الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: الدعاء والتوسّل وطلب البركة من مجالس أهل البيت عليهم السلام لا ينافي مع مراعات الاحتياطات والجهات الطبيّة والوقائيّة ، بل وهكذا مراعات جميع الأسباب والعلل التكوينيّة ، فانّ الله تعالى أبى ان يجري الأمور إلّا بأسبابها ، والدعاء أو التوسّل انّما هو لتحصيل هذه الأسباب الطبيعيّة أو لضمان تأثيرها. نعم ، قد يؤثر التوسّل والدعاء وإقامة مجالس العزاء بعد اليأس عن الأسباب الظاهريّة بنحو غيبي وبإعجاز النبي والإمام المعصوم عليهما السلام ، لكن ليس لذلك ضمان قطعي ، إذ هو تابع لإرادة المعصوم عليه السلام وإعمال قدرته بإذن الله تعالى. فالنبي عيسى عليه السلام أحيى الموتى وأبرء الأكمه والأبرص بإذن الله تعالى (1) ، لكن لم يحيى جميع الموتى كما لم يبرء جميع المرضى. والله تعالى وعد باستجابة الدعاء فقال : ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) (2) ، ولكن معذلك أمرنا ان نتبع في حياتنا الأسباب الطبيعيّة بمعنى تحصيل ما نريده بالعلل التكوينيّة ، ولذا ورد انّ الله تعالى لا يستجيب لمن يدعو للرزق مع قدرته على العمل والكسب ، ولكنّه يترك ذلك ويدعو الله ان يرزقه ؛ فانّ الله يقول له ألم أعطك القدرة على الكسب ، فلماذا تترك ذلك وتدعو للرزق ؟ نعم الذي يشتغل بالكسب والعمل لأجل الرزق يمكن ان يدعو لنجاح عمله وكسبه وحصول البركة في رزقه. وكذلك ورد انّ نبيّاً من الأنبياء مرض فصار يدعو الله لشفائه ، وقال في نفسه لا أراجع الطبيب حتّى يشفيني الله تعالى ، فأوحى الله إليه لا أعافيك إلّا بعد ان تراجع الطبيب. (3) فنحن نعتقد ان المجالس الحسينيّة والزيارة والدعاء والتوسّل لها آثار وبركات وكرامات واعجازات ، بل تربة الإمام الحسين عليه السلام شفاء من كلّ داء (4) ، والاستغاثة والتمسح بالمراقد الشريفة توجب الشفاء والعافية ، لكن معذلك نوصي المؤمنين بمراعات الوقاية والاحتياطات والمعالجات الطبيّة ، وهذه وصيّة الأئمّة عليهم السلام أنفسهم. فإن العلل الطبيعيّة ومنها الفيروسات والمكروبات تؤثر في انحراف صحّة الانسان ، فالذي ابتلي بذلك يمكنه ان يطلب الشفاء من الله تعالى أو الإمام المعصوم عليهم السلام بإذن الله بعد استعمال الأدوية لتؤثر تلك الأدوية في العلاج ، وكذلك مع اليأس عن العلاج بالأدوية إذ يصل حينئذ دور الإعجاز والشفاء بالتوسّل والتبرّك والدعاء. لكن لا ضمان لمن يلقى نفسه في معرض الإصابة بالأمراض ان يستجيب الله تعالى دعائه بالشفاء ، أو ان لا يؤثر فيه أسباب المرض ، كما لا ضمان ان يشفيه النبي أو الإمام عليه السلام بالإعجاز وان كان المأمول منهم ذلك ، لكن الكلام في الضمان وعدم الابتلاء قطعاً. وممّا يدلّ على ما ذكرناه انّ اغلب عليهم السلام استشهدوا بالسموم التي دسّت اليهم من قبل الظالمين ، وهذا يعني انّ السم قد أثّر في جسم الإمام المعصوم عليه السلام مع انّه كان له القدرة على ان يمنع من تأثير السمّ ، كما حصل للإمام الحسن عليه السلام ذلك مرّات عديدة (5) ، لكنّهم لا يشاؤون إلّا ان يشاء الله ولا يسبقونه بالقول ويعملون ما يؤمرون. وكذلك نرى الأئمّة عليهم السلام يعالجون أنفسهم (6) ، ويأمرون شيعتهم بعلاجات يصفونها (7) لهم مع قدرتهم على تحصيل الشفاء لهم ولشيعتهم بالإعجاز والكرامة. وقد ورد عنهم الأمر بالوقاية ، كقولهم عليهم السلام : الحمية رأس كلّ دواء (8). الهوامش 1. آل عمران : 49 : أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ 2. غافر : 60. 3. راجع : جامع السعادات « للنراقي » / المجلّد : 3 / الصفحة : 183 / الناشر : دار النعمان للطباعة والنشر. 4. الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 4 / الصفحة : 588 / الناشر : دار الكتب الإسلامية / الطبعة : 5 : أحمد بن محمّد ، عن الحسن بن عليّ ، عن يونس بن الرَّبيع ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : إنَّ عند راس الحسين عليه السلام لتربة حمراء فيها شفاء من كلِّ داء إلّا السّام ، قال : فأتينا القبر بعد ما سمعنا هذا الحديث فاحتفرنا عند رأس القبر فلمّا حفرنا قدر ذراع ابتدرت علينا رأس القبر مثل السّهلة حمراء قدر الدِّرهم فحملناها إلى الكوفة فمزَّجناه وأقبلنا نعطي النّاس يتداوون بها. 5. المستدرك على الصحيحين « للحاكم النيسابوري » / المجلّد : 3 / الصفحة : 173 / الناشر : دار المعرفة : عن امّ بكر بنت المسورة قالت : كان الحسن بن علي سم مرارا كل ذلك يفلت حتى كانت المرة الاخيرة التي مات فيها ... 6. بحار الأنوار « للعلامة المجلسي » / المجلّد : 42 / الصفحة : 234 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2 : قال أبو الفرج : ثمَّ جمع له أطبّاء الكوفة ، فلم يكن منهم أعلم بجرحه من أثير بن عمرو بن هاني السّلوليّ وكان مطبّباً صاحب الكرسيّ يعالج الجراحات ، وكان من الأربعين غلاماً الّذين كان ابن الوليد أصابهم في عن التمر فسباهم ، فلمّا نظر أثير إلى جرح أمير المؤمنين عليه السلام دعا برية شاة حارّة ، فاستخرج منها عرقاً ثمّ نفخه ثمَّ استخرجه وإذا عليه بياض الدماغ فقال : يا أمير المؤمنين اعهد عهدك فإنّ عدوّ الله قد وصلت ضربته إلى اُمِّ رأسك. 7. بحار الأنوار « للعلامة المجلسي » / المجلّد : 59 / الصفحة : 72 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2 : وروي في سبب هذا الحديث أنّ رجلاً جرح على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فقال : ادعوا له الطبيب ، فقالوا : يا رسول الله ، وهل يغني الطبيب من شيء ؟ فقال : نعم ، ما أنزل الله من داء إلّا أنزل له شفاءً. وفائدة الحديث الحثُّ على التداوي والتشفّي بالمعالجة ومراجعة الطّبّ وأهل العلم بذلك والممارسة، وراوي الحديث هلال بن يساف. 8. بحار الأنوار « للعلامة المجلسي » / المجلّد : 59 / الصفحة : 290 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: في الحديث عن الصادق عليه السلام ـ وهو حديث طويل في أجوبة أمير المؤمنين عليه السلام عن مسائل اليهودي ـ ، قال اليهودي : وأين يسكن نبيّكم من الجنّة ؟ قال عليه السلام : في أعلاها درجة وأشرفها مكاناً في جنّات عدن. قال : صدقت والله انّه لخط هارون وإملاء موسى. [ بحار الأنوار / المجلّد : 8 / الصفحة : 195 ] وفي إكمال الدين عن أبي الطفيل عن علي عليه السلام ، في أجوبته عن مسائل اليهودي ـ إلى أن قال ـ : وأمّا منزل محمّد صلّى الله عليه وآله من الجنّة في جنّة عدن وهي وسط الجنان وأقربها إلى عرش الرحمن جلّ جلاله ، والذين يسكنون معه في الجنّة هؤلاء الأئمّة الإثنى عشر. [ بحار الأنوار / المجلّد : 8 / الصفحة : 189 ] أمّا ذريّة النبي صلّى الله عليه وآله ، فانّ الله تعالى يمنّ عليهم ويرفعهم إلى درجة النبي صلّى الله عليه وآله والأئمّة عليهم السلام ، لقوله تعالى : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) [ الطور : 21 ]. وأمّا الشيعة فمن الممكن أن يصلوا إلى المراتب العالية ، بل حتّى إلى مرتبة النبي صلّى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام إن أراد النبي صلّى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام ذلك ، فلا حاجة لكي ينزل النبي صلّى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام من درجتهم ، بل يرفع الله شيعتهم إلى الأعلى. روى سلمان رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وآله انّه قال : يا علي انّ شيعتك ليؤذن لهم في الدخول عليكم كلّ جمعة ، وانّهم لينظرون اليكم من منازلهم يوم الجمعة ، كما ينظر أهل الدنيا إلى النجم في السماء ، وانّكم لفي أعلى عليّين في غرفة ليس فوقها درجة أحد من خلقه. [ بحار الأنوار / المجلّد : 8 / الصفحة : 174 ] والمراد من قوله : « وانّهم لينظرون إليكم » ، انّ أهل الجنّة ينظرون إلى علي وشيعته يوم الجمعة ، كما ينظر أهل الدنيا إلى النجم في السماء. ويؤيّد ذلك قول أمير المؤمنين عليه السلام : انّ أهل الجنّة ينظرون إلى منازل شيعتنا كما ينظر الإنسان الى الكواكب. وكان يقول : من أحبّنا فكان معنا ، ومن قاتل معنا بيده فهو معنا في الدرجة. [ بحار الأنوار / المجلّد : 8 / الصفحة : 148 ] وفي الحديث عن علي بن أبي طالب عليه السلام ، قال جاء رجل من الأنصار إلى النبي صلّى الله عليه وآله فقال : يا رسول الله ما استطيع فراقك وانّي لأدخل منزلي فأذكرك فأترك ضيعتي واقبل حتّى انظر إليك حبّاً لك فذكرت اذا كان يوم القيامة وادخلت الجنّة فرفعت في أعلى عليّين فكيف لي بك يا نبي الله ؟ فنزل : ( وَمَن يُطِعِ اللَّـهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَـٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّـهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقًا ) . فدعا النبي صلّى الله عليه وآله الرجل فقرأها عليه وبشّره بذلك. [ بحار الأنوار / المجلّد : 8 / الصفحة : 188 ]
الجواب من الشيخ محمّد جواد آل الفقيه: التشيُّع . . . مَا هُوَ ؟ لكي تنثبت من الحقائق ، ونرفض كل ما يشيعه المغرضون حول عقيدة الشيعة ، ونشوئها في الاسلام ، يلزمنا ـ في هذا الحال ـ الرجوع الى عهود بعيدة ، مضت عليها قرون متعاقبة . ولكن ، حينما يتحد المضمون ، تتلاشى عنده كل المواقيت ، وكل مؤشرات القرب والبعد ، فهو لا يتغير ، ولا يتبدل ، ولا يخضع لأي ضوابط ، زمانية كانت أو غيرها . المضمون بالنسبة لنا واحد ، ألا وهو « الاسلام » فهو في كياننا اليوم ، كما كان بالأمس ، وكما كان قبل قرون ، وكما يكون غداً ، لا يتغير ولا يتبدل . والتشيع بالنسبة لنا ، هو من صميم ذلك المضمون . ليس طارئا ، وليس جديداً على الاسلام ، بل هو أصل من أصوله ، دعا اليه رسول الله (ص) ، كما دعا الى بقية أركان الدين . فليس التشيع ، سوى حب أهل البيت عليهم السلام ، ومودتهم ، والتمسك بهم . وموالاة علي عليه السلام بعد رسول الله (ص) وأخذ معالم الدين من معدنه . قال تعالى : « قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ » « 42 ـ 23 » هذا هو التشيع ببساطة . قال الأزهري : الشيعة ، هم الذين يهوون عترة النبي (ص) ، ويوالونهم (1) . وقد نشأ التشيع لعلي ( عليه السلام ) في عهد الرسول الله (ص) الذي أوصى المسلمين في مواطن كثيرة ، بالتمسك بأهل البيت ( عليه السلام ) كما دعاهم الى ولاء علي (ع) ونصَّ على ذلك في حجة الوداع الاخيرة . حيث جاء في خطبته (ص) : معاشر المسلمين ، ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا : اللهم بلى . قال : « من كنت مولاه ، فهذا علي مولاه ، اللهم والِ من والاه ، وعادِ من عاداه وانصر من نصره ، واخذل من خذله » . وقد روي هذا الحديث بطرق مختلفة ، وألفاظ متغايرة ، بمضمون واحد . فقد رواه من الصحابة اكثر من مائة وعشرة صحابياً . ومن التابعين أربعة وثمانون تابعياً ، ورواه من العلماء ، ثلاثمائة وستون عالماً (2) عدا من ألَّف فيه . وهذا الحديث هو المسمى بحديث الغدير ، نسبة لغدير خُمّ . وقد تمسك به الشيعة الإمامية كدليل هام في إثبات الخلافة لعلي عليه السلام بعد رسول الله (ص) ، بالاضافة الى الأدلة الاخرى الكثيرة ، التي سنذكرها فيما بعد . وعرف من الشيعة في عهد رسول الله (ص) جماعة ، منهم أبو ذر رضي الله عنه . . قال أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني : « إن لفظ الشيعة على عهد رسول الله (ص) كان لقب أربعة من الصحابة ، سلمان الفارسي ، وأبي ذر الغفاري ، والمقداد بن الأسود الكندي وعمار بن ياسر (3) الى آخره . من جهة أخرى ، فقد ورد لفظ الشيعة ( شيعة علي (ع) ) على لسان النبي (ص) في عدة مناسبات . وما علينا الآن إلا أن نعرض بعض الاحاديث النبوية الشريفة المتضمنة لذلك . 1 ـ عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال : « كنا عند النبي (ص) فأقبل علي بن أبي طالب ، فقال رسول الله ( ص ) : قد أتاكم أخي ! قال جابر : ثم التفت رسول الله (ص) الى الكعبة ، فضربها بيده ، ثم قال : والذي نفسي بيده ، إن هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة . . ثم قال : إنه أولكم إيماناً معي ، وأوفاكم بعهد الله تعالى ، وأقومكم بأمر الله ، وأعدلكم في الرعية ، وأقسمكم بالسوية ، واعظمكم عند الله مزيِّة . قال : ونزلت فيه « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ » . قال : وكان أصحاب محمد (ص) اذا أقبل عليهم علي عليه السلام ، قالوا : قد جاء خير البرية » (4) . 2 ـ أخرج الحافظ جمال الدين الذرندي ، عن ابن عباس رضي الله عنهما . « ان هذه الآية لما نزلت ، قال (ص) لعلي : هم أنت وشيعتك ، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين . . (5) الخ . 3 ـ أخرج أحمد في المناقب أنه ( ص ) قال لعلي ( ع ) : أما ترضى أنك معي في الجنة والحسن والحسين ، وذريتنا خلف ظهورنا ، وأزواجنا خلف ذريتنا ، وشيعتنا عن ايماننا وشمائلنا . » 4 ـ واخرج الديلمي : يا علي ان الله عز وجل قد غفر لك ، ولذريتك ، ولولدك ، ولأهلك ولشيعتك ، ولمحبي شيعتك . 5 ـ وأخرج الطبراني عن علي (ع) قال : يا علي ستقدم على الله وشيعتك راضين مرضيين ، ويقدم عليه أعداؤك غضابا مُقمَحين (6) . . 6 ـ وأخرج ابن مردويه ، عن علي عليه السلام قال : قال لي رسول الله ( ص ) ألم تسمع قول الله : « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ » هم انت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض ، اذا جائت الامم للحساب ، تدعون غُرَّاً محجلين . 7 ـ وفي النهاية ( لإبن الاثير ـ مادة قمح ) : وفي حديث علي (ع) قال له النبي (ص) : ستقدم على الله أنت وشيعتك راضين مرضيين ، ويقدم عليه عدوك غضاباً مقمحين . ثم جمع يده الى عنقه يريهم كيف الإقماح . 8 ـ عن ربيع الأبرار ، يروى عن رسول الله ( ص ) أنه قال : يا علي ، اذا كان يوم القيامة ، أخذتُ بحُجزة الله تعالى ، وأخذت أنت بحُجزتي وأخذ ولدك بحجزتك ، وأخذ شيعة ولدك بحجزهم . فتُرى أين يؤمر بنا ؟ (7) وأما الأحاديث الأخرى التي تدعو المسلمين الى التمسك بعلي ( عليه السلام ) وأهل البيت الطاهر فان استقصاءها وذكرها يحتاج الى وضع مجلد ضخم . لكننا نذكر بعضاً منها هنا ، لأجل التبرك بها من جهة ، ولاطلاع القاریء الكريم على مدى ما تحمل من أهمية ، من جهة أخرى . 1 ـ روى الجويني بسنده عن ابن عباس (رض) قال : قال رسول الله (ص) : من سره أن يحيا حياتي ، ويموت مماتي ، ويسكن جنة عدن غرسها ربي ، فليوال علياً من بعدي ، وليقتدِ بالأئمة من بعدي ، فانهم عترتي ، خلقوا من طينتي ، ورزقوا فهماً وعلماً ، ويل للمكذبين بفضلهم من أمتي ، القاطعين فيهم صلتي ، لا أنالهم الله شفاعتي (8). 2 ـ وعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا أنس ، أسكب لي وضوءاً ( قال : ) ثم قام فصلى ركعتين ثم قال : يا أنس ، أول من يدخل عليك من هذا الباب ، أمير المؤمنين ( وسيد المسلمين ) وقائد الغر المحجلين ، وخاتم الوصيين . قال أنس : قلت : اللهم اجعله رجلا من الانصار ـ وكتمته ـ اذ جاء علي صلوات الله عليه ، فقال : من هذا يا أنس ؟ فقلت : علي . فقام ( ص ) مستبشراً ، فاعتنقه ثم جعل يمسح عرق وجهه بوجهه ، ويمسح عرق وجه علي بوجهه . فقال علي عليه السلام : يا رسول الله ، لقد رأيتك صنعت شيئا ، ما صنعت بي من قبل ؟ قال (ص) : وما يمنعني ، وأنت تؤدي عني ، وتسمعهم صوتي ، وتبين لهم ما اختلفوا فيه بعدي . 3 ـ وعن ابي ذر الغفاري ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا خاتم الأنبياء ، وأنت يا علي خاتم الأوصياء الى يوم الدين . ولفظ أبي ذر : أنا خاتم النبيين ، كذلك علي خاتم الأوصياء الى يوم الدين . 4 ـ وعن جابر بن عبد الله ( الأنصاري ) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام : أنت مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي . ( هذا الحديث رواه الجويني بعدة طرق ، وهو حديث مشهور وهو المسمى بحديث ( المنزلة ) . ورواه مسلم في صحيحه عن سعد بن ابي وقاص عن أبيه » راجع فضائل الصحابة / 4 ـ 1870 ) . 5 ـ وجاء في حديث طويل ، عن أبي أيوب الأنصاري : يا عمار ، إن علياً لا يردك عن هدى ، ولا يدلك على ردى . يا عمار ، طاعة علي طاعتي ، وطاعتي طاعة الله عز وجل . ! 6 ـ وعن ابن مسعود ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : علي بن أبي طالب حلقة معلقة بباب الجنة ، من تعلق بها دخل الجنة . 7 ـ وعن انس بن مالك ، قال : إن سائلا أتى المسجد وهو يقول : من يقرض المليّ الوفي ؟ وعلي ـ عليه السلام ـ راكع يقول (9) بيده خلفه للسائل خذه ، أي اخلع الخاتم من يدي . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا عمر ، وجبت . قال : بأبي انت وأمي يا رسول الله ، ما وجبت ؟ قال : وجبت له الجنة . والله ما خلعه من يده ، حتى خلعه من كل ذنب وخطيئة (10) . 8 ـ وعن ابن عباس رضي الله عنه ، قال : أقبل عبد الله بن سلّام ، ومعه نفر من قومه ، ممن قد آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله ، إن منازلنا بعيدة ، وليس لنا مجلس ، ولا متحدث دون هذا المجلس ، وان قومنا لما رأونا آمنا بالله ورسوله ، وصدقناه ، رفضونا ، وآلوا على أنفسهم أن لا يجالسونا ، ولا يناكحونا ( أي لا يتزوجون منا ولا نتزوج منهم ) ولا يكلمونا ، فشق ذلك علينا . فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : « إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ » ( 55 ـ المائدة ) ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج الى المسجد ، والناس بين قائم وراكع ، وبصر بسائل . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : هل أعطاك أحد شيئاً ؟ قال : نعم ، خاتم من ذهب. فقال النبي (ص) : من أعطاكه ؟ قال : ذلك القائم ـ وأومأ بيده الى علي بن أبي طالب ـ . فقال النبي (ص) : على أي حال أعطاك ؟ قال : اعطاني وهو راكع ! . فكبَّر النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قرأ : « وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ » ( 56 ـ المائدة ) . فأنشأ حسان بن ثابت يقول : أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي وكل بطيیء في الهوى ومسارع أيذهب مدحي والمحبين ضائعاً وما المدح في جنب الإله بضائع فأنت الذي اعطيت اذ كنت راكعاً فدتك نفوس القوم يا خير راكع فانزل فيك الله خير ولاية وبينها في محكمات الشرائع (11) وقصة التصدّق بالخاتم ـ هذه ـ من أشهر المشهورات ، وقد رواها الجويني بعدة طرق ، وبأسانيد مختلفة ، كما رواها غيره من أرباب الحديث . ونكتفي هنا بهذا العرض لبعض الروايات في هذا المضمون ، والتي هي نزر قليل من الكثير الكثير ، اذ لو أردنا استقصاء وذكر الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وآله في فضل أمير المؤمنين علي عليه السلام ، والمشتملة على النص بالولاية منه (ص) له (ع) من بعده ، وعلى إلزام المسلمين بالأخذ عن أهل البيت (ع) معالم دينهم لألزمنا ذلك بافراد كتاب مستقل ، ولأخرجنا عن الموضوع . ومجمل القول : فان الشيعة يعتقدون بأن الإمامة ، لا تكون إلا بالنص من الله تعالى ، على لسان النبي ، أو على لسان الإمام الذي قبله ، وأن الإمام لا بد وأن يكون معصوماً من جميع الرذائل ، ومن السهو والخطأ والنسيان ، كما لا بد وأن يكون أفضل الناس بعد النبي (ص) . ولا يهمنا من بحث الإمامة هنا « اثبات انهم هم الخلفاء الشرعيون ، وأهل السلطة الإلهية ، فان ذلك أمر مضى في ذمة التأريخ ، وليس في اثباته ما يعيد دورة الزمن من جديد أو يعيد الحقوق المسلوبة الى أهلها ، وانما يهمنا منه ، ما ذكرنا من لزوم الرجوع اليهم في الأخذ بأحكام الله الشرعية ، وتحصيل ما جاء به الرسول الأكرم على الوجه الصحيح الذي جاء به ، وان في أخذ الأحكام من الرواة والمجتهدين الذين لا يستقون من نمير مائهم ، ولا يستضيئون بنورهم ، ابتعاداً عن محجة الصواب في الدين . » (12) الهوامش 1. متن اللغة 3 / مادة شيع 2. راجع كتاب الغدير ج 1 من ص 8 الى ص 151 . 3. الشيعة وفنون الاسلام ص 31 . 4. فرائد السمطين 1 / 156 . 5. الصواعق المحرقة / 159 . 6. حق اليقين 1 / 171 و 205 . 7. أصل الشيعة وأصولها 110 / 111 . 8. فرائد السمطين / للجويني بسنده / 53 . 9. يقول : يشير . 10. فرائد السمطين 1 / 145 و 147 و 123 و 178 و 180 و 188 . 11. فرائد السمطين 1 / 189 / 190 . راجع مجمع البيان وشواهد التنزيل ، وذخائر العقبى . فانه أشار فيه الى هذه الآية وثماني آيات نزلت في علي . راجع ص 88 ـ 89 ـ ومن أحب الاستزادة في فضائل الامام ، فليراجع صحيح مسلم م 4 ص 1870 وفضائل الخمسة من الصحاح الستة ، وغيرها . 12. عقائد الشيعة الامامية / 99 . مقتبس من كتاب : أبو ذر الغفاري / الصفحة : 44 ـ 53
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: السؤال : هل أئمّة أهل البيت عليهم السلام يدبّرون الكون ؟ الجواب الله تبارك وتعالى هو المدبّر بالذات ، قال عزّ وجلّ : ( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ) [ السجدة : 5 ] ، لكن الله تعالى أعطى القدرة لبعض الملائكة والأنبياء والرسل والأئمّة عليهم السلام ، وفوّض اليهم تدبير بعض الأمور في الكون. قال الله تعالى : ( فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ) [ النازعات : 5 ] ، وقد ورد في تفسير الآية انّها الملائكة تدبّر أمر العباد من السنة الى السنة ، كما عن أمير المؤمنين ، وقيل انّ المراد بذلك جبرئيل وميكائيل وملك الموت واسرافيل يدبّرون امور الدنيا. فامّا جبرئيل فموكّل بالرياح والجنود ، وامّا ميكائيل فموكّل بالقطر والنبات ، وامّا ملك الموت فموكّل بقبض الأنفس ، وامّا اسرافيل فهو يتنزل بالأمر عليهم. فكما انّ الله تعالى جرت مشيئته ان يبتني نظام الكون على قانون العلل والمعلولات والأسباب والمسببات الطبيعيّة ، فكذلك جرت مشيئته ان يتصرّف في الكون بواسطة الملائكة وأوليائه في بعض الأمور. ولذا نرى انّ عيسى بن مريم عليه السلام ابرء الأكمه والأبرص بإذن الله ، وأحيى الموتى بإذن الله ، كما صرّح بذلك القرآن الكريم ، حيث قال الله تعالى مخاطباً لعيسى بن مريم : ( وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ) [ المائدة : 110 ] ، فنسب الابراء واخراج الموتى الى نفس عيسى لكن كان ذلك بإذن الله بالقدرة التي أفاضها الله عليه. وأئمّة أهل البيت عليهم السلام لهم هذه القدرة لكن لا بالذات ، بل بإذن الله تعالى وإرادته بإفاضة القدرة عليهم ، فقدرتهم على ذلك مستمدة من قدرة الله. ولذا نرى انّ الإمام الكاظم عليه السلام أشار إلى صورة الأسد وأمره بأن يفترس المستهزئ به في مجلس الخليفة ، فصارت الصورة أسداً حقيقة وافترسه. وفي الكافي بسنده عن الصادق عليه السلام كان يقول : اللهمّ صلّ على محمّد صفيّك وخليلك ونجيّك المدبّر لأمرك. قال المجلسي في شرحه يدلّ على انّ للنبي محمّد مدخلاً في تدبير أمور العالم ، وانّ الملائكة الموكّلين بذلك مأمورين بأمره.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: لزيارة عاشوراء طرق كثيرة واسناد متعدّدة بعضها معتبرة (1) ، ويكفي في صحّتها واعتبارها اعتماد الفقهاء عليها وذكرها في كتب الأدعية والزيارات (2) ، بل ألّفوا كتباً عديدة في شرح هذه الزيارة ممّا يدلّ على المفروغيّة عن صحّتها. وقد ذكر آية الله الشيخ محمّد تقي البهجة انّ مضمون زيارة عاشوراء شاهد على اعتبارها ويوضح عظمتها ، بل يظهر من بعض اسناد زيارة عاشوراء أنّها من قبيل الحديث القدسي ، ولأجل ذلك كان علماؤنا وأساتذتنا مع كثرة مشاغلهم العلميّة يواظبون على قراءة هذه الزيارة. وقد نقل انّه وقع وباء في سامراء أيّام زعامة ومرجعيّة الميرزا الشيرازي وكان يموت من السنّة والشيعة عدد كثير في كلّ يوم ، فأمر السيّد الشيرازي مقلّديه من الشيعة بقراءة زيارة عاشوراء فارتفع منهم الوباء ، ولمّا رأى السنّة انّ الشيعة لا يموتون بسبب الوباء سئلوا عن السبب فقيل لهم انّهم يقرؤون زيارة عاشوراء وببركتها ارتفع عنهم الوباء ، فشرع أهل السنّة في زيارة عاشوراء فارتفع عنهم البلاء أيضاً. وللمزيد راجع رسالة « زيارة عاشوراء فوق الشبهات » ، تحتوي على كلمات للمرجع الراحل آية الله العظمى الميرزا جواد التبريزي. الهوامش 1. راجع : كامل الزيارات « لابن قولويه » / الصفحة : 327 ـ 333 / الناشر : مؤسسة نشر الفقاهة / الطبعة : 1. مصباح المتهجد « للشيخ الطوسي » / الصفحة : 773 ـ 782 / الناشر : مؤسسة فقه الشيعة / الطبعة : 1. مصباح الزائر « للسيد ابن طاووس » / المجلد : 1 / الصفحة : 261 ـ 286 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / الطبعة : 1. 2. راجع : مصباح المتهجد « للشيخ الطوسي » / الصفحة : 773 ـ 782 / الناشر : مؤسسة فقه الشيعة / الطبعة : 1. مصباح الزائر « للسيد ابن طاووس » / المجلّد : 1 / الصفحة : 261 ـ 286 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / الطبعة : 1. المزار « لابن المشهدي » / الصفحة : 480 ـ 485 / الناشر : نشر القيوم / الطبعة : 1. المزار « للشهيد الأول » / المجلد : 1 / الصفحة : 142 ـ 145 / الناشر : مؤسسة الإمام الهادي عليه السلام / الطبعة : 1.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: الله تبارك وتعالى يقول على لسان النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله : ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ) [ فصلت : 6 ] ؛ فالمعصومون من الأنبياء والرسل والأئمّة عليهم السلام من حيث القابليّات الجسميّة مثل سائر أفراد الإنسان ، فهم يأكلون ويشربون وينامون ويتمرّضون ويستريحون ويتعبون ، لكن هناك مطلبان لا بدّ من ملاحظتهما : أوّلاً : أنّ القابليّات المعصومين عليهم السلام الروحيّة والنفسيّة تختلف عن سائر البشر ، فالحلم والصبر والتحمّل والأخلاق الحميدة والصفات الكماليّة في المعصومين أعظم وأكثر وأشدّ ، ولأجل ذلك يتحمّلون المصائب والبلايا العظيمة ويصبرون عليها ، ويحصل لديهم حالة التسليم والرضا بقضاء الله وقدره. ثانياً : قد يفيض الله تعالى على بعض المعصومين عند وجود مصلحة من المصالح القوّة وقدرة بدنيّة خارة للعادة ، كما حصل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام حينما فتح قلعة خيبر ، فقلع باب الحصن الذي كان يعجز عن تحريكه أربعون رجلاً ، ثمّ جعله كالجسر لكي يعبّر عليه المسلمون ويدخلون الحصن ، كما قال ابن أبي الحديد المعتزلي : يا قالع الباب الذي عن هزّه عجزت أكفّ أربعون وأربع وكما حصل للإمام الجواد عليه السلام حيث لم يؤثر في جسمه الشريف السيوف ، حينما اغتالوه وهو نائم في فراشه.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: قال الإمام الحسن عليه السلام : والله إنّه لعهد عهده إلينا رسول الله صلّى الله عليه وآله ، أنّ هذا الامر يملكه إثنا عشر اماماً من ولد ( علي عليه السلام و ) فاطمة عليها السلام ، ما منّا إلّا مسموم أو مقتول. (1) وقال الإمام الصادق عليه السلام : ما منّا إلّا مقتولٌ أو شهيد. (2) وقد اتّفق المسلمون من السنّة والشيعة على انّ النبي صلّى الله عليه وآله مات مسموماً ، لكن السنّة يدّعون أنّه مات بسبب السمّ الذي دسّته المرأة اليهوديّة في ذراع أهدته إليه. (3) وقد وردت في رواياتهم قوله صلّى الله عليه وآله : ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السمّ (4) ، رواه البخاري في صحيحه. لكن قصّة خيبر كانت في السنة الثامنة للهجرة ، والنبي صلّى الله عليه وآله استشهد في أوائل السنة الحادية عشر للهجرة ، ومن البعيد جدّاً أن يؤثر السم بعد سنتين. وأكثر وقد ورد في الروايات الواردة من طرق الشيعة والسنّة انّ الذراع أخبرته بأنّها مسمومة فلم يأكل منها ، وأكل منها بعض أصحابه فمات فوراً. (5) ولذلك يحتمل قويّاً ـ كما يظهر من بعض رواياتنا ـ انّه توفّي بسبب السمّ الذي دسّته إليه بعض أزواجه بعد واقعة الغدير بأمر من والديهما. وقد أشارت بعض روايات أهل السنّة إلى ذلك ، حيث يستفاد منها انّ بعض أزواجه أجبرت النبي صلّى الله عليه وآله على شرب شيء كان النبي يمتنع من شربه. ففي صحيح البخاري : حدثنا عَليُّ حَدَّثَنا يَحْيى وَزادَ قالَت عائِشَةُ لَدَناهُ في مَرَضِهِ فَجَعَلَ يُشيرُ اِلَيْنا اَنْ لا تَلدُّوني فَقُلْنا كَراهيّةُ الْمَريضِ لِلدَّواءِ فَلَمَّا اَفاقَ قالَ اَلَمْ اَنْهكُمْ اَنْ تَلُدُّوني قُلْنا كَراهِيّةُ المَريضِ لِلدَّواءِ فَقالَ لا يَبْقى اَحَدٌ فِي الْبَيْتِ اِلّا لُدَّ وَاَنا اَنْظُرُ العَبّاسَ فَاِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ (6) ـ وفي مسند أحمد : فإنَّه لم يَشْهَدْكُنَّ (7). ويظهر من ذلك انّ النبي صلّى الله عليه وآله اتّهم أزواجه بدسّ السمّ إليه ، وإلّا لا معنى لقوله : لا يبقى أحد في البيت إلّا لدّ . الهوامش 1. كفاية الأثر « للخزاز القمي » / الصفحة : 330 ـ 331 / الناشر : دليل ما. راجع : إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات « للحر العاملي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 344 / الناشر : أعلمي / الطبعة : 1. 2. الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة « لابن الصبّاغ » / المجلّد : 2 / الصفحة : 1093 / الناشر : دار الحديث للطباعة والنشر / الطبعة : 1. راجع : كشف الغمة في معرفة الأئمّة « لعلي بن أبي الفتح الإربلي » / المجلّد : 3 / الصفحة : 227 / الناشر : دار الأضواء. 3. سنن أبي داود / المجلّد : 2 / الصفحة : 369 ـ 370 / الناشر : دار الفكر / الطبعة : 1 : كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقبل الهدية ولا يأكل الصدقة ، زاد : فأهدت له يهودية بخيبر شاة مَصْلِيّة سمّتْهَا ، فأكل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم منها وأكل القوم ، فقال : « ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتني أنها مسمومة » فمات بشر بن البراء بن معرور الأنصاري ، فأرسل إلى اليهودية : « ما حملك على الذي صنعت » ؟ قالت : إن كنت نبياً لم يضرك الذي صنعت ، وإن كنت ملكا أرحت الناس منك ، فأمر بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقتلت ، ثم قال في وجعه الذي مات فيه : « ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت بخيبر ، فهذا أوان قطعت أبهري » . 4. صحيح البخاري / المجلّد : 5 / الصفحة : 137 / الناشر : دار الفكر : قالَ عُرْوَةُ قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْها كانَ النّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ يَقُولُ في مَرَضِهِ الَّذي ماتَ فيهِ يا عائشَةُ ما اَزالُ اَجِدُ اَلَمَ الطَّعامِ الَّذي اَكَلْتُ بِخَيْبَرَ فَهذا اَوانَ وَجَدْتُ انْقِطاعَ اَبْهَري مِنْ ذلِكَ السُّمِّ . راجع : السنن الكبرى « لأحمد بن الحسين البيهقي » / المجلّد : 10 / الصفحة : 11 / الناشر : دار الفكر. السيرة النبوية « لابن كثير » / المجلّد : 4 / الصفحة : 449 / الناشر : دار المعرفة للطباعة والنشر. فتح الباري « لابن حجر العسقلاني » / المجلّد : 2 / الصفحة : 208 / الناشر : دار المعرفة للطباعة والنشر / الطبعة : 2. 5. البرهان في تفسير القرآن « للسيّد هاشم البحراني / المجلّد : 2 / الصفحة : 117 / الناشر : مؤسسة الأعلمي / الطبعة : 2 : عن عبد الصمد بن بشير ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : أتدرون مات النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أو قتل إن الله يقول : ( أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ) فسُمّ قبل الموت إنهما سقتاه ، فقلنا : إنهما وأبويهما شر من خلق الله. 6. صحيح البخاري / المجلّد : 5 / الصفحة : 143 / الناشر : دار الفكر. 7. مسند أحمد بن حنبل / المجلّد : 40 / الصفحة : 308 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 1.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: أبو طالب كان مؤمناً موحّداً ومعتقداً بنبوّة ورسالة محمّد صلّى الله عليه وآله ، وكان يظهر إيمانه وإعتقاده من خلال الأشعار الكثيرة ، كقوله عليه السلام : ولقد علمت بانّ دين محمّد من خير أديان البريّة دينا وقوله : أنت النبي محمّد قرم أغرّ مسود لمسوّدين أكارم طابوا وطاب المحتد وكقوله في وصيّته : اوصي بنصر نبيّ الخير أربعة ابني عليّاً وعمّ القوم عباسا وحمزة الأسد الحامي حقيقته وجعفراً ان تذودا دونه الناسا وكقوله يمدح النبي الأعظم : لقد أكرم الله النبي محمّداً فاكرم خلق الله في الناس أحمد وشقّ له من اسمه ليجلّه فذو العرش محمود وهذا محمّد وكقوله في قصيدة في مدح النبي صلّى الله عليه وآله : أمين حبيب في العباد مسوّم بخاتم ربّ قاهر في الخواتم يرى الناس برهاناً عليه وهيبة وما جاهل في قومه مثل عالم نبيّ أتاه الوحي من عند ربّه ومن قال لا ، يقرع بها سنُّ نادم قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 3 / 314 ، قالوا وقد اشتهر عن عبد الله المأمون انّه كان يقول : أسلم أبوطالب والله بقوله : نصرتُ الرسول رسول المليك ببيض تلألأ كلمع البروق اذبّ واحمي رسول الإله حماية حام عليه شفيق وقوله للنجاشي يدعوه إلى الإسلام : تعلّم خيار الناس انّ محمّداً وزير لموسى وعيسى بن مريم أتى بالهدى مثل الذي أتيا به فكل بأمر الله يهدى ويعصم وانّكم تتلونه في كتابكم بصدق حديث لا حديث الترجّم فلا تجعلوا لله نداً وأسلموا فان طريق الحق ليس بمظلم وكان أمير المؤمنين علي عليه السلام يعجبه ان يروى شعر أبي طالب وان يدوّن ، وقال : تلموه وعلموه أولادكم فانّه على دين الله وفيه علم كثير . وقد ورد عن الأئمّة الأطهار عليهم السلام : انّ ايمان أبي طالب لو وضع في كفّة ميزان وايمان هذا الخلق في كفّة ميزان لرجح ايمان أبي طالب على إيمانهم . وعن الرضا عليه السلام في جواب كتاب عبدالعظيم الحسني : بسم الله الرحمن الرحيم امّا بعد فانّك ان شككت في إيمان أبي طالب كان مصيرك إلى النار. وعن الصادق عليه السلام انّه قال : يا يونس ما يقول الناس في أبي طالب ؟ قال : جعلت فداك يقولون هو في ضحضاح من النار وفي رجليه نعلان من نار تغلي منها امّ رأسه. فقال : كذب أعداء الله ، انّ أبا طالب من رفقاء النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. وفي الحديث : انّ نوره يوم القيامة يطفئ أنوار الخلائق إلّا خمسة أنوار. وفيه : انّ مثله مثل أصحاب الكهف وانّه كان مستودعاً للوصايا فدفعها الى رسول الله صلّى الله عليه وآله. وعليه فما ورد انّ النبي صلّى الله عليه وآله قال لأبي طالب عليه السلام عند موته : قل لا إله إلّا الله كذب محض ، فانّ النبي صلّى الله عليه وآله كان يعلم بايمان أبي طالب عليه السلام ، كيف نصدّق ذلك مع انّ أبا طالب لما حضرته الوفاة دعا بني عبد المطلب ، فقال : لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمّد وما اتبعتم أمره فاتّبعوه واعينوه ترشدوا. وفي لفظ : يا معشر بني هاشم اطيعوا محمّداً وصدّقوا تفلحوا وترشدوا. قال البرزنجي : هذا الحديث دليل على إيمان أبي طالب ، ونعما هو قال : قلت بعيد جدّاً ان يعرف انّ الرشاد في اتّباعه ويأمر غيره بذلك ويتركه هو ؟! وذكر ابن حجر في الإصابة 4 / 116 ، عن طريق اسحاق بن عيسى الهاشمي ، عن أبي رافع ، قال : سمعت أبا طالب يقول : سمعت ابن أخي محمّد بن عبد الله يقول : انّ ربّه بعثه بصلة الأرحام ، وان يعبد الله وحده ، ولا يعبد معه غيره ، ومحمّد الصدوق الأمين. [ أسنى المطالب / الصفحة : 6 ]. وروى الشيخ إبراهيم الحنبلي في نهاية الطلب ، عن عروة الوثقى ، قال : سمعت أبا طالب رضي الله عنه يقول : حدّثني ابن أخي الصادق الأمين ، وكان والله صدوقاً ، انّ ربّه أرسله بصلة الأرحام وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وكان يقول : أشكر ترزق ولا تكفر تعذّب. وللمزيد راجع البحار المجلّد 35 وكتاب الغدير.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: العقل يحكم بأن المسلم لابدّ أن يعرف أحكام دينه من الواجبات لكي يعمل بها ومن المحرّمات لكي يتركها. والعلم بالأحكام الإلهيّة يتحقّق بأمرين : إمّا أن يكون الشخص مجتهداً ، يتمكّن من استنباط ومعرفة الأحكام الشرعيّة من الكتاب والسنّة النبويّة والإجماع والعقل ، بأن يقضي عمراً طويلاً في دراسة القرآن والحديث وأقوال الفقهاء بحيث يحصل له ملكة الإجتهاد والتفقّه في الدين ؛ وإمّا أن يرجع إلى عالم مجتهد فيأخذ منه الأحكام الشرعيّة التي استنبطها وأخرجها من الأدلّة ، وهذا هو معنى التقليد. وهو يرجع إلى بناء العقلاء وسيرتهم من رجوع الجاهل في كلّ علم وحرفة وصنعة إلى العالم ، فالمريض يرجع إلى الطبيب العالم بالطبّ الذي هو يشخص المرض والعلاج ، ونفس هذا الطبيب يرجع إلى المهندس أو النجّار أو الحدّاد في بناء داره أو صنع الباب أو النوافذ الحديديّة. وبما ان تحصيل الاجتهاد والتمكّن من العلم بالأحكام الإلهيّة ليس ميسوراً لكلّ أحد ، إذ لابدّ أن يترك الناس أعمالهم وصنائعهم وحرفهم ويشتغلوا بعلم الفقه والتفسير والحديث ، فيختلّ النظام الإجتماعي ، فمن الطبيعي ان يتصدّى لذلك جماعة ويشتغل الآخرون بمشاغل أخرى يحتاج إليها النظام البشري. فالعقل يحكم على هؤلاء الذين لم يتمكّنوا من تحصيل الاجتهاد والتفقّه في الدين بالرجوع الى الفقهاء والمجتهدين ، فيكون التقليد واجباً عقلاً. نعم ، قد يرشد الشرع المقدّس الى وجوبه أيضاً لقوله تعالى : ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) [ الأنبياء : 7 ]. وقوله تعالى : ( فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) [ التوبة : 122 ]. نعم ، لو تمكّن أحد من الإحتياط التامّ بأن يفعل كل ما يحتمل وجوبه ويترك كلّ ما يحتمل حرمته يغني ذلك عن التقليد ، لكن هذا « الإحتياط الكامل في كلّ الأمور » لا يكون ممكناً لكلّ أحد ، إذ لابدّ أن يترك جميع أعماله ومشاغله ويشتغل بالإحتياط.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: هناك روايات عديدة من طرق أهل السنّة فضلاً عن الشيعة ، تدلّ على انّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال : علي وشيعته هم الفائزون يوم القيامة . وقد ذكرها علماء أهل السنّة في كتبهم ، منهم ابن حجر في كتابه « الصواعق المحرقة » ، الذي كتبه في ردّ الشيعة الذي يعبّر عنهم بالروافض. فقد روى جلال الدين السيوطي ، وهو من كبار علماء أهل السنّة بل هو مجدّد طريقة أهل السنّة في القرن التاسع الهجري ، كما قاله صاحب فتح المقال في تفسيره « الدرّ المنثور » ، عن ابن عساكر الدمشقي ، بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، وهو من كبار صحابة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله ، انّه قال : كنّا عند رسول الله صلّى الله عليه وآله إذ أقبل علي بن أبي طالب ، فقال النبي صلّى الله عليه وآله : والذي نفسي بيده انّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة ، فنزل : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) . وفي نفس ذلك التفسير ، روى عن ابن عدي عن ابن عبّاس ، انّه لما نزلت هذه الآية ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) ، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله لعلي عليه السلام : تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين . وفي مناقب الخوارزمي الحنفي ، بسنده عن جابر بن عبد الله ، قال : كنّا عند رسول الله صلّى الله عليه وآله إذ أقبل علي فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله : قد أتاكم أخي ؛ ثمّ التفت إلى جهة الكعبة وأخذ بيد علي وقال : والذي نفسي بيده انّ هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة ـ إلى أن قال : ـ فنزل قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) ، فكان كلّما جاء علي قال الصحابة : جاء خير البريّة.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: 1 : شهادة ان لا إله إلّا الله ، والاعتقاد بصفات الله من العلم والقدرة والحياة والعدل والحكمة والكمال والغناء المطلق. 2 : الإعتقاد بأنبياء الله ورسله وكتبه. 3 : الإعتقاد بنبوّة ورسالة محمّد صلّى الله عليه وآله ، وأنّه خاتم الأنبياء والمرسلين. 4 : الإعتقاد بأنّ القرآن الكريم هو الكتاب الذي أنزله الله على النبي محمّد صلّى الله عليه وآله ، وهو المعجزة الخالدة لإثبات نبوّة محمّد صلّى الله عليه وآله. 5 : الإعتقاد بالإسلام ، وانّه الدين الذي لا يرضى الله بغيره ، كما قال تعالى : ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ) [ آل عمران : 85 ]. 6 : الإعتقاد بالمعاد ، وانّ الله تعالى يخرج الموتى من قبورهم ، ويحشرهم يوم القيامة ليحاسبهم على ما صدر منهم. 7 : الإعتقاد بالجنّة والنار ، وانّ الجنّة ثواب وأجر للمؤمنين المطيعين ، والنار جزاء للكافرين والعاصين. 8 : الإعتقاد بأنّ الله تعالى والنبي محمّد صلّى الله عليه وآله لم يتركا الأمّة الإسلاميّة بعد وفاة النبي صلّى الله عليه وآله سدى ، وانّما عيّن النبي محمّد صلّى الله عليه وآله خلفاءه الذين هم حجج الله تعالى على خلقه ، وهم اثنا عشر إماماً من عترة محمّد وذريّته ، علي ، والحسن ، والحسين ، وعلي بن الحسين زين العابدين ، ومحمّد بن علي الباقر ، وجعفر بن محمّد الصادق ، وموسى بن جعفر الكاظم ، وعلي بن موسى الرضا ، ومحمّد بن علي الجواد ، وعلي بن محمّد الهادي ، والحسن بن علي العسكري ، والحجّة بن الحسن المهدي ، الذي قال النبي صلّى الله عليه وآله في حقّه : أنّه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً .
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: أمّا الممكن ، فهو الشيء الذي يمكن ان يتحقّق ويمكن ان لا يتحقّق ، أيّ نسبته الوجود والعدم إليه على حدّ سواء ؛ فإذا وجد في عالم الخارج فلا محالة يأتي هذا السؤال العقلي لماذا وجد وتحقّق هذا الشيء ؟ وكيف وجد مع انّ نسبته الوجود والعدم إليه واحدة ، وقد كان غير موجود ؟ فكيف خرج عن العدم وصار موجوداً ؟ فإمّا ان يوجد نفسه بنفسه ، وهذا غير صحيح ، إذ لم يكن في ذاته هذه الخاصيّة ، فانّ نسبة الوجود والعدم إليه كانت على حدّ سواء ، فلا محالة لا بدّ من سبب وعلّة ومرجّح اقتضى وجوده وخروجه من العدم إلى الوجود. وبعبارة أدقّ انّه إذا كانت نسبة الماهية إلى الوجود والعدم على حدّ سواء ، فترجيح كلّ واحد من كفّتي العدم والوجود على الأخرى من دون علّة وبدون مرجّح غير معقول ، واستحالة الترجّح بلا مرجّح من بديهيّات العقل ، وعلّة العدم عبارة عن عدم علّة الوجود. وأمّا الحادث ، فمعناه انّه لم يكن ، ثمّ كان ، في مقابل القديم الذي كان من الأزل ، فنفس حدوثه بعد ان لم يكن موجوداً يدلّ على انّ هناك علّة أخرجته من العدم إلى الوجود ، وإلّا كان يبقى على عدمه. وبعبارة أخرى الحادث الذي كان معدوماً ثمّ صار موجوداً قد حصل فيه التغيير بأن خرج من الحالة السابقة « العدم » إلى الحالة اللاحقة وهي الوجود. فنسأل كيف حصل هذا التغيير ؟ هل حصل عبثاً واعتباطاً أم ان هناك علّة لهذا التغيير ؟ لا سبيل إلى الأوّل ، لأنّ الحصول عبثاً واعتباطاً معناه الصدفة والاتّفاق ، فلو كان الحادث شيء واحد أمكن ان يكون وجوده لأجل الصدفة والاتّفاق ، لكن الصدفة لا تتكرّر ولا يمكن عقلاً ان تتحقّق الصدفة ملائين المرّات بان توجد جميع الحوادث بلا أسباب وعلل من باب الاتّفاق والصدفة ، ولو كان الأمر كذلك لزم أن يتحقّق الحريق بدون أيّ سبب واقعاً من باب الصدفة. وفي الحديث انّ ابن أبي العوجاء قال للإمام الصادق عليه السلام : ما الدليل على حدوث الأجسام ؟ فقال عليه السلام : انّي ما وجدت شيئاً صغيراً ولا كبيراً إلّا وإذا ضمّ إليه مثله صار أكبر ، وفي ذلك زوال وانتقال عن الحالة الأولى ، ولو كان قديماً ما زال ولا حال ، لأن الذي يزول ويحول يجوز ان يوجد ويبطل ، فيكون بوجوده بعد عدم دخولاً في الحدث ، وفي كونه في الأزل دخوله في القدم ، ولن تجتمع صفة الأزل والعدم والحدوث والقدم في شيء واحد. فقال ابن أبي العوجاء : هبك علمت في جرى الحالتين والزمانين على ما ذكرت واستدللت بذلك على حدوثها ، فلو بقيت الأشياء على صغرها من أين كان لك ان تستدلّ على حدوثهنّ ؟ فقال عليه السلام : انّما نتكلّم على هذا العالم الموضوع ، فلو رفعناه ووضعنا عالماً آخر كان لا شيء أدلّ على الحدث من رفعنا إيّاه ووضعنا غيره ، ولكن اجيبك من حيث قدّرت ان تلزمنا ، فنقول انّ الأشياء لو دامت على صغرها لكان في الوهم انّه متى ضمّ شيء إلى مثله كان أكبر ، وفي جواز التغيير عليه خروجه من القدم كما انّ في تغييره دخوله في الحدث ليس لك وراءه شيء يا عبد الكريم ؛ فانقطع وخزي. [ الكافي / الصفحة : 77 / المجلّد : 1 / باب حدوث العالم ] وهذا الحديث إشارة إلى ما يقوله الفلاسفة : العالم متغيّر ، وكلّ متغيّر حادث ، فالعالم حادث.
الجواب من الشيخ محمد كنعان: بعدما مرّ المسلمون في ظروف صعبة وحرجة جدّاً في واقعة الجمل ، لأنّها كانت فتنة عصيبة ، ولا ينجوا منها إلّا اللبيب الفطن ، لأن ليس من السهل ان يقاتل الإمام علي عليه السلام وهو الولي المفترض الطاعة ، إثنين من المهاجرين من أهل السبق كما هو المفترض وإحدى زوجات النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله ، فكانت هناك تلابسات وفتنة ، وإلى هذا اليوم هناك إشكالات وتساؤلات عن هذا الحدث ، فما بالك بتلك المحنة التي ابتلي بها أمير المؤمنين عليه السلام. فكان حول أمير المؤمنين مجموعة من كبار صحابة رسول الله صلّى الله عليه وآله من المهاجرين والأنصار ، وهذا ليس بمعنى أنّهم يعطون مشروعيّة للإمام عليه السلام ، بل هم يحصلون على المشروعيّة بكونهم يقفون بجانبه ، ولكن بالنسبة لبعض السُذج لو لم يكن حول أمير المؤمنين عليه السلام حصون من المهاجرين والأنصار لم يتقبلوا الأمر. فكان معه عمّار بن ياسر ، ذو الشهادتين خزيمة بن ثابت ، وقيس بن سعد بن عبادة ، وزعماء الأوس والخزرج كانوا كلّهم مع أمير المؤمنين عليه السلام (1) ؛ لذلك استطاع المواطن البسيط الذي كان بعيداً عن المدينة ومكّة ، بحيث كان جالساً في الكوفة والبصرة وغيرهما وكان بعيداً عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وتقادم العهد عليه ، فكانت الفتنة صعبة جدّاً فتعرّض الجسم الإسلامي لابتلاء قوي ومباشر بعد حرب الجمل ومن ثمّ جاء حرب صفين. فحرب صفين صحيح كان على مستوى أهل النخبة أهون على أمير المؤمنين عليه السلام من حرب الجمل ؛ لأنّ الباطل فيه صرحٌ بيّن لأنّه طليق ولا من المهاجرين ، فمعاوية بن أبي سفيان رجل رحب البلعوم ، مندحق البطن (2). وقد قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله : إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه (3). لكن ماذا حصل بحيث استمرّت المعركة أربع أو خمسة أشهر ، فكان فيها ليلة هرير وقعت على روؤس العرب ، فلم يكن سهلاً أن يسقط رجل كبير كهاشم المرقال شهيداً ، ليس سهلاً أن يستشهد خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، ليس سهلاً أن يسقط رجل كبير وقد نزل فيه القرآن وعمره أكثر من تسعين سنة وهو عمّار بن ياسر ، فالحرب أكلت النخبة (4) ، فمن بقي في معسكر أمير المؤمنين عليه السلام ، فرفع اسم مالك الأشتر وجارية بن قدامة وثلّة من أصحابة الأوفياء الذين جزاءهم الله عنّا وعن جميع المسلمين خيراً. فمن بقي في معسكره : الأشعث بن قيس الكندي ، وشبث بن ربعي وهؤلاء المتردية والنطيحة وما أكل السبع. فمشكلة صفين هي أنّها استهلكت النخبة من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ، ودائماً عندما يخوض المؤمنون حرباً ولو كانت دفاعية أخشى ما أخشاه على المجتمع أن تؤدّي الحرب بالنخبة برهبان الليل ، وأسود النهار ، ويبقى في المدن المتردية والنطيحة والانتهازيّون والوصوليّون والذين يركبون على دماء الشهداء للوصول. ما رأيكم بجيشٍ ينخدع برفع المصاحف على روؤس الرماح ويضعون السيف على علي عليه السلام مهدّدين إيّاه بالقتل ان لم يرجع مالك الأشتر ، فأين وصل بهم الخذلان لم يبقى إلّا خطوات حتّى يُكتف أمير المؤمنين عليه السلام ويسلّموه إلى معاوية. وهو كان يعلن عن امتعاضه لهذا الزمن فكان يقول : أَيْنَ عَمَّارٌ ؟ وَأَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ ؟ وَأَيْنَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ ... (5). هؤلاء إخوان صدق كان يتأسّف عليهم ويقول : الدهر انزلني ثم انزلني ثم انزلني حتی قيل معاوية وعلي (6). ماذا حدث للأمّة حتّى قارنت هذه المقارنة مع الفارق العظيم بين الشخصيّتين من كلّ الجهات ، فلو تفكّر المرء بجدّ لهذا الأمر كيف حصل ، وإلى وقتنا هذا يقال علي رضي الله عنه ومعاوية رضي الله عنه ، فبأيّ ميزان يضعونهما ؟ فواحد منهم إمام مفترض الطاعة والآخر باغي ، ومع هذا تترضّى عليه ولكونه كان : يَحذو حَذوَ الرَسولِ صَلّى اللهُ عَلَيهِما وَآلِهما ، وَيُقاتِلُ على التَأويلِ ، وَلا تَأخُذُهُ في اللهِ لَومَةُ لائِمٍ ، قَدْ وَتَرَ فيهِ صَناديدَ العَربِ ، وَقَتلَ أبطالَهُم ، وَناهَشَ ذُؤبانَهُم ، وَأودَعَ قُلوبَهُم أحقاداً بَدريَّةً ، وَخَيبَريَّةً. وَحُنَينيَّةً ، وَغَيرَهُنَّ ، فَأَضَبَّتْ على عَداوَتِهِ ، وَأكَبَّتْ على مُنابَذَتِهِ ، حتى قَتَلَ الناكِثينَ ، وَالقاسِطينَ ، وَالمارِقينَ (7). فلذلك تاهت الأمة. قضيّة التحكيم إنّ قضيّة التحكيم في معركة صفّين تُعدّ واحدة من أكثر الوقائع الباعثة على الأسف والأسى في عهد حكومة الإمام عليّ عليه السلام ؛ حيث جاءت هذه الحادثة المريرة في وقت شارَفَ فيه جيش الإمام علي عليه السلام إحراز النصر النهائي ، فحالَ قبول التحكيم دون تحقيق ذلك الانتصار الساحق ، وليس هذا فحسب بل إنّه أفضى أيضاً إلى وقوع خلافات في جيشه عليه السلام ، وانهماكه في صراعات مع كوكبة واسعة من خيرة مقاتليه. أنّ معاوية لما رأى آثار الظفر والنصرة قد لاحت وظهرت على أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام في صفّين نصب المصاحف على الرماح ، وطلب من أصحاب الإمام التحاكم إلى القرآن بزعمه حفظاً لدماء العرب ، فهجم أصحاب الإمام على خيمته عليه السلام والجأوه إلى قبول المحاكمة ، فأبى عليهم ، ولكنّه اضطرّ إلى ذلك ، لأنّهم هدّدوه بالقتل (8). وهؤلاء الذين أكرهوا الإمام على التحكيم هم خرجوا عليه وحاربوه لقبوله التحكيم في النهروان ، وهم الخوارج. وهذه صورة إجماليّة مختصرة ملخصة من قضيّة التحكيم. فالكلام هو عليه السلام يعرف كلّ ما يحصل ، ويعرف مكر ابن النابغة ولكن انخدع الجيش وعند ذلك نزل عند رغبتهم ، ولقد تمّ الحجّة عليهم وقال : أن أوكل عبد الله بن عبّاس فليتقدّم للتحكيم ، فقالوا : لا والله لا يحكم فينا مضريان أبداً حتّى تقوم الساعة ! (9) ـ يعني عرب الشمال ـ ، عمر بن العاص وعبد الله بن عبّاس كليهما من قريش ونحن عرب الجنوب وعرب اليمن والقحطانيين أين دورهم ، فكانت فتنة كبيرة وخطيرة جدّاً ، ولا أحد كان يلتفت لهذا الحديث : « والله لا يحكم فينا مضريان » ، والإمام قد فهّم أبو موسى الأشعري على حدود التحكيم ، ولكن هو لم يفهمها ولم يطبّقها. ففي الرواية كان هو من أصحاب العقبة (10) ، فتاريخه عندنا ولا يشهد له بخير. عندما يدور الأمر بين فتنة طبقيّة كانوا يريدون إحياءها ، أيّ حرب عرب الشمال وعرب الجنوب ، وهذه اللعبة التي لعبها معاوية وبنو أميّة ، ولكن المعصومين عليهم السلام قد أفشلوا محاولات بني أميّة كما أخنق هذه الفتنة في النطفة الإمام الحسين عليه السلام عندما جعل في جيشه خليط من عرب الشمال وعرب الجنوب حتّى لا تكرّس هذه الطبقيّة. وهذا الأمر أوّل ما بدأ به حيث فضّل بعض الطبقات على غيرها في العطاء هو عمر بن الخطّاب عندما فضّل الشمال على الجنوب ، يعني مُضر على غيرها ، وقريش على غيرها ، والعرب على الموالي المهاجرين على الأنصار ، وفضّل الأوس على الخزرج وهكذا. الهوامش 1. راجع : الجمل « للشيخ المفيد » / الصفحة : 50 ـ 51 / الناشر : مكتبة الداوري. 2. نهج البلاغة « للسيد الرضي » / الصفحة : 92 / الناشر : دار الكتب اللبناني / الطبعة : 1 : ومن كلام أمير المؤمنين عليه السلام لأصحابه : أَمَّا إِنَّهُ سَيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي رَجُلٌ رَحْبُ الْبُلْعُومِ ، مُنْدَحِقُ الْبَطْنِ ، يَأْكُلُ مَا يَجِدُ ، وَيَطْلُبُ مَا لَا يَجِدُ ، فَاقْتُلُوهُ ، وَلَنْ تَقْتُلُوهُ ! أَلَا وَإِنَّهُ سَيَأْمُرُكُمْ بِسَبِّي وَالْبَرَاءَةِ مِنِّي ؛ فَأَمَّا السَّبُّ فَسُبُّونِي ، فَإِنَّهُ لِي زَكَاةٌ ، وَلَكُمْ نَجَاةٌ ؛ وَأَمَّا الْبَرَاءَةُ فَلَا تَتَبَرَّأُوا مِنِّي ؛ فَإِنِّي وُلِدْتُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، وَسَبَقْتُ إِلَى الْإِيمَانِ وَالْهِجْرَةِ. 3. أنساب الأشراف « للبلاذري » / المجلّد : 5 / الصفحة : 128 / الناشر : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات / الطبعة : 1. راجع : تفسير القرآن « للصنعاني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 24 / الناشر : مكتبة الرشد للنشر والتوزيع ـ الرياض / الطبعة : 1. الأنساب « للسمعاني » / المجلّد : 6 / الصفحة : 176 / الناشر : دائرة المعارف العثمانيّة ـ حيدرآباد / الطبعة : 1. تاريخ مدنية دمشق « لابن عساكر » / المجلّد : 9 / الصفحة : 24 / الناشر : دار الفكر / الطبعة : 1. 4. راجع : الطبقات الكبرى « لابن سعد » / المجلّد : 3 / الصفحة : 259 / الناشر : دار الصادر. الأخبار الطوال « لابن قتيبة الدينوري » / الصفحة : 183 / الناشر : دار إحياء الكتب العربي / الطبعة : 1. الاستيعاب « لابن عبد البرّ » / المجلّد : 3 / الصفحة : 1139 ـ 1140 / الناشر : دار الجيل / الطبعة : 1. 5. نهج البلاغة « للسيّد الرضي » / الصفحة : 264 / الناشر : دار الكتب اللبناني / الطبعة : 1 : أَيْنَ إِخْوَانِي الَّذينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ ، وَمَضَوْا عَلَى الْحَقِّ ؟ أَيْنَ عَمَّارٌ ؟ وَأَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ ؟ وَأَيْنَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ ؟ وَأَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ ، وَأُبْرِدَ بِرُؤُوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ ! قال : ثم ضرب بيده على لحيته الشريفة الكريمة ، فأطال البكاء ، ثم قال عليه السلام : أَوِّهِ عَلَى إِخْوَانِي الَّذينَ تَلَوُا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ ، وَتَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ ، أَحْيَوُا السُّنَّةَ وَأَمَاتُوا الْبِدْعَةَ. دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا ، وَوَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوهُ 6. حديقة الشيعة « للمحقّق الأردبيلي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 208 / الناشر : أنصاريان. راجع : شرح نهج البلاغة « لابن أبي الحديد » / المجلّد : 20 / الصفحة : 326 / الناشر : مؤسسة إسماعيليان للطباعة والنشر والتوزيع. 7. مصباح الزائر « للسيّد بن طاووس » / الصفحة : 449 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم / الطبعة : 1. جاء في هذا المضمون في كتاب عيون أخبار الرضا / المجلّد : 2 / الصفحة : 81 : عن الحسن بن عليّ بن فضّال عن الإمام الرضا عليه السلام ، قالَ : سَأَلتُهُ عَن أميرِ المُؤمِنينَ عليه السلام كَيفَ مالَ النّاسُ عَنهُ إلى غَيرِهِ وقَد عَرَفوا فَضلَهُ وسابِقَتَهُ ومَكانَهُ مِن رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله ؟ فَقالَ : « إنَّما مالوا عَنهُ إلى غَيرِهِ وقَد عَرَفوا فَضلَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَد كانَ قَتَلَ مِن آبائِهِم وأجدادِهِم وإخوانِهِم وأعمامِهِم وأخوالِهِم وأقرِبائِهِمُ المُحادّينَ للهِ ولِرَسولِهِ عَدَدا كَثيرا، فَكانَ حِقدُهُم عَلَيهِ لِذلِكَ في قُلوبِهِم ؛ فَلَم يُحِبّوا أن يَتَولّى عَلَيهِم ، ولَم يَكُن في قُلوبِهِم عَلَى غَيرِهِ مِثلُ ذلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَم يَكُن لَهُ فِي الجِهادِ بَينَ يَدَي رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله مِثلُ ما كانَ لَهُ ، فَلِذلِكَ عَدَلوا عَنهُ ومالوا إلى سِواهُ. 8. راجع : وقعة صفين « لابن مزاحم المنقري » / الصفحة : 478 ـ 496 / الناشر : مؤسسة العربية الحديثة للطبعة والنشر والتوزيع ـ القاهرة / الطبعة : 2. 9. الفتوح « لأحمد بن أعثم الكوفي » / المجلّد : 4 / الصفحة : 198 / الناشر : دار الأضواء / الطبعة : 1. راجع : شرح نهج البلاغة « لابن ميثم البحراني » / المجلّد : 4 / الصفحة : 331 / الناشر : مركز النشر مكتب الاعلام الإسلامي ـ قم / الطبعة : 1. 10. بحار الأنوار « للعلّامة المجلسي » / المجلّد : 28 / الصفحة : 100 ـ 101 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2 : حادثة العقبة كانت عبارة عن مؤامرة تمّ فيها تدبير قتل الرسول صلّى الله عليه وآله في مسير رجوعه من واقعة الغدير ، وكان المخطّط بأن تقوم الجماعة المتآمرة بدحرجة الحجارة ليلاً تحت ناقة النبي صلّى الله عليه وآله ، كي تنفر وتسقط النبي في أسفل الوادي عند مرورها على عقبة صعبة في الطريق الجبلي ، فعلم النبي صلّى الله عليه وآله بالمؤامرة ، وأمر حذيفة بن اليمان وعمّار بن ياسر بالتزام ناقته ومراقبة الوضع ؛ لأنّه تعالى سوف يكشف بالنور في الفضاء عن تلك الجماعة المتلثمة ، وهكذا خابت المؤامرة. ويشير إلى الواقعة قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ) [ التوبة : ۷٤ ]. فإذا هم كما قال رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وعدد القوم أربعة عشر رجلاً ، تسعة من قريش وخمسة من سائر الناس ، فقال له الفتى : سمّهم لنا يرحمك الله تعالى ! قال حذيفة : هم والله أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقّاص وأبو عبيدة بن الجراح ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ، هؤلاء من قريش ، وأمّا الخمسة الآخر ، فأبو موسى الأشعري والمغيرة بن شعبة الثقفي وأوس بن الحدثان البصري وأبو هريرة وأبو طلحة الأنصاري.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: أخي العزيز : أوّلاً : كثير من علماء أهل السنّة لا يرون لزوم عصمة الأنبياء والرسل ، ويستدلّون بالقرآن الكريم مثل قوله تعالى : ( وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ) [ طه : 121 ] ، وقوله تعالى : ( فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ قَالَ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ) [ القصص : 15 ] ، وقول موسى لفرعون : ( فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ) [ الشعراء : 20 ] ، وقوله تعالى في قصّة يوسف : ( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ) [ يوسف : 24 ] ، وقوله تعالى للنبي محمّد صلّى الله عليه وآله : ( لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّـهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) [ الفتح : 2 ] ، وقوله تعالى أيضاً : ( عَفَا اللَّـهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ) [ التوبة : 43 ] ، وقوله تعالى : ( وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ) [ الإسراء : 74 ] ، وقوله تعالى : ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) [ الزمر : 65 ]. ومن القائلين بجواز صدور المعصية من الأنبياء ـ قبل النبوّة ـ ، المفسّر الكبير الفخر الرازي ، وأبو هذيل ، وأبو علي الجبائي. بل قال بعضهم انّه يجوز صدور الكبائر والصغائر عن الأنبياء عمداً وسهواً وخطأً ، وهو قول الحشويّة ، وكثير من أصحاب الحديث من أهل السنّة. نعم ، علماء الشيعة تبعاً لأئمّة أهل البيت عليهم السلام ذهبوا إلى عصمة الأنبياء والرسل من جميع المعاصي والذنوب ، بل من السهو والنسيان ، وقد ذكروا تأويلات وتوجيهات للآيات المتقدّمة لا تتنافي مع عصمة الأنبياء ؛ فراجع احتجاج الإمام الرضا عليه السلام على المأمون العباسي في حديث طويل يذكر فيه الإمام عليه السلام تأويل وتفسير الآيات. [ بحار الأنوار للشيخ المجلسي/ المجلّد : 11 / الصفحة : 78 ـ 85 ، وعيون أخبار الرضا عليه السلام للشيخ الصدوق / الصفحة : 108 ـ 114 ، والإحتجاج للطبرسي / الصفحة 233 ـ 237 ]. ثانياً : الإمامة والخلافة عند الشيعة امتداد لخطّ النبوّة والرسالة ؛ لأنّ الله تعالى ورسوله لم يتركا الأمّة سدىً وبلا راع وحجّة من الله بعد وفاة النبي صلّى الله عليه وآله ، ولذلك جمع رسول الله صلّى الله عليه وآله المسلمين وهم أكثر من مائة ألف في غدير خم بعد حجّة الوداع ، وعيّن عليّاً عليه السلام أمير المؤمنين وإماماً وخليفة من بعده ، وقال : « من كنت مولاه فعليّ مولاه اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه » . فراجع كتاب الغدير للشيخ الأميني ، خصوصاً الجزء الأوّل لترى مصادر هذا الحديث من طرق أهل السنّة. ومن أراد الحقّ والحقيقة فليترك التعصّب ويفحص عن الواقع بعين البصيرة. ثالثاً : الإمام لابدّ أن يكون معصوماً كالنبي والرسول. ودليل العصمة عقلي ، ولا فرق فيه بين النبي أو وصيّه الذي نصبه الله خليفة وحجّة من الله تعالى على العباد بعد النبي صلّى الله عليه وآله ، لقوله تعالى : ( وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) [ البقرة : 124 ]. والمراد من العهد هو منصب الإمامة ، فلا ينالها من ارتكب المعاصي والذنوب أو كان كافراً أو مشركاً ولو في لحظة من حياته ، لأنّ الشرك لظلم عظيم. وقد أعطى الله تعالى لابراهيم مقام الإمامة : ( جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) بعد أن أعطاه الله مقام النبوّة والرسالة ، بعد أن جعله خليلاً ، لأنّ الله تعالى ابتلاه بذبح ابنه إسماعيل ، وقد كان إبراهيم نبيّاً ورسولاً قبل أن يولد إسماعيل ، حيث أنّ الله رزقه الولد بعد ان كان شيخاً كبيراً ، حيث يقول : ( الْحَمْدُ لِلَّـهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ) [ ابراهيم : 39 ]. فكان ابراهيم نبيّاً ورسولاً ثمّ أعطاه الله إسماعيل ، ثمّ ابتلاه فأمره بذبح ابنه إسماعيل ، وبعد ان نجح في الإمتحان وعمل بما أمره الله تعالى جعله الله إماماً ، ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) . وقد اعترف الفخر الرازي في تفسيره بأنّه يمكن ان يكون المراد من العهد الإمامة ، قال المراد بهذا العهد إمّا عهد النبوّة أو عهد الإمامة ، فان كان المراد عهد النبوّة ثبت المطلوب ـ أيّ لزوم عصمة النبي بعد النبوّة ـ ، وان كان المراد عهد الإمامة فكذلك ؛ لانّ كلّ نبي لابدّ ان يكون إماماً يؤثم به وتقتدى به ، فالآية على جميع التقديرات تدلّ على انّ النبي لا يكون مذنباً.