من سماحة السيّد علي الحائري أهداف القرآن الكريم ومقاصده تتلخّص في سعادة الإنسان ، وكماله المتناسب مع خلقته ، وهي متمثّلة في أمور ثلاثة : 1 ـ العقائد : التي هي أصول الدين ، وتشكّل البنية الأساسية ، والقاعدة الفكرية التي بَني عليها القرآن كلّ تشريعاته ومفاهيمه ، وهي عبارة عن إيمان الإنسان بربّه وخالقه ، وبنبيّه وبإمامه ، وباليوم الآخر ، إيماناً قائماً على أساس الاستدلال ، لا على أساس التقليد . 2 ـ الأحكام : التي هي فروع الدين ، وتشكّل البنية الفوقية ، والطابق العلوي في كيان الإسلام وبنائه ، وهي عبارة عن التشريعات الشاملة لكلّ جوانب حياة الإنسان من حين تكوّنه إلى حين جعله في ملحودة قبره . والطريق الطبيعي لتلقّي الإنسان هذه التشريعات ، والتعرّف عليها عادةً عبارة عن الرجوع إلى ذوي الخبرة والاختصاص بالشريعة ، وهم الفقهاء ، واتّباعهم ، والأخذ بآرائهم ، وهو ما يُسمّى بـ( التقليد) ، فالتقليد في أصول الدين مرفوض ، لكنّه واجب في فروع الدين . 3 ـ مكارم الأخلاق : والصفات الفاضلة ، والملكات الحسنة التي يربّي الإسلام من خلال القرآن الكريم والسنّة الشريفة الناس عليها ، وينمّي فيهم الاستعداد والتاهّل للتحلّي بها ، والسير عليها في علاقاتهم ، وقد جاء في الحديث الشريف عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : « إنّما بُعثت لأتّمم مكارم الأخلاق » . وأمّا أننا كيف نتعامل مع القرآن كأنّما أُنزل إلينا ؟ فهذا سؤال أجاب عليه القرآن الكريم نفسه في قوله تعالى : { الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } {البقرة / 1 ـ 2}. فالتقوى : هي الأرضية المساعدة والضرورية لتلقّي الإنسان الهداية من القرآن الكريم ، وبدون التقوى لايمكن الاهتداء بهدي القرآن ، والانتهال من منهله العذب ، والأرتواء من معينه الصافي . ولا نقصد بالتقوى أكثر من الالتزام والعمل بكلّ الواجبات الشرعية الملقاة على عاتق الإنسان ، وكذلك الاجتناب عن كلّ المعاصي والمحرّمات الشرعية التي نهت عنها الشريعة . وقد ذكرنا قبل قليل الطريق الطبيعي لمعرفة هذه الواجبات والمحرّمات وتحديدها ، وذلك من خلال التقليد ، واتّباع الأخصّائيين في علوم الشريعة ، وهم الفقهاء . هذا هو شأن القرآن ، فهو كتاب هدىً ، لكنّه هدىً للنفوس المستعدّة ، والقلوب المنفتحة ، أمّا النفوس المُعرِضة ، والقلوب المقفّلة ، فلا تهتدي بالقرآن إلاّ إذا أنبت المطر في الأرض السبخة الزرع والريحان !!!!! وفّقنا الله تعالى وإيّاكم للتقوى ، والسلام عليكم .
من سماحة السيّد جعفر علم الهدى المحقّقون من علماء الشيعة يقولون : بعدم تحريف القرآن الكريم لا بالزياددة ولا بالنقيصة ، ولكن وردت الروايات كثيرة من طرق السنّة والشيعة كليهما ظاهرها وقوع النقيصة في القرآن . وأوّل مَن اعتقد ذلك هو عمر بن الخطّاب حيث إنّه جاء بآية رجم الشيخ والشيخة إلى أبي بكر حينما أراد أن يجمع القرآن ، وادعى عمر أنّ هذه الآية من القرآن ، وطلب من أبي بكر أن يثبّته في المصحف لكن لم يقبل منه ذلك . وقد ورد عن عائشة أنّها قالت : « كانت سورة الأحزاب مئتي آية على عهد رسول الله ، فلمّا جمع عثمان المصاحف لم نقدر إلاّ على ما هو الآن » . وروي أيضاً عن أبّي ابن كعب إنّ سورة الأحزاب كانت لتضاهي سورة البقرة . إلى غير ذلك من الروايات التي يرويها إهل السنّة . وهناك روايات من طرق الشيعة أيضاً ، لكنّ المحقّقون من علمائنا الأبرار حملوها هذه الروايات على إرادة التفسير والتأويل ، وبيان شأن النزول بمعنى أنّ النقصان لم يكن في أصل القرآن الكريم ، ولم تسقط منه آية أو كلمة ، بل الساقط والمحذوف تفسير الآية وتأويلها . ولعلّ النوري (رحمه الله) ذكر الروايات الدالّة بظاهرها على وقوع النقيصة في كتابه : (فصل الخطاب) ، وأراد أن يجيب عن شبهة التحريف ، لكنّه لم يوفّق لذلك ، فطبع هذا القسم. وينقل بعض الأجلاء إنّ الشيخ النوري كتب مجلدين أحدهما هذا الكتاب الموجود المسمّى بفصل الخطاب ، يذكر فيه أدلّة القائلين بوقوع النقيصة في القرآن الكريم ، والثاني الجزء الآخر لهذا الكتاب ، وقد تعرّض للجواب عن هذه الأدلّة ، لكن الجزء الثاني من كتابه صار مفقوداً ، ولم يطبع ، فطبع الجزء الأوّل فقط . وعلى تقدير اعتقاده بوقوع النقيصة في القرآن فهو رأي شخصي له قد خالف في ذلك أكثر المحقّقيين من علمائنا المتقدّمين والمتأخرين ، فراجع كتاب البيان في تفسير القرآن للسيّد الخوئي (قدسّ سرّه) . ومن المحتمل أنّ الشيخ النوري (رحمه الله) قصد من تأليف هذا الكتاب بيان أنّ القوم قد أسقطوا ما ورد عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من التفسير والـتأويل للقرآن الكريم ، لا وقوع النقيصة فيما نزل على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من آيات القرآن وكلماته التي أوحاها الله إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، فالنقيصة إنّما حصلت في أمر خارج عن القرآن ، لكنّه مرتبط به أشدّ الارتباط ؛ لأنّه تفسير وتأويل وتفصيل لآياته .
من سماحة السيّد علي الحائري
من سماحة السيّد جعفر علم الهدى
من سماحة السيّد جعفر علم الهدى أوّلاً : هناك الكثير من الروايات التي رواها أهل السنّة فضلاً عن الشيعة يظهر منها وقوع النقصية والسقط في القران الكريم ، ولكنّ المحقّقين من علماء الشيعة وفقهائهم حملوها على إرادة التأويل والتفسير ، ومنها هذه الرواية ؛ فإنّ المراد أنّ الله تعالى حينما أنزل آية الكرسي أراد منها بيان هذه المعاني ، لكنّ لا يتمكّن أحد من استخراج هذه المعاني من الآية الكريمة إلّا الله والراسخون في العلم الذين علّمهم الله تعالى تأويل الكتاب . ويوجد نظير ذلك كثيراً في روايات أهل السنّة أيضاً ففي آية المتعة : { فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } {النساء/24} روى السيوطي في الدرّ المنثور وغيره عن ابن عبّاس أنّه قرأ : { فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ (إلى أجل مسمّى) فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } ، وقال : « والله إنّها نزلت كذلك » . وذلك روى السيوطي في الدرّ المنثور في تفسير آية التبليغ : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ } {المائدة/67} . عن بعض الصحابة أنّها نزلت هكذا : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ (أنّ عليّاً مولى المؤمنين) وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } . فهل هذه الآيات محرّفة عند أهل السنّة ؟! ثانياً : من المحتمل أن ّالمراد من آية الكرسي على التنزيل أنّ آية الكرسي ليست خصوص الآية الأولى ، بل هي ثلاث آيات إلى قوله : { هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } {البقرة/255 ـ 257} ، وأمّا الرواية فلا ربط لها بالآية ، بل تذكر أنّ الإمام (عليه السّلام) قرأ هذه العبارات في مقام تمجيد الله تعالى . ولعلّه كان من باب التضمين بأن يستفيد الإنسان من الآيات في ضمن دعائه وكلامه ، أو يقرأ آيات متعدّدة متفرّقة ، ولم يقرأ الإمام (عليه السّلام) هذه العبارات بعنوان آية الكرسي النازلة في القرآن الكريم ، وليس في الرواية أنّها نزلت هكذا ، أو أنّ الإمام (عليه السّلام) قرأها بعنوان آية الكرسي ، بل قرأها بعنوان آيات متفرقة ، وبنحو التضمين . وبعبارة أُخرى : هناك روايتان وقع الخلط بينهما ، رواية تدلّ على فضل قراءة آية الكرسي على التنزيل ، ولم تذكر الرواية تفصيل ذلك ، ولعلّ المراد كما قلنا الآيات الثلاث إلى قوله : { هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } . ورواية أُخرى تدلّ على أن ّالإمام السّجّاد (عليه السّلام) قال : مَن قرأ هذه الكلمات ـ وفيها آية الكرسي بصورة مقطّعة ـ له ثواب عظيم ، ولا تدلّ على أنّ آية الكرسي نزلت بهذه الصورة ، بل هو دعاء وذكر تضمّن آية الكرسي ، وإليك الروايتان : 1 ـ عن الحسين بن بن عليّ (عليهما السّلام) قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : « إنّ آية الكرسي في لوح من زمرّد أخضر مكتوب بمداد مخصوص بالله ... إلى أن قال : ، فلا يبقى ملك مقرّب ، ولا نبيّ مرسل إلّا دعا لقاريء آية الكرسي على التنزيل ». إلى هنا تمّت الرواية عن الحسين بن بن عليّ (عليهما السّلام) ، ولا يعقل أن ترتبط هذه الرواية بالرواية الآتية حيث إنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) لا يروي عن الصادق (عليه السّلام) . 2 ـ قال الصادق (عليه السّلام) : « ك ان عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) يحلف مجتهداً أنّ مَن قرأها ( الكلمات الآتية) قبل زوال الشمس سبعين مرّة فوافق تكملة سبعين زوالها ، غُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر ، فإن مات في عامه ذلك مات مغفوراً غير مُحَاسب : { اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ { وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى } {طه/6} { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا } {الجن/26} مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ * لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } . وليس في هذه الآية إنّ آية الكرسي تكون بهذه الصورة ، بل ليس فيها اسم آية الكرسي ، وإنّما يوجد « مَن قرأها » ، ولعلّها مجموعة آيات مثل الدعاء والذكر الذي بعد صلاة أوّل الشهر.
من سماحة السيّد علي الحائري سورة يوسف (على نبيّنا وآله وعليه السّلام) تشتمل على قصّة واقعية هي أحسن القصص على حدّ تعبير القرآن الكريم ، وهي قصّة يوسف (عليه السّلام) ، وفيها دروس وعِبَر كثيرة في مجال السياسة والاجتماع والإقتصاد والأسرة والعلاقات الشخصية والأخلاق والمبادئ والقيم ، ولا غنى للإنسان المسلم عن تلاوة هذه السورة ، والتأمّل فيها ، والتدبّر في معانيها لأخذ الدرس والموعظة ، ولابدّ له من الاستعانة على ذلك بمراجعة ما جاء عن الأئمة (عليهم السلام) في تفسير هذه السورة ، وذلك من خلال مطالعة التفاسير المعتمدة على الروايات والأحاديث .
الجواب من السيّد علي الحائري: تحريف القرآن بالمعنى الذي وقع فيه الخلاف حيث أثبته قوم ونفاه آخرون إنّما هو التحريف بالنقيصة ، بمعنى أنّ المصحف الذي بأيدينا لا يشتمل على جميع القرآن الذي نَزلَ من السماء ، فقد ضاع بعضه على الناس ، وهذا المعنى من التحريف خلاف المعروف بين المسلمين ، والسيّد الخوئي (رحمه اللّه) أيضاً يفنّد القول بالتحريف بهذا المعنى ، ويذكر أدلّة عديدة على عدم وقوع التحريف في القرآن الكريم أصلاً ، وأنّه مصون عن ذلك ، ويتعرّض أيضاً لشبهات القائلين بوقوع التحريف ويبطلها ، ويقول في نهاية المطاف : إنّ مَن يدّعي التحريف يخالف بداهة العقل ، وقد قيل في المَثلَ : حدّث الرجل بما لا يليق ، فإن صَدَّق فهو ليس بعاقل . ويمكنكم مراجعة كتابه القيّم : البيان في تفسير القرآن : بحث صيانة القرآن من التحريف ، واللّه العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: كلا السؤالين يرتبط بموضوع جمع القرآن وترتيبه حسب الكيفيّة التي يشاهدها المسلمون اليوم ، ورأينا في هذا الموضوع يتلخّص في أنّ القرآن الكريم كان قد جُمع وكُتب في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ومن جملة أدلّتنا على ذلك حديث الثقلين المتواتر لدى المسلمين حيث قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي » ، فإنّ هذا الحديث الشريف يدلّ على أنّ القرآن كان مكتوباً مجموعاً في عهد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وقبل وفاته ، إذ لا يصحّ إطلاق لفظ « كتاب » على شيء غير مكتوب وغير مجموع بل هو في صدور حفّاظه أو هو مبعثر هنا وهناك ، إنّ مثل هذا لا يُطلق عليه لفظ « كتاب » إلّا على نحو المجاز ، واللفظ لا يحمل على معناه المجازي من غير قرينة ، ولا قرينة في حديث الثقلين تدلّ على ذلك ، فنبقى نحن وظاهر لفظ « كتاب الله » في الحديث ، فإنّه ظاهر فيما كان له وجود واحد جمعي ، ولا يطلق على المكتوب إذا كان مجزَّءاً ومبعثراً غير مجموع ، فضلاً عمّا إذا لم يكتب وكان محفوظاً في الصدور فقط. وهناك أدلّة أخرى على ذلك. والنتيجة أنّ إسناد جمع القرآن إلى الخلفاء أو إلى غيرهم أمر موهوم ومخالف للكتاب والسنّة والإجماع والعقل. نعم لا شكّ في أنّ عثمان قد جَمَع القرآن في زمانه لكنّ لا بمعنى أنّه جَمَع الآيات والسور في مصحف بل بمعنى أنّه جَمَع المسلمين على قراءة واحدة وأحرق المصاحف الأُخرى التي تخالف المصحف الذي جمع المسلمين عليه ، وكَتبَ إلى البلدان أن يُحرّقوا ما عندهم منها ، ونَهى المسلمين عن الاختلاف في القراءة حتّى اعترض عليه في ذلك جماعة من المسلمين وسمّوه بَحرّاق المصاحف ، وقد صَرّح بهذا كثير من أعلام أهل السنّة. إذاً القرآن مجموع في عهد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، كما أنّ ترتيبه الحالي الذي يشاهده المسلمون اليوم كان بأمر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، رغم أنّ هذا الترتيب ليس مطابقاً ترتيب نزول القرآن ، فهذا الترتيب يختلف عن ترتيب النزول ، لكنّه ترتيب أمَر به النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأمضاه الأئمّة المعصومون عليهم السلام أيضاً من بعده. أمّا ما هي الحكمة في ذلك ؟ فهذا أمر لا يعلمه إلّا اللّه ورسوله والراسخون في العلم ـ الأئمّة عليهم السلام ـ ، نعم قد نحدس ونستنبط بعض الحِكَم والمصالح ، واللّه العالم.
من سماحة السيّد جعفر علم الهدى لاتنافي في بين الايتين : أمّا الأولى ؛ فلأنّ المنافقين كانوا يتطّيرون بالنبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، ويزعمون أن ما يرد عليهم من البلاء إنّما لأجل وجود بالنبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيما بينهم ، فيتشائمون منه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، فأجاب الله تعالى بأنّ ما من حادثة أو بلاء يقع في الخارج إلّا يقع بإرادة الله تعالى وبقضائه وقدرته . فالخير والشر مقدران مكتوبان ، ولاربط لوجود شخص وعدمه في ذلك . أمّا الآية الأٌخرى فهي ناظرة إلى أفعال الإنسان ، وما يترتّب عليها من الآثار والنتائج ، فالله تعالى يعطي القدرة للإنسان ، ويرشده ، ويبيّن له العمل الصالح ، ويميّزه عن القبيح ، فإذا فعله الإنسان فهو في الحقيقة صادر منه باختياره وإرادته ، لكنّ الله تعالى هو الذي هداه وأرشده وأعطاه القدرة ، فالفضل له ، وأمّا ما صدر من الإنسان من القبيح ، فلا ينسب إلّا إلى الفاعل نفسه ؛ لأنّه اختاره وفعله باختياره وإرادته ، بمعنى أنّه إستفاد من القدرة المفاضة عليه من قبل الله تعالى في عمل الشرّ والقبيح بإرادته ، فهو المسؤول والمؤاخذ عليه ، ولا ينسب الشرّ إلى الله تعالى ؛ لأنّه لم يجبر الإنسان على فعله ، بل هداه وأرشده وطلب منه الخير ، لكن العبد بسوء اختياره إرتكب القبيح ، وهذا هو معنى لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين . وأمّا خطاب بالنبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم) بذلك مع أنّ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم) معصوم و مسدّد من الله تعالى ، فهو من باب : « إياك أعني ، وأسمعي يا جارة » ، فالخطاب في الحقيقة لسائر الناس.
الجواب: من سماحة السيّد جعفر علم الهدی
من سماحة السيّد جعفر علم الهدی ظهر أنّ إعجاز القرآن الكريم لا ينحصر في الفصاحة والبلاغة ، بل يكون من جهات أُخرى لا يختصّ دركها وفهمها بالعرب الفصحاء ، فالقرآن معجزة من حيث : 1 ـ الفصاحة والبلاغة . 2 ـ من حيث اشتماله على أفضل الآداب ، وأحسن الحكم ، وأكمل المواعظ ، وأصحّ النظم ، وأصوب القوانين ، وأتمّ الأحكام المتكفلة لارتباط الإنسان بخالقه وبغيره من أفراد البشر ، كما أنّ القرآن معجزة من حيث إنّه مع كثرة آياته وسوره خالٍ عن الاختلال والاختلاف والتناقض : { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا } {النساء/82}. 3 ـ من حيث اشتماله على الأخبار والآثار في قضايا الأُمم السابقة ، وخفايا القصص الماضية ، وسيرة الأنبياء والرسل ، وأحوالهم وقصصهم ممّا لم يطّلع عيها حتّى الأحبار والرهبان ، وعلماء الأديان السابقة . 4 ـ من حيث إنّ مَن أتى بالقرآن الكريم وهو النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يتعلّم عند معلّم ، ولو يدرس عند مدرّس ، ولم يعهد منه أنّه قرأ الكتب . 5 ـ من حيث الإخبار عمّا في ضمائر المنافقين ، وبواطن الكافرين ، ونوايا المشركين حتّى أنّهم كانوا يحذّرون من نزول آية تفضحهم ، وتكشف نواياهم . 6 ـ من حيث الإخبار عن الأمور المستقبلة ، والحوادث المقبلة ، والغيب الصادق كقوله { الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ } {الروم/1 ـ 3} . 7 ـ من حيث العلوم والفنون التي لم تنكشف إلّا في عصرنا .