الجواب من الشيخ حسن الجواهري: الكافر على قسمين : 1 ـ الكافر الكتابي : الذي له كتاب سماوي ، كاليهودي والنصراني والمجوسي ومن اُلحق بهم ، وهذا ذهب جماعة من العلماء إلى طهارته إلّا أن يُشاهد على جسمه نجاسة ، كالخمر والغائط وأمثالهما. 2 ـ الكافر الملحد : الذي لا يعتقد بوجود خالق لهذا الكون ، وهذا وإن اُجمع على نجاسته ، وأنّه لا يطهر الا بالاعتقاد بوجود خالق لهذا الكون وهو الله سبحانه وتعالى ، إلّا أنّ معنى النجاسة التي ثبتت للكافر ليست بمعنى القذارة كالغائط والبول التي يتقزّز منها الإنسان وتنفّره بل النجاسة هنا بمعنى عدم قبوله لقاعدة « إنّ لكل معلول علّة » ، فلم يقبل أنّ لهذا الكون الواسع المنظَّم علّة أوجدته ونظّمته وسيرته وجعلته على هذه الكيفيّة المنظمة الدقيقة ، وطهارة الكافر تكون باعتقاده بوجود العلّة لهذا المعلول المنظّم أو بإسلامه الذي يحتوي على الإعتقاد بوجود علّة لهذا الكون. وهذا الأمر لا يتعارض مع دعوته إلى الإسلام ودعوته إلى الإعتقاد بخالق الكون ، لأنّها دعوة إلى العلم والمعرفة والوجدان. وبهذه المناسبة حينما نقول بأنّ الدم نجس فلا نقصد القذارة المقزّزة بل الدم ليس مقزّزاً ، فلا يلزم من ملامسة القزازة والقذارة التي تحصل عند الناس من ملامسة الغائط ، ومع هذا قال العلماء بنجاسة الدم وبوجوب غسله لمن أراد الدخول في الصلاة مثلاً ، فكذا الكفر فليست كلّ نجاسة معناها القذارة. والحمد لله رب العالمين.
الجواب من الشيخ محمد السند: العقل يطلق ويراد به معانٍ ، فقد يراد به العقل النظري وهي قوّة الإدراك الفكري ، وقد يطلق ويراد به العقل العملي وهو قوّة العقل العمّال المحرّك المسيطر على قوّة التحريك في النفس من قوى الغضب والشهوة (1). وقد سئل الكاظم عليه السلام عن العقل ، فقال عليه السلام : ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان (2). وهو ينطبق على العقل العملي ، ومصنع الإرادة في النفس هو العقل العملي ، ولا يكفي لهداية وكمال وصلاح الإنسان أن يدرك الحقّ والحقيقة الصادقة بعقله النظري ، دون أن يصدق ويذعن ويسلّم بذلك ، فيقيم عزمه على ذلك ، وبالتالي تنطلق قواه العمّالة على مقتضى ذلك ، فالعاطفة عبارة عن نحو تفاعل وانشداد للنفس مع الشيء المُدْرَك ، فتنظير الحقيقة من دون الإيمان والحركة على هديها كالطيران بجناح واحد. ومن هنا تكمن فضيلة البكاء في رثاء مصاب سيّد الشهداء حيث إنّه يلهب المشاعر النفسيّة دفعة تجاه الفضيلة من الغيرة على الدين والشجاعة والفداء والتضحية وغيرها من مكارم الصفات التي يلزم تحلي النفس بها. الهوامش 1. الموجز في أصول الفقه « للشيخ السبحاني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 146 / الناشر : مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام / الطبعة : 14 : الإدراك العقلي ينقسم إلى إدراك نظري وإدراك عملي ، فالأوّل إدراك ما ينبغي أن يعلم ، كإدراك العقل وجود الصانع وصفاته وأفعاله وغير ذلك ، والثاني إدراك ما ينبغي أن يعمل ، كإدراكه حسن العدل وقبح الظلم ووجوب ردّ الوديعة وترك الخيانة فيها. 2. الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 11 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 5.
القول بإتيان بحورية لهابيل ، وبجنية لقابيل يخالف آراء بعض الخطباء السؤال : إنني من المتصفحين لأجوبتكم على الصفحة العقائدية ولاحظت ما يلي : الصفحة العقائدية رقم 29 ، السؤال الرابع : ( ثالثاً ) : هل تزوج أولاد آدم من أخواتهم ( كل من التوأم الآخر ) أم تزوج الأولاد من بنات اُخريات؟ وكان الجواب من فضيلة الشيخ هو : الصحيح المعتمد لدى الإمامية بحسب روايات أهل البيت عليهم السلام وهم أدرى بما في البيت هو : إنّ الله تعالى أتى لهابيل بحورية ، ولقابيل بجنية تمثلت وتكشفت لكل منهما فتزوجاهما ، ثمّ تناكح ما خرج من بطنهما من أبناء وبنات العم وتكثر النسل. پ والملاحظة هي : إنّ هذا الرأي يخالف تماماً ما يقوله أحد كبار خطباء الطائفة في الوقت الحاضر وهو الشيخ الدكتور أحمد الوائلي حفظه الله حيث يقول ما مضمونه : أولاً : إنّ هذا كلام اليهود والإسرائيليات وهو كلام غير مقبول لعدة أمور : 1 ـ : أن الجنية ليست من جنس الإنسان حتى يتزوجها الإنسي. 2 ـ : الأدلة التي يقول بها أصحاب هذا الرأي غير ناهضة وليست لها علاقة لقوله تعالى : { جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } (النحل/72) ، (الشورى/11). أي من نوعكم وجنسكم ، فالجنية مخلوقة من نار والإنسي مخلوق من طين ، وهاتين الطبيعتين مختلفتين كل عن الآخر حيث أنّ للإنس خواص تختلف عن خواص الجن ، فهذا الكلام لا يمكن قبوله في حال من الأحوال . ويقول الدكتور أيضاً : نحن بدون هذه الكيفية من الزواج واقعين في الضيم ، فكيف عندما يكون أحدهم ابن حورية ، والأخر بن جنية ، وهل الله عاجز عن إيجاد حل آخر ؟ ! فكما خلق الله حواء من التراب لآدم عليه السلام هل هو عاجز عن خلق آخرين ، وهذا لزوم ما لا يلزم ؛ لأنّ الله قادر على فعل كل شيء. كيف لنا أن نوفق بين كل من القولين على ما بهما من اختلاف جذري ، وبأيهما يجب أن نأخذ ، علماً بأنّ كلام الدكتور ( حفظه الله ) يتفق مع ما جاء به الدين وأقرب للعقل. الجواب سماحة الشيخ محمّد السند كلام الدكتور رحمه الله تعالى ورعاه بجميل عنايته هو القول الثاني لدى علماء الإمامية ، وقد اختاره جمع منهم كالعلامة الطباطبائي في تفسير الميزان وغيره ، ولكن مشهور علماء الإمامية هم على القول الأوّل تبعاً لجملة من روايات أهل البيت عليهم السلام ، وإن كانت بعض الروايات عنهم قد وردت بمفاد القول الثاني من تزوّج الأخوات بالاخوان الذي هو قول وروايات العامة ، لكنها محمولة على التقية . أمّا الأدلة التي استند إليها : فأمّا الأوّل : فليس كل ما تقول به اليهود ممّا يوافق الحق والقرآن الكريم هو مرفوض ، أليس هم يقولون بنبوة النبي موسى وإبراهيم وإسحاق ويعقوب ، فهل اللازم رفض ذلك. وأمّا الثاني : فكون الجن ليس من جنس الإنسان لا يمنع من حصول النكاح ، ويشير إلى ذلك قوله تعالى في سورة الرحمن : { فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ } (الرحمن/56). وقوله : { حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ... لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ } (الرحمن/72 ـ 74) ؛ إذ يظهر منه أنّ الحور العين مع كونهم من جنس يختلف عن الإنس والجن إلا أنّه مجمع مشترك بين الجنسين ، لإمكان حصول النكاح ، وهذا يعزز امكان حصوله بين الجنسين في ما بينهما كما هو مقرر مسلم عند من يتعاطى الصلة بالجن من أنّهم بامكانهم التكثف والتجسد والتشكل بأشكال مختلفة كما تشير إليه سورة الأنفال حيث تشير إلى تجسد إبليس يوم بدر واغرائه المشركين بالحرب ووعده إياهم بالنصر . وأمّا الثالث : وهو قوله تعالى : { جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } (النحل/72) ، (الشورى/11). فلا تنافي حصول الزوجية من جنس آخر كما هو الحال في سورة الرحمن من إثباتها حصول الزوجية من الحور العين في دار الآخرة . قال تعالى : { وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } (البقرة/25). وقال : { كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ } (الدخان/54). فالآية محمولة على الغالب الأكثر ، وإلا فالنبي عيسى مثله مثل آدم خلقه من تراب من دون أن يكون لمريم زوج . وقال تعالى : { وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوالِ وَالأَولاَدِ وَعِدْهُمْ } (الإسراء/64). وقد ورد أنّ من لم يسم عند وطء خليلته وزوجته شاركه الشيطان في تكوين نطفة ولده ، وكان ولده شرك شيطان ممّا يدل على نحو مناسبة في مناكحة الجنسين . كما هو مفاد للآية . وقد يشير إليه قوله : { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدْ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنْ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنْ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا } (الأنعام/128). هذا مع أن قد اشارت الروايات إلى أن نسل الأنبياء والأوصياء طاهر مطهر لم ينسل من حرام ، وتحريم نكاح الأخوات هو تشريع في كل الشرائع السماوية ، كما هو الحال في تحريم نكاح الأمهات ، فلم يكن لولد آدم أن ينكحوا اُمّهم حواء ، وأنّ هذا التحريم حكم فطري فطر الله عليه الحيوانات فضلاً عن بني آدم ، وهناك من الوقائع والحوادث في الحيوانات المعروفة ما يشهد بوجود هذه الفطرة في الحيوانات .
من سماحة الشيخ حسن الجواهري إنّ التناسل الذي حصل بين ابناء آدم عليه السلام فيه قولين : القول الأوّل : وهو الذي يقول بتزاوج الأولاد الذكور بالبنات ، وقد كان هذا محلّلا في أوّل الخليقة ، ثمّ حرّمه الإسلام . وهذا المذهب يذهب إليه أهل التسنن وبعض من الشيعة الإمامية . القول الثاني : وهو الذي يقول : بأنّ الله سبحانه لم يجعل نسل الأنبياء من حرام بل انزل الله وخلق للذكور حوريات ، فتزوج الذكور بها كما خلق الله للبنات حورعين ، فتزوجوا ، وكان النسل من هذا التزاوج . وهذا القول يذهب إليه أكثر أهل التشيّع. وقد روى الصدوق في كتابه العلل عن الإمام الصادق عليه السلام في حديث له ينكر فيه زواج الأخ بأخته فيقول : « سبحان الله عن ذلك علوّاً كبيراً ، يقول من يقول هذا ( أي تزاوج الابناء بالبنات ) : إنّ الله تعالى جعل أصل صفوة خلقه وأحبائه وأنبيائه ورسله وحججه والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات من حرام !! ولم يكن له من القدرة ما يخلقهم من الحلال ، وقد أخذ ميثاقهم على الحلال والطهر الطاهر الطيب؟!» . فهذا الحديث ينفي القول بأنّ التزاوج كان بين الذكور والإناث من أولاد آدم ويقول : إنّ الله لم يجعل نسل الأنبياء والأئمة من الحرام . وهناك قول شاذ ( خارج عن الطريقة ومخالف للنصوص وللتاريخ ) يقول : « لا يوجد طريق للتناسل إلا تزاوج الذكور بالاناث من أولاد آدم » ، وكان صاحب هذا القول يقول : « إنّ الله لا يقدر أن يوجد طريق للتناسل إلا هذا » . وهذا القول باطل لعدة أمور : 1 ـ إنّ الروايات صرحت بوجود طريق آخر للتناسل. 2 ـ إنّ الله قادر على ايجاد طريق آخر ، وطريق ثالث للتناسل ؛ لأنّه على كل شيء قدير. 3 ـ ذهب أهل التشيع إلى انزال حوريات من الجنة للتزواج بالذكور، وانزل الحورالعين للتزاوج مع البنات ، وهو أمر ممكن ، وإن لم يقبله عقل بعض من الشاذين . وأخيراً : نسأل الله تعالى التوفيق لما يحب ويرضى ، وأن يجعلنا لا نقول إلا بحسب ما دلّ عليه الدليل الشرعي ، وأن لا نضيف إلى الأدلة ما تمليه عقولنا القاصرة ، فإنّ عقولنا قاصرة عن قبول ما ذكره القرآن الكريم من جلب عرش بلقيس من مكان بعيد بأقل من طرفة عين ، وعاجزة عن تصور ما قاله أحد أنبياء الله حينما مرّ على القرية الخاوية على عروشها فقال: { أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } (البقرة/259). والحمد لله ربّ العالمين .
من سماحة الشيخ محمّد هادي آل راضي قال تعالى : { نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} (الشعراء/193 ـ 195). وقال تعالى :{ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ } (البقرة/97). والمستفاد من ذلك : إنّ الروح الأمين الذي نزل على قلب النبي صلى الله عليه وآله بالقرآن هو جبريل ملك الوحي ، وكان النبي صلى الله عليه وآله يرى الشخص ويسمع الصوت ، وكان يختص بذلك ، ولذا ورد في الروايات أنّه صلى الله عليه وآله كثيراً ما كان يأتيه الوحي وهو بين الناس فيوحى إليه ، ولا يشعر من حوله بشيء ، فلا يشاهدون شخصاً يكلمه ولا يسمعون كلاماً يلقى إليه ، وإنّما يعرفون أنّه أوحي إليه ببعض الآثار المتبقية من الوحي ، كعرق الجبين ونحو ذلك . هذا وقد ورد في بعض الأخبار إنّ جبرئيل عليه السلام كان يتمثل في بعض الاحيان بصورة رجل من الصحابة يعرف بدحية بن خليفة الكلبي ، وروي قول النبي صلى الله عليه وآله لأصحابه : « إذا رأيتم دحية الكلبي عندي فلا يدخلّن عليّ أحد » .
من سماحة الشيخ محمّد السند أقسام الوحي النازل على النبي صلى الله عليه وآله في قوله تعالى : { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ } (الشورى/51). وروى زرارة عن الصادق عليه السلام ، قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام جعلت فداك ! الغشية التي كانت تصيب رسول الله صلى الله عليه وآله إذا نزل عليه الوحي ؟ قال : فقال : « ذاك لم يكن بينه وبين الله أحد ، ذاك إذا تجلى الله له » ، قال : ثمّ قال : « تلك النبوة يا زرارة واقبل بتخشع » . وروى هشام بن سالم عن الصادق عليه السلام : « وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أتاه الوحي من الله وبينهما جبرئيل عليه السلام يقول : هو ذا جبرئيل ، وقال لي جبرئيل ، وإذا أتاه الوحي وليس بينهما جبرئيل تصيبه تلك السبتة ، ويغشاه منه ما يغشاه لثقل الوحي من الله عزّ وجلّ ». وفي هاتين الروايتين ذكر القسم الأوّل من الثلاثة المذكورة في الآية ، والقسم الثالث . وأمّا القسم الثاني فكان في تكليمه تعالى للنبي صلى الله عليه وآله في ليلة المعراج ، كما في أحاديث المعراج . وأمّا الأفضلية فلا تثبت للوسيط بين طرفين على الطرف المرسل إليه إذا لم يكن للوسيط هيمنة وقيمومة وولاية على المرسل إليه ، كما هو الحال في ساعي البريد الخاص بين الملك ووزيره . وتستطيع أن تتمثل بحاجة بدن النبي صلى الله عليه وآله للطعام والشراب ونحو ذلك ، ولكن لا يعني أفضلية الطعام على روح النبي صلى الله عليه وآله وذاته النورية المقدسة ، إذ للإنسان فضلاً عن النبي صلى الله عليه وآله درجات من الوجود والحقائق ، واحتياج بعض درجات الوجود النازلة ـ كقواه الحسية الشريفة النازلة ـ لوساطة جبرئيل لا يعني احتياج درجة وجوده النوري الذي هو فوق مقام جبرئيل لا يعني احتياجه في ذلك المقام إلى وساطة جبرئيل ، ومن ثمّ لما عرج صلى الله عليه وآله إلى مقامات القرب ، فدنى فتدلى ، لم يستطيع جبرئيل عليه السلام مسايرته ، وقال : « لو اقتربت أنملة لاحترقت » .
من سماحة الشيخ هادي العسكري رشّ الماء على القبر يكون مندوباً ومنذ حياة الرسول صلى الله عليه وآله ، وقد فعله الرسول مع قبر عثمان بن مضعون وكان أخاه من الرضاعة ، فجرت السنة بذلك . وروي عن اثر ذلك : « إنّ العذاب يرفع عن صاحب القبر ما دام الندى عليه » ، وطبيعة الأمر تقضي بأنّ يكون مندوباً عند اخواننا السنة أيضاً. وأمّا الطرق بالحصى على القبر ـ إن لم تكن العبارة مغلوطة في قراءتها فهو شيء غريب على سمعنا ، ولم يكن ولا معروف عندنا ، ولا أساس له في شرعنا ، ولا يعرفه حتى الجُهّال والعوام منّا .
من سماحة السيّد علي الميلاني الزيارة هي الحضور عند المزور ، فلما نزور الإمام عليه السلام نكون حاضرين عنده روحاً وجسماً أو روحاً فقط ـ إنْ كانت الزيارة عن بعد ـ وهذا الحضور له آثاره وبركاته التي يشعر بها كلّ زائر ملتفت ، كما هو الحال في زيارة النبي ـ عليه وآله السلام ـ والبيت الحرام ... فإنك إن زرت عبداً صالحاً من الناس العاديّين ؛ فإنّ زيارته تؤثّر فيك ، وتغيّر حالك ، وتذكّر الله ، والعمل الصالح ، واليوم الآخر، فكيف بزيارة البيت أو أحد المعصومين ؟ وزيارة الحسين لها تلك الآثار مضافاً إلى أنّها تذكّرنا بمصابه واستشهاده في سبيل الله والدين وما له من حق على المسلمين ، هذا في زيارته عامّةً ، وفي خصوص زيارة عاشوراء آثار إضافيّة ، فإنّها تقوّي العزم على السير على هداه ، والثبات على طريقته .
من سماحة الشيخ هادي العسكري الحديث كما ذكره البخاري في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وآله :« لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » ، والمناقشة في هذا الحديث واضحة ، ولا يمكن الاعتراف بصدوره عنه بل الواجب رفضه وطرحه على الجدار ؛ لما ثبت وتواتر منه صلى الله عليه وآله من رفض كل حديث يخالف الكتاب والسنة ، وهذا منه . وحيث إنّ غرض المستدل به لا يختص بنفي اتخاذ قبره عليه وآله السلام مسجداً بل الهدف من وراء ذلك هو الطعن في الزيارة ، والقدح في السيرة الإسلامية ، والتهكم بعمل المسلمين المؤمنين قاطبة . فنجيب عنهما جمعاً ، ولا نفرد أحدهما عن الآخر، فنقول : كيف يصح هذا الحديث المزعوم مع مخالفته لعشرات الآيات في توبيخ اليهود ، وتعيريهم بقتلهم الأنبياء ، وتعذيبهم وتشريدهم ، وتشهير اليهود بقساوتهم ، وطغيانهم واستكبارهم ، وتقبيح أعمالهم من سفك الدماء ، وعدم الوفاء ، ونقض العهود ، وبث النفاق ، ونشر الشقاق ، ونبذ الميثاق ، والتكذيب ، والعناد ، والمعاداة مع أنبيائهم. فمثل هؤلاء الطغاة القساة العتاة مع هذه الظاهرة فيهم لأنبيائهم كيف يتخذون قبور أنبيائهم مساجد حتى يلعنهم الرسول صلى الله عليه وآله ؟ ! هل من المعقول أن يعذبوا ويقتلوا أنبيائهم ، ثمّ يتبركون بقبورهم ، ويتخذوها مساجد ، أليس كان الأنسب أن يعيرهم الله بهذا ، وينزل فيهم آية ، أو أكثر ؟ ثمّ من هم هؤلاء الأنبياء ، وأين هذه المساجد ، وفي أي زمان ، وفي أي بقعة ومكان كانت هذه القبور ، وهذه المساجد ؟ هذا أوّلاً . ثمّ لو فرضنا وسلمنا وجودها ، واتفقنا أيضاً على صحة الحديث ، فعلينا أن ننظر ونتعرف على سيرة اليهود في هذه المساجد ، ونرى أعمالهم وكيفية تعظيمهم لها حتى يتضح لنا معنى لفظ المساجد في الحديث ، هل هم يزورون القبور ويتبركون بها ، أم يسجدون على القبور ويجعلونها مسجداً لجباههم ، أو يجعلونها قبلة ويصلون إليها ؟ ! كما وردت في مرسلة من المراسيل النبوية التي لا اعتبار لها اضافة لإرسالها ؛ كونها نبويّة غير مقبولة ، وعلى فرض ثبوتها واعتبارها فهي خارجة عن موضوع بحثنا ومورد نقاشنا . فالاحتمالات في لفظ المساجد في الحديث ثلاث : احتمال يسجدون فيها ، واحتمال يسجدون على القبور ، واحتمال يسجدون إليها ، وبغضّ النظر عن المرسلة التي تكون قرينة على الاحتمال الثالث فهو ساقط عن الاعتبار ، وليس قابلاً للاستدلال ؛ لما فيه من الإجمال . هذا ثانياً . ولو فرضنا الحديث نصاً صريحاً في المعنى الأوّل ، فهو مرفوض وغير مقبول ، لمخالفته للكتاب ، والسنة ، وإجماع المسلمين ، والسيرة العملية لقاطبة المؤمنين . أمّا مخالفته لكتاب الله الكريم ففي : ما حكاه الله في قصة أصحاب الكهف والرقيم عندما قال : { قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا } آية 21 سورة الكهف ، فذكر في تعظيم شأنهم ، واكبار قدرهم مع أنّهم فتية آمنوا بربهم اتخاذ المسجد عليهم ، واثبت فعل الغالبين على أمرهم ، وأقرّ عمل المؤمنين مزاراً لقبورهم ، ولم يندد بهم ، فكيف يلعن رسول الله صلى الله عليه وآله اليهود لاتّخاذ المسجد قبور أنبيائهم المقتولين المعذبين أشد العذاب بأيديهم . وهذا ثالثاً. وكذلك يخالف الكتاب الكريم في قوله : { وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ } آية 84 سورة التوبة . فمنع الله النبي الكريم منعاً دائماً وأبداً عن الصلاة والقيام على قبور الفرحين المخلفين ، وخص النهي بالمخالفين القاعدين وعلّل النهي بأنّهم كفروا بالله وبرسوله ، فهم من المنافقين فباختصاص المنع بقبور الكافرين ، والتعليل بكفرهم يعلم جواز الصلاة ، والقيام على قبور المؤمنين المسلمين . هذا رابعاً . وأيضاً يخالف الكتاب الكريم في قوله : { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} آية 64 سورة النساء . في ما وعد الله من التوبة والرحمة ، وذكر لمن جاء رسوله ، واستغفر واستغفر له الرسول ، يجد ما أراد ، ويرجع ، ولا ذنب له ، ولا خوف عليه ولا خطر ، فبصريح آية القرآن زيارة النبي مع الاستغفار توجب الغفران ، وتستوجب الرحمة من الرحيم الرحمن ، وهي تسبب الأمان على رغم كل معاند ومنافق وشيطان ، ولا اختصاص في الآية في الذهاب إليه في حال الحياة استغفر الله ، استغفر الله ، هو ليس بميت بل هو حي حتى يوم الحَيَوان . وهذا خامساً. أضف إلى ذلك كيف يمكن قبول هذا الحديث مع أنّه يخالف سيرة أئمة أهل البيت المطهرين وعمل الصحابة كلهم أجمعين ، وفعل قاطبة المسلمين منذ وفاته صلى الله عليه وآله إلى هذا الحين ، بل إلى يوم الدين ، فجعلوا قبره مسجداً أيضاً هي مسجد الكعبة قبلة المصلين ، واتفقوا على أنّ الصلاة فيه بعشرة آلاف صلاة ، ولا يعدله ولا يساويه مسجد بعد مسجد ربّ العالمين . وهذا سادساً . وبعد هذا لا نحتاج إلى تثبيت مخالفة الحديث للأحاديث الواردة ، والسنة الشريفة عنه عليه السلام من قوله : « من زار قبري وجبت له شفاعتي أوحلت له شفاعتي » . وقوله :« من زارني بعد موتي كمن زارني في حياتي » . بل كيف ينسجم مع أمره بزيارة القبور من قوله : « زوروا القبور؛ فإنّها تذكركم الآخرة » . بل هو زار قبر اُمّه ، فبكى وابكى من حوله ، وقال : « استأذنت ربي أن استغفر لها ، فلم يأذن ، واستأذنت ربي أن أزورها فأذن لي ، ( هذا مع أنّها غير مؤمنة كما يزعمون ) فزوروا القبور فإنّها تذكركم بالموت ». قال النووي في شرح صحيح مسلم : « هذا حديث صحيح بلا شك ، رواه مسلم والنسائي وابن ماجه ». وروى مسلم إنّه : « كلما كانت ليلة عائشة منه صلى الله عليه وآله كان يخرج من آخر الليل إلى البقيع ، ويسلم على أهل البقيع ، ويعلم عائشة أن تزور ، وتقول : السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين » . ومثله حديث : « كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ؛ فإنّها تُزهد في الدنيا ، وتذكر الآخرة » . وهذا على فرض صحة صدور النهي عنه عليه وآله السلام ابتداءً ، فلا بدّ وأن يكون النهي عنها في بدء الدعوة ورسالته عندما كان أموات المسلمين السابقين كافرين مشركين ، فلم يأذن لزيارتهم ونهى عنها ، وبعد فترة عندما كان الأموات مسلمين ، وتشرفوا بالإيمان وماتوا ، أذن بل أمر بزيارتهم واستعاض عنه قوله : « اذكروا هادم اللذات الموت الموت » . وإذا كان على الإنسان أن يذكر الموت ، ويجعله نصب عينه دائماً فأي مكان أنسب ، وأي محل هو اذكر للموت من المقابر ، وترى أكد كثيراً عليه ؛ لأنّها تذكّر الآخرة . وصدق الرسول كما صدق الله العلي العظيم زيارة القبور تذكّر الآخرة ، وتذكّر الموت ، فمطالعة عاقبة الأمور ، وتذكّر نهاية هذا الغرور ، ومشاهدة أصحاب القصور تحت الصخور ، ورؤية كل مشهور ومغمور في التراب مستور ، والتفكر في فناء هذا الدور ، إنّما يحصل بزيارة القبور ، وزيارة القبور أكبر واعظ ، وأقوى زاجر ، واحسن منذر ، وأفضل مذكّر للموت . نعم زيارة القبور تبعّدنا عن المعاصي ، وتلزمنا أخذ الحذر ، وهي أقوى من الحُمرة رمزاً للخطر ، وتعلمنا من الانباء ما فيه مزدجر ، وتخيرنا بتهيئة الزاد وحاجات السفر ، وتقرّبنا إلى الطاعة كلمح بالبصر ، فما أبدع من هذا التأثير والأثر ، ولا ينكر ما قلنا إلا من ينكر الشمس والقمر ، ومن ختم على قلبه الرحمن وأعماه عن النظر ، أوسلب الشيطان عنه بالمعاصي البصيرة والبصر ، هذه حجتنا في الزيارة لمن أراد الحجة ، فمن شاء فليؤمن ، ومن عاند ولم يؤمن ، فليذهب إلى جهنم وسقر. وبعد هذا: نحن أيّها المسلمون فرحون مرحون لدفع كل شبهة ، ولرد كل سؤال والإجابة ، ولقرع الحجة بالحجة ، وستجدون فينا اُذن سامعة واعية ، والحمد لله وعلى رسوله وآله ألف ثناء وسلام وتحية.
الجواب من الشيخ محمد السند: قبل الخوض في الإجابة عن السؤال لا بدّ أن يلتفت الإخوة إلى النقاط التالية : أوّلاً : إنّ مضامين الزيارات والأدعية المندرجة في السؤال لا يقتصر ورود مضمونها على تلك الزيارات والأدعية ، فهناك العديد من الزيارات الأخرى والأدعية الأخرى بأسانيد أخرى قريبة المضمون معنىً ولفظاً لقطعات من الاُولى ، كما أنّ هذه الزيارات والأدعية قد ورد كثير من مضامينها في الروايات الواردة في المعارف ، وهي في كثير من طوائفها مستفيضة بل بعضها متواتر معنوي أو إجمالي. وعلى هذا فالدغدغة في أسانيد هذه الزيارة أو تلك ، أو هذا الدعاء وذاك تنطوي على عدم المام بهذه الحقيقة العلميّة المرتبطة بعلم الحديث والرواية. ثانياً : إنّ الزيارات والأدعية ليست معلّماً عباديّاً بحتاً بل هي معلماً علميّاً ومعرفياً مهم للدين فهي عبادة علميّة ، ومن ثمّ تنطوي هي على معارف جمّة وتكون بمثابة تربية علميّة في ثوب العبادة ، ومن المعلوم إنّ أفضل العبادات هي عبادة العالم والعبادة العلميّة أيّ المندمجة مع العلم ، وهكذا الحال في هذه الزيارات والأدعية ، وبذلك يتبيّن أنّ ما وراء التشكيك والمواجهة للزيارات والأدعية هو تشكيك ومواجهة للمعارف. ثالثاً : إنّ هذه الزيارات والأدعية كفى بها اعتماداً مواظبة أكابر علماء الطائفة الإماميّة على إتيانها في القرون المتلاحقة ، وهذا بمجرّده كاف للبصير بحقانيّة المذهب وعلمائه في توثيق هذه الزيارات والأدعية. أمّا زيارة عاشوراء : فقد رواها الشيخ الطوسي شيخ الطائفة في كتابه المعتمد لدى الطائفة الإماميّة وعلماءها « مصباح المتهجد » عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع الذي هو من أصحاب الرضا عليه السلام الأجلّاء الفقهاء وعيون أصحابه. (1) وطريق الشيخ إلى بن بزيع صحيح ، كما ذكر ذلك في الفهرست والتهذيب والذي يروي الزيارة عن عدّة طرق عن الصادق والباقر صلّى الله عليه وآله. فقد رواها عن صالح بن عقبة ، عن أبيه ، عن الباقر عليه السلام. (2) وعن سيف بن عميرة ، عن علقمة بن محمّد الحضرمي ، عن الباقر عليه السلام. (3) وعن سيف بن عميرة ـ الذي هو من الثقات الأجلّاء ـ عن صفوان بن مهران الجمّال ـ والذي هو من الثقات الأجلّاء المعروفين ـ عن الصادق عليه السلام. (4) وعن محمّد بن خالد الطيالسي ؛ فإسناد الشيخ إليها صحيح. (5) وقد رواها قبل الشيخ الطوسي شيخ الطائفة ابن قولويه استاذ الشيخ المفيد في كتابه المعتمد لدى علماء الإماميّة « كامل الزيارات » ، باسنادين معتبرين عن كلّ من محمّد بن خالد الطيالسي وابن بزيع ، عن الجماعة المتقدّمة ؛ فاسناده صحيح. (6) كما قد رواها الشيخ محمّد بن المشهدي في كتابه المعروف « المزار الكبير » ، وهو من أعلام الطائفة الإماميّة في القرن السادس ، بسنده. (7) وقد رواها السيّد ابن طاووس في كتابه « مصباح الزائر » باسناده ، وهو من أعلام القرن السابع. وقد رواها أيضاً الكفعمي في كتابه « المصباح » ، وهو من أعلام القرن العاشر. (8) أمّا زيارة الجامعة الكبيرة : فقد رواها الشيخ الصدوق في كتابه المشهور « من لا يحضره الفقيه » (9) ، وكتابه « عيون أخبار الرضا عليه السلام » (10) بأسانيد فيها المعتبر ، عن محمّد بن إسماعيل البرمكي الثقة الجليل ، عن موسى بن عمران النخعي وهو قرابة الحسين بن يزيد النوفلي وهو ممّن وقع كثيراً في طريق رواية المعارف عن الأئمّة التي أوردها الكليني في أصول الكافي والصدوق في كتبه كالتوحيد وإكمال الدين والعيون وغيرها ، وكلّها ممّا اشتملت على دقائق وأصول معارف مدرسة أهل البيت ، فيستفاد من ذلك علو مقام هذا الرواي. وتوجد لدي رسالة مستقلة في أحواله وأساتذته وتلاميذه وتوثيقه وجلالته ليس في المقام مجالاً لذكرها. وقد روى الشيخ الطوسي في كتابه المعتمد « التهذيب » هذه الزيارة باسناده الصحيح عن الصدوق أيضاً. (11) كما قد روى هذه الزيارة الشيخ محمّد بن المشهدي في كتابه المعتمد « المزار الكبير » باسناده الصحيح عن الصدوق ، وهو من أعلام الإماميّة في القرن السادس. (12) وقد رواها أيضاً الكفعمي في « البلد الأمين ». (13) وكذا المجلسي في « البحار ». (14) ثمّ أنّ مضامين هذه الزيارة قد وردت بها الروايات المستفيضة والمتواترة عن أهل البيت عليهم السلام الواردة في فضائلهم ومناقبهم ، وكذلك في روايات العامّة الواردة في فضائلهم ؛ فلاحظ وتدبّر. أمّا زيارة الناحية المقدّسة : فتوجد زيارتان عن الناحية المقدّسة : الاُولى : المذكور فيها التسليم على أسماء الشهداء رضوان الله تعالى عليهم. وقد رواها المفيد في مزاره. (15) والشيخ محمّد بن المشهدي الذي هو من أعلام القرن السادس باسناده عن الشيخ الطوسي باسناده عن وكلاء الناحية المقدّسة في الغيبة الصغرى. (16) ورواها أيضاً السيّد ابن طاووس في « مصباح الزائر ». وفي « الاقبال » باسناده إلى جدّه الشيخ الطوسي باسناده إلى الناحية المقدّسة. (17) ورواها المجلسي في « البحار ». (18) أمّا الثانية : وهي المعروفة. فقد رواها الشيخ المفيد في مزاره. والشيخ ابن المشهدي في « المزار الكبير ». (19) والمجلسي في بحاره. (20) والفيض الكاشاني في كتابه « الصحيفة المهدويّة » ، وهي وإن كانت مرسلة الاسناد إلّا أنّه اعتمدها كلّ من الشيخ المفيد وابن المشهدي. (21) أمّا زيارة وارث : فقد رواها الشيخ الطوسي في « مصباح المتهجد » بسند صحيح عن ابن قضاعة عن أبيه عن جدّه صفوان بن مهران الجمال عن الصادق عليه السلام ، فالسند صحيح. (22) وهناك مصادر اُخرى اكتفيت بالاشارة إلى أحدها. أمّا دعاء التوسّل : فقد أخرجه العلّامة المجلسي عن بعض الكتب وقد وصفها بالمعتبرة. وقد روى صاحب ذلك الكتاب الدعاء عن الصدوق قدّس سره وقال : ما توسلت لأمر من الاُمور إلّا ووجدت أثر الإجابة سريعاً. ثمّ إنّ مضمونه يندرج في عموم قوله تعالى : ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) (23). وقوله تعالى : ( وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) (24). وقوله تعالى : ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) (25). وقوله تعالى : ( مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ) (26). وقال : ( مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا ) (27). فبضم هذه الآيات إلى بعضها البعض يعلم أنّهم عليهم السلام السبيل والمسلك والوسيلة إلى رضوانه تعالى. ـ أمّا دعاء السمات : فقد رواه الشيخ الطوسي شيخ الطائفة الإماميّة في كتابه المعتمد لدى علماء المذهب « مصباح المتهجد » عن العمري النائب الخاصّ للحجّة عجّل الله تعالى فرجه. (28) وذكر السيّد ابن طاووس في « جمال الإسبوع » (29) ، قبل أن يورد الدعاء أن الشيخ روى الدعاء في مصباحه بروايتين واسنادين. وظاهر كلامه عن نسخة « المصباح » التي لديه أنّ هذا الدعاء معطوف اسناده على الدعاء السابق ؛ وقد رواه الشيخ بسند صحيح عال وهو محتمل بحسب النسخ التي لدينا ، بل ان ابن طاووس كلّ نسخه مسندة مصحّحة لقرب عهده بالشيخ الطوسي الذي هو جدّه قدّس سرّهما. ومن ثمّ عبّر الشيخ عباس القمّي في « مفاتيح الجنان » عن الدعاء أنّه مروي باسناد معتبر. وهو كذلك ، لأنّ ابن طاووس أشار أيضاً إلى وجود أسانيد اُخرى سيشير إليها في كتبه الأخرى ، وكما قال غير واحد قد واظب عليه أكثر علماء السلف. ـ أمّا دعاء الندبة والعهد والفرج : فقد رواها السيّد ابن طاووس في « مصباح الزائر » عن بعض الأصحاب. ورواه قبله ـ بما يزيد على القرن ـ الشيخ ابن المشهدي في كتابه « المزار الكبير » باسناده عن محمّد بن أبي قرة عن محمّد بن الحسين البزوفري. (30) وقد رواه ابن طاووس في « الإقبال » أيضاً. ورواه المجلسي في « البحار » و « زاد المعاد ». والميرزا النوري في « تحفة الزائر ». والفيض الكاشاني في « الصحيفة المهدوية ». الهوامش 1. « مصباح المتهجد » للشيخ الطوسي / الصفحة : 772 / الناشر : مؤسسة فقه الشيعي ـ بيروت. 2. « مصباح المتهجد » للشيخ الطوسي / الصفحة : 773 / الناشر : مؤسسة فقه الشيعي ـ بيروت. 3. « مصباح المتهجد » للشيخ الطوسي / الصفحة : 773 / الناشر : مؤسسة فقه الشيعي ـ بيروت. 4. « مصباح المتهجد » للشيخ الطوسي / الصفحة : 777 / الناشر : مؤسسة فقه الشيعي ـ بيروت. 5. « مصباح المتهجد » للشيخ الطوسي / الصفحة : 777 / الناشر : مؤسسة فقه الشيعي ـ بيروت. 6. « كامل الزيارات » لابن قولويه / الصفحة : 193 / الناشر : نشر صدوق ـ تهران. 7. « المزار الكبير » للمشهدي / الصفحة : 480 / الناشر : نشر القيوم. 8. « المصباح » للكفعمي / الصفحة : 482 / الناشر : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت. 9. « من لا يحضره الفقيه » للصدوق / المجلّد : 2 / الصفحة : 609 / الناشر : منشورات جماعة المدرسين ـ قم المقدّسة. 10. « عيون أخبار الرضا » / المجلّد : 2 / الصفحة : 272 / الناشر : انتشارات جهان ـ تهران. 11. « تهذيب الأحكام » للشيخ الصدوق / المجلّد : 6 / الصفحة : 95 / الناشر : دار الكتب الإسلامية ـ تهران. 12. « المزار الكبير » للمشهدي / الصفحة : 523 / الناشر : نشر قيوم. 13. « البلد الأمين والدرع الحصين » للكفعمي / الصفحة : 418 / الناشر : منشورات الأعملي للمطبوعات ـ بيروت. 14. « بحار الأنوار » للشيخ المجلسي / المجلّد : 99 / الصفحة : 127 / الناشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت. 15. « المزار الكبير » للشيخ المفيد / الصفحة : 285 / الناشر : مكتبة العلامة المجلسي. 16. « المزار الكبير » للمشهدي / الصفحة : 485 / الناشر : نشر القيوم. 17. « اقبال الأعمال » للسيّد بن طاووس / الصفحة : 48 / الناشر : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت. 18. « بحار الأنوار » للشيخ المجلسي / المجلّد : 98 / الصفحة : 269 / الناشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت. 19. « المزار الكبير » للمشهدي / الصفحة : 496 / الناشر : نشر القيوم. 20. « بحار الأنوار » للشيخ المجلسي / المجلّد : 98 / الصفحة : 317 / الناشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت. 21. 22. « مصباح المتهجد » للشيخ الطوسي / الصفحة : 717 / الناشر : مؤسسة فقه الشيعي ـ بيروت. 23. غافر : 60. 24. المائدة : 35. 25. الشورى : 23. 26. سبأ : 47. 27. الفرقان : 57. 28. « مصباح المتهجد » للشيخ الطوسي / الصفحة : 416 / الناشر : مؤسسة فقه الشيعي ـ بيروت. 29. « جمال الاسبوع وكمال العمل المشروع » للسيد بن طاووس / الصفحة : 320 / الناشر : مؤسسة الآفاق. 30. « المزار الكبير » للمشهدي / الصفحة : 573 / الناشر : نشر القيوم. « المزار الكبير » للمشهدي / الصفحة : 591 / الناشر : نشر القيوم.
من سماحة السيّد علي الميلاني إنّ استاذكم الذي أشرتم إليه لا ينكر وقوع الظلم على أهل البيت ، وإنّما يمنع من لعن الظالمين « لأنّ فيه تشتيتاً لوحدة المسلمين » بل إنّ في العذر المذكور دلالةً واضحة على معرفة الاستاذ بالظالمين وما صدر عنهم من الظلم بالتفصيل ، غير أنّه لمّا كان لعنهم يوجب انزعاج بعض الطوائف والفرق الإسلامية فرأى أنّ الأفضل هو الكفّ عنه حفاظاً على الوحدة . فنقول : إنّ قبح الظلم ووجوب التبرّي من الظالم ـ أي ظلم كان وأي ظالم ـ من الأحكام العقليّة الثابتة لدى جميع العقلاء في كلّ زمانٍ ، من دون حاجةٍ إلى مراجعة الكتاب أوالسنّة أو غيرهما ، ومن مداليل « اللعن » هو الإعلان عن هذا التبرّي ، فإن أدّى الإعلان عن ذلك إلى إثارة الفتنة بين المسلمين ، وترتّبت عليه المفاسد الكبيرة ، فلا بُدّ من ترك الجهر به والإعلان عنه أمام غير الموالين ، أمّا تركه من أصله ، فغير صحيح ؛ لأنّ التبرئ من الأعداء من لوازم الولاء ، ولما أشرنا إليه من حكم العقل ، على أنّ السكوت عن ظلم الظالمين قد يجرّؤهم على الظلم الأكثر والأشد وهذا لا يجوز ، بل قد يستفاد منه الرضا بأفعالهم ، وهذا يستتبع المشاركة معهم فيها ، كما في الروايات . أمّا الوحدة بين المسلمين ، فإنّ النبي صلى الله عليه وآله قد رسم بنفسه الطريق إلى تحقيقها ، حينما قال في الحديث المتواتر بين جميع المسلمين : « إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً ... » . فإنّ هذا الحديث خير جامع لشمل المسلمين ، وأفضل ما يضمن وحدتهم ومصالحهم ، فكل من لم يأخذ به كان هو السبب في تشتيت المسلمين ، وعليه أن يتحمّل وزر ذلك إلى يوم القيامة . وزيارة عاشوراء معتبر سندها عند جميع علمائنا منذ صدورها ، وقد كان أكابر الطائفة ـ وما زالوا ـ ملتزمين بقراءتها ، حتى في كلّ يوم من أيّام السنة ، طول حياتهم ، وقد نقلت لذلك آثار وبركات كثيرة ، فليس المراد منها ذلك الزمان فقط ، وما كان الإمام عليه السلام منفعلاً لمّا قال ذلك ، على أنّ الأدلة الدالة على وجوب لعن الظالم ، في الكتاب والسنّة ، كثيرة ، لكن لا حاجة إلى التطويل بذكرها ، والسلام عليكم ورحمة وبركاته .
من سماحة الشيخ محمّد السند
الجواب من الشيخ محمد السند: أمّا الواو فيمكن أن تكون عاطفة تفسيريّة.
الجواب من السيّد علي الحسيني الميلاني: لا يجوز لأحد أن يتصرّف في آية من القرآن الكريم أو في زيارة واردة أو في دعاء مأثور أو في حديث شريف من أحاديث المعصومين أو في أيّ كتاب للغير ، لا بالزيادة ولا بالنقيصة ، وعليكم أن تحذّروا من يفعل ذلك من باب النهي عن المنكر.