الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: هي : علي وحيدر سُمّي بهما قبل الإسلام ، وبعده سُمّي بالمرتضى ، ويعسوب المؤمنين ، والأنزع البطين ، وأبي تراب ، وغيرها من الأسماء. وللمزيد من التفصيل حول أسمائه عليه السلام راجع كتاب بحار الأنوار (1). وحول تسميته عليه السلام بحيدر ، قال العلّامة المجلسيّ قدّس سره : « وكان اسمه الأوّل الذي سمّته به أُمّه حيدرة باسم أبيها أسد بن هاشم ، والحيدرة : الأسد ، فغيّر أبوه اسمه ، وسمّاه عليّاً. وقيل : إن حيدرة اسم كانت قريش تسميه به ، والقول الأوّل أصحّ ، يدلّ عليه خبره ، يوم برز إليه مرحب ، وارتجز عليه فقال : أنا الذي سمّتني أُمّي مرحباً ، فأجابه عليه السلام : « أنا الذي سمّتني أُمّي حيدرة » » (2). وحول تسميته بالمرتضى قال ابن شهرآشوب : « وفي خبر : إنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله سمّاه المرتضى ، لأنّ جبرائيل عليه السلام هبط إليه فقال : « يا محمّد ، إنّ الله تعالى قد ارتضى عليّاً لفاطمة ، وارتضى فاطمة لعلي » . وقال ابن عبّاس : كان عليّاً عليه السلام يتّبع في جميع أمره مرضاة الله ورسوله ، فلذلك سمّي المرتضى » (3). وحول تسميته بيعسوب الدين ، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال : « علي أوّل من آمن بي ، وأوّل من يصافحني يوم القيامة ، وهو يعسوب المؤمنين » (4). وقال النبيّ صلى الله عليه وآله : « يا علي أنت يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب الظالمين » . وحول تسميته بالأنزع البطين فقد ورد عن الرضا ، عن آبائه عليهم السلام قال : « قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : يا علي إنّ الله قد غفر لك ولأهلك ، ولشيعتك ومحبّي شيعتك ، ومحبّي محبّي شيعتك ، فأبشر فإنّك الأنزع البطين ، منزوع من الشرك ، بطين من العلم » (5). وحول تسميته بأبي تراب قال العلّامة المجلسيّ قدّس سرّه : « البخاريّ ومسلم والطبري وابن البيع وأبو نعيم وابن مردويه : إنّه قال بعض الأمراء لسهل بن سعد : سبّ عليّاً ، فأبى ، فقال : أمّا إذا أبيت فقل : لعن الله أبا تراب ، فقال : والله إنّه إنّما سمّاه رسول الله بذلك ، وهو أحبّ الأسماء إليه » (6). الهوامش 1. بحار الأنوار ٣٥ / ٤٥. 2. بحار الأنوار ٣٥ / ٤٥ ، وانظر الرواية في الإرشاد ١ / ١٢٧ ، شرح صحيح مسلم ١٢ / ١٨٥ ، فتح الباري ٧ / ٣٦٧ و ١٣ / ٣١٤ ، الطبقات الكبرى ٢ / ١١٢ ، تاريخ مدينة دمشق ٤٢ / ١٦ و ٩١ ، جواهر المطالب ١ / ١٧٩ ، ينابيع المودّة ٢ / ١٤٤ ، تاج العروس ٧ / ٨٥. 3. مناقب آل أبي طالب ٢ / ٣٠٤. 4. الأمالي للشيخ الطوسيّ : ١٤٨ ، تاريخ مدينة دمشق ٤٢ / ٤٢ ، أُسد الغابة ٥ / ٢٨٧ ، الإصابة ٧ / ٢٩٤ ، أنساب الأشراف : ١١٨ ، كشف الغمّة ٢ / ١٢ ، ينابيع المودّة ١ / ٢٤٤ و ٣٨٧. 5. عيون أخبار الرضا ١ / ٥٢.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: اوّلاً : ليس أشهد انّ علياً وليّ الله جزءً من الأذان والإقامة بل هو مستحب مطلقاً بعد ذكر الشهادتين ، ومن يذكره في الأذان والإقامة انّما يذكره بعنوان انّه مستحب مؤكّد لا بعنوان أنّه جزء الأذان ، كما نصلّي على النبيّ وآله حينما نقول « أشهد أنّ محمّداً رسول الله » حيث انّه يستحبّ الصلاة على رسول الله صلّى الله عليه وآله متى ما ذكر حتّى في الأذان والإقامة إذ ليس الأذان والإقامة مثل الصلاة ممّا لا يجوز فيه زيادة شيء آخر من الكلام الآدمي. ثانياً : هل كان النبي صلّى الله عليه وآله يقول في أذان الفجر « الصلاة خير من النوم » أم أنّ عمر بن الخطاب هو الذي أضافه على الأذان ؟ ثالثاً : الأحكام الشرعيّة كانت تدريجيّة ولم تشرّع دفعةً ، فلعلّ أشهد انّ عليّاً وليّ الله انّما شرع في الأذان بعد واقعة الغدير حيث قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : « من كنت مولاه فعليّ مولاه » ولم يشرع قبله إذ لم ينصب النبي صلّى الله عليه وآله عليّاً للولاية والإمامة قبل يوم الغدير على رؤوس الاشهاد ، وانّما كان يذكر ذلك في مواطن ومواضع خاصّة. ويشهد لذلك انّه روى في كتاب « السلافة في أخبار الخلافة » انّ سلمان ـ وهو الصحابي الجليل ـ قال في أذانه بعد واقعة الغدير « أشهد أنّ عليّاً وليّ الله » ، فشكاه بعض الصحابة إلى النبي صلّى الله عليه وآله ، فقال النبي صلّى الله عليه وآله : « سمعتم خيراً » ، ولعلّ النبيّ صلّى الله عليه وآله كان يقول ذلك في الأذان والإقامة لكن يد الخيانة والحقد والتعصّب أخفى ذلك. رابعاً : لعلّ النبي صلّى الله عليه وآله كان يرى مانعاً من الاجهار بقوله « أشهد انّ عليّاً وليّ الله » في الأذان والإقامة لأنّ القوم كانوا حديث عهد بالإسلام وكانت لديهم أحقاد بدريّة واُحديّة وحنينيّة تجاه أمير المؤمنين علي عليه السلام ، حيث قتل آباءهم وأبناءهم وإخوانهم وأبناء عشيرتهم في الحروب دفاعاً عن النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله والإسلام ، وكان النبي صلّى الله عليه وآله يخشى من ارتداد القوم أو اقدامه على قتله وقتل علي عليه السلام كما حصل ذلك في العقبة بعد أن نصب عليّاً عليه السلام للإمامة والولاية فأرادوا قتل النبي صلّى الله عليه وآله ونفروا جملة في العقبة.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: الآيات النازلة بشأن أمير المؤمنين عليه السلام كثيرة لا يمكن إحصاؤها إلّا بتأليف كتاب مفصّل ، وقد ألّف جماعة من علماء أهل السنّة كتباً تحتوي على الآيات النازلة بحقّ علي عليه السلام أو بحقّ أهل البيت عليهم السّلام ، مثل كتاب « شواهد التنزيل » للحاكم الحسكاني وكتاب « ما نزل في علي عليه السلام من القرآن » للحافظ أبي نعيم الاصفهاني ونحن نذكر أهمّ الآيات على نحو الإجمال : 1. سورة « هل أتى » نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين. 2. قوله تعالى : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) [ المائدة : 55 ] ، وقد أجمع المفسّرون واستفاضت الروايات من طرق الشيعة والسنّة انّ الآية نزلت في حقّ علي عليه السلام. 3. ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) [ الشورى : 23 ] ، هم علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام والأئمّة من ولد الحسين عليهم السلام. 4. ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ ... ) [ النجم : 1 ] ، روى أهل السنّة والشيعة انّ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم قال : « من سقط داره الكوكب فهو خليفتي من بعدي » . وقد سقط النجم في دار علي عليه السلام ، فقال المنافقون : انّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم غوى بحبّ ابن عمّه وليس قوله هذا الّا عن الهوى ، فنزل قوله تعالى : ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) [ النجم : 1 ـ 4 ] . 5. ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) [ المائدة : 67 ] ، والآية نزلت قبل غدير خم فامتثل النبي أمر الله تعالى بالتبليغ واعلن ولاية علي عليه السلام على رؤوس الاشهاد بقوله : « من كنت مولاه فهذا علي مولاه » . وقد روى السيوطي عن بعض الصحابة انّ الآية نزلت هكذا : « يا ايها الرسول بلغ ما انزل عليك من ربك أنّ علياً مولى المؤمنين الخ ». 6. ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ... ) [ المائدة : 3 ] ، نزلت بعد وافقه غديرخم أيّ بعد ما بلغ النبي ولاية علي عليه السلام في غديرخم. 7. قوله تعالى : ( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) [ الحاقة : 12 ] . قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « هي اذنك يا علي » . 8. ( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) [ الواقعة : 10 ـ 11 ] . وقد ورد ان السباق ثلاثة عمران ففي رواية عن ابن عباس قال : « سبق يوشع بن نون إلى موسى وسبق صاحب ياسين إلى عيسى وسبق علي إلى محمّد ». وفي حديث آخر من طرفنا السابقون السابقون أربعة ابن آدم المقتول وسابق اُمّة موسى عليه السلام وهو مؤمن آل فرعون وسابق اُمّة عيسى وهو حبيب النجّار والسابق في اُمّة محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو علي بن أبي طالب عليه السلام. 9. ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ الله ) [ التوبة : 19 ] ، نزلت في علي عليه السلام والعبّاس وشيبته ، فقال العبّاس : أنا أفضل لأنّ سقاية الحاجّ بيدي وقال شيبة : أنا أفضل لأنّ حجابة البيت بيدي ، وقال علي عليه السلام : « أنا أفضل فإنّي آمنت قبلكما وهاجرت وجاهدت » ، فرضوا برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فأنزل الله تعالى هذه الآية. 10. ( أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ ) [ السجدة : 18 ] ، نزلت في علي عليه السلام والوليد بن عقبة ، فعن ابن عبّاس : وقع بين علي بن أبي طالب وبين الوليد بن عقبة كلام ، فقال له علي : « يا فاسق » ، فردّ عليه ، فأنزل الله ( أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ ) . 11. ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ) [ المجادلة : 12 ] ، ولم يعمل بهذه الآية غير علي عليه السلام كما قال عليه السلام : « آية في كتاب الله ما عمل بها أحد من الناس غيري : النجوى كان لي دينار بعته بعشرة دراهم فكلّما أردت ان اُناجي النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم تصدّقت بدرهم ما عمل بها أحد قبلي ولا بعدي » . 12. ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا ) [ مريم : 96 ] ، نزلت في علي بن أبا طالب عليه السلام كما في تفسير الثعلبي وتذكرة الخواص سبط ابن الجوزي والدرّ االمنثور للسيوطي. 13. ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) [ البينة : 7 ] ، نزلت في علي عليه السلام كما في تفسير الدرّ المنثور وغيره. 14. ( وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ) [ محمد : 30 ] ، عن أبي سعيد الخدري قال ببغضهم علي بن أبي طالب [ كفاية الطالب ] . 15. ( إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) [ الأحزاب : 33 ] ، وحديث الكساء معروف والمشهور والآية نزلت حينما جلس النبي مع علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السّلام تحت الكساء. وعن اُم سلمة قالت : نزلت هذه الآية : ( إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) في رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وعلي وفاطمة والحسن والحسين. 16. قوله تعالى : ( وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ الله هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) [ التحريم : 4 ] ، وعن ابن عبّاس قال : صالح المؤمنين علي بن أبي طالب ، كما في الدر المنثور 6 / 244. وعن أسماء بنت عميس قالت : سمعت النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول : « وصالح المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام » . 17. ( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ) [ الزمر : 33 ] ، عن مجاهد قال : جاء به محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم وصدق به علي بن أبي طالب عليه السلام ، كما في تاريخ ابن عساكر وكفاية الطالب للگنجي وتفسير القرطبي وروى ذلك عن أبي هريرة كما في الدر المنثور 5 / 328. 18. ( أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ ) [ هود : 17 ] ، عن علي عليه السلام في حديث : « رسول الله (ص) على بينة من ربه وأنا الشاهد منه أتلوه وأتبعه ... » كما في ينابيع المودّة الدرّ المنثور. 19. قوله تعالى : ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) [ البقرة : 124 ] ، فعن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « أنا دعوة أبي إبراهيم ـ ثمّ قال : ـ فانتهت الدعوة إليّ وإلى علي لم يسجد أحد منّا لصنم قطّ فاتّخذني الله نبيّاً واتّخذ علياً وصياً » . كما في المناقب المغازلي الحديث 323. إلى غير ذلك من الآيات الشريفة.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: يقول بعض الناس انّه أكثر أحاديث الشيعة أكاذيب لأنّها ليست لها أسانيد موصلة إلى النبي صلّى الله عليه وآله بل هي موصلة إلى أحد الأئمّة عليهم السلام ففي كل حديث إنقطاع من فضلكم الجواب المقنع ؟ صحيح انّ أكثر الأحاديث عند الشيعة تنتهي إلى أحد الأئمّة المعصومين عليهم السلام ، لكنّ الأئمّة عليهم السلام هم ورثة علم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وقد أخذوا علومهم من آبائهم عن علي عليه السلام عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فكلّ ما يقوله الإمام الصادق عليه السلام أو الإمام الباقر عليه السلام فقد رواه عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فليس في الأحاديث المتّصلة إلى الأئمّة المعصومين عليهم السلام انقطاع أو إرسال بل هو مروي عن النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم ، ولنعم ما قال الشاعر : اذا شئت أن تبغي لنفسك مذهباً * ينجّيــك يوم الحشر من لهب النار فدع عنك قـول الشافعـي ومالـــك * واحمد والمنقـول عن كعب احبـــار ووال اُنــاســـاً قولهـــم وحديثهـــم * روى جدّنــا عن جبرئيل عن الباري فالحديث الذي يرويه علماؤنا بأسانيدهم إلى الإمام الصادق عليه السلام فهو في الحقيقة مروي عن الصادق عليه السلام ، عن أبيه محمد الباقر عليه السلام ، عن أبيه علي بن الحسين عليه السلام ، عن أبيه الحسين بن علي عليه السلام ، عن أبيه علي بن أبي طالب عليه السلام ، عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : « علّمني رسول الله ألف باب من العلم ينفتح من كلّ باب ألف باب » . وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في الحديث المتواتر الذي رواه أهل السنّة والشيعة جميعاً : « أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب » . هذا مضافاً إلى انّ الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم أمر الاُمّة بالتمسّك بالكتاب والعترة الطاهرة من بعده كما ورد في الحديث الشريف الذي رواه أهل السنّة بطرق متعدّدة فضلاً عن علماء الشيعة ، وهو حديث الثقلين المشهود والمعروف. قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً وانّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض » ، وهذا الحديث يدلّ على لزوم التمسّك بالعترة الطاهرة كما يجب التمسّك بالقرآن ولا يغني أحدهما عن الآخر ، وبذلك ظهر بطلان قول من قال : « حسبنا كتاب الله » . كما يدلّ على عصمة العترة الطاهرة عن الخطأ والنسيان والعقلة والاشتباه والكذب والافتراء لأنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم جعلهم عدلاً للقرآن وأمر بالتمسّك بهم لأجل حصول الهداية وعدم الوقوع في الضلال ، كما يدلّ على أنّه لابدّ ان يكون في كلّ عصر وزمان إمام معصوم من العترة الطاهرة يجب على الاُمّة التمسّك به ، أخذ معالم الدين منه وذلك لأنّه إذا لم يكن في كلّ عصر إمام من العترة الطاهرة لزم ان يفترق الكتاب عن العترة ، والحال أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال : « وانّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض » فالكتاب مع العترة والعترة مع الكتاب إلى يوم القيامة. والعجيب أنّ بعض الجاهلين أو المتجاهلين يدّعي أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أمر بالتمسّك بالكتاب والسنّة ويستند إلى مارواه مسلم في صحيحه : « انّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنّتي » والحال أنّ هذا الحديث شاذّ نادر لا يقاوم الأحاديث المرويّة بطرق كثيرة معتبرة بل متواترة اذا ضممنا طرق أهل السنّة إلى طرق الشيعة الدالّة على انّ النبي أمر بالتمسّك بالكتاب والعترة ، مضافاً إلى أنّه لو كان قوله : «كتاب الله وسنّتي » صادراً من النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فلا ينافى مع قوله : « كتاب الله وعترتي » المشهور بل المتواتر لأنّ العترة هم الذين يروون السنّة التي هي قول النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وفعله وتقريره فانّ أهل البيت عليهم السلام أدرى بالذي فيه. وعلى كل حال فالحديث الصادر عن أئمّة أهل البيت والعترة الطاهرة هي في الحقيقة صادرة عن النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم وحاكية للسنّة النبويّة الشريفة. وقد ورد عنهم عليهم السلام : « حديثنا حديث جدّنا » . ولذا نرى أنّ الإمام الرضا عليه السلام لما طلب منه علماء ومحدّثوا نيسابور أن يذكر لهم حديثاً قال : « حدّثني أبي موسى بن جعفر ، عن أبيه جعفر بن محمّد ، عن أبيه محمّد بن علي ، عن أبيه علي بن الحسين ، عن أبيه الحسين بن علي ، عن أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال الله تعالى : كلمة لا إله إلاّ الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي ـ ، ثمّ قال عليه السلام ـ بشروطها وأنا من شروطها » . وهذا الحديث يسمّى سلسلة الذهب في كلمات علماء أهل السنّة والشيعة. ـ بل عبّر بعض علماء السنّة حينما سئل ما هذا الاسناد ؟ قال : سعوط المجانين ، أيّ أنّ المجنون ببركة اسناد هذا الحديث يصير عاقلاً ان قرأ عليه هذا السند .
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: الآية التي تقول : ( لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) . لكل شيء منبع ، إلاّ الله لم يولد ولم يأت به أحد .. فكيف وجد ؟ انّما يقال لشيء كيف وجد ؟ إذا كان مسبوقاً بالعدم ثمّ عرض عليه الوجود ، لكنّ الله تعالى واجب الوجود ووجوده عين ذاته لأنّه خالق الموجودات ولا يعقل أن يكون له خالق وموجد ، بل كان موجوداً من الأزل فهو الأوّل والآخر والظاهر والباطن. وهذا نظير أن ترى في يدك دسومة فتقول كيف وجدت هذه الدسومة في اليد ؟ وقد يجاب بأنّها حصلت من الغذاء الدسم فتسأل كيف وجدت الدسومة في الغذاء فيجاب من الدهن وهنا ينقطع السؤال ولا يصح أن تسأل من أين جاءت دسومة الدهن ؟ وذلك لأنّ الدسومة من لوازم ذات الدهن ، بل ليس الدهن غير الدسومة ، وبالاصطلاح « كلّ ما بالعرض ينتهي إلى ما بالذات » فالوجود الحاصل للمخلوقات عارض عليها فلابدّ أن يكون له مصدر وهو الله تعالى حيث أفاض عليها بالوجود ، لكن الله تعالى وجوده ذاتي كالدسومة في الدهن ولا يصحّ أن يقال من أين وجد ؟ أو كيف وجد ؟ أو من أوجده ؟ فوجود لذاته بذاته في ذاته.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: ما هي دابّة الأرض ؟ دابّه ذكرت في القران في عدّة مواضع منها قوله : ( مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا ... ) و أنا أقصد الدابّه التي تخرج في آخر الزمان ؟ أمّا دابّة الأرض في قوله تعالى ( مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ ) [ سبأ : 14 ] فالمراد به الإرضة التي تأكل الخشب ونحوه. وامّا قوله تعالى ( وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ ) [ النمل : 82 ] فالظاهر أنّ الآية إشارة إلى تحقيق الرجعة في آخر الزمان وأنّه يرجع إلى هذا العالم أميرالمؤمنين علي عليه السلام والأئمة الأطهار عليهم السلام. ففي تفسير علي بن إبراهيم بسنده عن الإمام الصادق عليه السلام قال : « انتهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أميرالؤمنين عليه السلام وهو نائم في المسجد قد جمع رملاً ووضع رأسه عليه فحرّكه ثمّ قال : قم يا دابّة الله ، فقال لا والله ما هو إلا له خاصّه وهو الدابّة التي ذكر الله تعالى في كتابه ( وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ ) . ثمّ قال : يا علي إذا كان آخر الزمان أخرجك الله في أحسن صورة ومعك ميسم تسم به أعداءك » . فقال الرجل لأبي عبد الله عليه السلام انّ العامّة يقولون هذه الآية إنّما هي ( تكلّهم ) فقال أبو عبد الله عليه السلام : « كلّمهم الله في نار جهنّم انّما هو ( تكلّمهم من الكلام ) » . وفي الكافي عن الباقر عليه السلام قال : « قال أمير المؤمنين عليه السلام ولقد أعطيت الست علم البلايا والمنايا والوصايا وفصل الخطاب وإنّي لصاحب الكرات ودولة الدول وانّي صاحب العصا والميسم والدابّة التي تكلّم الناس » . وعن الصادق عليه السلام قال : « قال رجل لعمّار بن ياسر : يا أبا يقظان إنّ آية في كتاب الله أفسدت قلبي وشككتني. فقال وأيّة آية هي ؟ قال قوله عزّوجلّ ( وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ ... ) فأيّة دابّة هذه ؟ قال عمّار : والله ما اجلس ولا آكل ولا أشرب حتّى اُريكها. فجاء عمّار مع الرجل إلى أميرالمؤمنين عليه السلام وهو يأكل تمراً وزبداً ، فقال : يا أبا اليقظان هلمّ فاقبل عمّار وجلس يأكل معه فتعجّب الرجل فلمّا قال عمّار قال الرجل : سبحان الله انّك حلفت أن لا تأكل ولا تشرب ولا تجلس حتّى تُرينى الدابّة ؟ قال عمّار قد أريتكها ان كنت تعقل ». وعن أميرالمؤمنين عليه السلام : « انّه سئل عن الدابّة ، فقال :امّا والله ما لها ذَنَب وان لها للحيةً » . أقول : الدابّة في اللغة كل ما يدبّ ويمشي على الأرض سواء كان إنساناً أم حيواناً ، والآية الشريفة ظاهرة في أنّ هذه الدابّة لها عقل وفكر وشعور بحيث تكلّم الناس ، وبما انّ هذه الدابّة تخرج من الأرض فلا محالة يكون المراد انساناً يرجعه الله تعالى إلى الدنيا ، فيكون من آيات الله ومعجزاته فلا استبعاد في انطباقها على أميرالمؤمنين علي عليه السلام.
الجواب من محمد مهدي المؤمن: أظنّ أنّ هذا السؤال نابع من المقارنة الطبيعيّة ، والإقتران التلقائي الذي ارتكز في أذهان الشيعة الإماميّة بين الإجتهاد وعصر الغَيبة ، حيث عُدّ المجتهد بديلاً للإمام عليه السلام ، أيّ قائماً مقامه الشريف على نحو الجزئيّة وفي حدود بيان الأحكام فقط ، أو على نحو الإطلاق كما هو عند القائلين بولاية الفقيه المطلقة ، أو على نحو الولاية المتوسطة ، وهو كونها أمراً بين الأمرين السابقين ، كما عُدّ الإجتهاد ـ وهو استنباط الحكم الشرعي الظاهري ـ بديلاً عن الحكم الواقعي ، وحجّةً على المجتهد ومقلّديه قائماً مقام حكم المعصوم عليه السلام في كونه منجّزاً ومعذِّراً ، وقد أصبح المألوف في أذهاننا ، والمرتكز في نفوسنا ، ارتباط هذه الحقيقة بزمن الغَيبة ارتباطاً وثيقاً كاد أن ينفي وجود أيّ وجهٍ لجواز الإجتهاد في زمن حضور الإمام عليه السلام ، وهو أمر ليس بصحيح ؛ ذلك أنّ الإسلام حاله حال سائر الأديان السماويّة لا ينمو إلّا في ظروف طبيعيّة بعيداً عن المعجزات وخوارق الطبيعة إلّا في النادر من الحالات ، حيث تكون المعجزة إثباتاً للحقّ ، وإتماماً للحجّة ، أو إبقاء لصلب الدين ، وحفظاً لبضة الإسلام ، إذا توقّف الإبقاء والحفظ للبيضة والأساس على عمليّة الإعجاز ولم يتحقّقا بالأسباب الطبيعة. بعد هذه المقدّمة أقول : ومن الطبيعي المسلّم أنّ الإسلام حتّى في عهد المعصومين عليهم السلام لم يقتصر على مكّة والمدينة ، ولم ينحصر وجود المسلمين في المنطقة أو المدينة التي كان يقيم فيها الإمام عليه السلام ويقطنها ، بل كانوا ينتشرون في البلاد القريبة والبعيدة ، وفي أقصى البلاد وأدناها ، وكانوا يعلمون إجمالاً بوجود أحكام إلٰهيّة مطلوبة منهم في كلّ واقعة كلّية أو جزئيّة ، وصغيرة أو كبيرة ، فلا يخلو فعل من أفعالهم من حكم من الأحكام الخمسة ، إمّا يكون واجباً أو حراماً أو مستحبّاً أو مكروهاً أو مباحاً ، علاوة على علمهم بوجود عبادات وأفعال وموضوعات لها أحكام خاصّة بها لا تخلوا من أحد الأحكام الخمسة. إذن فبُعد المسافة التي كانت بين المسلمين وبين إمامهم ، وصعوبة الاتّصال بينهم وبينه ، ولبدائيّة طرق وأساليب المواصلات ، بالإضافة إلى علم المسلمين إجمالاً بوجود أحكام شرعيّة وأعمال عباديّة خاصّة ، وحتّى معاملاتيّة ، لها أحكامها وموازينها الشرعيّة ، حتّمت على المسلمين التماس وتحديد الطرق والوسائل الكفيلة ببيان هذه الأحكام وسهولة التوصّل إليها من قِبل الشارع الحكيم ، وحتّمت على إمام المسلمين أن يبادر إلى تلبية هذه الحاجة وسدّها تارة ، وإلى الاستجابة لالتماسهم وطلبهم في ذلك تارة اُخرى ، وكانت الوسيلة الفضلى لسدّ هذه الحاجة وتلبية هذه الرغبة هي التمسّك بالسيرة العقلائيّة من لزوم رجوع الجاهل إلى أهل الخبرة والعلماء ، وهذا الأمر لا يختصّ بزمن دون زمن ـ أعني لا يختصّ بزمن الغَيبة الكبرى ـ ؛ لأنّ الحاجة إلى معرفة الأحكام الشرعيّة موجودة ومورد للإبتلاء في كلّ زمان وكلّ مكان ؛ إذ وجود الإمام عليه السلام في المدينة المنوّرة أو في الكوفة مثلاً ، لا يمنع من وجود أحكام لأهل المدن والبلاد الاُخرى ، ولا يُسقط الأحكام عنهم ، وأمّا عجزهم عن الوصول إلى المعصوم عليه السلام لتلقّي الأحكام منه مباشرة ، أو ممّن سمعها منه ؛ للظروف الطبيعيّة أو الظروف غير الطبيعيّة المصطنعة ، بل قد تفوت المصلحة من الحكم في حال التأخير للوصول إلى المعصوم عليه السلام ، كلّ ذلك لم يُسقط التكليف عن المؤمنين ودفعهم إلى التماس طرق للخروج من هذا المأزق ، كما حمل المعصوم عليه السلام على تربية جيل من المجتهدين يقومون بحمل أعباء استنباط الحكم الشرعي وبيانه للناس ، وسدّ هذه الحاجة لهم ، فلا اختصاص للإجتهاد بزمن الغيبة الكبرى ، وإن كان فيه أوسع دائرة وأشدّ ابتلاءً. ولهذا رُوي عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام قوله : « مجاري الاُمور والأحكام على أيدي العلماء بالله ، الاُمناء على حلاله وحرامه » (1). وقال الإمام الصادق عليه السلام : « اُنظروا إلى مَنْ كان منكم قد روى حديثنا ، ونظر في حلالنا وحرامنا ، وعرف أحكامنا ، فارضوا به حاكماً ، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً ، فإذا حكم بحكمٍ فلم يُقبلْ به فإنّه بحكم الله استخفّ ، وعلينا ردَّ ، والرادّ علينا كافرٌ ، رادٌ على الله ، وهو على حدّ مَنْ أشرك بالله » (2). وفي رواية اُخرى : « الرادّ عليهم كالرادّ علينا ، والرادّ علينا كافر » (3). وقال عليه الصّلاة والسّلام أيضاً : « ولاية أهل العدل الذين أمر الله بولايتهم وتوليتهم وقبولها ، والعمل لهم فرضٌ من الله ، وطاعتهم واجبة ، ولا يحلّ لمن أمروه بالعمل لهم أن يتخلّف عن أمرهم » (4). وكما قال الإمام الحسن العسكري عليه السلام في الخبر المروي عنه : « أمّا من كان الفقهاء صائناً لنفسه ، حافظاً لدينه ، مخالفاً لهواه ، مطيعاً لأمر مولاه ، فللعوام أن يقلّدوه » (5). وهكذا جاء في الخبر المروي عن الإمام الحجّة عجّل الله تعالى فرجه الشريف : « وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا ، فإنّهم حجّتي عليكم ، وأنا حجّة الله » (6). وعن الإمام الصادق عليه السلام : « انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا ، ونظر في حلالنا وحرامنا ، وعرف أحكامنا ، فارضوا به ، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً ، فإذا حكم بحكمنا ولم يقبله منه فإنّما بحكم الله استخفّ ، وعلينا ردّ ، وهو رادٌّ على الله ، وهو على حدّ الشرك بالله ، فإذا اختلفا فالحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر » (7). والحمد لله ربّ العالمين الهوامش 1. مستدرك الشيعة ١٧ : ٢٠. تحف العقول : ٢٣٨. مستدرك الوسائل ١٧ : ٣١٦ ، ب ١١. بلغة الفقيه ٣ : ٢٣٠. بحار الأنوار ٩٧ : ٨٠. 2. السرائر ٣ : ٥٤٠. مختلف الشيعة ٤ : ٤٦٤. 3. وسائل الشيعة ١ : ٢٣. الاحتجاج ٢ : ١٠٦. بحار الأنوار ٢ : ٢٢١. 4. كشف اللثام ٢ : ٣٢١. مستدرك الوسائل ١٧ : ٢٤٠ و ٣١٢. 5. عوائد الأيام ـ النراقي : ١٩١. حصر الاجتهاد ـ الطهراني : ٥١. 6. عوائد الأيام : ١٨٧. مستند الشيعة ١٠ : ٤١٩. وسائل الشيعة ١٢ : ٨٧. 7. رسائل الكركي ١ : ١٤٣. جامع المدارك ٥ : ٤١٢. تحرير الأحكام ٢ : ١٨١ و ٢٠٨. مجمع الفائدة والبرهان ١٢ : ٩. الكافي ١ : ٦٨. تهذيب الأحكام ٦ : ٣٠١. الوسائل ٢٧ : ١٠٦ و ١٢٣. مقتبس من كتاب : [ كيف نفهم الرسالة العمليّة ] / الجزء : 2 / الصفحة : 23 ـ 28
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: في الأمور العقائديّة لا بدّ من تحصيل القطع واليقين بالأدلّة والبراهين ولا يجوز التقليد فضلاً عن وجوبه ، وذلك لأنّ الإعتقاد لا يتحقّق إلّا مع العلم وقول المجتهد لا يفيد العلم بل هو حجّة شرعيّة والقرآن الكريم يذمّ من كان عقيدته مبتنية على أساس التقليد والتعصّب ، ولذا قال الله تعالى ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) [ البقره : 256 ] بمعنى أنّه لا يتحقّق عقلاً الإكراه في العقيدة ، لأنّ الإنسان ما لم يعلم بصحّة عقيدته لا يتمكّن من الإعتقاد به وإذا أظهر اعتقاده من دون يقين وعلم فهو مجرّد لفظه ولقلقة لسان ، مضافاً إلى أنّ حجيّة التقليد إنّما ثبتت بالقرآن الكريم كقوله ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ) [ الأنبياء : 7 ] ، وبالروايات المعتبرة ومن المعلوم أن ذلك فرع الإعتقاد بوجود الله تعالى ووحدانيّته وبعثة الأنبياء والرسل والإذعان بصحّة الكتب السماويّة ومنها القرآن الكريم والإعتقاد بإمامة الأئمّة وكونهم حجج الله تعالى على الخلق ، فلا يمكن إثبات صحّة هذه الاُمور بالتقليد الذي لا يكون حجّة إلّا بعد الإعتقاد بصحّة هذه الاُمور ، وهذا يسمّى بالدور المستحيل لأنّ حجيّة التقليد تتوقّف على حجيّة القرآن الكريم مثلاً وهي تتوقّف على حجيّة التقليد إذ يريد أن يعتقد بالقرآن من جهة التقليد. نعم بعض الاُمور الإعتقاديّة التي ليست من اُصول الدين يمكن الإعتماد فيهما على الروايات المعتبرة أو التقليد إذا حصل العلم منه مثل الإعتقاد بالرجعة أو عالم البرزخ ونحو ذلك.
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: ينبغي أن يعلم أنّ الأُمور التكوينيّة التي تجري في العالم ، هي على قسمين : أحدهما : يكون السبب عمل الناس ، وإليه يشير قوله سبحانه : ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (1). والعذاب النازل على الأُمم السابقة يندرج في هذا الإطار ، وخروج الأولاد معاقين كثيراً ما يكون لأجل فعل آبائه ، ومعلوم أنّه لا يمكن أن يتحمّل الطفل وزر أبويه ، قال الله سبحانه : ( وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ) (2) ، ولكن بعض الأفعال القبيحة تصبح كالنار في إحراقها ، فلو ألقى أحد طفلاً في النار فهو يحترق جزماً ، وليس في ذلك ظلم من الله سبحانه عليه ، بل الظالم من ألقاه في النار ، فلو قطع أحد رقبة أحد ، فمقطوع الرقبة سوف يموت جزماً ، أو دسّ أحد سمّاً قاتلاً في طعام ، فالذي دسّ إليه السمّ سوف يموت حتماً ، وليس في ذلك ظلم من الله سبحانه ، بل الظالم هو قاطع الرقبة ، والذي دسّ إليه السمّ. وخروج الأطفال معاقين في معظم الأحيان لأجل سوء عمل الأبوين عند المواقعة ، أو لشرب بعض الأدوية ، أو غيرها من الأسباب التي أشار إليها الرسول صلّى الله عليه وآله في النصيحة التي قدّمها إليها بواسطة الإمام علي عليه السلام ، وليس في ذلك ظلم من الله سبحانه والعياذ بالله على أحد ، وهذا كلّه في القسم الأوّل. ثانيهما : الحوادث التي تحدث في العالم قد قدّرت ونظّمت ، ورتّبت طبق اقتضاء الحكمة البالغة ، وتلك الحكمة هي التي تتحكّم ، بأنّ يولد لأحد ولد وللآخر تولد البنت ، والأعمار تقدّر تحت هذه الحكمة الإلهيّة ، التي تكون ضمن الآجال الحتمية ، ويدخل تحت هذا أن يكون شخص من ذرّية رسول الله صلّى الله عليه وآله ، والآخر من ذرّية شخص آخر ، ويدخل في هذا الإطار ، وفي هذا القسم وجود معاقين من صلب أبوين شريفين ملتزمين بجميع نصائح النبيّ صلّى الله عليه وآله ، وأوامر الشريعة الغرّاء ، ويكون في هذا البلاء وامتحان للمعاق ولغيره. إنّ المقادير تجري كما قدّرها الله سبحانه ، ولا راد لقضائه ، ولا مبدّل لحكمه ، ولا تدرك عقولنا مغزى الحكمة ، وليس يدخل ذلك في الظلم ، لأنّ الظلم هو وضع الشيء في غير محلّه ، والله لا يفعل ذلك ، والصابر على قضاء الله مأجور ، والجازع مأزور ، كما ورد في بعض الروايات ، وإلى هذا المعنى يشير الإمام الحسين عليه السلام في بعض كلماته : « لا محيص عن يوم خطّ بالقلم ، رضى الله رضانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ، ويوفّينا أُجور الصابرين ... » (3). وقد روى الشيخ الصدوق بسنده عن جابر بن يزيد الجعفي قال : « قلت : لأبي جعفر محمّد بن علي الباقر عليهما السلام : يا ابن رسول الله ، أنا نرى من الأطفال من يولد ميّتاً ، ومنهم من يسقط غير تامّ ، ومنهم من يولد أعمى ، أو أخرس ، أو أصمّ ، ومنهم من يموت في ساعته إذا سقط على الأرض ، ومنهم من يبقى إلى الاحتلام ، ومنهم من يعمّر حتّى يصير شيخاً ، فكيف ذلك وما وجهه ؟ فقال عليه السلام : « إنّ الله تبارك وتعالى أولى بما يدبّره من أمر خلقه منهم ، وهو الخالق والمالك لهم ، فمن منعه التعمير فإنّما منعه ما ليس له ، ومن عَمّرَهُ فإنّما أعطاه ما ليس له ، وهو المتفضّل ما أعطاه ، وعادل فيما منع ، ولا يُسأل عمّا يفعل ، وهم يسألون » . قال جابر : فقلت : يا ابن رسول الله ، وكيف ولا يسأل عمّا يفعل ؟ قال عليه السلام : « لأنّه لا يفعل إلّا ما كان حكمة وصواباً ، وهو المتكبّر الجبّار ، والواحد القهّار ، فمن وجد في نفسه حرجاً في شيء ممّا قضى الله فقد كفر ، ومن أنكر شيئاً من أفعاله جحد » » (4). الهوامش 1. الروم : 41. 2. الأنعام : 164. 3. مثير الأحزان : 29. 4. التوحيد : 397.
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: لا يخفى عليكم أنّ السبب في خروج أطفال مصابين إلى الحياة الدنيا هو بفعل الأبوين لا بفعل الله تعالى حتّى يخلّ بعدله تعالى ، وذلك بسبب سوء تغذيتهما أو بسبب اعتيادهما بعض الأُمور المضرّة ، وما إلى ذلك من ارتكاب ما حرّم الله تعالى في النكاح والمأكل والمشرب و ... . ويتجلّى لنا العدل الإلهي في هؤلاء المصابين حينما نسمع أنّه تعالى يرفع عنهم التكليف الشاقّ ويعوّضهم برحمته الثواب الجزيل ، فيعطي للمتألّم عوضاً لتألّمه وابتلائه من الأجر ما يكون أنفع بحاله. روى الشيخ الصدوق قدّس سرّه عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال : « كان فيما أوحى الله عزّ وجلّ إلى موسى عليه السلام ، أن يا موسى ما خلقت خلقاً أحبّ إليّ من عبدي المؤمن ، وإنّما أبتليه لما هو خير له ، وأعافيه لما هو خير له ، وأنا أعلم بما يصلح عليه أمر عبدي ، فليصبر على بلائي ، وليشكر نعمائي ، وليرض بقضائي ، أكتبه في الصدّيقين عندي ، إذا عمل برضائي فأطاع أمري » . [ التوحيد ، الصفحة : 405 ]
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: لابدّ لمن يريد أن يقنع الآخرين على عقيدة ما ـ كالعقيدة بوجود الله تعالى ـ أن يكون على مستوى عال من المعرفة والثقافة بتلك العقيدة ، حتّى يمكنه أن يؤثّر ويقنع ، كما له القوّة على ردّ الشبهات والاعتراضات الواردة حول هذه العقيدة التي يريد طرحها. فباعتبار أنّ المادّي لا يؤمن بالأدلّة النقليّة من الكتاب والسنّة على وجود الله تعالى ، فلابدّ من ذكر الأدلّة العقليّة التي يؤمن بها ، الدالّة على وجوده تعالى ، وبعد الإيمان بوجوده تعالى ، حينذاك يمكن أن نثبت له من خلال الأدلّة النقليّة والعقليّة على وجود الحياة البرزخيّة ، والحياة الأخرويّة. وتعميماً للفائدة ، نذكر لكم ما كتبه أحد المؤمنين في هذا المجال : يقول المادّيون : لا إله ، فمن الموجد ؟ أنّا نرى الأبناء يولدهم الآباء ، ونرى النبات تنبته الشمس والماء والتربة ، ونرى الحيوان يخلق من حيوانين ، و ... أمّا قبل ذلك فلم نر شيئاً ، فإنّ العمر لم يطل من قبل ... إذاً كلّ قول يؤيّد الإله ، ويؤيّد عدم الإله ، يحتاج إلى منطق غير حسّي . المادّي الذي يقول : لا إله ، يحتاج إلى الدليل . والمؤمن الذي يقول : الله تعالى يحتاج إلى برهان . لكن الأوّل لا دليل له ، فإنّ العين لم تر الإله ، أمّا أنّها رأت عدمه فلا ، وكذا الأذن ، واللمس ، وغيرها ... . ومن الهراء : أن يقول أحد : إنّ الصناعة الحديثة دلّت على عدم الإله ؟ هل القمر الاصطناعي يدلّ على عدم الإله ؟ هل الذرّة تدلّ على عدم الإله ؟ هل الكهرباء والصاروخ والطائرة تدلّ على عدم الإله ؟ القمر الاصطناعي ليس إلّا كالسكين الحجري ـ الذي يقولون عنه : ـ صنعه الإنسان البدائي ، لا يرتبط هذا ولا ذاك بالإله نفياً أو إثباتاً . ولنا أن نقول : نفرض أنّ الإله موجود ، فما كان حال القمر الاصطناعي ؟ بل : القمر الاصطناعي الذي يصرف عليه ملايين ، ويجهد في صنعه ألوف من العلماء ، ثمّ لا ينفع إلّا ضئيلاً أدلّ على وجود الإله ، إذ كيف هذا له صانع ، وليس للقمر المنير صانع ؟ إنّ من يطلب منّا الإذعان بعدم الإله للكون ، ثمّ هو لا يذعن بعدم الصانع للطائرة ، مثله كمن يطلب من شخص أنّ يقول بعدم بانٍ لقصر مشيّدة ، ثمّ هو لا يقول بعدم صانع لآخر . عالم وملحد : قال الملحد : الحواس خمس : الباصرة ، السامعة ، الذائقة ، اللامسة ، الشامّة ، وكلّ شيء في العالم لابدّ وأن يدرك بإحدى هذه الحواس : فالألوان ، والأشكال ، والحجوم ، تدرك بالباصرة . والأصوات ، والألحان ، والكلام ، تدرك بالسامعة . والطعوم ، والمذوقات ، والأطعمة ، تدرك بالذائقة . والخشونة ، واليبوسة ، والرطوبة ، والحرارة ، تدرك باللامسة . والروائح ، والمشمومات ، والعطريّات ، تدرك بالشامّة . فمن أين نثبت وجود الله ؟ والحال أنّا لم نره ، ولم نسمع صوته ، ولم نذق طعمه ، ولم نلمس جسمه ، ولم نشمّ ريحه . فصنع العالم كرتين ، إحداهما من حديد ، والأُخرى من خشب ، وصبغهما ، ثمّ أتى بهما إلى الملحد ، وقال : أنا أخبرك بأنّ إحدى هاتين الكرتين حديد ، والأُخرى خشب ، أنظر وعيّن ؟! نظر الملحد ، وعجز عن التعيين بالنظر . قال العالم : فأصغ وعيّن ؟ أصغى الملحد ، وعجز عن التعيين بالسمع . قال العالم : ذق وعيّن ؟ ذاق الملحد ، وعجز عن التعيين باللسان . قال العالم : اشمم وعيّن ؟ شمّ الملحد ، وعجز عن التعيين بالأنف . قال العالم : ألمس وعيّن ؟ لمس الملحد ، وعجز عن التعيين باللمس . ثمّ وضعهما العالم في يد الملحد ، وحينذاك أدرك أنّ الأثقل الحديد ، فقال : هذا هو الحديد ، وهذا الأخفّ هو الخشب . قال العالم : من أخبرك أنّ الأثقل الحديد ، والأخفّ الخشب ؟ قال الملحد : عقلي هو الذي أرشدني إلى ذلك . قال العالم : فليست المعلومات منحصرة بالحواس الخمس ، وإنّ للعقل حصّة مهمّة من العلوم ، والله تعالى الذي نقول به إنّما هو معلوم للعقل ، وان لم يكن مدركاً للحواس . فانقطع الملحد ، ولم يحر جواباً !! طالب وزميل : قال الطالب : لا وجود لله إطلاقاً . الزميل : من أين تقول هذا ؟ ومن علّمك ؟ الطالب : أمّا من علّمني ؟ فما أنت وهذا ؟ وأنّا لا أتحاشى من أن أقول : إنّ المدرسة هي التي أوحت إليّ بهذه الفكرة ، وإنّي جدّاً شاكر لها ، حيث أنقذتني من التقاليد إلى سعة العلم . وأمّا من أين أقول ؟ فلأنّي لم أر الله ، وكلّ غير مرئي لا وجود له . الزميل : إنّي لا أريد أن أناقشك في دليلك الآن ، لكن أقول : هل أنت ذهبت إلى الكواكب ؟ هل أنت ذهبت إلى القطب ؟ هل أنت ذهبت إلى قعر البحار ؟ الطالب : كلّا ! الزميل : فإذا قال لك قائل : إنّ الله تعالى في الكواكب ، أو في قعر البحر ، أو في القطب ، فبماذا كنت تجيبه ؟ الطالب ، فكّر ملياً !! ولم يحر جواباً . فقال الزميل : إنّ من الجهل أن ينكر الإنسان شيئاً لم يره ، أو لم يسمع به ، وأنّه لجهل مفضوح . كان بعض الناس قبل اختراع السيّارة والطائرة ، والراديو والتلفون ، والكهرباء والتلفزيون ، إذا سمعوا بها أقاموا الدنيا وأقعدوها إنكاراً على من يقول ، واستهزاءً به ، وكانوا يجعلون كلامه مثار ضحك وسخريّة !! فهل كان لهم الحقّ في ذلك ؟ إنّهم كانوا يقولون : لم نر هذه الأشياء . وأنت مثلهم تقول : لم أر الله . الطالب : أشكرك جدّاً على هذه اللفتة العلميّة ، وإنّي جدّاً شاكر لك ، حيث أخرجتني عن خرافة غرسها في ذهني معلّم جاحد منذ دخلت المدرسة ، وهي : إنّ الله حيث لم نره يجب علينا إنكاره ، والآن فهمت الحقيقة . مؤمن ومنكر : كان علي وجميل يتناظران في وجود الله تعالى ، فكان علي يسرد الأدلّة على الإثبات ، وجميل يردّها ، أو لا يقبلها . ولما طالت المجادلة بينهما ، قال علي : إنّ في جارنا رجلاً من علماء الدين ، اسمه أحمد ، فهيا بنا نذهب إليه ونجعله الحكم فيما بيننا . قبل جميل مقالة علي ولكن بإكراه ، لأنّه كان يزعم أن لا حجّة لمن يقول بوجود الله إلّا التقليد ، وذهبا معاً إلى دار العالم للقضاء بينهما ، وبعد أن استقرّ بهما المجلس . قال العالم : خيراً ؟ جميل : إنّي وصديقي علي نتباحث حول وجود الله ، ولم يتمكّن علي من الإثبات ، أو بالأحرى : أنا لم أقتنع بأدلّته ، فهل الحقّ معي أم معه ؟ وأقول ـ قبل كلّ شيء ـ : إنّي لا أقتنع بالقول المجرّد ، وإنّما أريد الإثبات ، مع العلم أنّي خرّيج مدرسة فلسفيّة عالية ، لا أقبل شيئاً إلّا بعد المناقشة والجدال ، وأن يكون محسوساً ملموساً . أحمد : فهل لك في دليل بسيط ، وبسيط جدّاً تقتنع به ، بدون لفّ ودوران . جميل : ما هو ؟ هات به ، وإنّي أنتظر مثل هذا الدليل منذ زمان !! أحمد : إنّي أخيّرك بين قبول أحد هذه الشقوق الأربعة ، فاختر إحداها : إنّك موجود بلا شكّ ، فهل : 1 ـ أنت صنعت نفسك ؟ 2 ـ أم صنعك شيء جاهل عاجز ؟ 3 ـ أم صنعك شيء عالم قادر ؟ 4 ـ أم لم يصنعك شيء ؟ فكّر جميل ساعة بماذا يجيب : هل يقول : أنا صنعت نفسي بنفسي ، وهذا باطل مفضوح ! أم يقول : صنعني شيء جاهل ؟ وهذا أيضاً مخالف للحقيقة ، فإنّ التدابير المتّخذة في خلق الإنسان فوق العقول ، فكيف يركّب هذه الأجهزة بهذه الكيفيّة المحيّرة ، شيء جاهل ؟! أم يقول : لم يصنعني شيء ؟ وهو بيّن البطلان ، فإنّ كلّ شيء لابدّ له من صانع . أم يعترف بأنّه مصنوع لشيء عالم وقادر ، وحينئذ ينهار كلّ ما بناه من الأدلّة ـ المزعومة ـ لعدم وجود الله تعالى . وبعد فكر طويل ، رفع رأسه وقال : لابدّ لي من الاعتراف ، بأنّي مصنوع لعالم قدير . أحمد : ومن هو ذلك العالم القدير ؟ جميل : لا أدري . أحمد : ولكن ذلك واضح معلوم . لأنّ من صنعك ليس من البشر ، فإنّ البشر لا يقدرون على خلق مثلك ، ولا من الجمادات ، فانّ الجماد لا عقل له ، إذاً : هو الله تعالى . علي : هل قنعت يا جميل بهذا الدليل ؟ جميل : إنّه دليل قوّي جدّاً ، لا أظنّ أحداً يتمكّن من المناقشة فيه ، وإنّي شاكر لك وللعالم أحمد . معلم وتلميذ : ذهب جماعة من الطلّاب إلى مدرسة إلحادية ، وفي اليوم الأوّل من الدوام حضروا الصفّ ، وكان في الصفّ منضدة عليها تصوير أحد زعماء الملحدين . فجاء المعلم ، وقال للطلّاب : هل لكم عين ؟ وأين هي ؟ وهل لكم أذن ؟ وأين هي ؟ وهل لكم أيدٍ وأرجل ؟ وأين هي ؟ قال الطلّاب : نعم ، لنا أعين وأذن وأيد وأرجل ، وهي هذه ، وأشاروا إلى هذه الأعضاء . قال المعلّم : وهل ترون هذه الأعضاء وتحسّون بها ؟ قال الطلّاب : نعم ، نراها ونلمسها . قال المعلّم : وهل ترون هذا التصوير على المنضدة ؟ قالوا : نعم ، نراه . قال المعلّم : وهل ترون المنضدة وسائر ما في الغرفة ؟ قالوا : نعم ، نراها . وهنا انبرى المعلم قائلاً : وهل ترون الله ؟ وهل تحسّون به ؟ قالوا : لا ، لا نرى الله ولا نلمسه . قال المعلّم : فهو إذاً خرافة تقليديّة . إنّ كلّ شيء في الكون نحسّ به ونراه ، أمّا ما لا نراه ولا نحسّ به ، فهو خطأ ، يلزم علينا أن لا نعترف به ، وإلّا كنّا معتقدين بالخرافة . وهنا قام أحد التلاميذ ، وقال : اسمح لي أيّها الأُستاذ بكلمة ؟ المعلّم : تفضّل . التلميذ : أيّها الزملاء أجيبوا على أسئلتي . الزملاء : سل . التلميذ : أيّها الزملاء هل ترون المعلّم ؟ هل ترون الصورة الموضوعة على المنضدة ؟ هل ترون المنضدة ؟ هل ترون الرحلات ؟ الزملاء : نعم ، نرى كلّ ذلك . التلميذ : أيّها الزملاء هل ترون عين المعلّم ؟ هل ترون أذن المعلّم ؟ هل ترون وجهه ؟ هل ترون يده ورجله ؟ الزملاء : نعم نرى كلّ ذلك . التلميذ : أيّها الزملاء هل ترون عقل المعلم ؟ الزملاء : كلّا ! لا نرى عقله . التلميذ : فالمعلّم إذاً لا عقل له ، فهو مجنون حسب مقالته ، لأنّه قال : كلّ ما لا يراه الإنسان فهو خرافة ، يجب على الإنسان أن لا يعترف به ، وأنّا لا نرى عقل المعلم ، فهو إذاً لا عقل له ، ومن لا عقل له يكون مجنوناً . وهنا ألقم المعلّم حجراً ، واصفرّ وجهه خجلاً ، ولم ينبس ببنت شفة ، وضحك الطلّاب . آينشتاين يعترف : تحاكم جماعة من المادّيين إلى آينشتاين ليروا رأيه بالنسبة إلى الله تعالى ؟ فأجاز لهم أن يمكثوا عنده 15 دقيقة ، معتذراً بكثرة أشغاله ، فلا يتمكّن أن يسمح لهم بأكثر من هذا الوقت . فعرضوا عليه سؤالهم ، قائلين : ما رأيك في الله ؟ فأجاب قائلاً : ولو وفّقت أن أكتشف آلة تمكّنني من التكلّم مع الميكروبات ، فتكلّمت مع ميكروب صغير ، واقف على رأس شعرة من شعرات رأس إنسان ، وسألته : أين تجد نفسك ؟ لقال لي : إنّي أرى نفسي على شجرة رأس شاهقة ! أصلها ثابت وفرعها في السماء . عند ذلك أقول له : إنّ هذه الشعرة التي أنت على رأسها ، إنّما هي شعرة من شعرات رأس إنسان ، وإنّ الرأس عضو من أعضاء هذا الإنسان ، ماذا تنظرون ؟ هل لهذا الميكروب المتناهي في الصغر : أن يتصوّر جسامة الإنسان وكبره ؟ كلّا ! إنّي بالنسبة إلى الله تعالى لأقلّ وأحطّ من ذلك الميكروب بمقدار لا يتناهى ، فأنّى لي أن أحيط بالله الذي أحاط بكلّ شيء ، بقوى لا تتنامى ، وعظمة لا تحدّ ؟ فقام المتشاجرون من عند آينشتاين ، وأذعنوا للقائلين بوجود الله تعالى .
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: لكل شيء منبع إلا الله لم يولد ولم يأت به أحد ، فكيف وجد ؟ انما يقال لشيء كيف وجد ؟ إذا كان مسبوقاً بالعدم ثمّ عرض عليه الوجود ، لكن الله تعالى واجب الوجود ووجوده عين ذاته لأنّه خالق الموجودات ولا يعقل أن يكون له خالق وموجد ، بل كان موجوداً من الأزل فهو الأوّل والآخر والظاهر والباطن. وهذا نظير أن ترى في يدك دسومة فتقول كيف وجدت هذه الدسومة في اليد ؟ وقد يجاب بأنّها حصلت من الغذاء الدسم فتسأل كيف وجدت الدسومة في الغذاء فيجاب من الدهن وهنا ينقطع السؤال ولا يصح أن تسأل من أين جاءت دسومة الدهن ؟ وذلك لأنّ الدسومة من لوازم ذات الدهن ، بل ليس الدهن غير الدسومة ، وبالاصطلاح « كلّ ما بالعرض ينتهى إلى ما بالذات » فالوجود الحاصل للمخلوقات عارض عليها فلابدّ أن يكون له مصدر وهو الله تعالى حيث أفاض عليها بالوجود ، لكن الله تعالى وجوده ذاتي كالدسومة في الدهن ولا يصحّ أن يقال : من أين وجد ؟ أو كيف وجد ؟ أو من أوجده ؟ فوجود لذاته بذاته في ذاته.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: في حال كون الإرادة تكوينيّة والعصمة إجباريّة فأيّ فضيلة لآل محمّد عليهم السلام ؟ اولاً : الإرادة التكوينيّة من الله تعالى لا تتعلّق بالأفعال الصادرة من الإنسان بإختياره وإرادته بل أراد الله تعالى أن يكون الإنسان حرّاً في تصرّفاته وأن يعمل أعماله بمحض إرادته واختياره ، فالعمل الصادر من الإنسان أمر إختياري ولم تتعلّق إرادة الله تعالى بذلك العمل وإلا لزم الجبر فيبطل الثواب والعقاب والهداية والإرشاد وبعثة الأنبياء والرسل ، فلا ربط لإرادة الله تعالى في الطاعات أو المعاصي الصادرة من الإنسان. نعم أراد الله تعالى أن يكون الإنسان مختاراً وأن يصدر الفعل منه بإختياره وهذا المعنى يستلزم أن لا يكون الإنسان مجبوراً في أفعاله وأعماله. ثانياً : العصمة ليست إجباريّة بل هي حالة في النفس تجعل الإنسان يختار الطاعة ويترك المعصية بإختياره وهذه الحالة مستندة إلى العلم الكامل بعظمة الله تعالى ولزوم طاعته وقبح مخالفته مضافاً إلى العلم الكامل يقبح الذنوب والمعاصي ووجود المفاسد الدنيويّة والاُخرويّة فيها ، مضافاً إلى الخوف والخشية من الله تعالى ومن عذابه وانتقامه ، نعم تحتاج العصمة إلى توفيق من الله وتسديد لكي يرتب الإنسان الآثار على علمه وخوفه ولكن هذا التوفيق والتسديد ليس علّة لصدور أعماله بل هو بمنزله رفع المانع من تأثير المقتضى ، فالمعصوم يترك الذنوب وقبح مخالفة الله تعالى ولا دخل لإرادة الله تعالى التكوينيّة في العصمة إلا بمقدار التوفيق والتشديد الذي هو رفع المانع من تأثيره إرادة العبد واختياره في فعل الطاعة. فعصمة الأنبياء والرسل تختلف عن عصمة الملائكة فانّ الملائكة مجبولون ومجبورون على الطاعة والعبادة ولكن الأنبياء والرسل والأئمّة عليهم السلام ليسوا مجبورين ، بل خلقهم الله بنحو يكونون مختارين في أعمالهم كسائر البشر لكنّهم لأجل علمهم الكامل بعظمة الله وخوفهم الشديد من سطوة الله تعالى وعلمهم بقبح ومفاسد الذنوب يتركون المعاصي باختيارهم كما انّ من يرى النار المحرقه بعينه لا يمدّ إليها لعلمه المحسوس بانّه سوف يحترق لو اقترب منها.
الجواب من السيد جعفر مرتضى العاملي: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد .. فإنّ رسول الله قد جمع القرآن قبل وفاته .. وكان الكثيرون من الصحابة يكتبون ما يحصلون عليه من السور القرآنيّة التي كانت تنزل تدريجاً فتكونت لديهم مصاحف خاصّة بهم كانوا يقرأون فيها. وبعد وفاة النبي صلّى الله عليه وآله ، رفض أصحاب السلطة القبول بمصحف الرسول صلّى الله عليه وآله ، الذي جاءهم به أمير المؤمنين عليه السلام ؛ لأنّهم خافوا ممّا كان النبي صلّى الله عليه وآله ، قد أثبته فيه من التفسير لآياته والتأويل لها ، أو بيان شأن نزولها ، أو غير ذلك .. ولم يكونوا ـ أعني الهيئة الحاكمة ـ قد جمعوا لأنفسهم مصحفاً على ما يظهر ، فطلبوا من زيد بن ثابت فجمع لهم مصحفاً. واستمرّ الناس يقرؤون في ما لديهم من مصاحفه بلهجاتهم ، وحسب ما أثبتوه فيها ، حيث لم يكن لها ترتيب واحد ، من حيث تسلسل السور ، مع رداءة خطوطها ، وبدائيّة تلك الخطوط ، واختلاف في تصوير الكلمات في تلك المصاحف .. وقد أدرك حذيفة بن اليمان قائد جيوش السلطة في حروبها مع أهل فارس خطورة الموقف ، ورأى اختلاف اللهجات ، واختلاف ترتيب المصاحف ، وما إلى ذلك فشكا ذلك إلى عثمان ، فشاور عثمان أهل الرأي ، فكانت النتيجة هي أنّه كتب نسخة واحدة من المصاحف أرسلها إلى الأقطار ، لتكون هي المرجع ، والمعتمد لهم في كتابة مصاحفهم ، وترتيبها ، ووحدة القراءة لها .. وقد صوبه أمير المؤمنين عليه السلام ، في فعله هذا ، وأخبر أنّه لم يفعل ذلك إلّا عن ملأ منهم. وأنّه لو ولِّي لفعل مثل الذي فعل (1). ورغم أن عثمان قد أصاب في جمعه الناس على قراءة واحدة ، ولكنّه أخطأ حين بادر إلى حرق المصاحف التي جمعها .. لأنّ إحراق المصاحف مرفوض من الناحية الشرعيّة .. وعلى كلّ حال ، فإنّ ابن مسعود ، أبى أن يسلم مصحفه إلى عثمان ، وتبعه على ذلك جماعة آخرون .. وأمّا مصحف الإمام علي عليه السلام ، فهو مصحف رسول الله صلّى الله عليه وآله ، الذي لم يستطع الناس أن يصلوا إليه بعد أن رفضت السلطة اعتماده .. وأمّا ترتيب الآيات في السور فقد ذكرنا في كتابنا : « حقائق هامة حول القرآن الكريم » وفي كلامنا عن السبب في تقديم آية: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) .. على آية : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) .. في كتابنا : « مختصر مفيد الجزء الرابع » .. أنّ ذلك كان من قبل الله ورسوله .. وأنّ أحداً لم يتصرّف في الآيات بشيء .. وأمّا بالنسبة لآية التطهير ، فإنّها أيضاً لم تنقل من مكانها الأصلي .. ولو أنّها نقلت لفسد المعنى .. فراجع كتابنا : « أهل البيت في آية التطهير » .. والحمد لله ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين .. الهوامش 1. راجع : البرهان في علوم القرآن ج 1 ص 240 و 235 وتفسير القرآن العظيم ج 4 « الخاتمة » ص 11 وغرائب القرآن ، بهامش الطبري ج 1 ص 24 وتاريخ القرآن للزنجاني ص 68. وسنن البيهقي ج 2 ص 42 ومناهل العرفان ج 1 ص 255 و 275 ، وراجع : سعد السعود ص 278 وإرشاد الساري ج 7 ص 448 والإتقان ج 1 ص 59 و 60 والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 1 ص 54 والفتنة الكبرى ج 1 ص 183 وتاريخ القرآن للأبياري ص 111 ، وكنز العمال ج 2 ص 370 و 373 عن الصابوني في الماءتين ، وعن ابن أبي داود ، وابن الأنباري ، والحاكم ، والبيهقي ، وبحوث في تاريخ القرآن وعلومه ص 163. والكامل في التاريخ ج 3 ص 112. والتمهيد ج 1 ص 288 و 289 والنشر في القراءات العشر ج 1 ص 8 و 33 ومباحث في علوم القرآن ص 138 وراجع فتح الباري ج 9 ص 16. المصدر : موقع سماحة السيّد جعفر مرتضى العاملي