرآن: وهي تتضمّن وقائع حدثت في أزمنة معيّنة، فلا تكون قديمة.
-
ذات الله وصفاته: وهي قديمة، لكنّ قدمها لا يستلزم قدم الألفاظ التي تدلّ عليها.
-
علم الله تعالى بمضامين القرآن: وهو قديم؛ لأنّ علمه سبحانه قديم.
-
الكلام النفسيّ: وقد تقدّم أنّه لا يثبت بوصفه صفة مستقلّة مغايرة للعلم والإرادة.
-
كون القرآن غير مخلوق للبشر: وهذا لا ينافي كونه مخلوقاً لله سبحانه، إذ يعجز البشر عن الإتيان بمثله، كما قال تعالى: ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾.
وبهذا التحليل يتّضح أنّ كثيراً من الخلاف ناشئ عن عدم تحرير محلّ النزاع والخلط بين القرآن المنزل، والألفاظ المقروءة، والمعاني التي يدلّ عليها، وعلم الله تعالى بها.
أدلّة الأشاعرة على عدم خلق القرآن ومناقشتها
دلالة قوله تعالى: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾
استدلّ الأشعريّ بقوله تعالى:
﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾.
ورأى أنّ القول لو كان مخلوقاً لاحتاج إلى قول آخر، ولزم التسلسل.
ويجيب المؤلّف بأنّ الأمر في الآية ليس خطاباً لفظيّاً موجّهاً إلى معدوم، بل هو تعبير عن تعلّق الإرادة التكوينيّة الإلهيّة بإيجاد الشيء، وأنّ ما أراده الله تعالى يتحقّق من دون امتناع أو توقّف. ويؤيّد ذلك كلام أمير المؤمنين عليه السلام بأنّ كلام الله فعلٌ منه، لا صوتٌ يُسمع ولا نداءٌ يُقرع.
كما أنّ افتراض قول سابق غير مخلوق لا يثبت قدم القرآن المقروء، بل يفضي إلى أنّ القرآن نفسه حادث. وقد اضطرّ المتأخّرون من الأشاعرة إلى القول بحدوث لفظ «كن» والتمييز بينه وبين المعنى النفسيّ القديم.
المراد من الخلق والأمر في القرآن الكريم
استدلّ الأشعريّ بأنّ الآية فرّقت بين الخلق والأمر، فاستنتج أنّ الأمر، بمعنى كلام الله، غير مخلوق.
ويرى المؤلّف أنّ هذا التفسير غير ثابت؛ فالقرينة تشير إلى أنّ المراد بالأمر هو تدبير شؤون العالم ونظامه، لا الكلام المقابل للصمت. فالله سبحانه هو خالق الموجودات ومدبّرها، ولا ينتهي دوره عند إيجادها، بل يشمل تدبيرها والتصرّف فيها.
دلالة قوله تعالى: ﴿ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ﴾
ذهب الأشعريّ إلى أنّ القول بخلق القرآن يجعله قولاً للبشر، مع أنّ القرآن يردّ هذا الوصف.
ويجيب المؤلّف بأنّ القول بخلق القرآن لا يعني أنّ البشر أنشؤوه، بل يعني أنّ الله تعالى خلقه وأوحاه إلى نبيّه. أمّا الأصوات والحروف التي يتلوها الإنسان فهي من أفعاله، ولا يلزم من كون التلاوة مخلوقة للإنسان أن يكون القرآن المنزل مخلوقاً للبشر. فالفرق واضح بين القرآن الذي أنزله الله تعالى، وبين المثال الذي ينشئه القارئ بتلاوته.
وبناءً على ذلك، يرى المؤلّف أنّ أكثر أدلّة الأشعريّ لا تنهض لإثبات قدم القرآن المقروء أو غير المخلوقيّة بالمعنى الذي وقع فيه النزاع.
موقف أهل البيت عليهم السلام من مسألة خلق القرآن
تدلّ الروايات على أنّ أئمّة أهل البيت عليهم السلام نهوا أصحابهم عن الخوض في مسألة خلق القرآن بهذه الطريقة، لما ترتّب عليها من فتنة وصراع، وأرشدوا إلى الاكتفاء بوصف القرآن بأنّه كلام الله.
فقد سُئل الإمام الرضا عليه السلام عن القرآن، فقال:
« كَلَامُ اللهِ لَا تَتَجَاوَزُوهُ وَلَا تَطْلُبُوا الْهُدَى فِي غَيْرِهِ، فَتَضِلُّوا ».
وسُئل الإمام الصادق عليه السلام، فقال:
« هُوَ كَلَامُ اللهِ وَقَوْلُ اللهِ، وَكِتَابُ اللهِ وَوَحْيُ اللهِ، وَتَنْزِيلُهُ، وَهُوَ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ».
كما رُوي عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام أنّه قال في جواب السؤال عن القرآن:
« أَمَّا إِنِّي لَا أَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا يَقُولُونَ، وَلَكِنِّي أَقُولُ: إِنَّهُ كَلَامُ اللهِ ».
وجاء في رسالة الإمام عليّ بن محمّد الهادي عليه السلام:
« نَحْنُ نَرَى أَنَّ الْجِدَالَ فِي الْقُرْآنِ بِدْعَةٌ، اشْتَرَكَ فِيهَا السَّائِلُ وَالْمُجِيبُ، فَيَتَعَاطَى السَّائِلُ مَا لَيْسَ لَهُ، وَيَتَكَلَّفُ الْمُجِيبُ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ الْخَالِقُ إِلَّا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ، وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللهِ، لَا تَجْعَلْ لَهُ اسْمًا مِنْ عِنْدِكَ فَتَكُونَ مِنَ الضَّالِّينَ ».
وتكشف هذه الروايات عن موقف يرفض تحويل البحث في القرآن إلى جدال مذهبيّ ووسيلة للتنكيل بالمخالفين. كما تتضمّن رسالة الإمام الهادي عليه السلام تصريحاً بأنّ الخالق هو الله تعالى، وأنّ ما سواه مخلوق، مع النهي عن إطلاق تسمية مبتدعة على القرآن.
وقد ارتبطت المحنة تاريخيّاً بسياسات السلطة؛ إذ أُلزم العلماء في عهد المأمون والمعتصم والواثق بموقف المعتزلة، ثمّ تغيّر الوضع في عهد المتوكّل لصالح خصومهم. ويستنتج المؤلّف أنّ هذا الصراع لم يكن دائماً موجّهاً إلى كشف الحقيقة، بل استُخدم فيه الدين أحياناً لتصفية الحسابات وفرض الآراء بالقوّة.
الخلاصة
يتّضح من البحث أنّ أصل اتّصاف الله تعالى بالتكلّم ثابت، لكنّ الكلام الإلهيّ لا ينحصر في الحروف والأصوات؛ إذ يمكن فهمه أيضاً بوصفه فعله الذي يكشف عن كماله وأسمائه وصفاته. كما أنّ القول بالكلام النفسيّ، بوصفه صفةً مستقلّةً وراء العلم والإرادة، لا يثبت وفق التحليل الذي يقدّمه المؤلّف.
أمّا النزاع في خلق القرآن وقدمه، فقد تأثّر باضطراب تحديد محلّ البحث وبالصراعات السياسيّة والمذهبيّة. والتمييز بين القرآن المنزل، وألفاظه المقروءة، ومعانيه، وعلم الله تعالى به، ضروريّ لتجنّب الخلط بين الحادث والقديم.
ويبرز موقف أهل البيت عليهم السلام في الدعوة إلى عدم تحويل هذه المسألة إلى جدال يفضي إلى الفتنة، والاكتفاء بأنّ القرآن كلام الله، مع التأكيد أنّ الله تعالى هو الخالق وما سواه مخلوق.


