من سماحة السيّد علي الحائري إنّما سكت (عليه السلام) ولم يحاربهم تنفيذاً لأمر النبيّ (صلّى الله عليه وآله ) ، فلقد كان وصّاه با ووصّى الزهراء (سلام الله عليها) أيضاً بالصّبر والتحمّل ، وعدم المحاربة ؛ وذلك حفاظاً على المصلحة العليا للإسلام التي كانت تقتضي ـ في ذاك الظرف ـ الحفاظ على الهدوء والاستقرار في المجتمع الإسلامي ، وعدم التشتّت والتمزّق في ما بين المسلمين ، وحفظ وحدتهم أمام الكفّار ، وبدون ذلك فإنّ الخطر يهدّد أصل كيان الإسلام . أمّا المعارضة والمخالفة والإعلان عن الامتناع عن البيعة عمّ شومها الإسلام ، والاحتجاج على القوم ، فهذا أمر لابدّ منه ، وقد حصل من قبل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ، ومن قبل الصدّيقة الزهراء (سلام الله عليها) ؛ وذلك لكي تتضّح المسألة لدى المسلمين ، ولدى الأجيال القادمة ، ويكونوا على بصيرة من موقف الإمام والزهراء(سلام الله عليهما) من هذه الخلافة الغاصبة ، ولا يتوّهم أحد أنّ البيعة كانت طبيعيّة ، والخلافة حقّة ، وأنّ المسلمين أجمعوا على ذلك بمَن فيهم وصيّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله ) ، وصهره ، وحبيبه ، فالمعارضة إنّما هي لتسجيل الموقف . أمّا السكوت عن المحاربة ؛ فلأنّه (عليه السلام) كان مأموراً بالسكوت ، والذي تعهّده فيه هو أنّه المقدام أيضاً في تنفيذ أوامر رسول الله (صلّى الله عليه وآله ) .
الجواب من السيّد علي الحائري: فالجواب هو : أنّ حاجة الإنسان إلى « الدين » حاجة ثابتة في حياة الإنسان ، لا تتغيّر ولا تزول ما دام الإنسان يعيش على ظهر هذا الكوكب ، فإنسان عصر الكهرباء والفضاء بحاجة ماسّة إلى « الدين » كما كان إنسان عصر الطاحونة اليدويّة بحاجة إليه ، فإنّ « الدين » هو الوحيد القادر على إشباع بعض الحاجات الثابتة في كيان الإنسان والمخلوقة معه دائماً مهما تطوّرت حياته ونمت سيطرته على الطبيعة ووسائل عيشه فهو يشبع حاجة الإنسان الذي يزاول اليوم عمليّة تحريك الآلة بقوّة « الذّرة » ، كما يُشبع حاجة الإنسان الذي كان يحرث الأرض بمحراثه اليدوي. والسؤال الذي نواجهه هنا هو أنّه ما هو هذا الدور الإيجابي الفعّال الثابت للدين في حياة الإنسان ؟ وما هي تلك الحاجة أو الحاجات الثابتة في الإنسان ، والتي لا علاج لها إلّا « الدين » ؟ هل هناك حقّاً حاجة ثابتة في حياة الإنسان منذ القديم منذ أن بدأ « الدين » دوره التربوي للإنسان وظلّت هذه الحاجة حاجة إنـسانيّة حيّة ثابتة باستمرار إلى يومنا هذا ، وسوف تبقى حاجة إنـسانيّة ثابتة ما دامت الإنسانيّة ثابتة وموجودة ؟ وقـد يبدو في النظرة الأولى أن افتراض حاجة ثابتة من هذا القبيل ليس مقبولاً ، ولاينطبق على واقع حياة الإنسان حينما نقارن بين إنسان اليوم وإنسان الأمس البعيد ، لأنّنا نجد أنّ الإنسان يبتعد ـ باستمرار ـ في طريقة حياته ومشاكلها ، وعوامل تطوّر حياته عن الإنسان القديم. وهذا الابتعاد المستمرّ يفرض تـحوّلاً أساسيّاً في كلّ حاجاته وهمومه ومتطلّباته ، وبالتالي في طريقة علاج الحاجات وتنظيمها ، فكيف بإمكان « الدين » أن يؤدّي دوراً حقيقياً على هذه الساحة الممتدّة زمنياً مـن حياة الإنسانيّة ، على الرغم من التطوّر الكبير في الوسائل وأساليب الحياة ؟ إلّا أنّ هذه النظرة خاطئة ، لأنّ التطوّر الذي حصل إنّما يفرض التغيّر في علاقة الإنسان بالطبيعة ، وما تتّخذه هذه العلاقة من أشكال مادّية ، فالزراعة مثلاً التي تمثّل علاقة الإنسان المزارع بالأرض تتطوّر ـ شكلاً ومضموناً ـ من الناحية المادّية تبعاً للتطوّر الكبير الذي حصل في الوسائل وأساليب الحياة. لكن تبقى علاقة الإنسان بربّه ، وعلاقة الإنسان بالإنسان ، وفي كلتا هاتين الـعلاقتين نجد أنّ الإنسان دائماً وعلى مسار التاريخ يعيش عدداً من الحاجات والمشاكل الثابتة التي يواجهها إنسان عصر الزيت ، وإنسان عصر الكهرباء على السواء. و « الدين » علاج ثابت لحاجات ثابتة من هذا النوع ولمشاكل ليست ذات طبيعة مـرحلية ، بل تواجه الإنسان باستمرار , ولا يزال هذا العلاج الذي يعبّر عنه « الدين » حيّاً في أهدافه حتّى اليوم ، وشرطاً أساسيّاً في تغلّب الإنسان على مشاكله ونجاحه في ممارساته الحضارية. فإنسان عصر الفضاء والذّرة إذا أراد إشباع كلّ حاجاته والتغلّب على كلّ مشاكله فلا محيص له عن « التديّن » ، وإدخال « الدين » في صميم حياته. وفيما يلي نشير إلى بعض الحاجات والمشاكل في حياة الانسان والدور الذي يمارسه « الدين » في إشباع تلك الحاجات والتغلّب على هذه المشاكل. ونركّز في هذا العجالة وفي هذا البحث المحدود على حاجتين أساسيتين من حاجات الإنسان الثابتة دائماً وفي كلّ العصور : الأولى : حاجة الإنسان إلى الارتباط بالمطلق ، فإنّ « الدين » يكرّس علاقة الإنسان بربّه ، وهذه العلاقة لا يستغني عنها الإنسان أبداً مهما تطوّرت حياته من الناحية المادّية ، فهي من الحاجات الثابتة للإنسان في مسيرته وتحرّكه وتكامله. ولنوضحّ كيف أنّ هذه العلاقة حاجة دائميّة للإنسان ؟ وكيف أنّ « الدين » يكرّس هذه العلاقة ؟ إذا لاحظنا الأدوار التاريخيّة المختلفة لحياة الإنسان وجدنا أنّ هناك مشاكل متنوّعة يعاني منها الإنسان على مرّ التاريخ في تحرّكه ، ولكنّنا إذا تجاوزنا السطح ونفذنا إلى عمق المشكلة وجوهرها إستطعنا أن نحصّل على مشكلة رئيسيّة ذات حدين أو جانبين. فهي من زاوية تعبّر عن مشكلة « الضياع » و « اللّا انتماء » ، وهذا يمثّل الجانب السلبي من المشكلة ، ومن زاوية اُخرى تعبّر عن مشكلة « الغلوّ في الانتماء والانتساب » ، أيّ مشكلة تحويل الإنسان الحقائق النسبيّة التي ينتمي إليها إلى حقائق مطلقة ، وهذا يمثّل الجانب الإيجابي من المشكلة. وقد أطلقت الشريعة الإسلاميّة على المشكلة الأولى اسم « الإلحاد » ، باعتبار أنّ الإلحاد المثل الواضح لمشكلة ضياع الإنسان ، ولا انتمائه. وأطلقت على المشكلة الثانية اسم « الشرك » و « الوثنية » ، باعتبار أنّ الشرك هو المثل الواضح أيضاً لمشكلة غلوّ الإنسان في انتماءه « مشكلة تحويل الحقيقة النسبيّة إلى حقيقة مطلقة ». وفي الحقيقة إنّ جهاد الإسلام المستمرّ ضدّ « الإلحاد » وضدّ « الشرك » هو جهاد ضدّ هاتين المشكلتين بكامل بُعديهما التاريخيّين. وهاتان المشكلتان تلتقيان في نقطة واحدة أساسيّة وهي إعاقة حركة الإنسان في تطوّره وتكامله عن الاستمرار الخلّاق المبدع الصالح ، لأنّ مشكلة « الضياع » تعني بالنسبة إلى الإنسان أنّه صيرورة مستمرة تائهة لا تنتمي إلى « مطلق » يسند إليه الإنسان نفسه في مسيرته الشاقّة الطويلة المدى ، ويستمدّ من إطلاقه وشموله العون والمدد والرؤية الواضحة للهدف ، ويربط من خلال ذلك « المطلق » حركته بالكون ، بالوجود كلّه ، بالأزل والأبد ، ويجدّد موقعه منه. فالتحرّك الضائع بدون « مطلق » هو في الواقع تحرّك عشوائي كريشة في مهبّ الريح ، تنفعل بالعوامل من حولها ، وتتأثر بها ولا تؤثّر فيها. وما من إبداع وعطاء في مسيرة الإنسان الكبرى على مرّ التاريخ إلّا وهو مرتبط بالاستناد إلى « مطلق » ، والالتحام معه في سير هادف. غير أنّ هذا الارتباط بالمطلق نفسه يواجه من ناحية أُخرى الجانب الآخر من المشكلة ، أيّ مشكلة « الغلوّ في الانتماء والارتباط » من خلال تحويل « النسبيّ » إلى « مطلق » وهي مشكلة تواجه الإنسان باستمرار ، وذلك حينما ينسج الإنسان ولاءه لقضيّة من القضايا ـ من قبيل قضية « العشيرة » أو « الوطن » أو « العنصر والدم » أو « اللون » أو « الحزب » أو « المال » أو « السلطة » أو أيّ قضيّة أُخرى ـ لكي يمدّه هذا الولاء بالقدرة على الحركة ومواصلة السير ، إلّا أنّ هذا الولاء يتجمّد تدريجيّاً ويتجرّد عن ظروفه النسبيّة التي كان صحيحاً ضمنها وينتزع الذهن البشري من هذا « النسبيّ » الذي انتمى إليه ومنح ولاءه له « مطلقاً » لا حدّ له ، فيقدّم الإنسان حينئذٍ بالاستجابة إلى كلّ مطالب هذا « النسبيّ » الذي تحوّل لديه إلى « مطلق » ، وبالتعبير الديني يتحوّل إلى « إله » يُعبد بدلاً عن « حاجة » يُستجاب لإشباعها. وحينما يتحوّل « النسبيّ » إلى « مطلق » و « إله » يُعبد ، يُصبح بنفسه سبباً في تطويق حركة الإنسان وتجميد قدراته على التطوّر والإبداع يُصبح سبباً لإقعاد الإنسان عن ممارسة الإنسان دوره الطبيعي المفتوح في المسيرة. قال الله تعالى في القراآن الكريم : ( لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّـهِ إِلَـٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا ) [ الإسراء : 22 ] . وهذه حقيقة صادقة على كلّ « الآلهة » التي صنعها الإنسان عبر التاريخ سواء ما كان قد صنعه في المرحلة الوثنيّة من العبادة أو في المراحل اللاحقة ، فنحن نجد سلسلة من « الآلهة » التي أعاقت الإنسان عن التقدّم الصالح بسبب قيام الإنسان نفسه بتأليهها والتعامل معها كـ « مطلق » فابتدائاً من « العشيرة والقبيلة » ، ومروراً بـ « اللون » و « العنصر والدّم » و « الوطن » وما إلى ذلك ، وانتهاءاً بـ « العلم » ، كلّها آلهة مصطنعة ومن نسيج ذهن الإنسان نفسه. نعم من « القبيلة » التي كان الإنسان البدوي يمنحها ولاءه باعتبارها حاجة واقعيّة بحكم ظروف حياته الخاصّة ثمّ غلا هذا الإنسان في ولاءه للقبيلة ، فتحوّلت عنده إلى « مطلقٍ » ، لا يُبصر شيئاً إلّا من خلالها تجرّد هذا « النسبيّ » عن تلك الظروف النسبيّة التي كان صحيحاً ومقبولاً في ضمنها وانتزع ذهن الإنسان منه « مطلقاً » ، لا حدّ للاستجابة إلى مطالبه ، فأصبحت « القبيلة » بذلك مُعيقة له عن التقدّم والنموّ والتكامل ، وعلى حدّ تعبير القرآن الكريم قعدت به مذموماً مخذولاً. إلى « العلم » الذي منحه الإنسان الحديث ـ بحقّ ـ ولاءه ، لأنّه شقّ له طريق السيطرة على الطبيعة ، ولكن هذا الإنسان غلا ـ أحياناً ـ في ولاءه لـ « العلم » ، فتحوّل إلى ولاء مطلق ، تجاوز به حدوده ، وانتزع الإنسان المفتون بالعلم من « العلم » « مطلقاً » و « آلهاً » يعبده ويقدّم له فروض الطاعة والولاء ويرفض من أجله كلّ القيم والحقائق التي لا تمتدّ يدّ « العلم » إليها ولا يمكن قياسها بالأمتار أو رؤيتها بـ « المجهر ». فكلّ محدود ونسبيّ إذا نسج الإنسان منه في مرحلة ما « مطلقاً » يرتبط به على هذا الأساس ، يصبح في مرحلة رشدٍ ذهنيٍ جديدٍ قيداً على الذهن الذي صنعه ، بحكم كونه محدوداً ونسبياً. فلابدّ للإنسانيّة في مسيرته من « مطلق ». هذا أوّلاً. ولابدّ من أن يكون مطلقاً حقيقيّاً يستطيع أن يستوعب المسيرة الإنسانيّة ويهديها سواء السبيل مهما تقدّمت المسيرة وامتدّت على خطّها الطويل ، ويستطيع أيضاً أن يمحو من طريق المسيرة الإنسانيّة كلّ « الآلهة » الذين يطوّقون المسيرة ويعيقونها. هذا ثانياً. وبهذين الأمرين تعالج المشكلة التي ذكرناها بكلا جانبيها ، السلبي « الضياع » والإيجابي « الغلوّ ». وهذا العلاج يتمثّل في ما قدّمته السماء إلى الأرض من عقيدة « الإيمان باللّه » بوصفه « المطلق » الذي يمكن أن يربط الإنسان المحدود مسيرته وحركته به دون أن يسبّب له أيّ تناقض على الطريق الطويل. فالإيمان باللّه يعالج الجانب السلبي من المشكلة ويرفض الضياع والإلحاد واللّا انتماء ، لأنّ الإيمان باللّه تعالى يضع الإنسان في موضع المسؤولية وينيط « الكون » بحركته وتدبيره ، ويجعله خليفة اللّه في الأرض. و « الخلافة » تستبطن « المسؤوليّة » ، والمسؤولية تضع الإنسان بين قطبين ، بين « مستخلفٍ » يكون الإنسان مسؤولاً أمامه ، و « جزاءٍٍ » يتلقّاه الإنسان تبعاً لتصرّفه ، أيّ بين « اللّه » و « اليوم الآخر » ، بين « المبدأ » و « المعاد » ، بين الأزل والأبد ، والإنسان يتحرّك في هذا المسار تحرّكاً مسؤولاً هادفاً. والإيمان باللّه تعالى يعالج الجانب الإيجابي من المشكلة ـ مشكلة الغلوّ في الانتماء التي تفرض المحدوديّة على الإنسان ، وتشكّل عائقاً عن تقدّمه في مسيرته ـ وذلك على الوجه التالي : أوّلاً : إنّ هذا الجانب من المشكلة كان ينشأ من تحويل المحدود والنسبيّ إلى مطلق وذلك من خلال عمليّة تصعيد ذهني وتجريد للنسبيّ من ظروفه وحدوده. وأمّا « المطلق » الذي يقدّمه الإيمان باللّه تعالى للإنسان فهو لم يكن من نسيج مرحلةٍ من مراحل الذهن الإنساني ليصبح في مرحلة رشدٍ ذهنيٍ جديدٍ قيداً على الذهن الذي صنعه ، ولم يكن وليد حاجة محدودة لفردٍ أو لفئةٍ كي يتحوّل ـ بسبب انتصابه مطلقاً بلا حدود ـ إلى سلاح بيد ذاك الفرد أو تلك الفئة لضمان استمرار مصالحها اللّا مشروعة. فاللّه تبارك وتعالى مطلق لا حدود له ، ويستوعب ـ بصفاته الثبوتيّة ـ كلّ المُثُل العليا للإنسان الخليفة على الأرض ، من إدراك وعلم وقدرة وقوّة وعدل وغنى. وهذا يعني أنّ الطريق إلى الله تعالى لا حدّ له ، فالسير نحوه يفرض التحرّك النسبيّ نحو المطلق باستمرار وتدرّج بدون توقّف. قال الله تعالى في القرآن الكريم : ( يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ) [ الإنشقاق : 6 ] . ويعطي لهذا التحرّك مُثُله العليا المنتزعة من الإدراك والعلم والقدرة والعدل وغيرها من صفات ذلك المطلق الذي تكدح المسيرة الإنسانيّة نحوه. فالسير نحو مطلقٍ ، كلّه علم وكلّه قدرة وكلّه عدل وكلّه غنى ، معناه أن تكون المسيرة الإنسانيّة كفاحاً متواصلاً باستمرار ضدّ كلّ جهل وعجز وظلم وفقر. وما دامت هذه هي أهداف المسيرة المرتبطة بهذا المطلق فهي إذن ليست تكريساً للإله ، وإنّما هي جهاد مستمرّ من أجل الإنسان وكرامته وتحقيق تلك المُثُل العليا له. قال تعالى : ( وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) [ العنكبوت : 6 ] . ( فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ) [ الزمر : 41 ] . وعـلـى العكس من ذلك المطلقات الوهميّة والآلهة المزيّفة ، فإنّها لا يمكن أن تستوعب المسيرة بكلّ تطلّعاتها ، لأنّ هذه المطلقات المصطنعة وليدة ذهن الإنسان العاجز أو حاجة الإنسان الفقير أو ظلم الإنسان الظالم ، فهي مرتبطة ارتباطاً عضوياً بالجهل والعجز والظلم ولا يمكن أن تبارك كفاح الإنسان المستمرّ ضدّها. ثانياً : إنّ الارتباط باللّه تعالى بوصفه « المطلق » المستوعب لكلّ تطلّعات المسيرة الإنسانيّة ، يعني في الوقت نفسه رفض كلّ تلك المطلقات الوهميّة الكاذبة والآلهية المصطنعة التي كانت تشكّل ظاهرة « الغلوّ في الانتماء » ، ويعني : خوض حـرب مستمرّة ونضال دائم ضدّ كلّ ألوان الوثنية والتأليه المصطنع. وبهذا يتحرّر الإنسان من سراب تلك المطلقات الكاذبة التي تقف حاجزاً دون سيره نحو اللّه وتزوّر هدفه النزيه ، وتطوّق مسيرته التكامليّة اللّا محدودة. تأمّل في القرآن الكريم حيث يقول في الآيات الشريفة البديعة الرائعة التالية : ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّـهَ عِندَهُ ) [ النور : 39 ] . ( مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّـهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ) [ يوسف : 40 ] . ( أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّـهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) [ يوسف : 39 ] . ( ذَٰلِكُمُ اللَّـهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ) [ فاطر : 13 ] . ونـحـن إذا لاحظنا الشعار الرئيسي الذي طرحته السماء بهذا الصدد : « لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ » ، نجد أنّه قد قُرن فيه بين ربط الإنسان بالمطلق الحقّ وبين رفض كلّ مطلق كاذب ومصطنع. وجاء تاريخ المسيرة الإنسانيّة في واقع الحياة على مرّ الزمن ليؤكّد الارتباط العضوي بين هذاالرفض وذلك الربط والشدّ الوثيق الواعي إلـى اللّه تعالى ، فبقدر ما يبتعد الإنسان عن « الإله الحقّ » ينغمس في متاهات « الآلهة » و « الأرباب المتفرّقين ». فالرفض والإثبات المندمجان في « لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ » هما وجهان لحقيقة واحدة ، وهي حقيقة لا تستغني عنها المسيرة الإنسانيّة على مدى خطّها الطويل ، لأنّها الحقيقة الجديرة بأن تُنقِذ المسيرة من « الضياع » وتساعد على تفجير كلّ طاقاتها المُبدِعة وتحرّرها من كلّ « مطلق » كاذب معيق. والإنسان وُلِد مشدوداً بطبيعته إلى المطلق ، لأنّ علاقته بالمطلق أحد مقوّمات نجاحه وتغلّبه على مشاكله ولا توجد تجربة أشمل وأوسـع مـن تـجربة « الإيمان » في حياة الإنسان ، فإنّ « الإيمان » كان ظاهرة ملازمة للإنسان منذ أبعد العصور وفي كلّ مراحل التاريخ ، وهذا التلازم الاجتماعي المستمرّ بين « الإنسان » و « الإيمان » يبرهن ـ تجريبيّاً ـ على أنّ النزوع إلى « المطلق » والتطلّع إليه اتّجاه أصيل في الإنسان مهما اختلفت أشكال هذا النزوع ، وتنوّعت طرائقه ودرجات وعيه. إذن فالإيمان باللّه تعالى والشعور العميق بالتطلّع نحو الغيب والانشداد إلى المطلق ، غريزة متجذّرة في الإنسان وضرورة ثابتة وحاجة مستمرّة في مسيرته ، إذ لا مسيرة بدون « مطلق » تنشدّ المسيرة إليه وتستمدّ منه مُثُلها ولا « مطلق » يستطيع أن يستوعب المسيرة على امتدادها الطويل ، سوى « المطلق الحقّ » تبارك وتعالى وما سواه من مطلقات مصطنعة يشكّل حتماً بصورة وأُخرى عائقاً عن نموّ المسيرة. فالارتباط بالمطلق الحقّ حاجة ثابتة ورفض غيره من المطلقات المصطنعة حاجة ثابتة أيضاً. ولا ارتباط بالمطلق الحقّ بدون تعبير عملي عن هذا الارتباط يؤكّده ويرسخه باستمرار ، وهذا التعبير العملي هو التديّن. هذه جهة من جهات حاجة الإنسان والمجتمع إلى التديّن وحاجة من حاجات الإنسان الثابتة دائماً ، والتي لا يُشبعها سوى « الدين ». كانت هذه هي الحاجة الأولى من الحاجتين الأساسيتين للإنسان اللتين وعدنا بالتركيز عليهما وهي حاجة الإنسان إلى الارتباط بالمطلق وعلاقته بربّه المطلق الحقّ ، وقد رأينا أنّ الإنسان لا يستغني أبداً مهما تطوّرت حياته المادّية عن هذا الارتباط وهذه العلاقة ، ورأينا أنّ الدين والتديّن هو الذي يكرّس هذه العلاقة ، ولا طريق آخر لإشباع هذه الحاجة الإنسانيّة الدائمة. الثانية : حاجة الإنسان إلى الإحساس والشعور الداخلي بالمسؤوليّة تجاه التزاماته الاجتماعيّة. فنحن إذا لاحظنا الإنسانيّة في أيّ فترة ٍمن تاريخها نجد أنّها تتّبع نظاماً معيّناً في حياتها وطريقة محدّدة في توزيع « الحقوق » و « الواجبات » بين الناس ، ونجد أيضاً أنّه بقدر ما يتوّفر لدى الإنسانيّة من « ضمانات » لالتزام الناس بذاك النظام ، وتطبيقه في حياته تكون الإنسانيّة أقرب إلى الاستقرار وتحقيق الأهداف العامّة المتوخّاة من ذلك النظام. فكلّ نظام اجتماعي فاقدٍ لـ « ضمان التنفيذ » محكوم عليه بالفشل مُسبقَاً مهما أُوتي من عناصرة القوّة. هذه حقيقة تصدق على المستقبل والماضي على السواء ، ولا يختلف فيها إنسان عصر الفضاء والذرّة عن إنسان عصر الآلة اليدويّة ، لأنّها من الحقائق الثابتة في مسيرة الإنسان على المدى الطويل. و « ضمان التنفيذ » على قسمين : فهناك ضمانات موضوعيّة كالعقوبات التي توضع تأديباً للفرد الذي يتجاوز حدوده وهناك ضمان ذاتي نابع من ذات الإنسان وداخله ، وهو الإحساس والشعور الداخلي بالمسؤوليّة تجاه التزاماته الاجتماعيّة ، وما يُفرض عليه من « واجبات » وما يحدّد له من « حقوق ». والقسم الأوّل ـ أيّ الضمان الموضوعي ـ وإن كان له دور كبير في السيطرة على سلوك الأفراد وضبطه ، حيث إنّه لا شكّ في أنّ العقوبات التي توضع لتأديب الأفراد المتجاوزين عن حدودهم ، والمتخلّفين عن تطبيق النظام لها الأثر الواضح في الحدّ من التجاوزات والتخلّفات. إلّا أن هذا القسم من الضمان لا يكفي وحده في كثير من الأحيان ما لم ينضمّ إليه القسم الثاني ، وهو الضمان الذاتي الذي ينبثق من الشعور الداخلي لكلّ فرد بالمسؤولية ، لأنّ الرقابة الخارجية على الفرد ـ المتمثّلة في قوى الأمن والجيش والبوليس والقضاء والعقوبات من السجن وغيره ـ مهما كانت دقيقة وشاملة لا يمكن عادةً أن تضمن الإحاطة بكلّ الأمور التي تقع في المجتمع واستيعاب كلّ الوقائع التي تحدث من قبل الأفراد ، فما لم يشعر كلّ فرد من داخله بالمسؤولية تجاه واجباته والتزاماته ، وتجاه حقوقه وحقوق الآخرين لا يتحقّق الاستقرار التامّ والأمن الكامل في المجتمع ، هذا واضح جدّاً ، ولا يمكن إنكاره وتجاوزه. وهذا الشعور الداخلي بالمسؤوليّة لا يتحقّق ـ من الناحية العمليّة الحيّة ـ في حياة الإنسان ما لم يكن الإنسان مؤمناً برقابة لا يعزب عن علمها مثقال ذرّة في السماوت ولا في الأرض ، وهذه الرقابة الشاملة إنّما تتواجد في حياة الإنسان نتيجةً لارتباطه بـ « المطلق الحقّ العليم القدير الذي أحاط علمه بكلّ شيء » ، فإنّ هذا الارتباط بنفسه يوفّر للإنسان هذه الرقابة ويهيّء بذلك إمكانيّة نشوء الشعور الداخلي بالمسوؤليّة. وإذا نشأ هذا الشعور الداخلي بالمسؤوليّة في كيان كلّ فرد ونما واعتاد الفرد على التصرّف بموجبه ، كان هذا الفرد هو المواطن الصالح في المجتمع وهو الإنسان الذي لا يتخلّف عن أداء حقوق الآخرين المشروعة ، ولا يتجاوز حدوده ولا يتعدّي على أحد ، لا بسبب خوفه من ردّ الفعل الاجتماعي على هذا التخلّف والتجاوز والتعدّي بل بسبب الخوف من الله العليم القدير الذي يعلم كلّ شيء ويقدر على كلّ شيء ، وهذا هو الأساس المتين والصحيح للمواطنة الصالحة. فلا يكفي ـ لكي يكون الفرد مواطناً صالحاً ـ أن لا يتخلّف خوفاً من ردّ الفعل الاجتماعي على تخلّفه بل إنّما تتحقّق المواطنة الصالحة بأن لا يتخلّف الإنسان عن أداء حقوق الآخرين بدافعٍ من الإحساس والشعور الداخلي بالمسؤوليّة ، وذلك لأنّ الخوف من ردّ الفعل الاجتماعي على التخلّف لو كان وحده هو الأساس لالتزامات المواطنة الصالحة في المجتمع الصالح لأمكن التهرّب من الواجبات في حالات كثيرة حينما يكون بإمكان الفرد أن يُخفي تخلّفه أو يفسّره تفسيراً كاذباً لا يطابق الواقع أو يحمي نفسه من ردّ الفعل الاجتماعي بشكل وآخر فلا يوجد في هذه الحالات ضمان سوى الشعور الداخلي بالمسؤوليّة. ولعلّ هذا هو أحد أسرار تشريع العبادات في الشريعة حيث إنّ العبادة واجب غيبيّ بمعنى أنّ ضبطها بالمراقبة من خارج أمر مـسـتحيل فلا يمكن أن تنجح أيّ إجراءات خارجية لغرض الإتيان بها ، لأنّها متقوّمة بالقصد النفسي والربط الروحي للعمل باللّه تعالى ، وهذا أمر لا يدخل في حساب الرقابة الموضوعيّة من خارج ولا يمكن لأيّ إجراء قانوني أن يكفّل تحقيقه ، وإنّما الرقابة الوحيدة الممكنة في هذا المجال هي الرقابة الناتجة عن الارتباط بالمطلق الغيب الذي لا يعزب عن علمه شيء ، والضمان الوحيد الممكن هنا هو الشعور الداخلي بالمسؤوليّة. وهذا يعني أنّ الإنسان الذي يمارس العبادة يباشر واجباً يـخـتلف عن أيّ واجب أو مشروع اجتماعي آخر ، فحين يقترض مالاً من شخص ويوفّي دينه أو حين يعقد صفقة تجاريّة وينفّذ شروطها وحين يستعير مالاً من غيره ثمّ يعيده إليه ، يباشر بذلك واجباً يدخل في نطاق الرقابة الاجتماعيّة رصده أيّ يمكن للمراقبة الخارجيّة أن ترصد هذا الواجب وتضمن حصوله وتحقّقه. وبهذا قد يتخّذ الفرد القرار بالقيام بهذا الواجب خوفاً من المراقبة الخارجيّة وتحسّباً لردّ الفعل الاجتماعي على التخلّف عن أداءه. وأمّا الواجب العبادي الغيبي الذي لا يعلم مدى مدلوله النفسي إلّا اللّه تبارك وتعالى فهو واجب لا يمكن للمراقبة الخارجية رصده ، ولذا فهو لا يصدر من الفرد إلّا نتيجةً للشعور الداخلي بالمسؤوليّة ، وخوفاً من الله تعالى. والحاصل أنّ الشعور الداخلي بالمسؤوليّة يترسّخ من خلال الممارسات العباديّة ويألف الإنسان العمل على أساس هذا الشعور ويكون الشعور ضماناً قوًياً لالتزام الفرد بما عليه من واجبات. هذا هو في الواقع نبذة من أسرار « الدين » وحاجة الفرد والمجتمع إلى التديّن ، وقد يتاح لنا في فرصة أُخرى الكلام عن أسراره الاخرى. والسّلام عليكم.
الجواب من السيّد علي الحائري: إنّ الشريعة لم تسمح للمكلّف بأن يقلّد في العقائد الدينيّة الأساسيّة ، وذلك لأنّ المطلوب شرعاً في أصول الدين هو أن يحصل للإنسان العلم واليقين بربّه ونبيّه ومعاده ودينه وإمامه ، فلابدّ لكلّ إنسان من أن يتحمّل بنفسه مسؤوليّة عقائده الدينيّة الأساسيّة بدلاً من أن يقلّد فيها ، ويحمّل غيره مسؤليّتها. وقد عنّف القرآن الكريم ـ بأشكال مختلفة ـ أولئك الذين يبنون عقائدهم الدينيّة ومواقفهم الأساسيّة من الدين ـ سواء في القبول أو الرفض ـ على التقليد للآخرين بدافع الحرص على طريقة الآباء مثلاً ، ووراثتها منهم والتعصّب لهم أو بدافع الكسل عن البحث والهروب من تحمّل المسؤوليّة. وليس تحصيل العلم واليقين بأصول الدين أمراً صعباً ، لأنّ هذه الأصول محدودة عدداً أوّلاً ، وليست كثيرة ومنسجمة مع فطرة الناس ثانياً بحيث يكون تحصيل العلم واليقين بها أمراً ميسوراً غالباً ، وهي من ناحية ثالثة ذات أهمّية قصوى في حياة الإنسان. فلذا كان من الطبيعي أن تكلّف الشريعة كلّ إنسان ببذل الجهد مباشرة في البحث عن هذه الأصول واكتشاف حقائقها ، وحتّى لو كان تحصيل العلم واليقين بأصول الدين صعباً على الإنسان ، فإنّه مع ذلك يجب عليه بذل الجهد لتذليل الصعوبة مهما كانت حتّى لو استغرق ذلك شطراً من عمره ، لأنّ عقيدة الإنسان هي أهمّ ما في « الإنسان » ، وليكن على ثقة بأنّه لو بذل جهده في هذا الطريق فسوف يفتح الله تعالى عينه على الحقيقة ويهديه إليها ، قال تعالى : ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) [ العنكبوت : 69 ] . ولا ننسى بهذا الصدد نقطة أُخرى وهي عبارة عن اختلاف مستويات الناس الفكريّة والثقافيّة ، فالإنسان الأمّي الجاهل يختلف في مستواه الفكري والثقافي عن الإنسان العالم ، ولذا فلا يجب على كلّ إنسان سوى النظر والبحث في أصول الدين بالقدر الذي يتناسب مع مستواه ويصل به إلى قناعة كاملة بالحقيقة تطمئن بها نفسه ويعمر بها قلبه ويتحمّل مسؤوليّتها المباشرة أمام ربّه. هذا هو الطريق للتعقّل والتدبّر في الدين وعدم التقليد في أصوله ، وهو أن تبذل جهدك في البحث عنها إلى أن يحصل لك اليقين بها ، ويزول عن نفسك كلّ شك وريب.
من سماحة السيّد علي الحائري أهداف القرآن الكريم ومقاصده تتلخّص في سعادة الإنسان ، وكماله المتناسب مع خلقته ، وهي متمثّلة في أمور ثلاثة : 1 ـ العقائد : التي هي أصول الدين ، وتشكّل البنية الأساسية ، والقاعدة الفكرية التي بَني عليها القرآن كلّ تشريعاته ومفاهيمه ، وهي عبارة عن إيمان الإنسان بربّه وخالقه ، وبنبيّه وبإمامه ، وباليوم الآخر ، إيماناً قائماً على أساس الاستدلال ، لا على أساس التقليد . 2 ـ الأحكام : التي هي فروع الدين ، وتشكّل البنية الفوقية ، والطابق العلوي في كيان الإسلام وبنائه ، وهي عبارة عن التشريعات الشاملة لكلّ جوانب حياة الإنسان من حين تكوّنه إلى حين جعله في ملحودة قبره . والطريق الطبيعي لتلقّي الإنسان هذه التشريعات ، والتعرّف عليها عادةً عبارة عن الرجوع إلى ذوي الخبرة والاختصاص بالشريعة ، وهم الفقهاء ، واتّباعهم ، والأخذ بآرائهم ، وهو ما يُسمّى بـ( التقليد) ، فالتقليد في أصول الدين مرفوض ، لكنّه واجب في فروع الدين . 3 ـ مكارم الأخلاق : والصفات الفاضلة ، والملكات الحسنة التي يربّي الإسلام من خلال القرآن الكريم والسنّة الشريفة الناس عليها ، وينمّي فيهم الاستعداد والتاهّل للتحلّي بها ، والسير عليها في علاقاتهم ، وقد جاء في الحديث الشريف عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : « إنّما بُعثت لأتّمم مكارم الأخلاق » . وأمّا أننا كيف نتعامل مع القرآن كأنّما أُنزل إلينا ؟ فهذا سؤال أجاب عليه القرآن الكريم نفسه في قوله تعالى : { الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } {البقرة / 1 ـ 2}. فالتقوى : هي الأرضية المساعدة والضرورية لتلقّي الإنسان الهداية من القرآن الكريم ، وبدون التقوى لايمكن الاهتداء بهدي القرآن ، والانتهال من منهله العذب ، والأرتواء من معينه الصافي . ولا نقصد بالتقوى أكثر من الالتزام والعمل بكلّ الواجبات الشرعية الملقاة على عاتق الإنسان ، وكذلك الاجتناب عن كلّ المعاصي والمحرّمات الشرعية التي نهت عنها الشريعة . وقد ذكرنا قبل قليل الطريق الطبيعي لمعرفة هذه الواجبات والمحرّمات وتحديدها ، وذلك من خلال التقليد ، واتّباع الأخصّائيين في علوم الشريعة ، وهم الفقهاء . هذا هو شأن القرآن ، فهو كتاب هدىً ، لكنّه هدىً للنفوس المستعدّة ، والقلوب المنفتحة ، أمّا النفوس المُعرِضة ، والقلوب المقفّلة ، فلا تهتدي بالقرآن إلاّ إذا أنبت المطر في الأرض السبخة الزرع والريحان !!!!! وفّقنا الله تعالى وإيّاكم للتقوى ، والسلام عليكم .
الجواب من السيّد علي الحائري: إنّ هذا التقسيم عقائدي قبل أن يكون فقهيّاً وهو تقسيم منبثق من صميم القرآن ، فإذا كان « الدين » هو الأصل والقاعدة وكانت « العقيدة » هي الركيزة الأساسيّة في كيان الإنسان ، وأهمّ عنصر من العناصر التي تتركّب منها شخصيّته. إذن فمن الطبيعي أن يكون « الإسلام » هو الحدّ الفاصل بين إنسان وإنسان ، لأنّ « الدين » عند الله تعالى ليس سوى « الإسلام ». قال الله تعالى : ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّـهِ الْإِسْلَامُ ) [ آل عمران : 19 ] . وقال تعالى أيضاً : ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) [ آل عمران : 85 ] . وكلمة « الإسلام » في الأصل وإن كانت تعني « التسليم » ، إلّا أنّ التسليم لله تعالى بعد أن بعث الرسول الأعظم محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لا يعني إلّا الإيمان بهذه الشريعة فقط دون غيرها من الشرائع السابقة ـ كاليهوديّة والنصرانيّة ـ. فالبشريّة جمعاء مدعوّة ـ منذ بعثة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى يوم القيامة ـ إلى الإيمان بالدين الذي جاء به هذا النبيّ وإلى اتّباعه في حلاله وحرامه. أمّا الإيمان بالأديان الأُخرى السابقة على بعثته صلّى الله عليه وآله وسلّم فليس تسليماً وانقياداً لله تعالى. إذن تقسيم العالم إلى « دار الكفر » و « دار الإسلام » تقسيم مبدئي ثابت قديماً وحديثاً وليس أمراً فقهيّاً فرعيّاً ثانويّاً قابلاً للنقاش كي يصحّ لنا السؤال عن أنّه هل تجاوز الواقع المعاصر هذا التصوّر ، وهذا التقسيم ؟ إنّ الواقع المعاصر لا يمكنه أن يتجاوز هذا التصوّر إلّا إذا تخلّى عن عقيدته ودينه واعترف بالتنوّع والتعدّد الديني ، ورأى أنّ كلّ الأديان السماويّة مقبولة عند الله تعالى ، بينما لاحظنا أنّ القرآن الكريم ينصّ على أنّ غير الإسلام ليس مقبولاً عند الله تعالى ، والله العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: نستميحكم العُذر سلفاً لنصحّح المقطع من سؤالكم : « ما هي أسس العلاقة بين المسلمين وإخوانهم في الإنسانيّة ؟ ». إنّ هذا التعبير يشمل على فكرة خاطئة وهي عبارة عن تصوّر أنّ غير المسلمين هم « إخوة » للمسلمين ، بينما الواقع ليس كذلك ، فنحن إنّما نعتبر الآخرين إخوةً لنا فيما إذا اعتبرهم الله تعالى إخوةً لنا ، ومن الواضح أنّ الله تعالى لم يعتبر غير المسلم أخاً للمسلم ولم يعترف بأيّ أُخوة بين المسلم وغير المسلم ، وإنّما الأُخوة المعترف بها رسميّاً من قبل الله تعالى في القرآن والسنّة مختصّة بالمؤمنين. قال الله تعالى : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) [ الحجرات : 10 ] . ولم يقل : إنّما الناس إخوة !!! نعم غير المسلم نظير المسلم في الخلق ، أيّ يشبهه في كونه إنساناً كما جاء التعبير بذلك في عهد الإمام أمير المؤمنين عليّ عليه الصلاة والسلام إلى واليه على مصر مالك الأشتر رضوان الله عليه : « الناس صنفان إمّا أخ لك في الدين ، أو نظير لك في الخلق » . وعلى هذا الضوء فالصيغة الصحيحة للسؤال هي : « ما هي أسس العلاقة بين المسلمين وبين سائر الناس ؟ ». ونحن قد سبق أن أجبنا على هذا السؤال في بعض الأسئلة الموجّهة إلينا ، فلا نطيل المقام بإعادة ذلك ، وعليه يمكنكم مراجعة الجواب المذكور في هذا الموقع ، وشكراً.
الجواب من السيّد علي الحائري: المحنة في الدنيا ابتلاء ، وفي الآخرة عقوبة. أمّا أنّها في الدنيا ابتلاء ، فلأنّ الدنيا ليست دار الجزاء أساساً ، ولم تُصمّم بالشكل الذي يؤهّلها لكي تكون محلّاً مناسباً لمنح المثوبات والعقوبات ، وإعطاء كلّ شخص جزاءه المناسب له ، بل هي دار الابتلاء والامتحان والعمل والزرع ، أمّا الحصاد ففي الآخرة. طبعاً هذه المحنة التي يواجهها الإنسان في الدنيا من دون أن يكون السبب في إيجادها. أمّا المحنة الناتجة من العمل الذي قام به الإنسان فهي أثر عمله شاء أم أبى ، فإنّ الدنيا يسوده نظام العلّية وهي دار الأسباب والمسبّبات ، فلكلّ عمل نتيجته طبيعيّة وحتميّة ، فإذا كانت المحنة نتيجته طبيعية لعمل الإنسان فهي لا امتحان وابتلاء إلهي ولا عقوبة إلهيّة. وأمّا أنّ المحنة في الآخرة عقوبة ، فلأنّ الآخرة هي دار الجزاء أساساً وليست دار العمل والابتلاء ، فكلّ محنة يواجهها الإنسان هناك هي في الواقع لون من ألوان العقوبة الإلهيّة ، والله العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: سبق أن تحدّثنا شيئاً ما ـ في الجواب على بعض الأسئلة الموجّهة إلينا ـ عن الحبّ من وجهة نظر الإسلام ، ونضيف هنا إلى أنّ « الحبّ في الله » هو أفضل أنواع الحبّ المرغوب فيه كما أنّ « البغض في الله » هو أفضل أنواع البغض المرغوب فيه. وعلى هذا الأساس كان « التوليّ » و « التبيريّ » من فروع الدين ، فتوليّ أولياء الله تعالى والتبريّ من أعدائه واجبان مهمّان إلى جنب الصلاة والزكاة والحجّ وغيرها ، بمعنى أن تحبّ مَن يحبّه الله تعالى وتبغض مَن يبغضه الله تعالى. أمّا حبّ أعداء الله تعالى فهو الحبّ المرفوض ، قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ ) [ الممتحنة : 1 ] . وقال أيضاً : ( لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ) [ المجادلة : 22 ] . وقال تعالى : ( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّـهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ) [ التوبة : 114 ] . إذن ليس الحبّ هو المطلوب والمرغوب فيه دائماً كما أنّ البغض ليس هو المرفوض دائماً ، ومن هنا نستنتج أنّ الإسلام قد ضبط عاطفة الحبّ هذه من خلال جعل المقياس عبارة عن رضا لله تعالى. فأقوى أنواع الحبّ ـ كحبّ النساء والبنين والمال ـ يجب أن يقاس بهذا المقياس وأن يتقيّد به ، فلا يطغى في الإنسان إلى الدرجة التي يغلب فيها الحبّ الله تعالى ورضاه : ( إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى ) [ العلق : 6 ـ 7 ] . عصمنا الله وإيّاكم منه.
الجواب من السيّد علي الحائري: لم يمنع الإسلام المرأة عن الخروج من البيت ولا عن التعلّم ولا عن المشاركة في الحياة السياسيّة أبداً. نعم على المرأة المتزوّجة أن تستأذن زوجها في الخروج من البيت ، وفلسفة ذلك واضحة ، فإنّ إدارة الحياة الزوجيّة جعلت في الإسلام بيد الزوج ، قال تعالى : ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ) [ النساء : 34 ] ، والسبب في ذلك هو أنّ الرجل أقوى في الإدارة من المرأة ، هذا أوّلاً. ثانياً لأنّ الرجل هو المموّل للحياة الزوجيّة ، فمن الطبيعي أن يكون المدير هو الفرد الأقوى إدارةً والمموّل الذي يُنفق ويتكفّل مصاريف الحياة الزوجيّة ، لاحظوا الآية الشريفة : ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّـهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) [ النساء : 34 ] . فإذا كانت الإدارة بيد الزوج ، فمن الطبيعي أن لا تخرج من البيت بدون الإذن المدير ، وأين هذا من منع الإسلام المرأة عن الخروج من البيت ؟ أمّا أنّ المشكلة أين تكمن ، فالجواب هو أنّها لا تكمن في عدم وضوح الموقف الشريعة بل تكمن في الأسباب والعوامل الأُخرى التي أشرتم في السؤال إلى بعضها ، والله العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: لا ، ليس الإسلام هو المسؤول عن تخلّف المسلمين بل هم المسؤولون عن ذلك : ( وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) [ النحل : 118 ] . ( إِنَّ اللَّـهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) [ الرعد : 11 ] . ( سُنَّةَ اللَّـهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّـهِ تَبْدِيلًا ) [ الأحزاب : 62 ] . فالإسلام نظير الوصفة الطبيّة الكاملة التي يمنحها الطبيب للمريض ، فأيّ تخلّف في تطبيق هذه الوصفة بالشكل الكامل يكون المريض هو المسؤل عنه ، وتخلّف المسلمين يعود سببه إلى تخلّفهم عن تطبيق الإسلام تطبيقاً كاملاً وشاملاً لكلّ جوانب حياتهم ، فأيّ تعثّر في المجرى التكاملي للأُمّة الإسلاميّة مسبّب في الحقيقة عن تعثّر الأُمّة في التمسّك بالشريعة والالتزام التامّ بها. رزقنا الله تعالى وإيّاكم التوفيق للتمسّك بالقرآن الكريم والعترة الطاهرة.
من سماحة السيّد علي الحائري السبب الرئيسي في ذلك هو أنّهم لم يعتصموا جميعاً بحبل الله الذي أُمروا بالاعتصام به ، ولم يتمسّكوا بالثقلين الذين تركهما النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لهم ، وأمرهم بالتمسّك بهما ، وهما : « كتاب الله ، وعترته أهل بيته » ، ووَعَدهم بأن لا يضلّوا أبداً ما إن تمسّكوا بهما ، كما جاء في حديث الثقلين المتواتر عند المسلمين ، فلو كان المسلمون بعد النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد تمسّكوا بالقرآن والعترة لكان هذا التمسّك في الواقع هو الكفيل بوحدتهم ؛ لأنّ هذين الثقلين : « القرآن ، والعترة » ، لا يختلفان في ما بينهما ، ولا يفترقان أحدهما عن الآخر إلى يوم القيامة ، كما قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : « وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض » ، فكلاهما واحد ، ونهجهما واحد ، فلا منشأ للاختلاف والتفرّق حينئذٍ . اللهم العن أوّل ظالم ظلم حقّ محمّد وآل محمّد ، وآخر تابع له على ذلك .
الجواب من السيّد علي الحائري: حرّيّة الإعتقاد هي إحدى الحرّيات التي نادت بها الديمقراطيّة تحت عنوان « الحرّية الفكريّة » واحتلّت موقعاً مهمّاً الأنظمة القائمة على أساس الديمقراطيّة ، وهذه الحرّية تعني في الحضارة الغربيّة السماح لأيّ فرد في أن يفكّر كيفما شاء ويعتقد بما شاء ويُعلن عن أفكاره وإعتقاداته ويدعو إليها كما يشاء شريطة أن لا يمسّ نفس فكرة « الحرّية » والأسس التي ترتكز عليها ، ولهذا الشرط نرى أن المجتمعات الديمقراطيّة تسعى إلى مناوئة الأفكار الفاشية التي تعارض أصل « الحرّية » ومحاربتها والتحديد من حريّتها أو القضاء عليها نظراً إلى أنّ هذه الأفكار تعارض ـ بالصميم ـ القاعدة الفكريّة التي تقوم عليها فكرة الحريّة والأسس الديمقراطيّة. أمّا الإسلام فهو يختلف عن الديمقراطيّة في هذا الموقف ، وذلك بسبب إختلافه عن الديمقراطيّة في طبيعة القاعدة الفكريّة التي يتبنّاها وهي « التوحيد » ، وربط الكون كلّه بربّ واحد ، فهو يسمح للفكر الإنساني بالإنطلاق والإعلان عن نفسه ما لم يتمرّد على هذه القاعدة الفكريّة ، لأنّها الأساس الحقيقي في رأي الإسلام لتوفير الحرّية للإنسان ومنحه شخصيّته الحرّة الكريمة التي لا تذوب أمام الشهوات ولا تركع بين يدي الأصنام. إذن فكلّ من الحضارة الغربيّة والإسلام يسمح بالحرّية الفكريّة بدرجة معيّنة ، فالديمقراطية تسمح بأيّ فكر ما لم يكن فكراً فاشياً وكتاتورياً ، والإسلام يسمح لأيّ فكر ما لم يكن فكراً إلحادياً. ويسيء البعض فهم القرآن الكريم في هذه الآية : ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) [ البقرة : 256 ] . فيظنّ أنّ الإسلام قد كفّل للإنسان حريّة « التديّن » و « عدم التديّن » حيث منع في هذه الآية من الإكراه على الدين والتديّن ، وهذا يعني أنّه أقرّ الحرّية الدينيّة أخذاً بمبدأ الحرّية الشخصيّة الذي تؤمن به الحضارات الحديثة ، فإنّ الحرّية الدينيّة في الحقيقة تعبّر في جانبها العقائدي عن « الحرّية الفكريّة » ، وتعبّر في جانبها العملي الذي يتّصل بالشعائر والسلوك عن « الحرّية الشخصيّة ». هذا ما قد يفهم البعض من الآية الشريفة إلّا أنّ هذا الفهم خاطئ مائة بالمائة ، لأنّ الإسلام الذي جاء لتحرير الإنسان من عبوديّة الأصنام على أساس « التوحيد » لا يمكن أن يأذن للإنسان بالتنازل عن أساس حرّيته ، والانغماس في عبوديات الأرض وأصنامها كما أنّ الإسلام لا يعتبر « التوحيد » أمراً يرتبط بالسلوك الشخصي الخاصّ للإنسان كما تراه الحضارات الغربيّة ، بل يعتبر الإسلام « التوحيد » هي القاعدة الأساسيّة لكيانه الحضاري كلّه ، فكما لا يمكن للديمقراطيّة الغربيّة مهما آمنت بالحرّية الشخصيّة أن تسمح للأفراد بمعارضة فكرة « الحرّية » نفسها من خلال تبنّي أفكار فاشية و دكتاتوريّة ، كذلك لا يمكن للإسلام أن يقرّ أيّ تمرّد على قاعدته الرئيسيّة « التوحيد » من خلال السماح للإنسان بعدم التديّن وعدم الإيمان بالله وباليوم الآخرة ، وإنّما يهدف القرآن الكريم في هذه الآية الشريفة إلى نفي الإكراه في الدين نظراً إلى عدم الحاجة إلى الإكراه مادام قد تبيّن الرشد من الغيّ وتميّز الحقّ عن الضلال ، فلا حاجة إلى إكراهٍ مادام المنار واضحاً والحجّة قائمة والفرق بين الظلام والنور لائحاً لكلّ إنسان يريد لنور حقّاً. بل نقول أكثر من ذلك نقول : لا يمكن الإكراه على « الدين » ، لأنّ « الدين » ليس عبارة عن كلمات تردّدها الشفاه ، ولا هو عبارة عن طقوس تقليديّة تؤدّيها العضلات كي يكون أمراً قابلاً للإكراه وإنّما هو عقيدة وكيان ومنهج في التفكير ، وهذا أمر لا يقبل الإكراه بتاتاً ، أيّ أنّ من المستحيل أن يحصل للإنسان الإيمان بشيء يكرهه ، ولا يرضى به ، والمطلوب شرعاً في أصول الدين هو الإيمان بهذه الأصول. وكلمة « الإيمان » تعني بحسب مدلولها العرفي مجموع أمرين : أحدهما : الخضوع فكريّاً تجاه حقيقة من الحقائق بمعنى أن يخضع فكر الإنسان وعقله لتلك الحقيقة ، وهذا يتمثّل في حصول القطع واليقين للإنسان بتلك الحقيقى ، وهذا اليقين إنّما يحصل للإنسان عن طريق الإستدلال المنطقي والبرهنة على تلك الحقيقة ، فإنّ الفكر والعقل والإدراك إنّما يستسلم للدليل والبرهان ولا يستسلم للقوّة والإكراه. وثانيهما : الخضوع قلبيّاً أمام تلك الحقيقة بمعنى أن يستسلم قلبه لها ، وهذا يتمثّل في عدم الإنكار وعدم الجحود بتلك الحقيقة وعدم العناد لها ، فليس كلّ مَن كان على علم ويقين بحقيقة من الحقائق يُعتبر مؤمناً بها ، ما لم تستسلم روحه ، ويخضع قلبه لها ولا يجحدها ، فكم تحدّث القرآن الكريم عن الذين جحدوا بالحقيقة رغم كونهم على يقين بها : ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ) [ النمل : 14 ] . فقد يكفر القلب رغم أن العقل والفكر مستسلم. وأمامنا « الشيطان » ، فإنّ قصّته كما جاءت في القرآن الكريم مَثَل واضح لكفر القلب رغم استسلام الفكر ، لأنّ الشيطان كان على علم ويقين بأصول الدين فهو من الناحية الفكريّة كان خاضعاً للتوحيد ، لأنّه الذي قال : ( خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ) [ ص : 76 ] ، فهو يعلم بوجود الصانع والخالق. وكان أيضاً خاضعاً ـ فكرياً ـ للمعاد ، لأنّه الذي قال : ( أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) [ ص : 79 ] . وكان أيضاً على يقين بالنبوّة والأنبياء والأوصياء وعصمتهم لقوله : ( فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) [ ص : 82 ـ 83 ] . حيث استثنى المعصومين وهم الأنبياء والأئمّة عليهم السلام عن دائرة عمله وإغوائه. إذن فالأمر الأوّل : ـ وهو الخضوع الفكري ـ كان حاصلاً للشيطان تجاه أصول الدين ، لكن بالرغم من ذلك لم يُعدّ ضمن « المؤمنين » بل اعتبره القرآن الكريم من « الكافرين » حيث قال تعالى : ( وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) [ البقرة : 34 ] . من هنا نعلم أنّ استسلام الفكر والإدراك وحده للحقيقة لا يكفي في صيرورة الإنسان مؤمناً بتلك الحقيقة بل لابدّ من استسلام الروح والقلب لها أيضاً ، فلا يقوم قلبه بمحاربة فكره وإدراكه ولا يجحد ولا يعاند ، وهذا هو الذي فقده الشيطان فكان من الكافرين. إذن الإيمان يستبطن مجموع عنصرين : اليقين ، وعقد القلب. وبالرغم من أنّ العنصرالأوّل ليس مقدوراً واختياريّاً للإنسان بصورة مباشرة ، أيّ أنّ حصول العلم واليقين للإنسان بحقيقة من الحقائق أمر ليس بيد الإنسان فقد تحصل القناعة الكاملة له بالحقيقة ، وقد لا تحصل نتيجة وجود بعض الشبهات العالقة بذهنه إلّا أنّه مع ذلك أمر مقدور له بصورة غير مباشرة ، وذلك عن طريق قيام الإنسان بالفحص الكامل عن الحقيقة والتفكير الجادّ وبذل الجهد في سبيل الوصول إلى القناعة الكاملة بها وإزاحة الشبهات عن وجهها ، ولذا كان تكليف الشريعة الإنسان بتحصيل العلم واليقين والقناعة الكاملة بأصول الدين تكليفاً معقولاً ومنطقيّاً وطبيعيّاً ، لأنّ الطريق مفتوح للإنسان أمام تحصيل اليقين بهذه الأصول ، وذلك من خلال الفحص والبحث والسؤال وبذل الجهد حتّى وإن واجه الإنسان صعوبات في هذا الطريق ، فإنّ عليه تذليل الصعوبات في هذا المجال ، لأنّ أصول الدين تشكّل « العقيدة الأساسيّة » للإنسان و « العقيدة هي » أهمّ ما في الإنسان من خصائص ، والإنسان جدير بأن يجاهد في سبيل تحصيل أهمّ خصيصة من خصائصه ، وقد وعد الله تعالى كلّ مَن جاهد في سبيله بأن يهديه السبيل : ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) [ العنكبوت : 69 ] . إذن المعرفة بأصول الدين والإعتقاد واليقين بها أمر يمكن حصوله ويحصل عادةً من خلال التفكير والبحث والفحص والإستدلال فيما إذا اتّصف الإنسان بالموضوعيّة في التفكير والإنصاف في البحث. وقد تتّفق للإنسان حالة نادرة فلا يصل إلى القناعة كاملة بالحقيقة ، وبالتالي لا يحصل له الإيمان بأصول الدين أو ببعضها بالرغم من بذل الجهد الكافي في هذا المضمار ، وحينئذٍ فلا شكّ في أنّ مثل هذا الشخص معذور عند الله تعالى عقلاً وشرعاً. وأمّا عقلاً ، فلأنّه لم يألُ جهداً في سبيل الحصول على القناعة الكاملة حسب الفرض ، فقد بذل غاية جهده وقصارى ما يمكنه بهذا الصدد ، فبَحَثَ وسَألَ وفَحَصَ وناقش لكنّه لم ينته إلى التصديق الجازم ، والإيمان بأصول الدين نتيجة وجود بعض الشبهات التي لم يجد ـ حقّاً وواقعاً ـ إلى حلّها سبيلاً ، فالعقل والوجدان يعذره ويحكم ببرائته ولا يدينه. وأمّا شرعاً ، فلقوله تعالى : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) [ الإسراء : 15 ] . والعقل رسول باطني كما أنّ الرسول عقل ظاهري ، فإذا لم يهتد بعقله وإدراكه إلى الحقيقة يكون كمن لم يُبعث إليه رسل فلا يدان. إلّا أن هذا لا يعني ـ طبعاً ـ أنّه يُعتبر مسلماً له ما للمسلمين ما لم يُظهر الإسلام ، ويكفّ بتاتاً عن الإعلان عن أفكاره وعقائده المضادّة للدين يضمرها في نفسه ، فإذا التزم بالكفّ عن نشر شبهاته وبثّها في المجتمع فهو ، أمّا إذا لم يلتزم بذلك وأعلن في المجتمع عن جحوده وإنكاره لحقيقة أساسيّة من حقائق الدين وأصل من أصوله فحينذاك قد ترى الدولة الإسلاميّة والحاكم الإسلامي أن تتّخذ إجراءً عنيفاً بشأنه وتعاقبه بما تراه ، وذلك حذراً من قيامه بإضلال الآخرين ، لأنّه حينئذٍ كالغُدّة السرطانيّة في جسم المجتمع لابدّ من محاربتها أو اجتثاثها كي تعود الصحّة والعافية إلى جسم المجتمع. وهذا الإجراء من قِبَل الدولة والحاكم الإسلامي وهو اتّخاذ العنف بشأن هذا الشخص في مثل هذه الحالة لا يتنافى مع ما قلناه من أنّ الشخص معذور عند الله تعالى في عدم إيمانه ، لأنّ هذا الإجراء لم يكن نتيجة عدم إيمانه بل كان نتيجة ما قام به عملاً في المجتمع الإسلامي من الإضلال وبثّ السّموم. وعلى كلّ حال فالعقيدة لها مسارها الطبيعي إلى النفس ولا يمكن إكراه الإنسان على أن يعتقد واقعاً بحقيقة من الحقائق ، فقد لاحظنا أنّ للإعتقاد والإيمان عنصرين : اليقين وعقد القلب ، ومن الواضح أنّ كلا العنصرين يستحيل أن يحصل عن طريق الإجبار والإكراه. ومن هنا نرى أنّ الإسلام لم يُجبر الناس الذين انضووا تحت حكمه على اعتناق هذا الدين بالقوّة ، وإن كان يفتح لهم طريق الاعتقاد به من خلال تحبيذ العقائد لهم ووعدهم بالجزاء الأُخروي وتحذيرهم من العقاب بعد أن يؤكّد لهم صلاحيّته كدين وشريعة للحياة ويعرض عليهم قوانينه وتشريعاته الموافقة للفطرة الإنسانيّة بصورة تامّة. وقد سلك الإسلام بالفعل هذا السلوك مع الكفّار من أهل الكتاب فلم يكرههم على الإسلام بل سمح لهم بالتعايش في كنف الدولة الإسلاميّة وممارسة الطقوس العباديّة الخاصّة بهم ضمن شروط معيّنة وبإزاء دفع « الجزية » للدولة الإسلاميّة وفقاً لما تحدّده ، واكتفى منهم بحدٍّ عقائديٍ أدنى وهو الإيمان بالله واليوم الآخر ، والإنصياع لتعاليم دين سماوي. قال تعالى في القرآن الكريم : ( قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) [ التوبة : 29 ] . وعلى هذا الأساس ارتفع الشعار القرآني : ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) [ البقرة : 256 ] . وقال تعالى : ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) [ يونس : 99 ] . إذن بالنسبة إلى أهل الكتاب لا يوجد أيّ إكراه ٍ على إعتناق « الإسلام ». وأمّا الإجراء الذي يتّخذه الإسلام بشأن الكفّار من المشركين حيث لا يقبل منهم سوى « الإسلام » ، فهو أيضاً ليس « إكراهاً في الدين » بالمعنى الحقيقي للكلمة ، فإنّ الإكراه في العقيدة أمر غير ممكن كما قلناه ويستحيل حصول الإيمان من خلال الإكراه : ( أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) [ يونس : 99 ] . والمستحيل مستحيل بلا إستثناء ، فموقف الإسلام من المشركين لا يختلف ـ من هذه الناحية ، أيّ : من ناحية عدم الإكراه على العقيدة ـ عن موقفه أهل الكتاب فهو لا يكره أيّاً منهما على إعتناق الإسلام والإعتقاد والإيمان به ، وإنّما يكتفي الإسلام من المشركين بإظهار الإسلام من خلال النطق بالشهادتين ـ الشهادة لله تعالى بالتوحيد ، وللنبيّ الأعظم محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم بالرسالة ـ. فكلّ إنسان يُعلن هادتين الشهادتين ويقول : « أشهد أن لا إلّا الله ، وأنّ محمّداً رسول الله » ، فهو مسلم عمليّاً ويدخل في زمرة المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم ، حتّى وإن كان هذا النطق بالشهادتين والإعلان عنهما مجرّد تظاهر لا واقع له ، فنحن حتّى لو علمنا بأنّ هذا الإنسان الذي يتلفّظ بالشهادتين لا يؤمن قلباً بمدلول الشهادتين ومعناهما ولا يعتقد واقعاً بالتوحيد والرسالة ، فإنّه مع ذلك يُعتبر مسلماً من الناحية العمليّة وعلينا أن نتعامل معه كما نتعامل مع أيّ مسلم آخر وتُطبّق عليه كلّ أحكام المسلم ما دام هو نفسه قد أعلن الشهادتين ، ولم يعلن بعد ذلك تكذيبه للشهادتين ولم يعلن أيضاً اعتقادات دينيّة أُخرى تتعارض مع هادتين الشهادتين بصورة صريحة لا تقبل التأويل. أمّا إذا أعلن بعد الإقرار بالشهادتين تكذيبه لهما أو أعلن اعتقاده بعقائد دينيّة أُخرى تتعارض بصورة صريحة مع الإسلام أو الشهادتين فهو كافر ، وتُطبّق عليه أحكام الكفّار. ومن هنا نرى أنّ كلّ مَن ينسب نفسه إلى الإسلام ، ولكنّه في نفس الوقت يُعلن اعتقاده بعقائد تنافي الإسلام يُعتبر كافراً. ومن نماذج هذا القسم « الغُلاة » و « النواصب » ، فإنّ هؤلاء وإن نسبوا أنفسهم إلى الإسلام وتشهّدوا الشهادتين وأقرّوا بهما ولم يعلنوا تكذيبهم لهما ، لكنّهم مع ذلك كفّار من الناحية الفقهيّة ولا تُطبّق عليهم أحكام المسلم . فهم وإن انتحلوا الإسلام لكنّهم محكومون بالكفر ، لأنّ « الغُلاة » هم الذين يُغالون في بعض الأنبياء أو الأئمّة من أهل البيت عليهم السلام ، فيرفعونهم إلى درجة الأُلوهيّة ـ ممّا يتعارض ويتنافى مع الشهادة الأولى ـ « لا إله إلّا الله » ـ أو يرفعونهم إلى درجة الرسالة ـ ممّا يتعارض ويتنافى مع الشهادة الثانية ـ ، و « النواصب » هم الذين ينصبون العداء ويُظهرون البُغض لأهل البيت عليهم السلام الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ممّا يتعارض مع شرط الإسلام ، فإنّ شرط الإقرار بالرسالة دفع أجر الرسالة ، ومودّة ذوي القربى « أهل البيت عليهم السلام » هي أجر الرسالة : ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) [ الشورى : 23 ] ، وهذا ممّا اتّفق عليه المسلمون سنّةً وشيعةً وطفحت به نصوصهم وأحاديثهم كما لا يخفى على المتتبّع. وعلى كلّ حال فلنعُد إلى ما كنّا بصدده وهو أنّ موقف الإسلام من المشركين أيضاً ليس إكراهاً على الدين والعقيدة وإنّما موقفه منهم هو أنّه لا يقبل منهم سوى الاعتراف بالإسلام حتّى وإن كان صورياً ومجرّد تظاهر لا واقع له. وقد تسأل عن فائدة هذا الإجراء الذي يتّخذه الإسلام بشأن الكافر فيكتفي منه بهذا الإعتراف حتّى وإن كان صورياً بالرغم من أنّ هذا ليس هو « الدين » واقعاً. والجواب على هذا السؤال هو : أنّ هذا الاعتراف حتّى وإن كان صورياً وظاهرياً سوف يجمّد كلّ نشاط ضدّ الدين في المجتمع ، فإنّ هذا الإنسان الذي تظاهر بالإسلام سوف لن يتمكّن بعد ذلك من القيام بأيّ نشاط ضدّ الدين ، ولن يستطيع أن يمارس أيّ دعوة نحو ما يضمره من الكفر والشرك في المجتمع الإسلامي ، إذ لو قام بذلك لأصبح مرتدّاً تطبّق عليه أحكام « المرتدّ » التي من جملتها الإعدام ضمن شروط معيّنة فقهيّاً. إذن سوف يبقى شركه وكفره مقتصراً على نفسه وفي نطاق إدراكه وقلبه وضميره فقط ، دون أن ينعكس في المجتمع على نشاطاته ، وهذا المقدار يكفي للإسلام رادعاً له عن قتله مادام لا يشكّل وجوده على المجتمع الإسلامي. يبقى علينا أن نتساءل عن سرّ الفارق بين موقف الإسلام من المشركين وبين موقفه من أهل الكتاب ، حيث اكتفى من هؤلاء بالجزية وبقاءهم على دينهم وعقائدهم ، بينما لم يقبل من المشركين إلّا الاعتراف بالإسلام ، فما هو الفرق ؟ الجواب أنّ « الشرك » و « الإلحاد » بطبيعته لا يلتقي بالإسلام في أيّ وادٍ وطريق ، لأنّ الإختلاف بينهما ليس في تفاصيل العقيدة وفروعها وفي النظام الذي يسود ويحكم ، بل الاختلاف بينهما إنّما هو في أساس العقيدة في التوحيد والإيمان بالله تعالى في تحطيم مبدأ « الصنميّة » و « الإلحاد » بأيّ شكل كان ، فالشرك من وجهة نظر الإسلام إنحراف عن الفطرة الإنسانيّة وتجاوز على قاعدته الفكريّة الأساسيّة وهي التوحيد ، فكيف يمكن أن يرضى من المشركين بالبقاء على شركهم وإلحادهم وعبادتهم للأصنام مع أنّ أُولى مهمّاته تطهير الأرض من الأصنام ـ على اختلاف أشكالها ـ فكرةً ومظهراً ؟ وهذا على العكس من أهل الكتاب حيث إنّ الإختلاف معهم ليس في القاعدة الفكريّة الأساسيّة « التوحيد والإيمان بالله تعالى » : ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّـهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّـهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) [ آل عمران : 64 ] . إذن فموقف الإسلام من الكفّار بشكل عامّ ـ بقسميهم المشركين وأهل الكتاب ـ مرتكز على ركيزة واحدة ، وهي عبارة عن الإخضاع لسيادته والإنضواء تحت حكمه وقيادته في المجتمع وليس مرتكزاً على الإكراه على اعتناقه كدين وعقيدة. وممّا يرشدنا إلى ذلك هو أنّ الدولة الإسلاميّة كانت تلاحظ وجود المنافقين في المجتمع الإسلامي ، ونحن نعلم أنّ « المنافقين » هم الذين يُظهرون الإسلام ولكنّهم يُبطنون الكفر ، كما حدّث الله تعالى عنهم في قوله : ( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّـهِ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّـهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ) [ المنافقون : 1 ] . فلقد كان النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم يعلم بذلك ولكنّه بالرغم من ذلك فقد أجرى عليهم حكم الإسلام ، لأنّهم كانوا مضوين تحت سيطرة الدولة الإسلاميّة وخاضعين لسيادتها كما كان يعلم بوجود عناصر قلقة وشاكّة في إسلامها وغير مؤمنة به كدين وعقيدة ، ومع ذلك حاول أن يتألّفها. وهكذا نخلص إلى أنّ الإسلام لم يمارس الإكراه على الدين والعقيدة بل مارس الإكراه على الخضوع لسيادته وحاكميته ، وذلك حفظاً لكيانه وصوناً لسلامة دولته ومجتمعه. وقد تمثّل هذا الإخضاع بالنسبة إلى أهل الكتاب في فرض الجزية عليهم ، وبالنسبة إلى غيرهم من الكفّار في إظهار الشهادتين والإعلان عنهما ، وكلّ من هذين ـ الجزية والتلفّظ بالشهادتين ـ مظهر من مظاهر الخضوع للدولة الإسلاميّة وسيادتها. وهذا الإخضاع يستهدف من وجهة نظر الإسلام فتح المجال أمامهم كي يعيشوا أجواء الحياة الإسلاميّة ويتعرّفوا على خصائص الشريعة ويلمسوها من قريب ويتفاعلوا معها ، وبذلك تتهيّأ لهم فرص الوصول إلى القناعة الكاملة والإيمان الحقيقي. ومن المعطيات الثورية للحرّية الفكريّة للإسلام الحرب التي شنّها الإسلام على التقليد في العقيد وجمود الفكر والاستسلام للأساطير أو لآراء الآخرين دون وعي وتمحيص. وإذا أردنا تلخيص النتائج التي انتهينا إليها في هذا البحث ، في كما يلي : 1 ـ إنّ « الإعتقاد » ليس أمراً قابلاً للإكراه والتحميل ويستحيل فيه ذلك. 2 ـ إنّ « حرّية الإعتقاد » بمعناها الغربي تعني أن يكون الإنسان حُرّاً في أن لا يدين بدين وعقيدة أصلاً وأن لا يكون مكلّفاً بالإيمان أبداً. وهذا المعنى من حرّية الإعتقاد لا يوافق عليه الإسلام كما لا يوافق عليه العقل والوجدان السليم ، فليس الإنسان حُرّاً في أن يهتمّ بالعقيدة أو لا يهتمّ بها. 3 ـ إنّ الإنسان مكلّف ـ من وجهة نظر الإسلام وكذلك من وجهة نظر العقل والوجدان السليم ـ بالبحث والفحص والتأمّل والتفكير الجادّ في العقائد الدينيّة الأساسيّة ـ وهي التوحيد والنبوّة والإمامة والمعاد ـ وبذل غاية جهده في سبيل الوصول إلى الحقيقة بالنسبة إلى كلّ واحدة من هذه العقائد الأساسيّة ، فإنّ العقيدة هي أهمّ ما في الإنسان. 4 ـ إنّ الإنسان إذا بذل غاية جهده في سبيل الوصول إلى الحقيقة في عقيدة من العقائد الأساسيّة ، ولكنّه لم يصل إليها من دون تقصير من ناحيته ، كان معذوراً. 5 ـ إنّ هذا الإنسان بالرغم من كونه معذوراً لكنّه ليس حرّاً في نشر ما لديه من الشبهات التي أعاقته عن الوصول إلى الحقيقة ، وبثّ ذلك في المجتمع. 6 ـ إنّه إذا قام بالنشر والبثّ كان للدولة الإسلاميّة ، والحاكم الإسلامي اتّخاذ إجراءٍ رادعٍ بشأنه. 7 ـ إنّ هذا الإجراء الرادع ليس ناتجاً من عدم إيمانه بل هو نابع عن نشاطه المحظور. 8 ـ إنّ موقف الإسلام من الكفّار بشكل عامّ ليس هو الإكراه على اعتناق « الإسلام » كدين وعقيدة بل هو عبارة عن الإخضاع لسيادته والإنضواء تحت حكمه ، حفظاً لكيانه وصوناً لسلامة دولته ومجتمعه. كان هذا موجزاً عن موقف الإسلام من « حرّية الإعتقاد » ، والله العالم ، والسلام عليكم.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: شكر النعمة يذكّر الإنسان بعظمة المنعم وقدرته وفضله وإحسانه ولطفه وكرمه ، وكلّ ذلك يؤثّر في حصول حالة الإطاعة والإنقياد في العبد ، وهذه الحالة تؤدّي إلى الإجتناب عمّا يوجب سخط المنعم وعدم رضاه والتقرّب إليه بأداء الواجبات وإمتثال أوامره ونواهيه ، وهو معنى التقوى ، بل حتّى لو كان المنعم من المخلوقين فشكره يؤدّي إلى شكر الله تعالى ، لأنّ المؤمن يعتقد بأنّ الله تعالى هو الذي وفّق المخلوق أن يوصل إليه النعمة ويحسن إليه ، فلولا توفيق من الله تعالى لم يتمكّن ذلك المنعم من الإنعام و الإحسان ولولا أنّ الله تعالى أعطاه الإمكانيّة والقدرة لما تمكّن من ذلك ، فالمنعم الحقيقي هو الله تعالى ولابدّ من إطاعته واجتناب معصيته ، فإذا شكر المنعم فلا محالة تتقوّى حالة الإيمان والإطاعة والتقوى في نفسه.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: المسألة واضحة عقلّياً ولا ترتبط بقولنا « لا إله إلّا الله » ، فسواء قلنا إن معناه « لا إله ـ موجود ـ إلّا الله » أو « لا إله ـ معبود ـ إلّا الله » أو « لا إله ـ ممكن ـ إلّا الله » ، يمتتع وجود شريك للباري تعالى بحسب الواقع ونفس الأمر ، وذلك لأنّ المستحيل هو فرض أيّ خالق غير الله تعالى ، وإن كان ذلك الخالق له خلق خاصّ وملك خاص ، فإنّ هذا الفرض يستلزم العجز والنقص والحاجة في الله تعالى الذي هو قادر على كلّ شيء وكامل من جميع الجهات ، وذلك لأنّنا إمّا أن نفرض أنّ الله تعالى قادر على أن يمنع الإله الآخر من الخلق والتدبّر والتصرّف في ملكه الخاصّ أو أنّه ليس قادراً على ذلك ، فإن كان قادراً ، فالإله الثاني عاجز من الخلق والتدبر حتّى في مورد مخلوقاته الخاصّة ، إذ لا يتمكّن من دفع الإله الأوّل و إن لم يكن قادراً تبيّن العجز والنقص في الإله الأوّل حيث لا يتمكّن من التصرّف في ملك الإله الثاني ومنعه عن الخلق والتصرّف والتدبير. فالإلهان وإن توافقا مسبقاً على أن يكون لكلّ منهما ملكه الخاصّ ومخلوقاته الخاصّة ، ولا يتدخّل أحدهما في شؤون الآخر ، لكن من الممكن عقلاً أن يتدخّل أحدهما في شؤون الآخر ، و مع هذا الإمكان العقلي إمّا أن يغلّب عليه ويمنعه من التصرّف في ملكه الخاصّ أو لا يتمكّن من ذلك ، فإنّ التمكّن الأوّل من منع الثاني لم يكن الثاني إلهاً لعجزه ، وإن يتمكّن ، لم يكن الأوّل إلهاً لعجزه عن منع الآخر.