من سماحة السيّد جعفر علم الهدی ذكر شيخ المفيد (قدّس سرّه) في المسائل السروية إنّ هذه القصّة مكذوبة ومختلقة ، اختلقها الزبير بن بكار الذي هو من أعداء أهل البيت (عليهم السلام) ، والروايات المشتملة على هذه القصّة تختلف اختلافاً كثيراً بنحو يكذب بعضها البعض الآخر ، وهذا الاختلاف العظيم شاهد على كذب القضية . وممّا يدلّ على كذبها أنّ عمر بن الخطّاب حينما خطب من النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فاطمة (عليها السلام) ردهّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وقال : إنها صغيرة ، ثمّ زوّجها من علي (عليه السلام) ، فإذا كانت فاطمة صغيرة السنّ بالنسبة لعمر بن الخطّاب فكيف يرضى الإمام علي (عليه السلام) بأن يزوّج ابنتها من عمر ، و قد كانت أُمّها صغيرة بالنسبة له ؟ وإذا كان الزواج باجبار و إكراه ، فلا فضيلة فيه لعمر بن الخطّاب ، بل لا يعقل أن يزوّج علي (عليه السلام) ابنته ممّن لا يكون كفوأ لها بالاجبار أو إكراه .
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: ما قولكم في توليت الخليفة عمر علياً عليه السلام حينما ذهب إلى بيت المقدّس ؟ أوّلاً : لم يثبت ذلك. ثانياً : كان الإمام علي عليه السلام يُقدّم مصالح الإسلام والمسلمين على مصلحته الشخصيّة ، فليس قبوله للولاية من قبل الظالم الغاصب أو إرشاده إلى مصلحة من المصالح إمضاءا لحكمه ، وموافقة لسلطانه ، بل كان لأجل التحفّظ على مصالح المسلمين ، ومراعاة مصلحة الإسلام في الحال والمستقبل.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: ليس بينهما تعارض ، بل ورد أنّ : « حبّ الوطن من الإيمان » (1). وعن علي عليه السلام : « عمّرت البلاد بحبّ الأوطان » . (2) وعن علي عليه السلام : « من كرم المرء بكاؤه على ما مضى من زمانه وحنينه إلى أوطانه وحفظه قديم إحسانه » . (3) نعم لا بدّ أن لا يكون الولاء للوطن موجباً للتعصّب والتعدّي على حقوق الآخرين أو التفاخر على الغير. الهوامش 1. منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة / المجلّد : 21 / الصفحة : 394 / الناشر : بنياد فرهنگى امام مهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف. ميزان الحكمة / المجلّد : 4 / الصفحة : 3566 / الحديث : 21928 / الناشر : مؤسسة دار الحديث الثقافية ـ قم. 2. ميزان الحكمة / المجلّد : 4 / الصفحة : 3566 / الحديث : 21926 / الناشر : مؤسسة دار الحديث الثقافية ـ قم. بحار الأنوار / المجلّد : 75 / الصفحة : 45 / الحديث : 50 / الناشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت / الطبعة : 2. 3. بحار الأنوار / المجلّد : 70 / الصفحة : 264 / الناشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت / الطبعة : 2.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدی: أقرأ الكتب الآتية تتعرّف على عقائد أهل السنّة : 1 ـ ثمّ اهتديت. 2 ـ لأكون مع الصادقين. 3 ـ الغدير خصوصاّ الجزء التاسع. 4 ـ سبعة من السلف. 5 ـ أمّ المؤمنين عائشة. 6 ـ المراجعات. 7 ـ الشيعة هم أهل السنّة. 8 ـ وركبت السفينة. 9 ـ أصل الشيعة وأصولها. 10 ـ المواقف [ للقاضي عضد الدين الإيجي ]. 11 ـ شرح المواقف للجرجاني. 12 ـ شرح العقائد النسفية للتفتازاني. 13 ـ شرح تجريد الكلام للقوشجي. 14 ـ شرح الشفاء للقاضي عيّاض. 15 ـ شرح السنّة للبغوي.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: ليست المشكلى في التشريع الديني ، وإنّما المشكلة في أنّ أكثر الأغنياء لا يؤدّون الزكاة الواجبة فضلاً عن المستحبّة بل هناك مَن يعتدّي على حقّ الفقراء والمساكين ، ويغصب الثروات والأموال المعّدة لهم أو يمنعهم من الإكتساب والإستفادة من المنابع الطبيعيّة ، ومن الإمكانات والقدرات الجسمّية والعقليّة. ففي الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام قال : « إنّ الله عزّ وجلّ فرض للفقراء في أموال الأغنياء ما يسعهم ، ولو علم أنّ ذلك لا يسعهم لزادهم إنّهم لم يؤتوا من قبل فريضة الله عزّ وجلّ ، ولكن أوتوا من منع من منعهم حقّهم لا ممّا فرض الله لهم ، ولو أنّ الناس أدّوا حقوقهم لكانوا عائشين بخير » . وفي الحديث آخر عن الصادق عليه السلام : « إنّما وضعت الزكاة اختباراً للأغنياء ومعونة للفقراء ، ولو أنّ الناس أدّوا زكاة أموالهم ما بقي مسلم فقيراً محتاجاً ولاستغنى بما فرض الله له ، وأنّ الناس ما افتقروا ولا احتاجوا ولا جاعوا ولا عروا إلّا بذنوب الأغنياء ... » .
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: في بعض الأحاديث : « حبّ الوطن من الإيمان » . (1) وفي الرواية عن علي عليه السلام : « عمّرت البلدان بحبّ الأوطان » . (2) وعن علي عليه السلام : « من كرم المرء بكاؤه على ما مضى من زمانه وحنينه إلى أوطانه وحفظه قديم إخوانه » . (3) لكن المقصود على الظاهر حبّ مسقط رأسه أو حبّ البلاد الإسلاميّة من دون أن يكون لها حدود جغرافيّة ، إذ لا فرق بين بلد مسلم وبلد مسلم آخر. نعم بعض البلاد لها قدسيّة وكرامة خاصّة مثل : مكّة المكرّمة وكربلاء والغري وطوس والمدينة المنوّرة والنجف الأشرف وبيت المقدّس. الهوامش 1. منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة / المجلّد : 21 / الصفحة : 394 / الناشر : بنياد فرهنگى امام مهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف. ميزان الحكمة / المجلّد : 4 / الصفحة : 3566 / الحديث : 21928 / الناشر : مؤسسة دار الحديث الثقافية ـ قم. 2. ميزان الحكمة / المجلّد : 4 / الصفحة : 3566 / الحديث : 21926 / الناشر : مؤسسة دار الحديث الثقافية ـ قم. بحار الأنوار / المجلّد : 75 / الصفحة : 45 / الحديث : 50 / الناشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت / الطبعة : 2. 3. بحار الأنوار / المجلّد : 70 / الصفحة : 264 / الناشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت / الطبعة : 2.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: الآية الكريمة تشير إلى أنّ كلاً من الرجل والأنثى إذا قام بوظيفته تجاه خالقه وعمل بما هو مطلوب منه في الحياة الفرديّة و الاجتماعيّة وقام بدوره في المجتمع يعيش حياة طيّبة في الدنيا ويُجزى في الآخرة بأحسن ما كان يعمل. ولكن ما هي وظيفة الرجل ، وما هي وظيفة المرأة ؟ فالآية ليست في مقام بيان ذلك ، ولا يستفاد منها أنّ وظيفة الرجل الفردي أو الإجتماعي تكون نفس وظيفة المرأة ، بل لا يعقل ذلك. فإنّ الشرع والعقل والعرف يحددّون وظيفة كلّ من الرجل والمرأة حسب قدراتهم وإمكاناتهم الجسميّة والنفسيّة والعقليّة ، وعلى أساس دورهم الفعّال في المجتمع البشري ، كما أنّ حقوق الرجل والمرأة تكون مختلفة ويكون ذلك تابعاً لما يتطلّبه طبيعيي كلّ من الرجل والمرأة وعلى أساس وظائفه.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: الآية تشير إلى أمر طبيعي تكويني وهو أنّ الاعتقاد والإيمان لا يمكن أن يكون بالإجبار والإكراه وأنّ الإنسان إنّما يؤمن ويعتقد بشيء على أساس الاقتناع النفسي به بقيام الأدلّة القطعية لديه على ذلك المعتقد فلو أُجبر على عقيدة خاصّة فهو يقرّ باللسان ولكنّه لا يعتقده قلباً وحقيقةً ، فلا منافاة بين هذه الآية وبين لزوم الاعتقاد والإذعان والإقرار بالعقيدة الصحيحة ، فإنّ الأدلّة والبراهين واضحة وقطعيّة كما قال الله تعالى ( قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) ، فالذي لا يعتقد بالعقيدة الحقّة مقصّر في المقدّمات حيث لم يفحص عن الحقّ ولم يلاحظ الحجج والبراهين بل اتّبع هواه أو قلّد آباءه تقليداً أعمى وتعصّب لعقيدتهم الباطلة بل قد يكون الحقّ واضحاً لديه لكنّه لا يتّبعه من باب الجحود ، وعدم الإذعان للحقّ كما قال الله تعالى : ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ) [ النمل : 14 ] . وفي هذه الحالات قد تكون المصلحة في إنزال العقوبات بمثل هؤلاء المنحرفين بل قد يجب استئصال جذور الفتنة إذا كان الكافر أو المرتد يؤثّر على غيره عقائديّاً ، ويوجب انحرافهم عن سبيل الحقّ والهداية.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: النفس يطلق على معان متعدّدة ، وكذلك الروح ، وقد يجتمعان في بعض المعاني. فمن معاني النفس : 1. ذات الشيء ، كما نقول : « جاء زيد نفسه » أو « هذا نفس الشيء » ، أي ذاته وعينه. 2. الدم السائل ، كقولهم : « كلّما كانت النفس سائلة فميته نجس ». 3. الهواء الموجود في الجوف ، يقال : « فلان هلك نفسه إذا انقطع نفسه » ، ولم يبق في جسمه هواء يخرج من حواسه. 4. الهوى وميل الطبع ، كما في قوله تعالى : ( إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ ) [ يوسف : 53 ] . 5. الروح التي بها الحياة. 6. جوهر : مجرّد ليس بجسم ، وهو المدبّر لهذا البدن. 7. المزاج والطبيعة. وأمّا الروح فمن معانيها : 1. جبرئيل. 2. ملك أعظم من جبرئيل كان مع النبيّ صلّى الله عليه وآله والأئمّة عليهم السلام يسدّدهم ، كما ورد في التفسير قوله تعالى : ( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ) [ النبأ : 38 ] . 3. روح البدن وروح الحياة ، وبه يدبّ الإنسان ويدرج. ويتّحد مع المعني الخامس والسادس للنفس.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: لا يمكن تعليل الأحكام الشرعيّة بالنظريّات العلميّة التي قد تكون خاطئة أو قد تتغيّر في المستقبل ، وإنّما نعلم بنحو من الإجمال بأنّ الله تعالى حكيم عليم قدير لا يفعل شيئاً لغواً وعبثاً ، ولأجل أحاطته التامّة بجميع الموجودات فإذا حكم بحرمة شيء « كلبس الذهب بالنسبة للرجل » ، فلا محالة نعلم إجمالاً بأنّ في لبس الذهب مفسدة تسبّب الوقوع في الضرر الشخصي أو النوعي ، ولا يلزم أن يكون الضرر في الجسم ، بل قد يكون الضرر نفسانيّاً وروحيّاً ، وهكذا لو حكم الشارع بوجوب شيء نعلم إجمالاً بوجود مصلحة أو مصالح شخصيّة أو اجتماعيّة في ذلك ، بل قد تكون المصلحة في نفس الجعل أو التشريع كالأوامر الامتحانيّة.
من سماحة السيّد جعفر علم الهدى قوله تعالى : { وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } { الأحزاب/33}. وقوله تعالى : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } {النحل/43}. وقوله : { قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } {البقرة/124}. وقوله تعالى :{ إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } {الرعد/7}. وغيرها من الآيات . ومضافاً : إلى الحكم العقل القطعي حيث إنّ طاعة الإمام واجبة في كلّ ما يأمر وينهى ، ومن القبيح أن يأمر الله بإطاعة مَن لا يؤمن عليه من الكذب والخطأ والمعصية ؛ فإنّه نقض للغرض ، والقبيح محال على الله تعالى . ومضافاً : إلى الروايات الواردة عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ومن أهمّها حديث الثقلين المعروف والمشهور بين الفرقين قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : « إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً ، وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ». وقد جعل النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عترته الطاهرة مثل القرآن في وجوب التمسّك والاهتداء بهم كالقرآن ، وفي وجوب اتباعهم واطاعتهم كالقرآن ، وفي كونهم معصومين كالقرآن الكريم .
من سماحة السيّد جعفر علم الهدى أهل السنة في الحقيقة هم الشيعة الإمامية الذين اتبعوا سنّة النبيّ (صلّى الله عليه و آله وسلّم) الحقيقية بأخذها من الأئمة المعصومين (عليهم السّلام) الذين هم عترة النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، وقد أمر بالتمسك بهم وبالقرآن الكريم لتحصيل الهداية والسعادة الدنيوية والأُخروية حيث قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حديث المتواتر والمعروف بين الفريقين : « إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً ، وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ». أمّا المخالفون وأبناء العامّة فقد ادّعوا أنّهم أهل السنّة ، ولكنّهم اتّبعوا الخلفاء والفقهاء الذين كانوا يجتهدون في مقابل النصوص الصريحة للنبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، ويفتون بما هو مخالف لصريح السنّة النبوّية . ويدلّ على ذلك قول عمر بن الخطّاب : « متعتان كانتا على عهد رسول الله أنا احّرمهما ، وأعاقب عليهما : متعة النساء ، ومتعة الحجّ » . فانظر إلى قوله : « كانتا على عهد رسول الله » ؛ فإنّه يدلّ على أنّ المتعتين كانتا من سنّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، ولكنّه يقول : « أنا احّرمهما » في قبال السنّة النبوّية. وأمثال ذلك كثيراً جدّاً فانظر إلى الغزالي يقول : « السنّة : هي التختّم باليمين ، لكن لمّا كان الرافضة يتختّمون باليمين ، فالأولى التختّم باليسار خلافاً لهم » . فهذا العالم السنّي وأمثاله يترك السنة النيوّية لمجرّد مخالفة الرافضة . وقد نقل أنّ أبا حنيفة : « خالف السنّة رسول الله في (400) مورد لأجل أنّه كان يفتي بالقياس ». وللمزيد راجع الأضواء على السنّة المحمّدية ، وراجع الشيعة هم أهل السنّة للتيجاني ، وعلى أساس ذلك لايهمّنا مَن الذي سّمى العامّة بأهل السنّة ؛ لأنّه اسم لا يطابق الواقع ، ولنعلم ما قال الشاعر : إذا شئت أن تبغى لنفسك مذهباً ينجّيك يوم الحشر من لهب النار فدع عنك قول الشافعي ومالك وأحمد والمنقول عن كعب أحبار ووال أُناساً قولهم وحديثهم روى جدّنا عن جبرئيل عن الباري و قديماً قد قيل : أهل البيت أدرى بالذي فيه .
أوّلاً : الصحيح أنّ الأخباريين يجعلون دليل الأحكام الشرعيّة منحصراً في السنّة والروايات الحاكية عنها ، لأنّهم لا يقولون بحجيّة الظواهر من الكتاب ، ولا بدّ من الرجوع إلى الروايات المفسّرة ، و ليس في القرآن نصوص قطعيّة الدلالة على تفاصيل الأحكام حتّى يؤخذ بنصّ القرآن الكريم. ثانياً : الأخباريّون لا يعترفون بالتقليد ، ولا يجوز عندهم أخذ الأحكام من المجتهد الفقيه سواء كان اجتهاده مطلقاً أو متجزّءاً ، وإنّما يرجعون إلى الأحاديث في الحقيقة ، ورجوعهم إلى العلماء إنّما هو من باب أنّهم عارفون بالأحاديث. ثالثاً : الإحتياط يقتضي الرجوع إلى أعلم الفقهاء والرواة لا اتباع أحد المجتهدين ، بل الإحتياط التامّ يقتضي أن يجمع بين الأقوال ويأخذ بأحوطها ، والاحتياط عند الأخباري هو أن يأخذ بأحوط الأحاديث الواردة في المسألة ، فلو كان حديث يدلّ على الإباحة وحديث يدلّ على الاستحباب وحديث يدلّ على الوجوب ، وجب عليه أن يأخذ بالوجوب من باب الإحتياط. رابعاً : الخلاف بين الأصوليين والأخباريين ليس مؤثّراً تأثيراً مهمّاً في اختلاف الحكم الشرعي ، فإنّ أغلب اعتماد الأصوليين إنّما هو على الروايات و الأحاديث الواردة في الكتب الأربعة ، وقلّما يثبت عندهم حكم بالدليل العقلي أو الإجماع الكاشف عن القول المعصومين أو بظاهر القرآن الكريم ، ولم يكن في مورده روايات معتبرة تدلّ على الحكم أيضاً. فالعمدة هو وظيفة الشخص العامّي الذي لا يتمكّن من الاستدلال الشرعي ، ولا يتمكّن من إثبات صحّة الطريقة الأصوليّة أو الأخباريّة ، فمثل هذا الشخص لا يجوز أن يرجع إلى الشيخ الصدوق مثلاً أو المجلسي و يأخذ الأحكام منه أو يرجع إلى الروايات ويستفيد منها الأحكام رأساً ، إذ لا يفهم منها الحكم ، وإذا فهم فلا دليل على حجيّة فهمه ، لأنّه عامّي حسب الفرض فلابدّ أن يرجع مثل غيره من الناس إلى أهل الذكر و الاطلاع والعلم ، فإنّ الجاهل في كلّ فنّ وحرفة وصنعة وعلم يرجع إلى أهل الخبرة في ذلك العلم ، وإذا تعارضت أقوال أهل الخبرة إمّا أن يأخذ بأحوطها أو يرجع إلى الأعلم. فالعامّي يجب أن يرجع إلى المجتهد الأصولي الأعلم ، لأنّه هو الذي يُعدّ من أهل الخبرة في الأحكام الشرعيّة. وأمّا الرجوع إلى عالم أخباري فهو في الحقيقة رجوع إلى الروايات ، والمفروض أنّه لا يفهم منها شيئاً ، وفهم غيره لا يكون حجّة عليه مادام أنّ الغير عالم أخباري لا يرى حجّيّة الدليل العقلي النظري ، والمفروض أنّ فهم الأحكام الشرعيّة حتّى من الروايات يحتاج إلى إعمال الدليل العقلي ، وبدونه لا يكن الاستدلال ؟ فكيف ينكر الدليل العقلي ، ثمّ يستدلّ بما يعتمد عليه ؟
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: أوّلاً : تحليل المتعة من الضروريات في مذهب أهل البيت عليهم السلام ، ولا حاجة لنا إلى تصحيح هذه الأحاديث ، وإنّما نذكرها من باب الإلزام. ثانياً : مضمون هذه الأحاديث ، وهو كون المتعة زواجاً شرعياً محللّاً يكون من المتواتر القطعي إذا ضممنا روايات الشيعة إلى روايات أهل السنّة ، بل تكون روايات أهل السنّة بنفسها متواترة إجمالاً ، إذ نقطع بصدور بعضها عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. ثالثاً : بعض الأحاديث الواردة من طرق أهل السنّة يطمئن بصدورها من جهة كثرة الطرق والرواة ، كما هو الحال بالنسبة للأحاديث التي تروى عن جابر بن عبد الله أو عن ابن عبّاس ، المفسّرة للآية الشريفة : ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) (1). رابعاً : ما يوجد في صحيح البخاري وصحيح مسلم من الأحاديث يعتبر عند أهل السنّة من قبيل الوحي المنزّل ، ويعدّ صحيحاً عندهم ، وأكثر هذه الأحاديث توجد في صحاح أهل السنّة : صحيح مسلم : حدثني مُحَمَّدُ بْنُ رافِعٍ حَدَّثّنا عَبْدُالرَّزّاقِ اَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ اَخْبَرَني اَبُوالزُّبَيْرِ قالَ سَمِعْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِاللهِ يَقُولُ كُنّا نَستَمْتِعُْ بِالْقُبْضَةِ مِنَ التَّمْرِ وَالدَّقيقِ الْاَيّامَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاَبي بَكْرٍ حَتّى نَهى عَنْهُ عُمَرُ في شَأْنِ عَمْرُو بْنِ حُرَيْثٍ. (2) صحيح مسلم : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَابْنُ بَشّارٍ قالَ ابْنُ الْمُثَنّى حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنا شُعْبَةُ قالَ سَمِعْتُ قَتادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ اَبي نَضْرَةَ قالَ كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَأْمُرُ بِالْمُتْعَةِ وَكانَ ابْن الزُّبَيْرِ يَنْهى عَنْها قالَ فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِجابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ فَقالَ على يَدَيَّ دارَ الْحَديثُ تَمَتَّعْنا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمّا قامَ عُمَرُ قالَ اِنَّ اللهَ كانَ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ ما شاءَ بِما شاءَ وَاِنَّ الْقُرْآنَ قَدْ نَزَلَ مَنازِلَهُ فَاَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلهِ كَما اَمَرَكُمُ اللهُ فَاَبِتُّو اِنكاحَ هذِهِ النِّساءِ فَلَنْ اُوتِيَ بِرَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةَ اِلى اَجَلٍ اَلّا رَجَمْتُهث بِالْحِجارَةِ. (3) خامساً : هناك أحاديث صحيحة ومعتبرة حتّى عند أهل السنّة ، وقد صرّحوا بوثاقة رواتها ، منها : عن جابرِ بن عبدِ الله قال : تَمَتَّعْنا مُتْعَتَيْنِ على عَهْدِ النبيِّ صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم الحَجَّ والنِّساءِ ، فنهانا عُمرُ عنهما ، فانْتَهَينا. (4) أخرجه إمام الحنابلة أحمد في مسنده بطريقين أحدهما طريق عاصم صحيح رجاله كلّهم ثقات بالاتّفاق. عن عمران بن الحصين قال : نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ في كِتابِ اللهِ ( يَعْني مُتْعَةَ الْحَجِّ ) وَاَمَرَنا بِها رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لَمْ تَنْزِلْ آيَةَ تَنْسَخُ آيَةَ مُتْعَةِ الْحَجِّ وَلَمْ يَنْهَ عَنْها رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتّى ماتَ قالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ بَعْدُ ما شاءَ. (5) الهوامش 1. راجع : تفسير القرآن العظيم « لابن كثير » / المجلّد : 1 / الصفحة : 486 / الناشر : دار المعرفة. المبسوط « للسرخسي » / المجلّد : 5 / الصفحة : 152 / الناشر : دار المعرفة. الدر المنثور « للسيوطي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 139 / الناشر : دار المعرفة. 2. صحيح مسلم « لمسلم النيسابوري » / المجلّد : 4 / الصفحة : 131 / الناشر : دار الفكر. 3. صحيح مسلم « لمسلم النيسابوري » / المجلّد : 4 / الصفحة : 38 / الناشر : دار الفكر. 4. مسند أحمد « لأحمد بن حنبل » / المجلّد : 23 / الصفحة : 132 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 1. 5. صحيح مسلم « لمسلم النيسابوري » / المجلّد : 4 / الصفحة : 48 ـ 49 / الناشر : دار الفكر.