السيّد جعفر علم الهدى | الجواب: إذا كان الله تعالى عادل فلماذا نجد بعض المعوّقين فاقدي بعض الحوائج ـ من فاقدي البصر وغيرها ـ اليتنافر هذا مع العدل الإلهي ؟ لا يتنافي ذلك مع العدل الالهي ، لأنّ الله تعالى جرت حكمته على أن يتحكم في الكون قانون العليّة المعلوليّة كما اشتهر : ( أبى الله ان يجري الامور الاّ باسبابها ) ، فالشخص الذي حصل له عاهة أو عيب أو فقد عضو أو فقد حاسّة من الحواس لم يحصل ذلك بلا سبب ولا علّة ، بل هناك علل وأسباب طبيعيّة لهذه الاُمور فالمسئول عن وقوع هذه العيوب والنقائص هي تلك الأسباب الطبيعيّة التي اقتضت حكمة الله تعالى وعدله أن تؤثّر في نتائجها ومعولاتها ، فمن احترق بسبب النار التي أوقدها وحصل به عاهة لا يمكنه أن يعترض على الله تعالى ويقول لماذا جعل الله النار محرقة حتى تحرقني ، وذلك لأنّ نظام الكون يتوقّف على وجود النار وعلى تسبيبها الحرارة والاحتراق ، وهكذا لو ولدا الولد أعمى بسبب عدم مراعاة الوالدين بعض الجهات الصحيّة أو العلل الطبيعيّة فليس للولدان يعترض على الله تعالى لماذا أخلقتني أعمى ؟ بل له ان يعترض على والديه لعدم مراعاتهما الجهات الصحيّة ونحوها. نعم إذا صبر الانسان على النقص أو العيب فالله تعالى يعطيه الأجر والثواب في الآخرة عوضاً عمّا لحق به من المكروه في الدنيا أو يكون ذلك كفّارة لبعض ذنوبه ، بل قد يكون ابتلاؤه بالعاهات والنقائص بسبب ما ارتكبه من الذنوب والمعاصي التي هي في الحقيقة علل طبيعيّة لتلك العاهات لكن لا يعلم بذلك المقدّم عليها. ثم انه ينبغي ان يعلم انّ الاُمور التكوينيّة التي تجري في العالم على قسمين : أحدهما يكون السبب فيه عمل الإنسان كما قال سبحانه وتعالى : ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) [ الروم : 41 ] والعذاب النازل على الاُمم السابقة يندرج في هذا الإطار وخروج الأولاد المعاقين كثيراً ما يكون لأجل فعل الوالدين ومن المعلوم انّ الطفل لا يتحمّل وزر أبويه قال الله سبحانه : ( وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ) [ الأنعام : 164 ] ولكن بعض الأفعال القبيحة تكون كالنار في إحراقها ، فلو ألقى أحد طفلاً في النار فهو يحترق جزماً وليس في ذلك ظلم من الله سبحانه عليه بل الظالم من ألقاه في النار ، وخروج الأطفال معاقين في معظم الأحيان لأجل سوء عمل الأبوبين عند المواقعة أو لشرب بعض الأدوية أو غيرها من الأسباب ، وليس في ذلك ظلم على أحد. القسم الثاني : الحوادث التي تحدث في العالم قد قدرت ونظّمت ورتّبت طبق اقتضاء الحكمة البالغة ، وتلك الحكمة هي التي تتحكّم بأن يولد لأحد ولد وللآخر البنت ، والأعمار تتقدّر تحت هذه الحكمة الالهيّة وهكذا بعض الأمراض والبلايا وقد يدخل في هذا القسم وجود معاقين من صلب أبوين الشريفين ملتزمين بجميع نصائح النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وأوامر الشريعة الغراء ويكو في هذا البلاء امتحان للمعاق ولغيره. انّ المقادير تجري كما قدّرها الله سبحانه ولا راد لقضائه ولا مبدّل لحكمة ولا تدرك عقولنا مغري الحكمة وليس يدخل ذلك في الظلم ، لأنّ الظلم وضع شيء في غير محلّه والله لا يفعل ذلك والصابر على قضاء الله مأجور. قال الإمام الحسين عليه السلام : « خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة من جيد الفتاة ، رضى الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين » . روي الشيخ الصدوق لسنده عن جابر بن يزيد الجعفي قال : « قلت لأبي جعفر محمّد بن علي الباقر عليهم السلام : يابن رسول الله إنّا نرى من الأطفال من يولد ميّتاً ومنهم من يموت في ساعته إذا سقط على الأرض ومنهم من يبقي إلى الإحتلام ومنهم من يعمر حتى يصير شيخاً فكيف ذلك وما وجهه ؟ فقال عليه السلام : انّ الله تبارك وتعالى أولى بما يدبّره من أمر خلقه منهم وهو الخالق والمالك لهم فمن منعه التعمير فانما منعه ما ليس له ومن عمّره فانّما أعطاه ما ليس له وهو المتفضّل ما أعطاه وعادل فيما منع ولا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون. قال جابر فقلت يا ابن رسول الله وكيف لا يسأل عمّا يفعل ؟ قال لأنّه لا يفعل الاّ ما كان حكمة وصواباً وهو المتكبّر الجبّار والواحد القهّار فمن وجد حرجاً في شيء ممّا قضى الله فقد كفر ومن أنكر شيئاً من أفعاله حجد » . والمراد انّ معرفة الله تعالى بصفاته الكماليّة التي من أهمّها الخالقيّة والمدبريّة والعلم والحكمة والرحمة العدل تقتضي أن لا نعترض على الله فيما يفعله ويقدّره ، إذ نعلم إجمالا بأنّه حكيم يضع الأشياء في مواضعها وان لم نعلم وجه الحكمة في ذلك.
السيّد جعفر علم الهدى | الجواب: ما تفسير حديث : « خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم وزائلوهم » ؟ الإسلام يدعوا إلى المعاشرة بالمعروف والتودّد إلى الناس حتّى بالنسبة للكفّار إذا لم يقدّموا على الحرب والقتال قال الله تعالى : ( ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) [ النحل : 125 ]. وفي الحديث أيضاً عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم : « التودد إلى الناس نصف العقل ». وفي الحديث أيضاً عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم : « يا بني عبد المطلب انّكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن سعوهم بحسن أخلاقكم ». وعن المعصومين عليهم السلام : « كونوا دعاة لنا بأعمالكم لا بأقوالكم ». فالحديث ـ على تقدير صحة سنده ـ يدعو المؤمنين إلى التودد والتآلف مع الناس من دون أن يتأثر المؤمن بافكارهم وعقائدهم وأعمالهم القبيحة. وعن الصادق عليه السلام : « حسن المعاشرة مع خلق الله تعالى فى غير معصيته ـ من مزيد فضل الله عزوجل عند عبده ومن كان خاضعاً فى السّر كان حسن المعارشرة في العلانية ، فعاشر الخلق لله ولا تعاشرهم ليضيبك في الدنيا ولطلب الجاه والرياء والسمعة إلى أن قال وكن رفيقاً فى أمرك بالمعروف شفيقاً في نهيك عن المنكر ولا تدع النصيحة على كل حال ، قال الله عزوجل : ( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ) ». وعن الباقر عليه السلام : « صلاح شأن الناس التعايش والتعاشر ملء مكيال ثلثاه فظن وثلث تغافل ». وعن الرضا عليه السلام : « اصحب السلطان بالحذر والصديق بالتواضع والعقد وبالتحرز والعامة بالبشر ». وعن أمير المؤمنين عليه السلام : « البشاشة حبالة المودّة ». وعن أبي جعفر عليه السلام قال : « صانع المنافق بلسانك واخلص ودك للمؤمن ، وان جالسك يهودي فأحسن مجالسته ».
السيّد جعفر علم الهدى | الجواب: هل القرآن الكريم من الله جل جلاله أو هو فلسفة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم الخاصّة باعتقاده انّه من الله بمعنى ان لم يتحقّق كون جبريل عليه السلام هو الذي كان يخاطب الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ؟ بعد افتراض انّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلم كان معصوماً من الكذب والخطأ وبعد قبول انّ القرآن هو معجزة النبي الخالدة ويشتمل على وجوه عديدة من أنواع الإعجاز ، لا يمكن التشكيك فى انّ القرآن هو الكتاب الّذي أنزله الله تعالى على نبيّه محمّد صلّى الله عليه وآله وسلم بواسطة جبرئيل ، الذي عبّر عنه القرآن الكريم بروح الأمين. والظاهر من القرآن أنّه منزل من قبل الله تعالى بألفاظه ومعانيه ، قال الله تعالى ، ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) [ القدر : 1 ] ، وقال تعالى : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) [ الحجر : 9 ] ، وقال تعالى : ( وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ) [ طه : 14 ]. فلو كانت المعاني أو الألفاظ من النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فلا معنى لهذا الكلام. فالعمدة إثبات نبوّة محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم إثبات كون القرآن معجزة الخالدة. فراجع الكتب الإعتقادية مثل ( اُصول الدين ) والعقائد.
السيّد جعفر علم الهدى | الجواب: ما هو دليل عصمه الإمام علي بن الحسين وغيرهم من الأئمة عليهم السلام الذين لم يكونوا مع النبي صلّى الله عليه وآله تحت الكساء ؟ أوّلاً هم داخلون في أهل البيت عليهم السلام فانّ الآية لا تكون مختصّه بمورد نزولها بل تشمل كلّ من صدق عليه ( أهل البيت ) ومن الواضح أنّ الإمام علي بن الحسين عليه السلام ومن بعده من الأئمّة عليهم السلام أهل البيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعترته وذريته. ثانياً : حينما صرّح رسول الله صلّى الله عليه وآله بإمامة الأئمّة الاثنى عشر ، وهكذا أمير المؤمنين والإمام الحسن والإمام الحسين وفاطمة الزهراء عليهم السلام ـ كما فى لوح جابر بن عبدالله الأنصاري ـ فهذا التصريح منهم يدلّ على عصمة الأئمّة عليهم السلام لأنّ الإمام الذي فرض الله تعالى طاعته على العباد لابد أن يكون معصوماً ، إذ لا يعقل أن يأمر الله تعالى بإطاعة أحد في كلّ ما يأمر وينهى مع أنّه لا يؤمن عليه من الكذب والخطاء والمعصية.
السيد جعفر مرتضى العاملي | الجواب: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد .. أمّا بالنسبة للسؤال الأوّل ، فنقول : إنّ الله سبحانه حينما أفاض الوجود على تلك الأرواح النورانيّة ، أعني أرواح الأنبياء والأوصياء عليهم السلام ، فإنّها بمجرّد أن وجدت ألهمها فجورها وتقواها ، فبدأت تسعى نحو تحصيل فيوضات أسمى ، وأرقى ، من خلال معرفتها بخالقها ، وخضوعها لإرادته ، والتزام تأدية فروض الشكر له .. فهي إذن قد وجدت عابدة له سبحانه ، لا تفتر عن التسبيح ، والتحميد ، والتمجيد ، وهذا يدعو إلى أن تشملها عناياته تعالى ، وأن يعود عليها بمنحه وعطاياه ، وبألطافه وهداياه .. وهذا يعني : أنّ استحقاقها لتلك العنايات كان قد بدأ منذ أن خلقها الله تعالى .. فإنّها حين وجدت ، إنّما وجدت على صفة الطهر ، والخلوص لله سبحانه ، وكان نفس وجودها وجود انقياد ، وخضوع ، وتسليم ، وتعظيم ، وتكريم ، وتسبيح ، وعبادة ، وعبوديّة له تعالى. فبذلك استحقّت منازل الكرامة منذ تلك اللحظة .. أمّا الوجود الإبليسي ، فقد وجد متمرّداً على الله منذ اللحظة الأولى لوجوده ، فاستحقّ الطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى ، منذ تلك اللحظة بالذات أيضاً. ولتوضيح هذه الإجابة ، ثمّ الإجابة على السؤال الثاني ، نقول : إنّ الله سبحانه ، قد أوجد هذا الكون ، وحدّد له مسيرته وفق نظام ، وقرّر أن تحكمه ، وتستبدّ به ، وتهيمن على مختلف حالاته وشؤونه سنن إلهيّة ، وضوابط واقعيّة ، تعطي لمن يريد أن يستفيد من كوامن هذا الكون القدرة على التخطيط ، وتجعل سعيه منتظماً وواعياً ، وبعيداً عن العفويّة ، والارتجال ، والعشوائيّة. ثمّ إنّ من الواضح : أنّ في هذا الكون حقائق ، وأنواعاً ومستويات مختلفة ومتفاوتة في اقتضاءاتها ، وفي تأثيراتها : المعنويّة والماديّة .. بل إن كل ذرّة من ذرّاته تميل إلى ما يسانخ واقعها وتتطلب وتسعى للتمازج ، أو الاندماج فيه وذلك معناه : أن لكلّ جسد وطينة ، استحقاقه الاستعدادي لجوهر مجرّد بخصوصه ، يدبّره ، ويتعلّق به ، ويتصرّف فيه ، ويهيمن عليه .. ومن الواضح أيضاً : أنّ لهذا الإنسان في امتداد مسيره إلى الله ، تدرج ، وانتقال من حال إلى حال ، في ضمن نشآت لها نظم وأحكام ، وله فيها حالات ودرجات. فإذا نظرنا ـ على سبيل المثال ـ إلى نشأته في الحياة الدنيا فإنّه يتدرّج فيها من النطفة إلى العلقة إلى المضغة .. وهكذا .. إلى أن ينتهي الأمر بولادته من أبويه ، ثمّ تحوّله من حال إلى حال إلى أن ينتهي إلى الحياة البرزخيّة ، ثمّ إلى الحياة الآخرة ، ثمّ إنّه له قبل ذلك كلّه نشآت أيضاً وتحوّلات ، سنتحدّث عنها. ونشأته في هذه الحياة الدنيا ، إنّما تبدأ من حين بداية ظهور التمايز بين الأفراد في الأحوال والأعمال ، مقترنة بالزمان ، وموزّعة على قطعاته .. وفيها يكون التكليف والطلب ، والأمر والنهي .. وتكون فيها الطاعات والمعاصي .. وأمّا بالنسبة للنشأة التي تسبق ذلك كلّه .. فهي تلك التي تكون في عالم الملكوت ، وهي تعني حضور حقائق الأشياء بين يدي الله تعالى ، حضوراً مختاراً مدركاًً لألوهيّته والحاجة إليه سبحانه ، وهو حضور لديه تعالى حيث خزائن الحقائق ( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ) (1) .. إنّه واقعي فعلي مجرّد عن الزمان. قال العلامة الطباطبائي : فالإنسان في أيّ منزل من منازل الإنسانيّة نزل .. يشاهد من نفسه أنّ له ربّاً يملكه ويدبّره. وكيف لا يشاهد ربّه وهو يشاهد حاجته الذاتيّة ، وكيف يتصوّر وقوع الشعور بالحاجة من غير شعور بالذي يحتاج إليه ، وهذه المعرفة فطريّة تنطبع في النفس انطباعاً أوليّاً ، ثمّ يتفرّع عليها الفروع (2) .. ففي عالم الملكوت ، تدرك حقيقة الألوهيّة ، ولوازمها وما يرتبط بها ، وحين الخروج من هذا العالم إلى عالم الكينونة ، فإنّ الله سبحانه يفيض على تلك الحقائق من خزائنه ، وفقاً لاقتضاء ذواتها ، في النشآت التالية ، وفق السنن التي أراد الله لها أن تحكم حركة الموجودات فإذا أخذنا الحقيقة الإنسانيّة الخارجة من عالم الملكوت كنموذج ، فإنّنا نجد أن الروايات تقول : إن عالم الظلال ـ إن صحّ التعبير ـ هو الذي يحتضن تلك الحقائق الوافدة ، ويؤخذ ميثاق العبوديّة ، والطاعة منها. إذ يصبحون مطالبين بالخضوع والخشوع والطاعة لله ، وطاعة أنبيائه وأوليائه ، وغير ذلك ، فمنهم من يسرع في الإجابة ، ومنهم من يبطئ بها .. ومنهم من يأباها ويمتنع عنها ، كلّ ذلك باختيار وبإرادة منهم تتناسب مع واقع وجودهم .. وقد أشار الله تعالى إلى هذه الحقيقة ، وأن الله يأخذ في عالم الذر ميثاق الخلائق ، ( .. وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ) (3) .. فالإشهاد دليل الإدراك ، والاختيار ، كما قلنا .. وقد دلّت الأحاديث الشريفة أيضاً على أن الله تعالى قد ميّز في عالم الذرّ ، الرسل ، والأنبياء ، والأوصياء ، وأمر الخلق بطاعتهم ، فأقرّوا بذلك في الميثاق (4) .. وفي بعض الروايات ، عن أبي عبد الله عليه السلام : أنّ الله أخذ على العباد ميثاقهم ، وهم أظلّة قبل الميلاد. وثمة روايات أخرى تشير إلى عالم الظلال أيضاً ، فراجع (5). وتحدّثت روايات أخرى أيضاً ، عن أن رسول الله صلّى الله عليه وآله قد قال للإمام علي عليه السلام : أنت الذي احتجّ الله بك في ابتداء الخلق ، حيث أقامهم أشباحاً ، فقال لهم : ألست بربّكم ؟ قالوا : بلى. قال : ومحمّد رسولي ؟ قالوا : بلى. قال : وعلي أمير المؤمنين ؟ (6) .. وهناك رواية صحيحة السند ، رواها زرارة ، عن الإمام الباقر عليه السلام ، تفيد أنّ الله سبحانه كلّفهم في عالم الذرّ بدخول النار ، فدخلها أصحاب اليمين ، وأبى ذلك أصحاب الشمال (7). والظاهر : أنّ المراد بهذه الروايات هو أن حضور الحقائق لدى العزة الإلهيّة ، فعل مجرّد عن الزمان .. فهو تعالى يبعثها في ظلال أو أشباح تناسب ما تنتهي إليه حين تتنزل في نشأتها الزمانيّة المختلفة فيكلّفها بالطاعة لأنبيائه ، وأوليائه ، وأصفيائه ، ويكلّفها بدخول النار ونحو ذلك. هذا .. وقد ورد في دعاء الندبة : اللهمّ لك الحمد على ما جرى فيه قضاؤك في أوليائك الذين استخلصتهم لنفسك ودينك ، إذ اخترت لهم جزيل ما عندك من النعيم المقيم ، الذي لا زوال له ولا اضمحلال بعد أن شرطت لهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنيّة ، وزخرفها وزبرجها ، فشرطوا لك ذلك ، وعلمت منهم الوفاء به ، فقبلتهم ، وقربتهم ، وقدمت لهم الذكر العلي ، والثناء الجلي ، وأهبطت عليهم ملائكتك ، وكرمتهم بوحيك ، ورفدتهم بعلمك ، وجعلتهم الذريعة إليك والوسيلة إلى رضوانك .. وعلى كلّ حال ، فإن كلّ ذلك يدلّ على أن لدى المخلوقات في تلك النشآت ، إدراكاً واختياراً يتناسب مع طبيعة تلك النشآت ، وسنذكر بعض الآيات التي تثبت ذلك بصورة قاطعة .. وحين لا بد من اقتران تلك الحقائق بالزمان وإفراغها في وعائه ، في عالم الكينونة ، وفق سنة التدرج في الوجود ، حيث تلحقها الفيوضات الإلهيّة بصورة تتناسب مع ما هي عليه من هذا الاقتران .. فإن هذه النشآت تأتي متوافقة مع ما كان في عالم الذر ، أو فقل : مع ما كان حين أخذ الميثاق ، حين كانت الظلال ، أو الأشباح حسبما تقدم. وطبيعي أن يأتي ما يختاره هذا الكائن هنا متوافقاً مع ما كان منه هناك ، ويصبح هذا الواقع انعكاساً لتلك الصورة التي ظهر بها في تلك النشآت .. فيستمرّ المطيع الخاضع لله تعالى على خطّ الخضوع والطاعة له تعالى ، ويواصل العاصي والمتمرّد تمرّده وعصيانه .. ويبقى المذبذب المتردد يعيش حالة التذبذب والتمرّد ، فيطيع تارة ويعصي أخرى .. والله سبحانه الوهّاب الكريم ، يواصل فيضه على هؤلاء وهؤلاء ، بحسب ما تتطلبه ذواتهم ، وتميل إليه طبائعهم ، وتنشده حقائقهم. وهو سبحانه الذي ( أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ) (8) .. ( كُلًّا نُّمِدُّ هَـٰؤُلَاءِ وَهَـٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ) (9) .. ولكن الله سبحانه ، وهو الرؤوف الرحيم ، والكريم الحكيم .. لم يزل ولا يزال منذ أن بدأ خلق الإنسان وفي كلّ نشآته ، وجميع تحوّلاته .. يدعو من يعرف أنّه يميل إلى سلوك طريق الشرّ ، إلى الابتعاد عن ذلك الطريق ، مع مزيد من التحذير منه ، والترغيب بطريق الخير .. كما أنّه لم يزل يرغِّب سالك طريق الخير ، بالثبات عليه والالتزام به ويحذره من التخلّي عنه ، كما أنّه تعالى قد هيأ لهم كلّ أسباب الهداية والصلاح ، ولكن بصورة تحفظ لهم اختيارهم ، وحريّتهم ، ( وَمَا اللَّـهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ ) (10) حيث إنّه لم يزل يساعدهم في جميع النشآت بالأمر والنهي .. وبالفعل ، وباللطف بهم والتوفيق لهم ـ يساعدهم ـ على الإنابة إليه ، والتخلّص من الكدورات التي عرضت على فطرتهم بسوء اختيارهم ويفتح لهم أبواب رحمته لجلاء تلك النفوس ممّا علق بها ، وإعادة الرونق والصفاء والطهر لها .. وقد فتح الله تعالى هذا الباب وأبقاه مفتوحاً ، والمجال مفسوحاً منذ النشأة الأولى ، وإلى أن تقوم الساعة .. ويبقى القرار بيد من له الاختيار ، وهو هذا الكائن بالذات ، وهذا ما يفسّر لنا ما نشاهده من أن ثمة من يعيش حالة الطهر والإيمان طيلة حياته ، ثمّ هو يكفر في آخر يوم منها .. وقد نجد من يعيش حالة الكفر والعناد عمره كلّه ، ثمّ ينتقل إلى الإيمان في اللحظات الأخيرة منه ، ويكون له بذلك الفوز والنجاة .. ولكي لا يبقى أيّ غموض ، فيما نرمي إليه ، في حديثنا عن تعاقب النشآت المختلفة مع امتلاك عنصر الإدراك في جميعها ، نقدم مثالاً تقريبيّاً للقارئ الكريم ، وهو : أن الانتقال من نشأة إلى نشأة ، ومن حال إلى حال لا بدّ أن يتمّ وفق نظم وسنن إلهيّة ، فقطرة الماء في البحر تسعى للتمازج مع تلك الروح الملائكيّة الطاهرة، ولكن لا بدّ لقطرة الماء ـ مثلاً ـ من أن يحملها السحاب ، لتصبح مطراً ، يتلقاه مؤمن ، فيتوضّأ به ، فتكون تلك القطرة بعض ذلك الوضوء ، فيكون منها ملك يستغفر لذلك المؤمن .. وذرّة التراب تختزن في داخلها مبدأ تكوين الأبدان التي تحلّ فيها الأرواح الملائمة لها ، تحتاج إلى الماء ليثير الأرض ، ولينبت الزرع ، فتكون في جملة عناصره ، ثمّ يكون طعاماً لولي من أولياء الله ، فيصبح جزءاً من كيانه ، دماً ، ثمّ نطفة ، تستقرّ تلك النطفة في رحم يحتضنها ، لتمرّ في مراحل نشوء مختلفة ، لتصبح قادرة على استقبال تلك الروح الملائمة لها. وتتنامى معها في ظلّ التربية والرعاية الإلهيّة ، وتكون الولادة ، فالنشأة ، واكتساب الملكات ، والتحلي بالميزات التي تجعل هذا الكائن من الأبرار والأخيار ، وربّما من الأصفياء والأنبياء الأطهار. وخلاصة القول : إن عالم الملكوت يعني حضور الحقائق كلّها لدى مقام العزّة الإلهيّة .. غير مضافة إلى الزمان ، إذ إن الزمان إنّما يقاس بالنسبة إلينا ، في خارج دائرة ذلك العالم ، وذلك بسبب محدوديّتنا به .. وفي هذا العالم وفي جميع العوالم التالية ، تدرك تلك الحقائق ربوبيّته سبحانه ، وحاجتها إليه ، وما يرتبط بذلك من خصوصيّات ولوازم ، وهي بكامل اختيارها أيضاً .. ويأتي بعد عالم الملكوت ، العالم الذي أخذ الله فيه الميثاق على الخلائق فيما يرتبط بالاعتراف بالأنبياء ، والأولياء ، وطاعتهم ، وغير ذلك .. وقد أشارت بعض الروايات إلى أن هذا هو عالم الظلال أو الأشباح. وفيه كان أمر ونهي وتكليف ومسؤوليّة .. ثمّ هناك عالم النشوء للأرواح ، ثمّ تلاقيها وتمازجها مع الأبدان ، حيث تشدّ إلى ما يلائمها ويسانخها منها ، وتطلب منه تعالى أن يفيض بحسب استعدادات مناشئها .. وهي مدركة لما تطلب ، ومختارة له .. فيعطيها الله سبحانه وفق ما أودعه الله في هذا الوجود من سنن .. ثمّ تتابع مسيرتها باختيارها أيضاً ، ويبقى لطف الله سبحانه شاملاً لها من حيث أنّه يبقي أمامها الفرصة متاحة لاختيار طريق الخير والفلاح والصلاح .. ويهيّء لها جميع ما يساعدها على اختيار هذا الطريق ، من أوامر وزواجر ، ومحفزات ومرغبات ، ودوافع للهدى ، ومن منفرات وروادع عن الشرّ والردى .. وكلّ ذرّة في هذا الوجود لها سعيها وانشدادها لما يلائمها ، وقد روي : أنّ أبدان المؤمنين من طينة الجنّة (11) .. ومن نور الله عزّ وجلّ (12) .. فهي إذن أبدان طاهرة وصافية ، لا بدّ أن تتطلب باستحقاقها الاستعدادي جوهراً على درجة من الطهر والصفاء ، فيدبّرها ، ويهيمن عليها ، ولا يستجيب لكلّ الإغراءات التي تُلْحِقُ بذلك الجسد تلوّثات من شأنها إحداث التشويه والكدورة في تلك الروح .. وإذا كانت الطينة غاية في الرداءة ، فإنّها سوف تتطلب وتسعى إلى ما يلائمها من أرواح رديئة : شيطانيّة ، وفرعونيّة ، وما إلى ذلك .. فتجتذبها إليها ، لتتعلّق بها ، وتهيمن عليها .. ثمّ هي تختار من موقع الإدراك ، الممانعة والرفض لكلّ دواعي الخير ، ومحاولة خنقها وقهرها ، وإبعادها عن دائرة التأثير في الموقف والحركة والسلوك ، رغم توفّر القدرة على الاستجابة لها ، والتفاعل معها ، ورغم الدعوة الإلهيّة ، ورغم كلّ ألطافه ، وكلّ المناخات المساعدة على ذلك والتي هيّأها الله سبحانه من خلال التوفيقات ، ومن خلال الأوامر والزواجر ، وغير ذلك حسبما أوضحناه. فاتّضح ممّا تقدّم : أنّ أرواح الأبرار من أوّل ما خلقها الله ، هي موجودات كريمة ، تتطلب الخير ، والهدى وتسعى إليه ، وقد لبَّت بمجرّد أن شعرت بوجودها ، وبوجود خالقها ، نداء ربّها وأطاعت ، وخشعت له ، فلا غرو أن يوفقها الله لما طلبته ، وأن ينيلها ما سعت إليه .. لتستحق بذلك منازل الكرامة والاصطفاء .. وقد ورد في بعض الأخبار : أنّها أشدّ اتّصالاً بالله سبحانه من شعاع الشمس بها .. فهي لم تزل في غمرات الرحمات الإلهيّة ، حيث يفيض الله عليها آناً فآناً ، الهدايات والبركات ، والعلم ، والحكمة ، والكمالات .. أمّا أرواح الأشرار ، فإنّها موجودات شيطانيّة رديئة مظلمة ، لا تنسجم مع عالم الأنوار ، بل هي تستحقّ الطرد ، والإبعاد ، من أوّل ما وجدت ، لأنّها بمجرّد أن شعرت بذاتها ، تمرّدت وطغت ، ورفضت الخضوع ، ونأت بنفسها عن عبادة خالقها .. والخلاصة : أن كلّ ما في هذا الوجود ، من هياكل وأبدان ، منذ أن خلقها الله تعالى ، له أدراك واختيار ، للطاعة وللمعصية .. ولذلك فإنّها وهي تمرّ بمراحل الخلق والتكوين ، إنّما تكون تعلّقاتها بالجواهر المجرّدة الملائمة لها ، وتنشد وتسعى إليها ، وإن كانت لا تستطيع التمازج معها إلّا بعد صيرورتها نطفة ، تستقرّ في الأرحام ، وتتدرج في مراحل التكوين ، إلى أن ينشئها الله خلقاً آخر ببعث الروح فيها .. وممّا يدلّ على حقيقة : أن كلّ ما في الوجود له طاعة ، وانقياد ، وتمرّد ، وابتعاد ، هو قوله تعالى : ( ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) (13) .. وقد ذكر الله في كتابه الكريم تسبيح الجبال ، والطير ، والرعد ، والسماوات والأرض ، ومن فيهنّ : ( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) (14) .. وذكر أيضاً : سجود النجم ، والشجر ، والشمس ، والقمر ، والجبال ، والدوابّ ، ومن في السماوات والأرض (15) .. وذكر أيضاً : أنّ الجبال يعتريها الخشوع والخشية ، وتصاب بالتصدع بسبب تلك الخشية (16) .. ثمّ هو تعالى قد ذكر إشفاق الجبال ، والسماوات والأرض من حمل الأمانة (17) .. غير أنّه برغم ذلك كلّه ، فإن هذا الطهر والخلوص والصفاء في النفس والروح ، وفي الأبدان أيضاً ، لا يجعل الإنسان مجبراً على الطاعات ، ولا عاجزاً عن ارتكاب المعاصي .. ولذلك تجد أن الكافر قد يؤمن ، وأن المؤمن قد يكفر ، حسبما أوضحناه. ومن جهة أخرى ، فإن من الممكن أن تكون النطفة جزءاً من حقيقة الحامل لها ، ومسانخة له في الطهارات المادية والمعنويّة ، فيكون طهراً طاهراً مطهراً ، من طهر طاهر مطهر .. وفق ما أشير إليه في الزيارة : أشهد أنّك كنت نوراً في الأصلاب الشامخة ، والأرحام المطهّرة .. ومن الممكن أن يكون الحامل لها ، مجرّد مستودع لنطفة خبيثة ، كما كان الحال بالنسبة لابن النبي نوح عليه السلام ، وبعض أولاد الأئمّة ، مثل جعفر ابن الإمام الهادي عليه السلام ، وغيره .. كما أن ممّا لا شكّ فيه : أن تعلّقات الأرواح بالأبدان تجعل من الاتّصال بالأجساد سبباً في الاتّصال بالروح المهيمنة على الجسد والمدبّرة له .. فما يؤذيه يؤذيها وما يؤذيها يؤذيه .. وما يصلحه يصلحها وكذلك العكس ولذلك نجد : أنّ ارتكاب ، أو فعل بعض المعاصي ، أو الخيرات يترك آثاراً على النطفة أو الجنين ، تتناسب مع ذلك الذي صدر منه ، أو حدث له .. وربّما يكون في ذلك بعض الإعداد إلى اختيار هذا الطريق أو ذاك بمحض إرادته ، ولكنّنا قد قلنا : إنّه برغم ذلك كلّه ، فإنّ الله تعالى قد أبقى الفرصة متاحة أمام أهل الزيغ ، ليصلحوا شأنهم ، وليبادروا إلى تزكية نفوسهم ، وتصفية أرواحهم .. فمن قصَّر في ذلك ، فيكون قد قصّر في حقّ نفسه : ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) (18) .. والحمد لله رب العالمين .. الهوامش 1. سورة الحجر ، الآية 21. 2. تفسير الميزان ج 8 ص 307. 3. سورة الأعراف ، الآية 172. 4. راجع : تفسير الميزان ج 8 ص 324 عن العيّاشي وخصائص السيّد الرضي. 5. البحار ج 65 ص 206 وراجع : ج 58 ص 139 و 140 ، وراجع : ج 64 ص 98 و 99 عن بصائر الدرجات ص 80 وعن علل الشرائع ج 2 ص 80 وراجع الكافي ج 2 ص 10 وتفسير الميزان ج 9 ص 326. 6. البحار ج 64 ص 127 وفي هامشه عن بشارة المصطفى ص 144. 7. راجع تفسير الميزان ج 8 ص 325. 8. سورة طه ، الآية 50. 9. سورة الإسراء ، الآية 20. 10. سورة غافر ، الآية 31. 11. راجع البحار ج 58 ص 147. 12. راجع البحار ج 58 ص 145. 13. سورة فصلت ، الآية 11. 14. ورد ذلك في سورة ص ، الآيتان 18 و 19 وسورة الرعد ، الآية 13 وسورة الإسراء ، الآية 5 وسورة النور ، الآية 41 وسورة الأنبياء ، الآية 41 و 81 و 82. 15. سورة الحج ، الآية 18 وسورة الرحمن ، الآية 6. 16. سورة الحشر ، الآية 21. 17. سورة الأحزاب ، الآية 72. 18. سورة الزلزلة ، الآيتان 7 / 8.
السيّد جعفر علم الهدى | الجواب: 1 : التفكّر في عظمة الله تعالى وقدرته وإحاطته بالمخلوقات حيث يحصل بذلك حالة التوكّل على الله والإنقطاع عن غيره ، فلا يعمل العمل لطمع أو خوف من الناس. 2 : التفكّر في نعم الله تعالى وإحسانه وكرمه حيث يتحقّق بذلك حبّه لله تعالى وتعلّقه به دون سواه ، فيعمل العمل حبّاً لله ولوجه الله تعالى. 3 : ان يفكر في ثواب الله أو عذابه فانّه لو اخلص العمل لله تعالى يستحق الثواب من الله تعالى والأجر العظيم الذي لا يمكن لأحد أن يمنّ عليه بمثله ، وإذا لم يخلص العمل لله يستحق العذاب الأليم الذي لا يتمكّن أحد من دفع ذلك. 4 : ان يفكّر في فوائد الإخلاص ومنافعه وآثاره. قال الصادق عليه السلام : الاخلاص بجميع فواضل الأعمال وهو معنى افتتاحه القبول وتوقيعه الرضاء ، فمن تقبّل الله منه ويرضى عنه فهو المخلص ، وإن قلّ عمله ومن لم يتقبّل منه فليس بمخلص وإن كثر عمله اعتباراً بآدم عليه السلام وإبليس عليه اللعنة ، وعلامة القبول وجود الاستقامة ببذل كل محاب مع إصابة علم كل حركة وسكون ، والمخلص ذائب روحه باذل مهجته في تقويم ما به ، العلم والأعمال والعامل والمعمول بالعمل لأنه إذا أدرك ذلك فقد أدرك الكل ، وإذا فاته ذلك فاته الكل ... (1) 5 : ان يفكر في مفاسده الرياء والعمل لغير الله تعالى ، وما ورد في ذمّ الرياء ومضارّه وعواقبه السيّئة. وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ « إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر » قالوا : وما الشرك الاصغر ؟ قال : « الرياء ، يقول الله عز وجل يوم القيامة للمرائين إذا جازى العباد باعمالهم : اذهبوا الى اللذين كنتم تراؤن لهم في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء » . (2) وقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : « لا يقبل الله تعالى عملاً فيه مثقال ذرة من رياء » . (3) وقال ـ صلى الله عليه وآله ـ : « إنّ المرائي ينادى عليه يوم القيامة يا فاجر يا غادر يا مرائي ضل عملك وحبط اجرك اذهب فخذ اجرك ممن كنت تعمل له » . (4) وعن الصادق عليه السلام : يقول الله عزّ وجلّ : أنا خير شريك ، فمن عمل لي ولغيري فهو لمن عمله غيري . (5) وقال الصادق عليه السلام : قال الله تعالى : أنا أغنى الأغنياء عن الشريك ، فمن أشرك معي غيري في عمل لم أقبله إلا ما كان لي خالصاً . (6) الهوامش 1. مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة / الصفحة : 36 / الناشر : مؤسسة الأعلمي / الطبعة : 1. 2. جامع السعادات « لملا محمد مهدي النراقي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 387 / الناشر : مؤسسة الأعلمي. 3. جامع السعادات « لملا محمد مهدي النراقي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 387 / الناشر : مؤسسة الأعلمي. 4. جامع السعادات « لملا محمد مهدي النراقي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 387 / الناشر : مؤسسة الأعلمي. 5. المحاسن « لأحمد بن محمد البرقي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 252 / الناشر : دار الكتب الإسلامية. 6. وسائل الشيعة « للشيخ الحرّ العاملي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 73 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / الطبعة : 2.
السيّد جعفر علم الهدى | الجواب: هل أصل خلقة العقول واحدة أو مختلفة ، فإذا قلنا مختلفة يعني الله غير عادل لانّه عصم أو جعل محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم معصوم وغيره لا ؟ أوّلاً : العدل هو أن يجعل كل شيء في موضعه المناسب ويعطى كل ذي حقّ ، حقّه. وليس العدل هو المساواة بين الناس في كلّ شيء. والمجتمع البشرى بما انّه متكاثف ومترابط أن يكون فيه الاختلاف في القوّة العاقلة والعاملة ، وإلا اختلّ النظام وتبدّد المجتمع البشري ، فلو فرضنا انّ جميع أفراد المجتمع البشري أغنياء ولم يكن هناك فقيراً أصلاً ، لم يتمكّن هؤلاء الأغنياء من المعيشة ، إذ لا يتمكّن أيّ أحد من تسخير غيره والاستعانة منه في أمور معاشه. وهكذا لو كان الجميع متساويين من حيث القوّة العاقلة فكلّ واحد منهم يرى نفسه أعقل العقلاء وليس بحاجة إلى إرشاد غيره وتصحيح أخطائه وبرامجه وسلوكه ، فلا يستفيد من عقول الآخرين وعلومهم وتجربياتهم. ثانياً : العصمة ليست بالاجبار بل هي من الأمور الاختياريّه تابعة للكمال النفساني والروحي الحاصل من العلم الكامل والمعرفة التامة بعظمة الله تعالى ، وحكمته وقدرته والاذعان بقبح المعاصي والذنوب بل إدراك ومشاهدة العواقب السيّئة المترتّبة على المعاصي. نعم يحتاج ذلك إلى توفيق من الله تعالى لشديد وتأييد منه هذا يحصل بسبب الاخلاص فى العبادة والتوجه الكامل إلى المعبود والتقرّب إلى الله تعالى بالطاعات والعبادات.
السيّد جعفر علم الهدى | الجواب: هل جملة « صدق الله العلي العظيم » بعد السور القرآنيّة من القرآن الكريم ؟ ليست هذه الجملة من القرآن الكريم بل هي مصطادة الآيات المختلفة فالله يقول ( قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ) ويقول في آية الكرسي وكذلك فى سورة الشورى ( وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) فصدها متخذ من الآية الأولى وذيلها متخذ من الآيتين الاخيرتين.
السيّد جعفر علم الهدى | الجواب: لماذا في زيارة عاشوراء عند ذكر السلام 100 مرّة ، ليس هناك سلام مخصوص لأبي الفضل العباس عليه السلام ، كما لعلي الأكبر عليه السلام ؟ ولعلّ عدم ذكره بالخصوص إشارة إلى انّ جهاد العباس وشخصيّته وتفانيه فى سبيل الإمام الحسين عليه السلام لم يكن لأجل القرابة أو العصبيّة النسبيّة ، بل كان يرى نفسه من أصحاب الإمام الحسين عليه السلام ، الذين جاهدوا في سبيل الله ونصروا الحسين عليه السلام ، لانّه الإمام المفترض الطاعة والحجّة من الله تعالى على الخلق. وامّا ذكر علي الأكبر مع انّه أيضاً جاهد في سبيل الله تعالى ولم يكن جهاده لمجرّد القرابة فلعلّه للإشارة إلى انّه أوّل شهيد من شهداء أهل البيت عليهم السلام في واقعة الطف كما نقرأ فى زيارة : « السلام على أوّل قتيل من نسل خير سليل » .
السيّد جعفر علم الهدى | الجواب: لماذا لم يطلب علي رضي الله عنه حقه في الخلافة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان على حقّ ؟ أولاً : طالب علي عليه السلام بحقّه واجتمع على القوم وناشدهم وأظهر غضبه وسخطه على غصب الخلافة ، بل في بعض الروايات إنّ عليّاً عليه السلام كان يأخذ فاطمة والحسن والحسين عليهما السلام أربعين ليلة إلى بيوت الأنصار يطلب منهم النصرة للوصول إلى حقّه الشرعي في الخلافة. وقد دافعت الزهراء عليها السلام عن علي عليه السلام وطالبت بحقّه ولكنّهم ضربوها وآذوها حتى ماتت وهي واجدة عليهم وأوصت أن تدفن ليلاً ولا يشترك في تشييعها وتجهيزها من غصب الخلافة وأتباعهم. ثانياً : انّما لم يقم علي عليه السلام بمحاربة القوم ومطالبة حقّه بالقوّة والكفاح المسلّح مخالفة أن يرتدّ الناس عن الإسلام ، فانهم كانوا حديثي عهد بالإسلام ولم يتمكّن الإسلام في قلوب أغلبهم. وقد كان لدى القوم أحفاد وضغائن ضدّ علي عليه السلام حيث قتل آبائهم وإخوانهم وأبناء عشيرتهم في الغزوات دفاعاً عن الاسلام والنبي الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم كما أشارت الزهراء عليها السلام في خطبتها « ومانقموا من أبي الحسن نقموا والله نكير سيفه وقلّة مبالاته بحتفه وشدّة تنمره في ذات الله » . وفي الحديث عن ربعي عن زرارة قال : « قلت لأبي عبدالله عليه السلام ما منع أمير المؤمنين عليه السلام أن يدعوا الناس إلى نفسه ؟ قال : خوفاً أن يرتدوا ( ولايشهدوا أنّ محمّداً رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ». وعن أبي جعفر عليه السلام قال : « انّ عليّاً لم يمنعه من ان يدعوا الناس إلى نفسه إلا انّهم ان يكونوا ضلالاًَ لا يرجعون عن الاسلام أحبّ إليه من أن يدعوهم فيأبوا عليه فيصيرون كفاراً كلّهم » . وعن بعض أصحابنا قال : « قلت لأبي عبد الله عليه السلام لم كفّ علي عليه السلام عن القوم ؟ قال : مخالفته ان يرجعوا كفاراً ». ثالثاً : ورد في الأخبار انّ علياً عليه السلام انما لم يقاتل القوم فيقتلهم ـ وكان قادراً على ذلك ـ لوجود ودائع مؤمنين في أصلاب قوم منافقين فلم يقتل علي عليه السلام الآباء لأجل الأولاد والذريّة المؤمنة. ففي الحديث عن إبراهيم الكرخى قال : « قلت لأبى عبد الله عليه السلام أصلحك الله ألم يكن علي عليه السلام قويّاً في دين الله عزّ وجلّ ؟ قال : بلى . قال : فكيف ظهر عليه القوم وكيف لم يدفعهم وما منعه من ذلك ؟ قال : آية في كتاب الله عزوجل منعته . قلت : وأيّ آية ؟ قال : قوله تعالى : ( لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) [ الفتح : 25 ] ، انّه كان الله عزّ وجلّ ودائع مؤمنين في أصلاب قوم كافرين ومنافقين فلم يكن علي عليه السلام ليقتل الآباء حتى تخرج الودائع ، فلمّا خرج الودائع ظهر علي عليه السلام من ظهر فقاتله وكذلك قائم أهل البيت لن يظهر أبداً حتى تظهر ودائع الله عزّ وجلّ ، فإذا ظهرت على من ظهر فقتله ». والمراد أنّ الامام علي عليه السلام بسبب عدم وجود الأعوان والأنصار كان يدور أمره بين ان يقاتل القوم فيقتلهم عن آخرهم فلا يبقى للإسلام اسم ورسم ، لانّه كان يبقى وحده مع جماعة قليلين من أهل بيته وأصحابه ، فيموت الإسلام بموتهم وامّا ان يصبر ولا يقاتل القوم وانما يحتج عليهم ويثبت حقانيته بالأدلّة والبراهين والحجج الدامغة لكي يبقى الاسلام ببقاء القوم وذريّتهم ونسلهم خصوصاً مع وجود أولاد وذريّة مؤمنين في أصلابهم. وأحسن مثال لذلك محمد بن أبى بكر فانّه كان مؤمناً معتقداً بإمامة علي عليه السلام ، بل هو من المخلصين والموالين لعلي علي السلام وقد تولّد من صلب أبى بكر الذي غصب الخلافة. وقد قال محمد مخاطباً لأبيه : يا ابانا قد وجدنا ما صلح * خاب من كنت أبــاه وافتضح انما اخرجنى منك الذي * اخرج الدرّ من المــاء الملــح
السيّد جعفر علم الهدى | الجواب: ما هو وجه الحكمة في خلق الله لمخلوقات بها عيوب خلقية ؟ أليس دليل الإبداع ودقة الصنع من أهم دلائل وجود الله ؟ وهو القائل في كتابه الكريم : ( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) ؟ هذه العيوب انّما حصلت نتيجه حصلت نتيجه الجري على خلاف نواميس الطبيعة وقوانين الخلقة ، مثلاً الوالد الذي لا يراعي الظروف الصحيّة أو الطبيعيّة أو النفسيّة في حال ممارسة الجنس ، قد يولد نسل مشوّه أو معيوب. وقد وردت روايات كثيرة تبيّن كراهة الجماع أو حرمته في كثير من الظروف والحالات ، وتصرح بأن ذلك يورث العيب أو التشويه في الولد ، كما انّه قد يكون التشويه والعيوب نتيجة ظلم الظالمين واعتداءاتهم أو جهل من يدّعي العلم ، فقد يجّوز الطبيب استعمال دواء خاص مع عدم الالتفات إلى عوارضه السيّئه فيولد الطفل معيباً أو مشوهاً بسبب ذلك الدواء المضرّ. وقد يقوم الدول الظالمة بتجربة بعض الأسلحة النوويّة أو الاشعة الخطرة ، فيؤثر ذلك في تشويه الناس ويسمتر أثره في نسلهم. وهكذا قد يكون حصول العيب أو التشويه في الخلقة نتيجة العوامل الطبيعيّة ، فمن يعرّض نفسه مثلاً لشعاع الشمس مثلاً قد يبتلى بسرطان الجلد أو بالأمراض المؤدية إلى العمى ونحو ذلك ، وقد يكون التأثير قويّاً إلى حدّ يؤثر في نسله وذريّته.
السيّد جعفر علم الهدى | الجواب: ليس لعلي عليه السلام ولا غيره من أفراد الإنسان حول ولا قوة إلّا بالله تعالى ، فانّ الله تعالى هو الخالق القادر المهيمن المدّبر ، لكن قدرة الله تعالى مطلقة ، فهو قادر على التصرّف في الكائنات بنفسه وبإرادته بأن يقول للشيء كن فيكون. وهو قادر أيضاً على ان يمنح هذه القدرة لبعض أوليائه ليتمكّن من التصرّف في الكون بإذن الله تعالى وقدرته التي أفاضها عليه. فكما انّ الله تعالى أعطى خاصيّته العلاج للدواء الخاصّ كذلك يمكن ان يعطي لأوليائه القدرة على علاج المريض ، كما يصرح القرآن الكريم بالنسبة لعيسى بن مريم عليه السلام ( وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ) [ المائدة : 110 ] . وكما يقول : ( فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ) [ النازعات : 5 ] ، ومن المعلوم انّ المدبّر هو المتصرّف في الكون مع التعقّل والإدارة والاختيار ، فكما انّ الله تعالى مدّبر بالذات كما قال تعالى : ( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ) [ يونس : 31 ] ، كذلك قد يعطي قدرة التدبير لبعض ملائكة فيدبّر بإذن الله وبالقدرة التي أفاضها الله عليه. ونحن لما نقول يا علي يمكن ان نقصد أحد أمرين : الأوّل : يا علي اشفع لي عند الله تعالى ليقضى حاجتي. فنطلب من علي عليه السلام ان يدعوا الله لقضاء حوائجنا ـ كما قال أولاد يعقوب عليه السلام لأبيهم ( قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ) [ يوسف : 97 ـ 98 ] ـ ، وبما انّ دعاء علي عليه السلام أقرب للإستجابه فنجعله وسيلة بيننا وبين الله تعالى ليقضي الله حاجتنا كرامة لعلي عليه السلام ، وقال الله تعالى ( وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) [ المائدة : 35 ] . الثاني : انّ الله تعالى أعطى لعلي عليه السلام ـ وللنبي وسائر الأئمّة عليهم السلام ـ القدرة على قضاء حوائجنا بإذن الله تعالى ، كما أعطى لعيسى بن مريم القدرة على إحياء الأموات وإبراء المرض بإذنه ، فانّ الله تعالى ليس عاجزاً ، فكما يقدر شفاء المريض بنفسه كذلك يمكن ان يعطي هذه القدرة للنبي أو الولي فيشفي المريض بإذن الله تعالى. قال الله تعالى ( وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ) [ التوبة : 74 ] ، فجعل اغناء الرسول في سياق اغناء الله الا انّ اغناء الله يكون بالذات واغناء الرسول بالتبع وبإذن الله تعالى.
السيّد جعفر علم الهدى | الجواب: امّا ضربه لأبي هريرة لم يكن لأجل مجرّد كذبه ، بل لأجل انّ عمر كان مخالفاً لنقل الأحاديث النبويّة حتّى لو كانت صحيحة ومعتبرة ، بل كان مذهبه ومسلكه هو ما صرّح به من قوله : « حسبنا كتاب الله » (1) ، وقد كان الصحابة الثقاة والعدول يخافون من عمر ولا يرون الأحاديث النبويّة. وإليك النصوص الآتية : روى ابن سعد عن عبد الله بن العلاء قال : سألتُ القاسم يُمْلي عليّ أحاديث فقال : إنّ الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطّاب فنأشد الناسَ أن يأتوه بها فلمّا أتوه بها أمر بتحريقها ... . (2) وعن عبد الرحمن بن عوف قال : « ما مات عمرُ بن الخطاب حتى بعثَ إِلى أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فجمعهم من الآفاقِ عبد الله ابن حذافة و أبا الدرداء وأبا ذر وعقبة بن عامر فقال : ما هذه الأحاديث التي أفشيتم عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الآفاق ؟ قالوا : أتنهانا ؟ قال : لا أقيموا عندي لا والله لا تفارقوني ما عشتُ فنحنُ أعلمُ نأخذُ عنكم ونردُّ عليكم فما فارقوه حتى مات. (3) أخبرنا سفيان بن عيينة عن بيان عن الشعبيّ قال : قال قرظة ابن كعب الأنصاري أردنا الكوفة فشيعنا عمر إلى صرار فتوضأ فغسل مرّتين وقال : تدرون لم شيعتكم ؟ فقلنا : نعم ، نحن اصحاب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقال : إنّكم تأتون أهلَ قرية لهم دويّ بالقرآن كدويّ النحل فلا تصدّوهم بالأحاديث فتشغلوهم ، جَردوا القرآن وأقلوا الرواية عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، امضوا وأنا شريككم. (4) وفي رواية اخرى : انّكم تأتون أهل قرية لها دويّ بالقرآن كدوي النحل فلا تبدونهم بالأحاديث فيشغلونكم جردوا القرآن واقلّوا الرواية عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وامضوا وأنا شريككم فلما قدم قرظة قالوا : حدّثنا قال نهانا ابن الخطاب. (5) الهوامش 1. الطبقات الكبرى « لابن سعد » / المجلّد : 2 / الصفحة : 244 / الناشر : دار صادر ـ بيروت. 2. الطبقات الكبرى « لابن سعد » / المجلّد : 5 / الصفحة : 188 / الناشر : دار صادر ـ بيروت. 3. كنز العمال « للمتقي الهندي » / المجلّد : 10 / الصفحة : 293 / الناشر : مؤسسة الرسالة ـ بيروت / الطبعة : 5. 4. الطبقات الكبرى « لابن سعد » / المجلّد : 6 / الصفحة : 7 / الناشر : دار صادر ـ بيروت. 5. مستدرك الحاكم « للحاكم النيسابوري » / المجلّد : 1 / الصفحة : 102 / الناشر : دار الفكر.
السيّد جعفر علم الهدى | الجواب: من المسلّمات عند أهل السنّة والشيعة أنّ فاطمة الزهراء عليها السلام لم تبايع أبا بكر قطعاً ، بل اعترضت عليه واستنكرت خلافته وخطبت بين الجماهير المسلمة تطالب بحقّها في فدك الذي منحها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في حياته ، امتثالاً لأمر الله تعالى : ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ... ) (1). وذكرت في خطبتها مع نساء الأنصار أنّ الخلافة والإمامة حقّ شرعي لعلي بن أبي طالب عليه السلام ، وأنّ القوم نكثوا عهودهم حسداً وحقداً لأميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، حيث قتل آباءهم وإخوانهم وأبناء عشيرتهم في سبيل الدفاع عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وعن الإسلام. وقد روى هذه الخطب علماء أهل السنّة فضلاً عن الشيعة ؛ فراجع بلاغات النساء (2) ، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي (3) ، وأعلام النساء (4). قالت عليها السلام في خطبتها الأولى تخاطب أبابكر والمهاجرين : فلمّا اختار الله لنبيّه دار أنبيائه ، ومأوى أصفيائه ، ظهر فيكم حسكة النّفاق ، وسمل جلباب الدين ، ونطق كاظم الغاوين ، ونبغ خامل الأقلّين ، وهدر فنيق المبطلين ، فخطر في عرصاتكم ، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفاً بكم ، فألفاكم لدعوته مستجيبين ، وللعزّة فيه ملاحظين ، ثم استنهضكم فوجدكم خفافاً ، وأحمشكم فألفاكم غضاباً ، فوسمتم غير إبلكم ووردتم غير مشربكم. (5) وقالت عليها السلام في خطبتها الثانية : ويحهم ، أنّى زحزحوها عن أبي الحسن ! ما نقموا والله منه إلّا نكير سيفه ، و نكال وقعه ، وتنمّره في ذات الله ، وتالله لو تكافّوا عليه عن زمام نبذه إليه رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) لاعتقله ، ثمّ لسار بهم سيراً سجحاً ، فإنّه قواعد الرسالة ، ورواسي النبوّة ، ومهبط الروح الأمين والبطين بأمر الدين في الدنيا والآخرة ( أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) . (6) وفي رواية اُخرى : ويحهم انى زحزحوها عن رواسي الرسالة وقواعد النبوة ومهبط الروح الامين والطبن بأمور الدنيا والدين ألا ذلک هو الخسران المبين وما الذي نقموا من ابي الحسن نقموا والله منه نکير سيفه وشدة وطأته ونکال وقعته و تنمره في ذات الله ويالله لو تكافؤا على زمام نبذه رسول الله صلى الله عليه لسار بهم سيراً سحجاً لا يكلم خشاشه ولا يتعتع راكبه ولا وردهم منهلا رويا فضفاضاً تطفح ضفتاه ولا صدرهم بطانا قد تحرى بهم الري غير متجل منهم يطائل بعمله الباهر وردعه سورة الساغب ولفتحت عليهم بركات من السماء وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون الا هلمن فأسمعن وما عشتن أراكن الدهر عجبا الى أي لجأ لجأوا واسندوا وبأي عروة تمسكوا ولبئس المولى ولبئس العشير استبدلوا والله الذنابى بالقوادم والعجز بالکاهل فرغما لمعاطس قوم « يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا » « أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ » « أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ». (7) روى هذه الخطبة ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة : قال أبوبكر : وحدّثنا محمّد بن زكريّا ، قال : حدّثنا محمّد بن عبد الرّحمن المهلّبي ، عن عبد الله بن حمّاد بن سليمان ، عن أبيه ، عن عبد الله بن حسن بن حسن ، عن أمّه فاطمَة بنتِ الحسين عليهما السلام. (8) وممّا يدلّ على بطلان خلافة أبي بكر ، أنّ فاطمة الزهراء وهي المعصومة بنصّ القرآن الكريم ، حيث قال : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (9) ، امتنعت من بيعته وبايعت علياً عليه السلام الذي نصّ على خلافته رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في غدير خمّ أمام الآلاف من المهاجرين والأنصار وساير المسلمين ، وقال : من كنت مولاه ، فعليٌّ مولاه (10). وقد صرّح المؤرّخون واتّفقت الروايات أنّ فاطمة الزهراء عليها السلام ماتت وهي ساخطة على أبي بكر وعمر ، وصرّحت بأنّهما آذياها وما ارضياها ، وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما آذاها (11). قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : إنَّ الله ليغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها. (12) قال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة ، بعد أن ذكر قصّة دخول أبي بكر وعمر على فاطمة وعيادتها لها : فلمّا قعدا عندها ، حولت وجهها إلى الحائط ، فسلما عليها ، فلم ترد عليهما السلام ، فتكلم أبو بكر فقال : يا حبيبة رسول الله ! والله إن قرابة رسول الله أحب إلي من قرابتي ، وإنك لأحب إلي من عائشة ابنتي ، ولوددت يوم مات أبوك أني مت ، ولا أبقى بعده ، أفتراني أعرفك وأرف فضلك وشرفك وأمنعك حقك وميراثك من رسول الله ، إلا أني سمعت أباك رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « لا نورث ، ما تركنا فهو صدقة » ، فقالت : أرأيتكما إن حدثتكما حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرفانه وتفعلان به ؟ قالا : نعم. فقالت : نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله يقول : رضا فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني ، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني ؟ قالا : نعم سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ قالت : فإني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه ... (13) وأخرج البخاري في صحيحه باب فرض الخمس عن عائشة : أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيهَا السَّلَامُ ، ابْنَةَ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم : سَأَلتْ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم أَنْ يَقْسِمَ لَهَا مِيرَاثَهَا مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم ممَّا أَفَاءَ الله عَلَيهِ. فَقَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ : إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ : « لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَهً ». فَغَضِبَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم فَهَجَرَتْ أَبَا بَكْرٍ ، فَلَمْ تَزَل مُهَاجِرَتَهُ حَتَّى تُوُفّيَتْ ، ... (14) وقد بلغ غضبها على أبي بكر إلى درجة أنّها أوصت بأن تدفن ليلاً ، وان لا يدخل عليها أحد ، ولا يصلّي عليها أبو بكر ؛ فدفنت ليلاً ولم يشعر بها أبو بكر ، وصلّى عليها علي عليه السلام ، وهو الذي غسّلها مع أسماء بنت عميس. (15) الهوامش 1. الأسراء : 26. 2. راجع : بلاغات النساء « لابن طيفور » / الصفحة : 12 ـ 20 / الناشر : المكتبة البصيرتي ـ قم. 3. راجع : شرح نهج البلاغة « لابن أبي الحديد » / المجلّد : 16 / الصفحة : 249 ـ 253 / الناشر : مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي. 4. راجع : أعلام النساء المؤمنات « لحسن محمّد » / المجلّد : 1 / الصفحة : 642 ـ 650 / الناشر : الدار الأسوة للطباعة والنشر. 5. الاحتجاج « للشيخ الطبرسي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 263 ـ 264 / الناشر : انتشارات اسوه / الطبعة : 1. راجع : شرح نهج البلاغة « لابن أبي الحديد » / المجلّد : 16 / الصفحة : 251 / الناشر : مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي. راجع : أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء البغداد « لمقاتل بن عطية » / المجلّد : 1 / الصفحة : 283 / الناشر : مؤسّسة الأعلمي / الطبعة : 1. راجع : بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 29 / الصفحة : 225 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. 6. الأمالي « للشيخ الطوسي » / الصفحة : 375 / الناشر : دار الثقافة ـ قم. 7. بلاغات النساء « لابن أبي طيفور » / الصفحة : 20 / الناشر : المكتبة البصيرتي ـ قم. 8. شرح نهج البلاغة « لابن أبي الحديد » / المجلّد : 16 / الصفحة : 233 / الناشر : مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي / الطبعة : 2. 9. الأحزاب : 33. 10. سنن الترمذي / المجلّد : 5 / الصفحة : 238 ـ 239 / الناشر : دار ابن كثير ـ بيروت / الطبعة : 1. راجع : المصنف « لابن أبي شيبة » / المجلّد : 7 / الصفحة : 495 / الناشر : دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ـ بيروت. راجع : المعجم الكبير « للطبراني » / المجلّد : 4 / الصفحة : 17 / الناشر : مكتبة ابن تيمية ـ القاهرة. راجع : الدر المنثور : « للسيوطي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 259 و 293 / الناشر : دار المعرفة ـ بيروت. 11. اقبال الأعمال « لسيّد بن طاووس » / المجلّد : 3 / الصفحة : 164 / الناشر : مركز انتشارات دفتر تبليغا اسلامي ـ قم / الطبعة : 3. راجع : السنن الكبرى « للنسائي » / المجلّد : 5 / الصفحة : 147 / الناشر : دار الكتب العلميّة ـ بيروت. راجع : صحيح مسلم / المجلّد : 4 / الصفحة : 252 ـ 253 / الناشر : دار الخير ـ دمشق / الطبعة : 1. 12. الأمالي « للشيخ للمفيد » / الصفحة : 94 ـ 95 / الناشر : منشورات جامعة المدرسين في الحوزة العلميّة ـ قم. راجع : الأمالي « للشيخ للصدوق » / الصفحة : 467 / الناشر : مؤسّسة البعثة ـ قم / الطبعة : 1. راجع : الأمالي « للشيخ الطوسي » / الصفحة : 427 / الناشر : مؤسّسة البعثة ـ قم / الطبعة : 1. راجع : بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 21 / الصفحة : 279 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. 13. الإمامة والسياسة « لابن قتيبة الدينوري » / المجلّد : 1 / الصفحة : 31 / الناشر : انتشارات الشريف الرضي ـ قم. 14. صحيح البخاري / المجلّد : 2 / الصفحة : 338 / الناشر : انتشارات دار الكتب العلميّة ـ بيروت. 15. راجع : طبقات الكبرى « لابن سعد » / المجلّد : 8 / الصفحة : 29 ـ 30 / الناشر : دار الصادر ـ بيروت. راجع : رسائل الجاحظ ـ رسائل السياسيّة ـ « لعمرو بن بحر » / الصفحة : 467 / الناشر : دار ومكتبة الهلال ـ بيروت. راجع : حلية الأولياء وطبقات الأصفياء « لأبي نعيم الأصبهاني » / المجلّد : 2 / الصفحة : 42 ـ 43 / الناشر : دار القرى للطباعة والنشر ـ قاهرة. راجع : المستدرك على الصحيحين « للحاكم النيسابوري » / المجلّد : 3 / الصفحة : 162 ـ 163 / الناشر : دار الكتب العلميّة ـ بيروت.