الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: التحريف له أقسام متعدّدة : الأوّل : التحريف بالزيادة ، بان يزاد في القرآن ما لم يكن فيه. الثاني : التحريف بالنقيصة ، بان ينقص ويحذف بعض السور أو الآيات أو الكلمات القرآنيّة. الثالث : التحريف بالتغيير في صياغة الكلمة أو الإعرب ، ويقال له التحريف الجزئي. وباعتقادنا انّ شيئاً من ذلك لم يحصل بالنسبة للقرآن الكريم. وامّا القراءات المختلفة ، فان كانت متواترة فليست من قبيل التحريف ، بل تدلّ على انّ القرآن الكريم نزل بصور مختلفة ، فمثلاً قوله تعالى : ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) قرأ : ( مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ، وهذا ليس تحريفاً وتغييراً للقرآن الكريم بل يدلّ على انّ القرآن الكريم نزل بنحوين : تارة ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) وتارة ( مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) . لكن المشكلة انّ القراءات العشرة أو السبعة ليست متواترة ، وانّما ثبتت بخبر الواحد الذي لا يفيد أكثر من الظنّ ، وبناء على ذلك تكون القراءة المشهورة أو المتّفق عليها هي القرآن وما عداها يكون تحريفاً بالمعنى الثالث ، أي مجرّد تغيير في الكلمة أو الإعراب ، وبما انّها ليست متواترة بل لا تكون رواية ليشملها أدلّة حجيّة الخبر ، إذ من المحتمل ان تكون اجتهادات من القرّاء وليست حكاية عن قراءة النبي صلّى الله عليه وآله ، فهذه القراءات ليست حجّة ولا بدّ من الاعتماد على القراءة المشهورة والمتّفق عليها أو القراءات التي كانت متعارفة في زمن الأئمّة عليهم السلام ، فيجوز قراءتها في الصلاة ، لأنّهم لم يردعوا عنها.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: ( بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ ) جزء من كلّ سورة بإتّفاق الشيعة الإماميّة ، فإذا شرع في الصلاة ولم يقل « بسم الله الرحمن الرحيم » ، بل قرأ الحمد وقال رأساً ( الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ... ) بطلت صلاته ، لو كان متعمّداً في عدم قراءة البسملة. وقد قال الإمام الصادق عليه السلام : عن خالد بن المختار قال : سمعت جعفر بن محمّد (ع) يقول : ما لهم قاتلهم الله عمدوا إلى أعظم آية في كتاب الله فزعموا أنّها بدعة إذا أظهروها وهي بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ . (1) وعن الكاظم عليه السلام : عن سليمان الجعفري قال : سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول : اذا اتى أحدكم اهله فليكن قبل ذلك ملاطفة فانه أبرُّ لقلبها واسلُّ لسخيمتها فاذا أفضى الى حاجته قال : بسم الله ثلثاً فان قدر ان يقرأ أيّ آية حضرته من القرآن فعل ، والا قد كفته التسمية ، فقال له رجل في المجلس : فان قرأ بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ او جربه فقال : وايُّ آية أعظم في كتاب الله ؟ فقال : بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ (2). وروي عن الباقر عليه السلام : عن أبي حمزة ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : سرقوا أكرم آية في كتاب الله بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ . (3) وفي بعض الروايات : بسم الله الرَّحمن الرَّحيم أقرب إلى اسم الله الأعظم من سواد العين إلى بياضها (4). وعن الإمام الحسن العسكري ، عن آبائه عليهم السلام ، عن أمير المؤمنين عليه السلام ، في حديث انّه قال : إنّ بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ آيةٌ من فاتحة الكتاب ، وهي سبع آيات تمامُها بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ (5). وفي تفسير العياشي عن الصادق عليه السلام : ما لهم قاتلهم الله عمدوا الى أعظم آية في كتاب الله فزعموا انّها بدعة اذا اظهروها (6). وعن الباقر عليه السلام : سرقوا اكرم آية في كتاب الله ؛ بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ ، وينبغي الاتيان به عند افتتاح كل أمر عظيم أو صغير ليبارك فيه (7). وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال : أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وآله حدَّثني عن الله جلَّ وعزَّ كلُّ أمر ذي بال لم يذكر فيه بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ فهو أبتر (8). الهوامش 1. بحار الأنوار « للمجلسي » / المجلّد : 82 / الصفحة : 21 / الناشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت / الطبعة : 2. راجع : تفسير العياشي / المجلّد : 1 / الصفحة : 21 ـ 22 / الناشر : المكتبة العلميّة الإسلاميّة ـ تهران. 2. تفسير العياشي / المجلّد : 1 / الصفحة : 21 / الناشر : المكتبة العلميّة الإسلاميّة ـ تهران. 3. بحار الأنوار « للمجلسي » / المجلّد : 82 / الصفحة : 20 / الناشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت / الطبعة : 2. راجع : تفسير العياشي / المجلّد : 1 / الصفحة : 19 / الناشر : المكتبة العلميّة الإسلاميّة ـ تهران. 4. بحار الأنوار « للمجلسي » / المجلّد : 89 / الصفحة : 233 / الناشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت / الطبعة : 2. بحار الأنوار « للمجلسي » / المجلّد : 89 / الصفحة : 257 / الناشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت / الطبعة : 2. 5. الأمالي « للصدوق » / الصفحة : 240 ـ 241 / الناشر : مؤسسة البعثة ـ قم. 6. بحار الأنوار « للمجلسي » / المجلّد : 82 / الصفحة : 21 / الناشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت / الطبعة : 2. راجع : تفسير العياشي / المجلّد : 1 / الصفحة : 21 ـ 22 / الناشر : المكتبة العلميّة الإسلاميّة ـ تهران. 7. الميزان في تفسير القرآن « للعلامة الطباطبائي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 23 / الناشر : مؤسسة إسماعيليان ـ قم / الطبعة : 5. 8. بحار الأنوار « للمجلسي » / المجلّد : 89 / الصفحة : 242 / الناشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت / الطبعة : 2.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: صحيح انّ مبدأ اشتقاقهما واحد ، وكلاهما مأخوذان من الرحمة ، الّا عن المقصود من الرحمن معنى غير معنى الرحيم وان كانا يشتركان في أصل الرحمة ، والفرق بينهما من جهات متعدّدة : الأوّل : الرحمن يشتمل الرحمة لجميع الموجودات وأنواع النعم ، بمعنى انّ الرحمة الرحمانيّة. نعم ، الجميع الموجودات تشتمل كلّ النعم ، كما قال تعالى : ( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ) (1). وأمّا رحمة الرحيميّة ، فهي مختصّه بالمؤمنين ، ومعناها التوفيق في الدنيا والدين. ومن ثمة قال الصادق عليه السلام : الرَّحْمن اسمٌ خاصٌّ لصفَةٍ عامَّةٍ والرَّحِيمُ اسمٌ عامٌّ لصفَةٍ خاصَّةٍ (2). الثاني : الرحمن ، رحمن الدنيا ، والرحيم ، رحيم الآخرة ، يعني في الأمور الأخرويّة. الثالث : في روايه عن الصادق عليه السلام : الْبَاءُ بَهَاءُ اللهِ ، والسِّينُ سَنَاءُ اللهِ ، وَالْمِيمُ مَجْدُ اللهِ (3). وفي رواية : مُلْكُ اللهِ ، وَاللهُ إِلهُ كُلِّ شَيْءٍ ، الرَّحْمنُ بِجَمِيعِ خَلْقِهِ ، وَالرَّحيِمُ بِالْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً (4). الهوامش 1. سجدة : 7. 2. تاج العروس « للواسطي » / المجلّد : 16 / الصفحة : 278 / الناشر : دار الفكر ـ بيروت / الطبعة : 2. 3. الكافي « للكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 89 / الناشر : منشورات المكتبة الإسلاميّة ـ طهران. 4. الكافي « للكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 89 / الناشر : منشورات المكتبة الإسلاميّة ـ طهران.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: الحكمة هو ذكر الله تعالى ، ومن ذكر الله تعالى حين أكله وشربه وفي ابتداء سفر ، يجتنب عن المعاصي والذنوب ، حيث يتذكر نعم الله تعالى عليه ورحمته وفضله ؛ فيصير ذلك رادعاً عن معصيته ، ومخالفة أوامره ونواهيه. مثلاً لو قال : « بسم الله الرّحمن الرّحيم » ، وأراد أن يأكل طعاماً مغصوباً أو حراماً ، يكون نفس هذا الذكر مانعاً عن أكل الحرام غالباً ، بخلاف ما إذا لم يتقيّد بقول « بسم الله الرّحمن الرّحيم » عند الأكل ، فيأكل الحرام لأنّه غافل عن الله تعالى ، ويتخيّل انّ الله تعالى لا يراه ، وانّه ليس له الإحاطة التامّة على أفعاله وأكله وشربه. مضافاً إلى انّه نوع من الشكر على النعمة التي أنعمها الله عليه ، والعقل يحكم لشكر المنعم بأن يبتدأ باسمه في أفعاله وأعماله التي هي نعم الله عليه ، ويمدح المنعم بقوله الرحمن الرحيم.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: هل صحيح انّ بعض علمائنا مثل المجلسي وغيره اقرّو بتحريف القرآن وما موقف علمائنا من كتاب « فصل الخطاب » لنور الطربلسي الذي يتكلم بشكل واضح جداً انّ القرآن حرف ؟ المحققون من علماء الشيعة يصرّحون بأنّه لم يقع في القرآن الكريم زيادة ولا نقصان ، لكنّ هناك روايات كثيرة من طرق الشيعة والسنّة ـ يظهر منها وقوع النقصية في بعض الآيات وقد حملها علماءنا على إرادة سقوط التفسير والتأويل وأسباب النزول وذكر المصاديق ونحو ذلك ممّا لا يرتبط بنفس الآيات والكلمات القرآنية ، ولعلّ المجلسي وأمثاله ذكروا هذه الروايات من غير تعليق عليها فنسب إليهم القول بوقوع النقصية في القرآن الكريم خصوصاً. وانّ المجلسي قدّس سرّه ألّف موسوعة عظيمة وسمّاه بحار الأنوار جمع فيه أكثر الروايات الواردة من طرق الشيعة ليكون بمنزلته دائرة المعارف الدينيّة ولم يكن بصدد تمحيص الروايات من حيث السند أو الدلالة. وأمّا كتاب فصل الخطاب فالظاهر كما صرّح به تلميذ المؤلّف الشيخ آقا بزرك الطهراني في كتابه القيّم [ الذريعة إلى تصانيف الشيعة ] انّ المحدّث النوري كان بصدد ذكر الروايات الواردة الدالّة على النقيصته ، ثمّ الجواب عنها وتمحيصها ونقل عنه : أنّه كان الأولى تسمية كتابه باسم فصل الخطاب في عدم تحريف كتاب ربّ الأرباب ولعلّه جعل كتابه في مجلّدين أحدهما في ذكر ما يدلّ على وقوع النقيصة في القرآن ، والثاني في الجواب عن ذلك لكنّ من المؤسف انّ المجلّد الأوّل طبع ولم يطبع المجلّد الثاني وضاع كما ضاع كثير من المخطوطات والله العالم. وعلى كلّ حال فإذا كان هناك عالم يقول بوقوع النقصية في القرآن فهو رأي شخصي له ولا يحسب على المذهب ، لأنّ أكثر علماءنا يصرّحون بعدم وقوع التحريف في القرآن الكريم لا بالزيادة ولا بالنقيصة ، والروايات الدالّة على وقوع النقيصة محمولة على سقوط ما يربط بالآيات من الشرح والتفسير الصحيح. ومن جدير بالذكر أنّ اوّل من صرّح بوقوع النقيصة في القرآن الكريم هو عمر بن الخطاب حيث أتى بآية رجم الشيخ والشيخة الزانية وطلب من أبي بكر إثباتها في القرآن الكريم ، لكنّ لم يقبل منه. فبإعتقاد عمر بن الخطاب أنّ هذه الآية سقطت من القرآن الأصلي ولا يمكن حمل دعواه على إرادة التفسير الشرح بل ادّعى انّ هذه الآية جزء من القرآن المنزل على رسول الله صلّى الله عليه وآله ، والحال أنّنا لا نجد في القرآن الموجود بأيدى المسلمين مثل هذه الآية. وهكذا صرحت عائشة بوقوع التحريف في القرآن الكريم حيث قالت : « انّ سورة الأحزاب كانت مائتي آية على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله ، فلمّا جمع عثمان المصاحف لم نقدر الاّ على هذا المقدار الموجود ». وروي عن أبي بن كعب : « انّ سورة الأحزاب كانت لتضاهي سورة البقرة أو أكثر منها ». والحال انّ سورة الأحزاب في القرآن الكريم ليست أكثر من سبعين آية. فبإعتقاد عائشة وأبي كعب ـ الذي هو من قرّآء الصحابة ـ وقوع النقيصة في القرآن الكريم فراجع الإتقان للسيوطي لترى الروايات الكثيرة التى يرويها أهل السنّة الدالّة على تحريف القرآن الكريم. ومن الطريف انّ السيوطي في الدرّ المنثور يروي عن بعض الصحابة أنّ قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) نزل هكذا : « يا ايها النبي بلغ ما انزل اليك من ربك ان علياًَ مولى المؤمنين وان لم تفعل فما بلغت رسالته » فراجع تفسير الدرّ المنثور في ذيل الآية من سورة المائدة. ويروي أيضاً في قوله : ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) عن ابن عباس انّ الآية نزلت هكذا : « فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهنّ اجورهنّ » ما هكذا في كثيرة من الآيات بل ذكر في آخر تفسير سورتان « سورة الوفد وسورة الخلع ». نعم ذكر بعض علماء أهل السنّة أنّ هاتين وقع فيهما نسخ التلاوة ولكن هذا الكلام نفس القول بالتحريف والالتزام بوقوع النقيصة في القرآن المنزل النبي صلّى الله عليه وآله وذلك لما ذكره المرجع السيّد الخوئي قدس سره في كتابه [ البيان في تفسير القرآن ] من أنّ النسخ المدعى ان كان في زمان النبي صلّى الله عليه وآله هو الذي نسخ تلاوة ذلك فالنسخ لا يثبت بغير القطع واليقين ولا يثبت بخبر الواحد ، وإذا كان بعد زمان النبي صلّى الله عليه وآله فهو عين الالتزام بالتحريف.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: هل القرآن الكريم من الله جل جلاله أو هو فلسفة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم الخاصّة باعتقاده انّه من الله بمعنى ان لم يتحقّق كون جبريل عليه السلام هو الذي كان يخاطب الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ؟ بعد افتراض انّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلم كان معصوماً من الكذب والخطأ وبعد قبول انّ القرآن هو معجزة النبي الخالدة ويشتمل على وجوه عديدة من أنواع الإعجاز ، لا يمكن التشكيك فى انّ القرآن هو الكتاب الّذي أنزله الله تعالى على نبيّه محمّد صلّى الله عليه وآله وسلم بواسطة جبرئيل ، الذي عبّر عنه القرآن الكريم بروح الأمين. والظاهر من القرآن أنّه منزل من قبل الله تعالى بألفاظه ومعانيه ، قال الله تعالى ، ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) [ القدر : 1 ] ، وقال تعالى : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) [ الحجر : 9 ] ، وقال تعالى : ( وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ) [ طه : 14 ]. فلو كانت المعاني أو الألفاظ من النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فلا معنى لهذا الكلام. فالعمدة إثبات نبوّة محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم إثبات كون القرآن معجزة الخالدة. فراجع الكتب الإعتقادية مثل ( اُصول الدين ) والعقائد.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: هل جملة « صدق الله العلي العظيم » بعد السور القرآنيّة من القرآن الكريم ؟ ليست هذه الجملة من القرآن الكريم بل هي مصطادة الآيات المختلفة فالله يقول ( قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ) ويقول في آية الكرسي وكذلك فى سورة الشورى ( وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) فصدها متخذ من الآية الأولى وذيلها متخذ من الآيتين الاخيرتين.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: ما الفرق بين التنزيل و التأويل ؟ بالنسبة للقرآن الكريم فالتنزيل عبارة عن الآيات والسور النازلة على النبي محمّد صلّى الله عليه وآله بنفس الألفاظ وما لها من المعنى الظاهر. والتأويل هو المعنى الخفي للآية غير المعنى الظاهر. وفي حديث علي عليه السلام قال : « ما من آية إلاّ وعلّمني تأويلها » أيّ معناه الخفيّ الذي هو غير المعنى الظاهري ، لما تقرّر من أن لكلّ آية ظهراً وبطناً والمراد انّ النبي صلى الله عليه وآله اطلعه على تلك المعاني الخفيّة والأسرار المكنونة ، وقد يطلق التأويل على التفسير والشرح فيما إذا كانت الآية مجملة تحتاج إلى بيان معناها الحقيقي. فقوله تعالى ( الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ ) هو التنزيل لكنّه بحاجة إلى كشف الغطاء عن معناه لأنّ الله تعالى ليس جسماً محدوداً ليجلس على السرير ، فتأويل الآية هو انّ الله تعالى محيط بالكائنات ومسلّط على المخلوقات وله ملك السماوات والأرض ، فكأنّه ملك جالس على السرير يراقب رعيّته ويدبّر أمرهم
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: متي يلعن القرآن قارءه ؟ من هم الملعونون بالقرآن الكريم ؟ في الحديث الشريف : « ربّ تالي القرآن والقرآن يلعنه ». والظاهر أنّ المراد من يقرأ القرآن رياءً ولا يتغط ولا يعمل به بل يشتمل كلّ من لعنه القرآن الكريم وان كان يتلوه فقد لعن القرآن : « الكافرين و المنافقين و الظالمين وكلّ من آذى الله ورسوله ومن كتم الحقّ والهدى والبيّنات » ، وفي الحديث عن النبي صلّى الله عليه وآله : « من قرأ القرآن ثمّ شرب عليه حراماً أو آثر عليه حّباً للدنيا وزينتها ، استوجب عليه سخط الله الاّ ان يتوب ». وعن الباقر عليه السلام : « من دخل على إمام جائر فقرأ عليه القرآن يريد بذلك عرضاً من عرض الدنيا ، لعن القارئ بكلّ حرف عشر لعنات ولعن المستمع بكلّ حرف لعنه ». وعن النبي صلى الله عليه وآله : « كم من قارئ القرآن والقرآن يلعنه ». وعن الإمام الصادق عليه السلام قال : « القراء ثلاثة : قارئ قرء ليستدر به الملوك ويستطيل به على الناس ، فذاك من أهل النار. وقارئ قرأ القرآن فحفظ حروفه وضيّع حدوده فذاك من أهل النار. وقارئ قرأ فاستتر به تحت برنسه ، فهو يعمل بحكمه ، ويؤمن بمتشابهه ، ويقيم فرائضه ، ويحلّ حلاله ، ويحرم حرامه ، فهذا فمن ينقذه الله من مضلاّت الفتن وهو من أهل الجنّة ، ويشفّع فيمن شاء ». [ الخصال للشيخ الصدوق ]. وعلى كلّ حال فالشيعي الذي يدعي التشيع لكنّه يقرأ القرآن ويخالفه ولا يحفظ حدوده ولا يعمل بواجباته ويرتكب ما حرّمه الله في القرآن الكريم ، مع الالتفات إلى ذلك يكون ممّن يلعنه القرآن ، لأنّه في الحقيقه يستهزء بالقرآن. ففي الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : « من قرأ القرآن من هذه الأمّة ثمّ دخل النار فهو ممّن كان يتّخذ آيات الله هزواً ».
يقول صاحب تفسير الصافي في الجزء الاول في المقدمة السادسة : [ المستفاد من جميع هذه الأخبار وغيرها من الروايات من طريق أهل البيت عليهم السلام إن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما انزل على محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله ومنه ما هو مغير ومحرّف ، وإنّه قد حذف عنه أشياء كثيرة منها اسم علي عليه السلام في كثير من المواضع ومنها غير ذلك وأنّه ليس أيضاً على الترتيب المرضي عند الله وعند رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم. وبه قال علي بن إبراهيم ... ] ؟ تفسير الصافي للفيض الكاشاني ج 1 ص 49 ـ 50 والذي نعلم أن مذهبنا ـ الاثنى عشرية ـ لا يقول بالتحريف ، فكيف قال به الفيض الكاشاني ؟ السيد جعفر علم الهدى الفيض الكاشاني قدس سره بعد أن يورد أدلّة القائلين بالتحريف يجيب عنها بأجوبة كثيرة : 1 ـ قال [ ان صحّت هذه الأخبار فلعلّ التغيير إنّما وقع فيما لا يخلّ بالمقصود كثير اخلال ، كحذف اسم علي وآل محمّد صلّى الله عليه وآله ، وحذف أسماء المنافقين عليهم لعائن الله الخ ]. 2 ـ قال [ ولا يبعد ان يقال انّ بعض المحذوفات كان من قبيل التفسير والبيان ولم يكن من أجزاء القرآن فيكون التبديل من حيث المعنى ـ أي حرّفوه وغيّروه في تفسيره ـ وتأويله ـ عني حملوه على خلاف ما هو به الخ ـ ثمّ استدل على ذلك برواية الكافي. باسناده عن أبي جعفر عليه السلام انّه كتب في رسالته إلى سعد الخير « وكان من نبذهم الكتاب ان اقاموا حرّوفه وحرّفوا حدوده فهم يروونه ولا يرعونه والجهّال يعجبهم حفظهم للرواية والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية » وهذا صريح في انّ القرآن لم يتبدّل ولم يتغيّر ألفاظه وحروفه وانّما وقع التحريف في تفسيره وتأويله ومعانيه. ثم قال [ هذا ما عندي من التفصي عن الإشكال والله يعلم حقيقة الحال ] ، نعم البحث الموضوعي يستدعى ذكر أدلّة الطرفين وبمحتصبها وبيان وجه الإستدلال والإشكالات الواردة عليها ولذا ذكر كلمات المحقّقين من علمائنا وأدلّتهم على عدم التحريف حتى بالنقيصة الجزئية مثل كلام الطبرسي صاحب تفسير مجمع البيان واستدلاله بأدلّة دامغه وحجج باهرة على عدم وقوع التغيير بالزيادة والنقيصة في القرآن الكريم. وليعلم انّ أوّل من قال بوقوع النقيضة التحريف في القرآن الكريم فيما نعلم هو عمر بن الخطّاب حيث انّ أهل السنّة يروون بأنّ عمر بن الخطّاب جاء بآية رجم الشيخة والشيخ الزاني ، وادّعى أنّ هذه الآية من القرآن الكريم لكن لم يقبل منه لأنّه شاهد واحد ولم يكن معه من يشهد بذلك ففي اعتقاد عمر وأتباعه انّ هذه الآية سقطت من القرآن الكريم ( روى ابن عباس عن عمران قال : انّ الله بعث محمداً بالحقّ وانزل معه الكتاب فكان ممّا أنزل إليه آيه الرجم فرجم رسول الله صلّى الله عليه وآله ورجمنا بعده ) وآية الرجم التي ادعاها عمر هي : ( اذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البته نكالاً من الله والله عزيز حكيم ). كما أن السيوطي في الاتقان ج 1 ص 121 ينقل عن عمر بن الخطاب : انّ حروف القرآن الكريم 000 / 027 / 1 والحال انّ القرآن الذي بأيدينا لا يبلغ ثلث هذا المقدار ، فقد سقط بزعم عمر من القرآن أكثر من ثلثيه. وكانت عائشة تقول : ( كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن النبي صلّى الله عليه وآله مأتي آية ـ 200 آية ـ فلمّا كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلاّ ما هو الآن ) الاتقان ج 2 / 40. وروى زرّ قال : قال أُبيّ بن كعب يا زرّ ( كأين تقرأ سورة الأحزاب ؟ قلت : 73 آية. قال : ان كانت لتضاهي سورة البقرة أو أطول من سورة البقرة ) منتخب كنز العمال. وروى عمرة عن عائشة انّها قالت : ( كان فيما انزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرّمن ثم نسخت بـ : خمسٍ معلومات فتوفى رسول الله صلّى الله عليه وآله وهنّ فيما يقرأ من القرآن ) صحيح مسلم ج 2 / 167. وروى المسوّر بن مخرمة قال : قال عمر لعبد الرحمن بن عوف ألم تجد فيما انزل علينا ( ان جاهدوا كما جاهدتم اول مرة ) فانا لا نجدها قال : ( سقطت فيما اسقط من القرآن ) صحيح مسلم ج 2 / 42. وقد روى السيوطي في تفسيره الدر المنثور في ذيل قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) في سورة المائدة ، روى عن بعض الصحابة انّ الآية نزلت هكذا : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ـ ان علياً مولى المؤمنين ـ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ). وروى عن ابن عباس ان قوله تعالى : ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) نزل هكذا ( فما استمتعتم به منهن الى أجل مسمى فآتوهن اجورهن الخ ). وأمثال ذلك كثير في كتب أهل السنّة أنّها كانتا في مصحف ابن عبّاس واُبي بن كعب وليس في القرآن الذي بأيدينا هاتان السورتان فراجعهما في الجزء السادس من تفسير الدر المنثور للسيوطي ، ومع هذه الروايات الظاهرة في التحريف والتي يرويها أهل السنّة من دون تعليق عليها ، يتّهم علماء أهل السنّة ، الشيعة بأنّهم قائلون بالتحريف ، مع أنّ المحقّقين من علماء الشيعة يصرّحون بعدم وقوع الزيادة والنقيصة في القرآن الكريم ويستدلّون على ذلك بأدلّة كثيرة والروايات التي يظهر منها وقوع النقيصة ، يحملونها على إرادة التفسير والتأويل وشأن النزول ونحو ذلك ممّا لا ربط له بآيات القرآن الكريم.
هل صحيح أن الحقيقة في القرآن الكريم لا يجب أن تذكر بشكل صريح ونص واضح لكي تفيد علماً بل يمكن أن لا تذكر بشكل صريح ونص واضح ومع ذلك تفيد علماً سواء في العقائد أو الاحكام ؟ الجواب من سماحة السيّد جعفر علم الهدى القرآن الكريم يصرّح بكثير من الحقائق في مجال العقائد والأحكام ، وهناك آيات يعبّر عنها بالمحكم في قبال المتشابه وهي الآيات التي تكون نصاً تفيد العلم بمدلولها ، أو تكون ظاهرة فيه. نعم قد يكون هناك مانع من التصريح ببعض الأمور فيكون ذكرها بنحو النص والتصريح منافياً للحكمة فلا بد من الإشارة إليها ، والدلالة عليها بالكناية التي قد تكون أبلغ من التصريح وقد يحتاج البيان إلى مراعاة التدرّج والتسهيل فيذكر القرآن الكريم بعض الحقائق ثم لما تمهّدت الظروف يذكر الباقي كما هو الحال في تحريم الخمر والميسر ، حيث ان شرب الخمر كان متداولاً بين الناس في ذلك العصر وكان من الصعب الاقلاع عنه ولذا نرى أن بعض الآيات تذكر أولاً وجود الضرر والإثم في شرب الخمر ( واثمهما اكبر من نفعهما ) ، ثم تتعرض لبيان مفاسد الخمر وان الشيطان يريد ايقاع العداوة والبغضاء بسبب شرب الخمر ، ثم بعد ذلك يصرح القرآن بتحريم الخمر بقوله : ( فهل انتم منتهون ) . وهكذا الحال بالنسبة إلى ولاية علي عليه السلام والأئمة من بعده فإن الآيات نزلت في بيان فضائل ومناقب علي عليه السلام تشير إلى أنه أولى بالخلافة والإمامة من غيره كقوله تعالى : ( ومن الناس من يشتري نفسه ابتغاء مرضات الله ـ الخ ـ ). وهكذا الآيات الواردة في سورة هل أتى النازلة بحق علي عليه السلام وأهل البيت وقوله تعالى : ( انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ويطهركم تطهيراً ) ، وقوله تعالى : ( قل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الظالمين ) . ثم نزلت آيات تدل على ولاية علي عليه السلام صراحة وبالكناية كقوله تعالى : ( انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) ، وقد اتّفق المفسّرون والمحدّثون من السنة والشيعة على أن الآية نزلت في حق علي عليه السلام وكقوله تعالى ( انما انت منذر ولكل قوم هاد ) . ثم نزلت الآية تأمر الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله بتبليغ ولاية علي عليه السلام علناً وعلى رؤوس الاشهاد فقال تعالى : ( يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) وبعد هذا التهديد الالهي جمع رسول الله صلى الله عليه وآله المسلمين في غدير خم بعد رجوعه من حجّة الوداع وخطب فيهم وقال : ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) ، ثم امر المسلمين وهم أكثر من مائة ألف بأن يبايعوا علياً بالخلافة والإمامة وقد روى السيوطي في تفسيره ( الدر المنثور ) في ذيل الآية الكريمة عن بعض الصحابة ان الآية نزلت هكذا ( يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك ان علياً مولى المؤمنين وان لم تفعل فما بلغ رسالته ).
من سماحة السيّد جعفر علم الهدی قيل : في مسألة المعجزة الصادرة من الأنبياء أنّ الله تعالى أعطى القدرة للأنبياء والرسل والأئمة (عليهم السّلام) على أن يأتوا ببعض خوارق العادةكأبراء الأكمه والأبرص ، وإنقلاب العصا ثعباناً ؛ لإثبات حقّانية دينهم . لكنّ هناك السحرة والكهنة وأهل الشعوذة يتمكّنون من الإتيان ببعض خوارق العادة ، فكيف نفرّق بين هؤلاء وما يصدر من الأنبياء والرسل ؟ وكيف نعرف أنّهم صادقون في دعواهم. و إنّ الله تعالى حكيم ، ولا يصدر منه القبيح ، فإذا ادّعى شخص النبوّة ، وجاء بما هو خارق العادة ، فلا محالة نكشف بأنّه صادق في دعواه ؛ لأنّ الله تعالى لا يسمح للكاذب والمخادع أن يأتي بحجّة على دعواه الفاسدة ، فلو كان الشخص متمكّناً من بعض خوارق العادة لكنّه أراد أن يستفيد من هذه القدرة في إثبات دعواه الفاسدة ؛ فإنّ الله تعالى يحول بينه وبين مقصوده ، ويصرف عنه القدرة ، فلا يتمكّن من إقامة الحجّة على ما يدّعيه . وهكذا لو كان قادراً على خارق العادة بالسحر ونحوه ، لكنّه أراد أن يبطل دعوى النبيّ والرسول أو الإمام (عليهم السّلام) ؛ فإنّ الله تعالى يبطل سحره ، ويصرفه عمّا يريده ، وينصره رسله وأنبياءه ، كما حصل لموسى بن عمران (عليه السّلام) مع عظماء السحرة الذين جاؤوا بسحر عظيم ، لكنّ موسى بن عمران (عليه السّلام) ألقى عصاه ، فإذا هو يلقف ما يأفكون . أمّا بالنسبة للقرآن الكريم : فالصحيح أنّ معجزة القرآن الكريم تكون من جهات عديدة كالفصاحة والبلاغة ، واشتمال القرآن على المعارف والأصول والعلوم المختلفة ، والإخبار بالمغيّبات ، وغير ذلك من وجوه إعجاز القرآن الكريم ، ولأجل ذلك كان من المستحيل على الناس أن يأتوا بمثل هذا القرآن ؛ لعدم قدرتهم على ذلك . ولم يكن وجه الإعجاز مجرّد الفصاحة والبلاغة ليقال : إنّ الله تعالى صرفهم ومنعهم من الإتيان بمثل هذا القرآن وإن كانول في غاية الفصاحة والبلاغة ، بل إعجاز القرآن من وجوه متعدّدة ، ونواحي مختلفة يستحيل عادة الإتيان بمثله . بل من وجوه إعجاز القرآن أنّ الذي جاء به من قبل الله تعالى لم يدرس عند مدّرس ، ولم يتعلّم العلوم عند أحد ، ومع ذلك جاء بالقرآن المشتمل على العلوم والمعارف العالية ، وهذا أعظم دليل على أنّ القرآن وحي من الله تعالى على النبيّ الأمّي الذي لم يتعّلم عند أحد .
من سماحة السيّد جعفر علم الهدی روايات الشيعة متّفقة على أنّ المراد منه عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) ، والأئمة المعصومين (عليهم السّلام) . وقد وردت روايات كثيرة من طرق أهل السنّة تدلّ على أنّ مَن عنده علم الكتاب هو عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) . أمّا من طرق الشيعة : ففي " الكافي " و " بصائر الدراجات " عن مولانا الباقر (عليه السّلام) في الآية الكريمة : { قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ } {الرعد/43} . قال : « إيّانا عنى ، وعليّ (عليه السّلام) أوّلنا وأفضلنا وخيرنا بعد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) » . وفي " الاحجتاج " للطبرسي سأل رجل عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) عن أفضل منقبة له ، فقرأ الآية ، وقال : « إيّانا عنى بمَن عنده علم الكتاب » . وفي تفسير " الصافي " عن " المجالس " عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أنّه سئل عن هذه الآية قال : « ذاك أخي عليّ بن طالب » . وفي " تفسير القمّي " عن الصادق (عليه السّلام) قال : « هو أمير المؤمنين » . إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة . وأمّا من طرق أهل السنّة : ففي " مناقب علي بن أبي طالب " للفقيه الشافعي ابن المغازلي : « إنّه علي بن أبي طالب » . وروى ذلك الثعلبي في تفسيره بطريقين . وهناك رواية شريفة ذكرها الطبرسي في " الاحجتاج " يستدلّ الإمام (عليه السّلام) على أفضلية علي بن أبي طالب (عليه السّلام) من الأنبياء بالآية المباركة : فقد روى بسنده عن أبي عبد الله بن الوليد السمان قال : قال : أبو عبد الله (عليه السّلام) : « م ا يقول الناس في أولي العزم ، وصاحبكم أمير المؤمنين » ؟ قال : قلت : « ما يقدّمون على أولي العزم أحداً » . فقال أبو عبد الله (عليه السّلام) : « إنّ الله تبارك وتعالى قال لموسى : { وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً } {الأعراف/145} ، ولم يقل : كلّ شيء ، وقال لعيسى : { وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ } {الزخرف/63} ، ولم يقل : كلّ شيء الذي تختلفون فيه ، وقال لصاحبكم أمير المؤمنين : { قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ } {الرعد/43} ، وقال عزّوجلّ : { وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } {الأنعام/59} ، وعلم هذا الكتاب عنده » .
سماحة السيّد جعفر علم الهدى التحريف في اللغة : هو التغيير ، وهو على ثلاثة أقسام : 1 ـ التغيير الجزئي في بعض الكلمات : وهو واقع قطعاً في القرآن الكريم حيث نرى أنّ القراءات السبع أو العشر تختلف في الكلمات ، وبما أّنها ليست متواترة قطعاً ، فلابدّ من الالتزام بأنّه وقع بعض التغيير في الكلمات . مثلاً : في سورة الفاتحة قرأ بعضهم : { مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ } {الفاتحة/4} ، وقرأ البعض : { ماَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ } . وكذلك قرأ بعضهم : { غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ } {الفاتحة/7} ، وقرأ البعض الآخر : { غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَ غَيرِ الضَّالِّينَ } . 2 ـ التغيير بالزيادة في القرآن الكريم : وهذا باطل بإجماع المسلمين السنّة والشيعة ، بل قال المحقّقون من علماء الشيعة : إنّ الزيادة في القرآن الكريم مستحيل ؛ لأنّ كلام المخلوق لا يمكن أن يشتبه بكلام الخالق . وقد صرّحت الآيات الشريفة بعدم وقوع هذا النوع من التغيير في القرآن الكريم . قال الله عزّ وجلّ : { لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ } {فصلت/42} . قال تعالى : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُو نَ } {الحجر/9} . 3 ـ التغيير بوقوع النقيصة في القرآن الكريم : والمحقّقون من علماء الشيعة ذهبوا إلى عدم وقوع النقصية في القرآن الكريم ، وكذلك علماء أهل السنّة قالوا : بعدم وقوع النقص في القرآن الكريم ، لكّنهم يروون روايات كثيرة يظهر منها وقوع النقص في القرآن الكريم ، وأنّ بعض الصحابة كان يعتقد ذلك . وأوّل مَن قال : بوقوع النقص في القرآن الكريم : هو عمر بن الخطّاب حيث جاء بآية الرجم الشيخ والشيخة ، وطلب من أبي بكر أن يثبّتها في القرآن الكريم ، لكن لم يُقبل منه ؛ لأنّه خبر واحد ، فباعتقاد عمر بن الخطّاب أنّ هذه الآية ساقطة من القرآن الذي جمعه المسلمون بعد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) . وكذلك من القائلين بالتحريف ، ووقوع النقص في القرآن الكريم عائشة حيث قالت : « إنّ سورة الأحزاب كانت مائتي آية (200) على عهد رسول اله (صلّى الله عليه وآله) ، فلمّا جمع عثمان المصاحف لم نقدر منها إلاّ على ما هو الآن » . وقال ابن كعب لزّر : « يا زّر : كأيّن تقرأ سورة الأحزاب » . قال : « سبعين ونيّف آية » . فقال : « إنّها كانت لتضاهي سورة البقرة أو أكثر » . راجع كتاب " الإتقان " للسيوطي. وفي تفسير : " الدرّ المنثور " في سورة المائدة ذيل قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } {المائدة/67} . روى عن بعض الصحابة أنّها نزلت هكذا :{ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ـ (أنّ عليّاً مولى المؤمنين )ـ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ }. فهذه الجملة : { أنّ عليّاً مولى المؤمنين } باعتقاد هذا الصحابي الجليل ساقطة من القرآن الكريم حسب رواية السيوطي عنه . وكذلك في تفسير " الدرّ المنثور " في قوله تعالى : { فَ مَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً } {نساء /24} . روى عن ابن عبّاس وغيره أنّها نزلت هكذا : { فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ ـ (إلى أجل مسمّى) ـ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً } » . إلى غير ذلك من الروايات التي يرويها أهل السنّة في كتبهم المعتبرة ، بل ذكر السيوطي في آخر تفسيره " الدرّ المنثور " سورتين : « الخلع ، والوفد » ، ويعتقد أهل السنّة أنّهما كانتا من القرآن لكن نسخ تلاوتهما . وهناك روايات من طرق الشيعة أيضاً يظهر منها سقوط بعض الكلمات من القرآن الكريم ، لكنّ المحقّقين من علماء الشيعة حملوها على إرادة سقوط التفسير والتأويل وأسباب النزول ونحو ذلك ، لا وقوع النقيصة في آيات وكلمات القرآن الكريم . مضافاً إلى ضعف أسنادها . فالقول الصحيح عند الشيعة : هو عدم وقوع النقيصة في القرآن الكريم كالزيادة . ونسبة القول ـ بالتحريف إلى الشيعة مع تصريح علمائهم بعدمه ـ غير صحيحة . للمزيد راجع : " البيان في تفسير القرآن " للسيّد الخوئي (قدّس الله نفسه الزكيّة) ، والجزء الأوّل من : " تفسير الميزان " ، وتفسير : " مجمع البيان " .