الجواب من السيّد علي الحسيني الميلاني: سئل الشريف المرتضى عن هذا فقال : بأنّ الأوّل قابيل ، والثاني نمرود ، والثالث عاقر ناقة صالح ، والرابع فرعون ، فهؤلاء أعلام الظلم ومؤسسيه في الاُمم الماضية ، كما أنّ في الزيارة : « لعن من أسّس أساس الظلم في الإسلام » .
الجواب من السيّد علي الحسيني الميلاني: أمّا أنّه تنازل فلا ريب فيه ، وأمّا أنّه أراد ردّها إلى أهل البيت عليهم السلام فلم يثبت. وهل يكفي مجرّد إرادة الردّ ؟
من سماحة الشيخ محمّد السند لفظ الصحابة جرى استعماله في من لقى النبي صلى الله عليه وآله ، أو روى عنه ، أو عاشره مدة من الزمن ، وأمّا إذا اُضيف الشخص إلى واحد من الأئمة من أهل البيت عليهم السلام فيقال مثلاً : من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ، أو أصحاب الحسن عليه السلام ، وأصحاب الحسين عليه السلام ، نعم كان في أصحاب الإمام الحسين عليه السلام بعض صحابة النبي صلى الله عليه وآله كحبيب بن مظاهر ومسلمة بن عوسجة وغيرهما . أمّا عدد أصحاب الحسين عليه السلام فقد اختلف المؤرخون في ذلك : الأوّل : إنّهم اثنان وثلاثون فارساً ، وأربعون راجلاً . ذكره المفيد في الإرشاد ، والطبرسي في أعلام الورى ، والفتال في روضة الواعظين ، وابن جرير في تاريخه ، وابن الأثير في الكامل ، والقرماني في أخبار الدول ، والدينوري في الأخبار الطوال . الثاني : إنّهم اثنان وثمانون راجلاً ؛ كما في رواية حكاها في الدمعة الساكبة . الثالث : ستون راجلاً ؛ كما ذكره الدمير في حياة الحيوان في خلافة يزيد . الرابع : ثلاثة وسبعون راجلاً ، ذكره الشربيني في شرح مقامات الحريري . الخامس : خمسة وأربعون فارساً ونحو مائة راجل ؛ ذكره ابن عساكر في تهذيب تاريخ الشام. السادس : اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً ؛ ذكره الخوارزمي في المقتل. السابع : واحد وستون رجلاً ؛ ذكره المسعودي في إثبات الوصية . وغيرها من الأقوال التي أنّهاها العلامة المرحوم السيد عبد الرزاق المقرم في المقتل إلى عشرة . وأمّا عدد الذين قاتلوا الحسين عليه السلام فذكر أنّهم : ثلاثين الفاً ، وقيل : أكثر بكثير ، وقد جمع بين الأقوال بعض المحققين بأنّ : الذين كانوا في أرض المعركة هو العدد الأوّل ، وأمّا بقية الأعداد فكانت تمثل طوق عسكري لمنع وصول المدد والنصرة لسيد الشهداء عليه السلام من الأطراف والنواحي ، حتى أنّه ذكر في التواريخ أنّ الطوق العسكري كان يمتد من كربلاء إلى الكوفة.
من سماحة الشيخ علي الكوراني لا يمكن القول عن سبب نزول سورة النور سبب واحد ، وما ذكروه من أسباب تصلح لبعض آياتها دون غيرها .. قال الواحدي في أسباب النزول/211 ، في سبب نزول قوله تعالى : { الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ...} (النور/3). الآية : قال المفسرون : « قدم المهاجرون إلى المدينة وفيهم فقراء ليست لهم أموال ، وبالمدينة نساء بغايا مسافحات يكرين أنفسهن وهن يومئذ أخصب أهل المدينة ، فرغب في كسبهن ناس من فقراء المهاجرين ؛ فقالوا : لو أنا تزوجنا منهن فعشنا معهن إلى أن يغنينا الله تعالى عنهن ، فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وآله في ذلك ، فنزلت هذه الآية وحرّم فيها نكاح الزانية صيانة للمؤمنين عن ذلك . وقال عكرمة : " نزلت الآية في نساء بغايا متعالجات بمكة والمدينة ، وكن كثيرات ، ومنهن تسع صواحب رايات ، لهن رايات كرايات البيطار يعرفونها : أم مهدون ، جارية السائب بن أبي السائب المخزومي ، وأم غليظ ، جارية صفوان بن اُمية ، وحية القبطية ، جارية العاص بن وائل ، ومرية ، جارية ابن مالك بن عمثلة بن السباق ، وجلالة ، جارية سهيل بن عمرو ، وأم سويد ، جارية عمرو بن عثمان المخزومي ، وشريفة ، جارية زمعة بن الاسود ، وقرينة ، جارية هشام بن ربيعة ، وفرتنا ، جارية هلال ابن أنس ، وكانت بيوتهن تسمى في الجاهلية المواخير ، لا يدخل عليهن ولا يأتيهن إلا زانٍ من أهل القبلة ، أو مشرك من أهل الاوثان ، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن ، ليتخذوهنّ مأكلة ، فأنزل الله هذه الآية ، ونهى المؤمنين عن ذلك وحرّمه عليهم" . أخبرنا أبو صالح منصور بن عبد الوهاب البزاز ، قال : أخبرنا أبو عمرو بن حمدان ، قال : أخبرنا ابن الحسن بن عبد الجبار ، قال : أخبرنا إبراهيم بن عروة بن معتم ، عن أبيه ، عن الحضرمي ، عن القاسم بن محمّد ، عن عبد الله بن عمر : أنّ امرأة يقال لها أم مهدون كانت تسافح ، وكانت تشترط للذي يتزوجها أن تكفيه النفقة ، وأنّ رجلاً من المسلمين أراد أن يتزوجها ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله فنزلت هذه الآية : { وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ...} (النور/3) » . وقال ابن نجيم في البحر الرائق : 4 / 188 : « وقد اختلف في سبب نزولها ؛ فروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما : أنّ هلال بن اُمية قذف امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وآله بشريك ابن سحماء . فقال : النبي صلى الله عليه وآله : البينة وإلا حدّ في ظهرك . فقال : يا رسول الله ! إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : البينة وإلا حدّ في ظهرك ». فقال هلال : « والذي بعثك بالحق إني لصادق ، ولينزلن الله تعالى ما يبرئ ظهري من الحدّ . فنزل جبريل فأنزل الله : { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ } حتى بلغ : { إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ }(النور/6 ـ 9).، فانصرف النبي صلى الله عليه وآله فأرسل إليهما ، فجاء هلال فشهد والنبي صلى الله عليه وآله يقول : الله يعلم أنّ أحدكما كاذب ، فهل منكما تائب ؟ ثمّ قامت فشهدت ، فلما كانت عند الخامسة وعظها ، وقال إنّها موجبة . فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنّها ترجع ، ثمّ قالت : لا أفضح قومي سائر اليوم . فمضت ، فقال النبي صلى الله عليه وآله : أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين شائع الاليتين خدلج الساقين ، فهو لشريك بن سحماء . فجاءت به كذلك فقال النبي صلى الله عليه وآله : لولا ما مضى من كتاب الله تعالى لكان لي ولها شأن » . وأخرج البخاري أيضاً عن سهل بن سعد ، قال : « جاء عويمر إلى عاصم بن عدي فقال : سل رسول الله صلى الله عليه وآله أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فقتله ، أيقتل به أم كيف يصنع ؟ فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وآله ، فعاب رسول الله صلى الله عليه وآله ، فلقيه عويمر فقال : ما صنعت ؟ ! إنك لم تأتني بخير ؛ سألت رسول الله صلى الله عليه وآله ، فعاب السائل . فقال عويمر : والله لآتين رسول الله صلى الله عليه وآله ولأسألنه . فأتاه فوجده قد اُنزل عليه فدعا بها ، فلاعن بينهما ، فقال عويمر : إن انطلقت بها يا رسول الله فقد كذبت عليها ، ففارقها قبل أن يأمره النبي صلى الله عليه وآله فصارت سُنّة للمتلاعنين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أبصروها فإن جاءت به أسحم العينين عظيم الاليتين ، فلا أراه إلا قد صدق ، وإن جاءت به اُحيمر كأنه وحرة فلا أراه إلا كاذبا ، فجاءت به مثل النعت المكروه . وذكر البقاعي أنّه لا يمتنع أن يكون للآية الواحدة عدة أسباب معا أو منفرقا ، وتمام الروايات باختلاف طرقها في الدر المنثور للجلال السيوطي ». انتهى وأنت تلاحظ أنّ البخاري روى سبب نزول آية اللعان دون غيرها .. وهكذا .. فالصحيح أن يقال إنّ لها عدة أسباب نزول تتعلق بموضوعات السورة ، التي هي تشريعات ربانية لضمان طهارة الاُسرة ، وتشريعات لمعالجة حالات الخلل والانحراف . وفيها أيضاًمفاهيم عقيدية عن نور الله تعالى ، ونوره في الأرض ..الخ. راجع أيضاً : سبل السلام ـ لابن حجر ـ : 3 / 191 ، والمبسوط ـ للسرخسي ـ : 9 / 36 : وحاشية الشرواني : 8 / 202 ، : والدر المنثور ـ للسيوطي ـ : 5 / 47 ، مجمع الزوائد ـ للهيثمي ـ : 6 / 264 . وتفسير الطبري : 18 / 111 : أحكام القرآن ـ للجصاص ـ : 2 /135 . ومن مصادرنا : فقه القرآن ـ للقطب الراوندي ـ : 2 / 27 ، وبحار الأنوار ـ للمجلسي ـ : 76 / 60 ، والتفسير الصافي ـ للفيض الكاشاني ـ : 3/ 414 .
الجواب من الشيخ باقر الإيرواني: هذه الآية جاءت وصفاً للكافرين ، إذ ان الآية التي قبلها هي : ( وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّـهُ قَالُوا إِنَّ اللَّـهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ ... ) [ الأعراف : 50 ـ 51 ] ، والمراد بالآية ظاهراً من يتّخذ الدين وسيلة لتحقيق إهدافه وإنحرافه من دون أن يؤمن به ، فهو يتلبس بلباس الدين ، وقد يتكلّم باسم الدين إلّا أنّه لا ينظر إليه إلّا كطريق يتمكّن من خلاله من تنفيذ ما يريده ، فكأنّه يلهو ويلعب بالدين ، فالدين ليس هدفاً عنده بل وسيلة كبقيّة الوسائل التي يستخدمها لتحقيق مآربه ، ولذلك استحقّ هذا الحرمان حتّى من قليل من الماء وهو في جهنّم. ومنه يظهرأنّ الآية الشريفة ليست ناظرة إلى المسلم العاصي وغير الملتزم بل ناظرة إلى ما قلناه ، وقد ورد عن أميرالمؤمنين عليه السلام قوله في وصف هؤلاء : « الدين لعقاً على ألسنتهم يحوطونه ما درت عليه معايشهم فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الدّيانون » . والمصاديق الظاهريّة للآية الشريفة كثيرة ، مثل : الحكّام والطواغيت الذين حكموا وتسلّطوا على رقاب الناس باسم الدين دون اعتقاد وإيمان به ، وكذا وعّاظ السلاطين ورجال الدين المزيّفون الذين باعوا دينهم مقابل مصالح شخصيّة آنية ... الخ.
الجواب من الشيخ هادي العسكري: تختلف آيات الذكر الحكيم نزولاً ووروداً عن ترتيبها وتنسيقها في الكتاب الكريم ثنياً وضبطاً ، فكم من آية أو سورة نزلت متأخّرةً وهي مسطورة في أوّل القرآن ، وكم من آيات وسور نزلت مقدّماً وهي مذكورة في آخره ، فلم تكن الآيات والسور الموجودة في القرآن على تسلسل الزمن وطبق ما نزل ووفق ما أنزل ، ونحن لا نعلم بالضبط الوجه والحكمة ، والسبب في اختيار جمع الآيات وتعيين السورة وإكمالها واسمها ووضعها وتقديمها وتأخيرها وتنسيقها وترتيبها وما أشبه ذلك. وليست الغاية من القول بأنّ السورة مكيّة أو السورة مدنيّة أن تكون جميع آياتها مكيّة أو مدنيّة ، ولا يقصد منه هذا بل صرّح المفسرون بعديد من السور المكيّة وفيها آيات مدنيّة ، وآيات كثيرة مكيّة في سور مدنيّة. وأمّا السؤال عن قوله تعالى : ( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ) ، فقد ذكر المفسّرون أنّه لما بلّغ رسول الله صلّى الله عليه وآله بغدير خم ما بلّغ ، وشاع ذلك إلى الحارث بن النعمان الفهري فقال : « يا محمّد أمرتنا عن الله بشهادة أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّداً رسول الله وبالصلاة والصيام والحج والزكاة فقبلنا منك ، ثمّ لم ترض بذلك حتّى رفعت بضبع ابن عمّك ، ففضّلته علينا ، وقلت : « مَن كنت مولاه فهذا علي مولاه » . فهذا شيء منك أم من الله ؟ ! فقال رسول الله : « والله الذي لا إله إلّا هو إنّ هذا من الله » . فولّى الرجل إلى راحلته وهو يقول : اللهم إن كان ما يقوله محمّد حقّاً فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ، فما تمّ كلامه حتّى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره وقتله ، وأنزل الله : ( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ) ». وقد جمع صاحب الغدير وذكر أكثر من ثلاثين علماً من أعلام السُنّة الذين ذكروا هذا الحدث في مصنّفاتهم. ومضى على هذا الحديث ثمانية قرون ولم يناقش فيه أحد حتّى جاء ابن تيميّة فتحكّم وتهكّم وجار في ما حكم ، فقال : « إنّ هذا الحديث موضوع ومكذوب وسورة المعارج مكيّة ، وما حكاه الله قول بعض الكفّار من قريش قبل الهجرة ، والأبطح موضع بمكة والنبي لم يرجع من غدير خم إلى مكّة ». أمّا قوله « السورة مكيّة » ، فالجواب عنه : لأنّه لم يقول بها آية أو رواية صحيحة ثابتة غير متعارضة ، فالقول بأنّ السورة مكيّة كالقول بأنّها مدنيّة ، بل ظاهر الآيات ومضامين معظمها تناسب جوّ المدينة ، ولو سلّمنا كونها سورة مكيّة فما الدليل على أنّ جميع آياتها مكيّة ؟! فلتكن السورة مكيّة والآيتان خاصّة غير مكيّتين ، كما أنّ سورة المائدة مدنيّة نازلة في آخر عهد الرسول صلّى الله عليه وآله وآية : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ) [ المائدة : 67 ] ، هو وغيره من المفسرين يدّعون أنّها نزلت بمكّة في أوّل البعثة. والجواب عن ادّعائه الثاني ، فهذا حكم باطل كسابقه ، فهب أنّ سورة الأنفال نزلت قبل المائدة ببضع سنين فهل يمنع ذلك أن يوضع عند التأليف بعض الآيات النازلة بعدها فيها كما وضعت آيات الربا وآية : ( وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّـهِ ) [ سورة البقرة : 281 ] ، وهي من آخر ما اُنزل على النبي صلّى الله عليه وآله عندهم في سورة البقرة النازلة في أوائل الهجرة أيّ قبلها ببضع سنين. وقوله الثالث ، « إنّ الأبطح هو موضع بمكّة » فهذا إمّا جهل أو تجاهل ، فإنّ الأبطح لا يختصّ بمكان خاصّ ، بل الأبطح هو كلّ مكان ذي رمل. قال في مراصد الاطّلاع : « الأبطح بالفتح ، ثمّ السكون ، وفتح الطاء والحاء المهملة : كلّ مسيل فيه رقاق الحصى ، فهو البطح ». وقوله : « هذا موضوع ومكذوب » ، هذا دعوى وقول بلا دليل ولم يناقش علميّاً في سند الرواية ، ولم يستطع أن يجرح أحد الرواة ، بل إنّما كشف عن نفسه وعن خبث سريرته وعن عدائه لعليّ ونصبه لعترة النبي صلّى الله عليه وآله ، فحشره مع من يتولّاه وأسكنه مساكن من يهواه. آمين يا رب العالمين.
الجواب من الشيخ محمد السند: المراد منها هي النفس والروح بلحاظ قواها الإدراكيّة المجرّدة عن البدن ، فإنّها التي توصف بالإبصار والعمى. وتعلّقها بالصدور باعتبار تعلّق الروح وبنمط معيّن بالبدن ، وتعلّق كلّ واحدة من قواها بعضو من البدن.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: المذهب الشيعي هو الإسلام الحقيقي ، وما عداه من المذاهب يوجد فيها الإنحراف عن خطّ الإسلام الصحيح ، فالإسلام هو التشيّع والتشيّع هو الإسلام. والسبب في ذلك انّ المذهب الشيعي يرجع في جميع أحكامه وتشريعاته واعتقاداته وقوانينه وعلومه ومعارفه إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام والأئمّة المعصومين من ذريّته الذين هم عترة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم وأهل بيته. وقد صرّح النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في أحاديث كثيرة رواها الفريات ـ الشيعة والسنّة ـ وقال : « أنا مدينة العلم وعلي بابها » . وقال : « الحقّ مع علي وعلي مع الحقّ » . وقال : « علي مع القرآن والقرآن مع علي » . وقال : حينما نزل قوله تعالى : ( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) [ الرعد : 7 ] : « أنا منذر وعلي الهادي » . وفي حديث « أنا المنذر وأنت يا علي الهادي » . وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم في الحديث الشريف المتفق عليه : « مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجى ومن تركها غرق وهوى ». وقال في حديث الثقلين المتواتر لدى الفريقين : « إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض » . وهذا الحديث يدلّ على اُمور غفل عنها أهل السنّة أو تغافلوا : الأوّل : انّ العترة الطاهرة من أهل البيت النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يجب إطاعتهم كما يجب إطاعة القرآن الكريم. الثاني : انّ العترة الطاهرة معصومون من الخطأ كما انّ القرآن الكريم معصوم. الثالث : انّه لا يكفي في تحصيل الهداية مجرّد التمسّك بالقرآن الكريم ، ومن قال : « حسبنا كتاب الله » ، فقد أخطأ خطأ عظيماً بل يجب التمسّك بالعترة الطاهرة كما يجب التمسّك بالقرآن لأجل تحصيل الهداية ، فالإسلام الصحيح بعقائده وعلومه وأحكامه وتشريعاته وانظمية ومعارفه وعباداته ومعاملاته وسياساته إنما يمكن معرفته بالتمسّك بالقرآن الكريم والعترة الطاهرة ولا يغني أحدهما عن الآخر وكيف يكفي القرآن الكريم وقد صرّح بأنّ فيه ( آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ... ) [ آل عمران : 7 ] ، وقال الله تعالى : ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) [ الحشر : 7 ] . الرابع : يجب أن يكون في كلّ عصر وزمان إلى يوم القيامة إمام معصوم من العترة الطاهرة ليتمسّك به الناس كما يتمسّكون بالقرآن الكريم ولو لا ذلك لحصل الإفتراق بين القرآن الكريم والعترة ، مع انّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قد صرّح بأنّهما لن يفترقا حتّى يدرا عليّ الحوض ، فمن هو إمام أهل السنّة في هذا العصر ؟ وإذا كان لهم إمام فلا يفيدهم لأنّه لابدّ أن يكون الإمام المقترن طاعته بطاعته القرآن الكريم من أهل البيت ومن العترة الطاهرة ومن ذريّة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم حسب هذا الحديث الشريف. وقد روى أهل السنّة ـ وكذلك الشيعة ـ قول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة » ، فكلّ مسلم لابد أن يعرف الإمام الذي هو منصوب من قبل الله ورسوله للإمامة في عصره وزمانه ، ومن المعلوم ان هذا الإمام لابدّ ان يكون معصوماً إذ لا يعقل أن يموت شخص ميتة جاهليّة لمجرّد انّه يعرف قائداً وأميراً أو ملكاً ظالماً عاصياً ، فمن الإمام الذي يجب معرفته في هذا العصر والزمان ؟ فالشيعة اُخذوا عقائدهم وعلومهم من أئمّة أهل البيت عليهم السلام الذين أمر الله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم بالتمسّك بهم وفرض طاعتهم وولايتهم والإسلام الصحيح متجسّد في أقوالهم وأفعالهم. ولنعم ما قال الشاعر : إذا شئت ان تبغي لنفسك مذهباً ينجيك يوم الحشر من لهب النار فدع عنك قول الشافعي ومالك وأحمد والمنقول عن كعب أحبار ووال اناساً قولهم وحديثهم روى جدّنا عن جبرئيل عن الباري
الجواب من الشيخ محمد السند: الجواب 1 : قد فسرت الأمانة في الآية في روايات أهل البيت عليهم السلام بولاية محمّد وآل محمّد صلوات الله عليهم أو بولاية علي عليه السلام ، وفسرت بالإختيار وبالتكليف وبالعقل والإيمان والتوحيد ونحو ذلك ، وكلّ هذه المعاني تشير إلى مركز واحد وهو قابليّة التكليف الإلهي وأبرزه اصول الإعتقادات في الشريعة. الجواب 2 : المراد من الإباء والرفض ليس المخالفة للأمر المولوي الإلهي بل العجز في قابليّتها عن تحمّل عطاء الأمانة. الجواب 3 : وحملها الإنسان لقابليّته وامتيازه بين المخلوقات باستعداده للتكامل إلى أعلى عليين ، وللتسافل إلى أسفل السافلين وقعر جهنّم ، وأنزل الدركات الدرك الأسفل. الجواب 4 : إطلاق الظلوم الجهول على الإنسان كما تكون عبارة مدح وثناء على الإنسان تكون عبارة ذمّ وهجاء للإنسان ، وذلك بلحاظين واعتبارين ، فإن وصل إلى الجنّة والكمال العلوي فهو الأوّل ، وإن انتهى إلى الجحيم والدركات فهو الثاني. فمن ثمّ فسر في الروايات هذا الذيل من الآية بأبرز مصاديق المعاندين الجاحدين كذمّ ، وفسّر أيضاً بأنّ الإنسان ظلوم لنفسه يروّضها على المشقّة ويهذّبها على الفضائل جهول لكلّ شيء غير الله تعالى ، أيّ يخلص نيّته وتوجّهه إليه تعالى متجاهلاً لكلّ شيء غير الله تعالى ، فوصف الظلوم الجهول تابع لتفسيرالأمانة الإلهيّة وكيفيّة تحمّلها.
الجواب من السيّد مرتضى المهري: يقول جمع من المفسّرين واللغويين إنّ الظنّ يستعمل تارة في الإعتقاد الراجح ، واُخرى في العلم ، وذكروا لكلّ منهما شواهد في الشعر العربي. ويقول بعض الباحثين عن أصول اللغة ، أنّ الظنّ يُطلق على كلّ اعتقاد ناشئ من أمارة ، فقد يكون علماً وقد يكون اعتقاداً راجحاً بل حتّى غير الراجح ، فالظنّ يقابل العلم الناشئ من الإحساس والإدراك والوصول إلى حقيقة الشيء ولمسه. فالظنّ في الآيات المذكورة وإن لم يكن في موارده احتمال للخلاف إلّا أنّه ليس علماً ناشئاً من لمس الحقيقة بالوجدان أو بالحواس الظاهرة ، وإنّما هو علم نشأ من ترتيب مقدّمات أو تصديق الأنبياء أو نحو ذلك إن كان يبلغ في بعض الناس ـ كالمعصومين وبعض أهل الكمال ـ إلى درجة اليقين ، ولكنّه في أكثر المؤمنين لا يتجاوز ذلك بل ربما يكون أقلّ منه ، ومع ذلك فهم يُعدّون من المؤمنين ، فلعلّ الوجه في اختيار هذا التعبير « الإيعاز إلى قبول الإيمان من المؤمنين بدرجاته المتفاوتة » ، إذ لا شكّ أنّ إيماننا مهما يكن قويّاً لا يبلغ حد إيمان من قال : « لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً » ، وهو أمير المؤمنين سلام الله عليه.
الجواب من الشيخ محمد السند: طريقة التعرّف على صحّة الحديث تكون بمراجعة أهل التخصّص في علم الرجال والحديث. فمثلاً كتاب « مرآة العقول » للعلّامة المجلسي قدّس سرّه ـ صاحب كتاب البحار ـ ، قد أشار في كتابه المزبور ـ الذي هو شرح لكتاب « أصول وفروع الكافي » للكليني ـ في ذيل كلّ حديث إلى درجة اعتبار الحديث على رأي المشهور ، وكذلك في كتابه : « ملاذ الأخيار » الذي هو شرح كتاب « التهذيب » للشيخ الطوسي قدّس سرّه ، وكذلك كتب علم الرجال . ولا بُدّ من الالتفات إلى أنّ بين أهل الاختصاص يقع الاختلاف في رأي في تصحيح الأحاديث وتضعيفها ، فليس من الضروري اتّفاقهم.
الجواب من الشيخ محمد السند: ذكر السيّد المرعشي قدّس الله سره في تعاليق إحقاق الحقّ وملحقاته ، المجلّد 26 / 283 و 281 ، والمجلد 10 / 713 ـ 716 ، عدّة مصادر لهذا الحديث. وقد عقد البخاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق أبواباً لفضائل علي عليه السلام والصدّيقة الطاهرة والحسنين صلى الله عليه وآله. وكذلك مسلم في صحيحه ، إلا أنّه زاد على البخاري العديد من الأخبار النبويّة المسندة من فضائلهم التي ترك روايتها البخاري. وكذلك أحمد بن حنبل في مسنده وهو متقدّم زمناً على البخاري ، فمسنده أجدر بالاعتبار من صحيح البخاري مضافاً إلى أنّ ابن حنبل أكثر وجاهة واعتماداً عند محدّثي وفقهاء أهل السُنّة في زمانه من البخاري ، وقد نقل ابن حنبل في مسنده أضعاف ما نقله كلّ من البخاري ومسلم من فضائل أهل البيت صلّى الله عليه وآله ممّا قد ترك روايته البخاري ومسلم.
الجواب من الشيخ حسن الجواهري: إنّ ثقة الإسلام الكليني جمع في كتابه الروايات التي كانت موجودة قبل عصره في الأصول الأربعمائة التي وقعت في يده حفظاً لها من الضياع ، وهذه الروايات قد يكون فيها ما هو ضعيف السند ، ولكن ضعف السند لا يمنع من نقله مع الروايات الصحيحة والمعتمدة ، وإنّما تكون الروايات الضعيفة مؤيّدة للروايات الصحيحة والمعتمدة إذا وافقتها في المضمون. نعم هناك روايات ضعيفة من ناحية المضمون بمعنى أن يكون المضمون مخالفاً للكتاب والسُنّة أو للعقل ، وهذه الروايات وإن نقلها ثقة الإسلام في كتابه الكافي إلّا أنّه نقل أيضاً الروايات القائلة : « إنّ ما خالف القرآن والسنّة زخرف باطل يضرب به عرض الجدار » ، فنقل الروايات ذات المضمون الباطل مع ذكر الميزان في قبول الرواية لا يضر بنيّة الكليني واخلاصه. بالإضافة إلى أنّ الروايات المخالفة في المضمون عند شخص قد لا تكون مخالفة عند شخص آخر ، وعلى تفسير آخر ، فذكرها خوفاً من الضياع بدافع أن يوجد لها عند المتأخّرين من المحقّقين تفسيراً آخر ينسجم مع المضامين الصحيحة ، أمر جيّد وممتاز. وأتمكّن أن اضرب لك مثالاً في ذلك : خذ إليك الروايات القائلة : « بأنّ في آخر الزمان تخرج النساء كاسيات عاريات » ، أو « أنّ في آخر الزمان إذا تكلم الرجل في المشرق سمعه ورأه في المغرب » ، وأمثالها ، فإنّ هذه الروايات في زمن صدورها قد يقال بأنّها خرافة ولكن أثبت الزمان لنا صحّة هذه الروايات في هذه الأيام ـ كما هو واضح ـ ، ويكون الفضل لمن أثبتها في كتابه ، وإن كانت في ذلك الزمان غير معقولة ، فليكن الكليني قد ذكر الروايات المخالفة للعقل عند صدورها لأجل أن يوجد لها تفسير عند أحد العلماء المحقّقين. أمّا بالنسبة إلى ما قاله شرف الدين : فإنّه قال في المراجعة « 110 » : « إنّ الكتب الأربعة ونسبتها إلى أصحابها متواترة » ، لا أنّ الروايات التي فيها متواترة ، وفرق واضح بين كون الكتاب ونسبته إلى صاحبه متواترة أو أنّ الروايات التي فيها متواترة ، فهو أثبت نسبة الكتاب إلى صاحبه وقال إنّها متواترة ولم يقل إنّ جميع ما في الكتب الأربعة متواترة. نعم هناك قول بصحّة كلّ ما في الكتب الأربعة وهذا قول أثبت السيّد الخوئي وقبله علماء الإماميّة المحقّقين بطلانه ـ راجع مقدّمة معجم رجال الحديث للسيّد الخوئي ـ. وحينئذ لو كان هذا القول وهو صحّة كلّ ما في الكتب الأربعة هو قول الإماميّة بأجمعهم ، فهو مضرّ بالمذهب ، ولكن يوجد هناك القول الآخر الذي هو الصحيح الذي يقول : أنّ ما في الكتب الأربعة من الأحاديث يخضع لفحص السند والمتن ، فمنه ما هو صحيح السند وصحيح المتن ، ومنه ما هو صحيح السند غير مقبول المتن ، ومنه ما هو مقبول المتن وإن كان ضعيف السند ، وتخضع كلّ الروايات التي في الكتب الأربعة إلى موازين علم الرجال في قبول الرواية وضعفها. ومع وجود هذا القول الثاني فلا يكون القول الأوّل الضعيف مضرّاً بالمذهب بل هو مضرّ بصاحبه الذي اختاره إذا كان التحقيق خلافه. أمّا الفرق بين الإخباريين والأصوليين ، فإنّ المدرسة الأصولية هي التي التزمت واعتمدت أصول الفقه العقلي في الاستنباط ، وأصول الفقه العقلي هي الأصول المستقاة من مبادئ العقل ومعطياته. أمّا المدرسة الإخبارية فهي التي التزمت واعتمدت أصول الفقه النقلي في الاستنباط ، وأصول الفقه النقلي هي الأصول المستقاة من أقوال أهل البيت ، والمأثور عنهم المنقول عن النبي صلّى الله عليه وآله. وعلى هذا فيمكن تحديد الفروق بين المدرستين بما يلي : 1. في مصادر التشريع ؛ فإنّها عند المدرسة الأصوليّة أربعة ، هي : الكتاب والسُنّة والإجماع والعقل ، أمّا عند المدرسة الإخباريّة فهي : الكتاب والسُنّة فقط. 2. في الشبهة الحكميّة التحريميّة ؛ فإنّ الأخباريين يرجعون فيها إلى قاعدة الإحتياط ، أمّا الأصوليين فيرجعون فيها إلى قاعدة البراءة. وقد تكون هناك فروق أخرى بين المدرستين إلّا أنّها ترجع إلى هذين الفرقين المهميّن.
الجواب من الشيخ محمد السند: لا بدّ من الانتباه إلى أنّ معنى الرواية الضعيفة بلحاظ طريق نقلها ليس بمعنى أنّها مختلقة ومكذوبة بل أنّ رواتها ربّما لم يوثقوا أو لجهالة حالهم ، وهذا لا يعنى بالضرورة كونهم غير عدول في أنفسهم ، وإنّما نحن نجهل حالهم ، وهذا وأن أوجب عدم إحرازنا وعدم استكشافنا لحجيّة الرواية إلّا أنّه لا يعنى ولا يستلزم كون الرواية مجعولة ومختلقة ، فهذه كتب السنّة التي اطلقت جنابك عليها اسم الصحاح وهي الستة أو التسعة كالبخاري وكتاب مسلم مملوّة بالضعاف كما رصد قائمة من الضعاف العلّامة السيّد عبد الحسين شرف الدين في كتاب « المراجعات » ، وذكر مجموعة منهم في الصحاح العلّامة الأميني في كتاب « الغدير » ، وذكر مجموعة أخرى من الضعاف في الصحاح العلّامة المحقّق الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء في كتابه « عين الميزان » ، والعلّامة المحقّق الشيخ محمّد حسن المظفر في كتابه « دلائل الصدق » المجلّد الأوّل ، وقد ذكر السيّد محمّد بن عقيل اليمني في كتابه « العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل » أنّ جملة من علماء أهل السنّة من الذين كتبوا في علم الرجال والحديث يستوثقون الراوي إذا كان ناصبيّاً أيّ ممّن ينصب العداوة لأهل البيت آل محمّد عليهم السلام بل كلّما ازداد عداوة لهم كلّما ازداد وثوقاً عندهم ، وكلّما كان محبّاً لأهل بيت النبوّة كان ضعيفاً عندهم ، وقد أحصى موارد عديدة اتبعوا فيها هذا المسلك وبنوا تعديلهم وجرحهم لرجال الرواية عندهم على ذلك ، فكم من ينصب العداوة لأهل البيت رووا عنه في صحاحهم واعتمدوا عليه ، وكلّما كان للرواي حبّ وهوى في آل محمّد صلى الله عليه وآله اجتنبوا الرواية عنه وجرحوا فيه ، ومسلكهم هذا اتباعاً لقوله تعالى : ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) [ الشورى : 23 ] . ثمّ من الغريب ظنّك أنّ الكليني صاحب كتاب « الكافي » لم يحرص على التدقيق في الحديث ، مع أنّ الكليني يصرّح في مقدمة كتابه « الكافي » أنّه أمضى مدّة مديدة من السنين ذكروا أنّها تبلغ العشرين عاماً في تنقيح ما وصل إليه من الحديث ، مع أنّ الكليني كان معاصراً للنوّاب الأربعة وفي عصر الغيبة الصغرى ، مع أنّ ما في كتابه من الروايات الضعيفة لا تعدل شيئاً أمام الروايات المعتبرة في الكتاب . ثمّ أنّ الروايات الضعيفة لا يودعها المحدّث من علماء الإماميّة إلّا بعد أن يأمن أنّها غير مختلقة قد أخذها من مصادر موثوقة ، وإن كان بعض رجال الطريق فيها ممّن لم يوثقوا ، بل أنّ علماء الدراية من الفريقين لا يستحلون ردّ الرواية الضعيفة ـ وإن لم تكن حجّة بمفردها ـ وإن كان الراوي موصوفاً بالكذب ؛ إذ ليس كلّ ما يخبر به الكاذب يكون بالضرورة كذباً ، وإن لم يكن حجّة في نفسه ، ألا ترى أنّك يحصل لديك اليقين والاطمئنان بخبر مجموعة كبيرة جدّاً من مجهولي الحال والكذّابين ممّن لا يعرف بعضهم بعضاً أيّ يقطع بعدم تواطئهم على الكذب وعدم توافقهم على الخبر ، وهذا معنى تكوّن الخبر المتواتر والمستفيض من الأخبار الضعاف ، وقد برهن على حصول التواتر والاستفاضة بعض العلماء المحقّقين بنظريّة رياضيّة من قاعدة حساب الاحتمالات من جهة العدد الكمّي لطرق الخبر ، ومن جهة ظروف النقل الكيفية لتلك الطرق للخبر ، فإنّ العامل الكمّي والكيفي إذا تصاعد وتضاءل احتمال الكذب والصدفة ، وصل الاحتمال لصدور الخبر إلى درجة الاطمئنان واليقين ، وهذا الطريق الرياضي طريق فطري عقلي لدى البشر ، ومن ثمّ حرص المحدّثون بعد تنقيح الروايات والحديث عن المدسوس والمختلق ، حرصوا على نقل الروايات المعتبرة والضعيفة معاً لكونها مادة لتكون التواتر ، وهل يسوغ طرح الخبر المتواتر والمستفيض ؟ وبالتالي هل يسوغ طرح ما هو مادة للخبر المتواتر والمستفيض ؟ فضلاً عن أن ردّ الرواية الضعيفة المروية المسندة لأهل البيت عليهم السلام قد تكون صادرة عنهم عليهم السلام ، ويكون ردّها رداً عليهم ـ والعياذ بالله ـ والردّ عليهم ردّ على الرسول صلّى الله عليه وآله ؛ لأنّه أمر في الحديث المتواتر بين الفريقين بالتمسّك بالكتاب والعترة ، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليه الحوض ، وعدم ردّ الخبر الضعيف وإن لم يعني الحجيّة كما ذكرت لك ، ولكن يكون مادة لحصول التواتر أو الاستفاضة بنحو الانضمام الكمّي والكيفي بالبرهان الرياضي.