الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: في الحديث عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم : واسرافيل سيّد الملائكة . (1) وفي حديث عن الباقر عليه السلام ، انّ جبرئيل قال للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في وصف إسرافيل : ان هذا حاجب الرب وأقرب خلق الله منه واللوح بين عينيه من ياقوتة حمراء فإذا تكلم الرب تبارك وتعالى بالوحي ضرب اللوح جبينه فنظر فيه ثم يلقيه الينا فنسعى به في السماوات والأرض انه لأدنى خلق الرحمن منه وبينه وبينه سبعون حجاباً من نور تقطع دونها الأبصار ما لا يعد ولا يوصف وانّي لأقرب الخلق منه وبيني وبينه مسيرة ألف عام. (2) ومن وظائف إسرافيل النفخ في الصور ، وهناك نفختان : النفخة الأولى ينفخ إسرافيل في الصور يموت بها كلّ شيء ، والنفخة الثانية لبعث الأموات وحشرهم ونشرهم. وفي الحديث عن علي بن الحسين عليه السلام : أما النفخة الأولى فان الله يأمر إسرافيل فيهبط إلى الأرض ومعه الصور ... فينفخ فيه نفخة فيخرج الصوت من الطرف الذي يلي اهل الأرض فلا يبقى في الأرض ذو روح إلا صعق ومات ، ويخرج الصوت من الطرف الذي يلي اهل السماوات فلا يبقى في السماوات ذو روح إلا الصعق ومات إلا إسرافيل ؛ قال : فيقول الله لاسرافيل يا إسرافيل مت فيموت إسرافيل. (3) وامّا نفخة الثانية فقد أشار إليها الإمام زين العابدين عليه السلام في الدعاء الثالث من الصحيفة السجادية : وَإسْرافِيلُ صَاحِبُ الصُّورِ ، الشَّاخِصُ ، الَّذِي يَنْتَظِرُ مِنْكَ الإذْنَ وَحُلُولَ الأمْرِ ، فَيُنَبِّهُ بِالنَّفْخَةِ صَرْعى رَهَائِنِ الْقُبُورِ . (4) فالله تعالى يحيي إسرافيل ويأمره ان ينفخ في الصور نفخة ثانية ، لأجل البعث والحشر والنشر. وامّا ميكائيل فهو اسم ملك من عظماء الملائكة ، وروي انّه رئيس الملائكة الموكّلين بأرزاق الخلق كملائكة السحب والرعود وغير ذلك (5). وفي الصحيفة السجادية في الصلاة على حملة العرش : وَمِيكَائِيلُ ذُو الْجَاهِ عِنْدَكَ ، وَالْمَكَانِ الرَّفِيع مِنْ طَاعَتِكَ . (6) وفي روايات العامة عن عكرمة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم : وأما ميكائيل فصاحب كل قطرة تسقط وكل ورقة تنبت وكل ورقة تسقط . (7) الهوامش 1. كنز الفوائد « لأبي الفتح الكراجكي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 237 ـ 238 / الناشر : دار الذخائر / الطبعة : 1. 2. تفسير القمي / المجلّد : 2 / الصفحة : 28 / الناشر : مطبعة النجف. 3. تفسير القمي / المجلّد : 2 / الصفحة : 252 / الناشر : مطبعة النجف. 4. الصحيفة السجادية / الصفحة : 44 / الناشر : مشعر / الطبعة : 1. 5. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 56 / الصفحة : 221 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 3 : وميكائيل هو من عظماء الملائكة ، وروي أنّه رئيس الملائكة الموكّلين بارزاق الخلق كملائكة السحب والرعود والبروق والرياح والأمطار وغير ذلك. 6. الصحيفة السجادية / الصفحة : 44 / الناشر : مشعر / الطبعة : 1. 7. الدر المنثور في التفسير بالمأثور « لجلال الدين السيوطي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 230 / الناشر : دار الفكر.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: القرآن يصرح بانّه كان هناك منافقون مندسّين بين الصحابة لا يعلمهم حتّى النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله. قال الله تعالى : ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) [ التوبة : 101 ] . ومن الطبيعي انّ هؤلاء المنافقين الذين لا يعلمهم النبي صلّى الله عليه وآله والمسلمون كانوا في ضمن صحابة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله حيث كانوا يظهرون الإسلام والايمان ويبطئون الكفر. فكيف يمكن ادّعاء انّ جميع أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله كانوا أخيار ؟ وإذا كان الأمر كذلك فأين كان المنافقون الذين لا يعلمهم النبي صلّى الله عليه وآله ؟ فإذا كانوا ممتازين عن الصحابة لعلم بهم النبي صلّى الله عليه وآله. ثمّ هناك حديث مشهور يرويه أهل السنّة في صحاحهم كصحيح البخاري وصحيح مسلم وغيرهما ، انّ النبي صلّى الله عليه وآله قال : « انا فرطكم على الحوض ولانازعنّ أقواماً وليختلجن من دوني فاقول : يا ربّ أصحابي أصحابي فيقال لا تدري ما احدثوا بعدك » . ثمّ انّ الكثير من صحابة النبي صلّى الله عليه وآله قد صدر منه الموبقات والمعاصي العظيمة ، كطلحة والزبير وعائشة حيث خرجوا لقتال علي عليه السلام الذي قال عنه رسول الله صلّى الله عليه وآله : « يا علي حربك حربي » ، ونكثوا بيعة الإمام الذي بايعه المسلمون. ومثل أبي هريرة الذي كان يكذب على النبي صلّى الله عليه وآله حتّى ضربه عمر بن الخطاب بالدرّة وقال له : « أحرى بك ان تكذب على رسول الله ». ومثل سمرة بن جندب الذي شارك مع جيش يزيد بن معاوية في الهجوم على المدينة المنوّرة وقتلوا المهاجرين والأنصار واعتدوا على الفروج والأموال.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: لم يكن حميد بن مسلم من أولاد عقيل بن أبي طالب ، ولم يكن من بني هاشم ، بل كان مع جيش عمر بن سعد وقد روى بعض الحوادث الواقعة في كربلاء ، ويظهر منه أنّه كان يتجنّب القتال. ويروى انّه كان مع جيش التوّابين الذين خرجوا لطلب ثأر الحسين عليه السلام. وقد نقل بعض القضايا في وقعة عين الوردة وذكر مقتل سليمان بن صرد الخزاعي و مسيّب بن نجيّة ـ أو نجبة ـ وعبدالله بن سعد بن نفيل وعبدالله بن وال الذين كانوا من رؤساء التوّابين. ويظهر من حاله انّه كان يشترك في القتال لنصرة التوّابين ، حيث يقول : « حملت ميمتنا على ميسرتهم وحملت ميسرتنا على ميمنتهم وحمل سليمان في القلب فهزمناهم وظفرنا بهم ... ». وكان حميد بن مسلم مع المختار بن أبي عبيدة في حروبه ضدّ جيش الشام ويروي الحوادث التي وقعت للمختار وكيفيّة انتقامه من قتلة الإمام الحسين عليه السلام. ويروي ابن نما في رسالة « أخذ الثأر في أحوال المختار » : انّ حميد بن مسلم قاتل دفاعاً عن المختار وهو يقول : لأضربنّ عن أبي حكيم مفارق الاعبد والحميم ولم يعرف مصيره بعد ذلك ؟!
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: من أهمّ الاختلافات بين السنّة والشيعة الإماميّة انّ أهل السنّة يعتقدون انّ الله تبارك وتعالى والنبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله تركا الاُمّة سدى بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله ولم يعيّن الله تعالى خليفة رسول الله صلّى الله عليه وآله بل على الاُمّة أن يختاروا شخصاً ليكون هو الخليفة ولا يلزم أن يكون عادلاً فضلاً عن كونه معصوماً ، ولكن الشيعة يعتقدون أنّ الله تعالى عيّن في زمان النبيّ صلّى الله عليه وآله خليفة رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وأنّ النبيّ نصب عليّاً عليه السلام يوم غدير خمّ خليفة وإماماً وحجّة على العباد من بعد وفاته ، وهكذا تستمرّ الخلافة والإمامة في الأئمّة الأحد عشر من ذريّة رسول الله صلّى الله عليه وآله. ومن أهمّ ما يستدلّ به الإماميّة على ذلك : أوّلاً : دليل العقل حيث انّ نفس الدليل الدالّ على وجوب بعثة الأنبياء والرسل وإنزال الكتب وهو دليل اللطف يدلّ على أنّه لابدّ أن ينصب الله تعالى ويعيّن وصيّ النبي والقائم من بعده ويجب أن يكون معصوماً من الذنوب والكذب والخطأ والسهو والنسيان لكي يرجع إليه الاُمّة فيما يختلفون فيه بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وليس للاُمّة اختيار الخليفة إذ لا يؤمن على من يختاره الاُمّة أو أهل الحقّ وأهل الحلّ والعقد من الخطأ والاشتباه والهوى واتّباع النفس الأمّارة والظلم والجور ، مع انّ منصب الإماميّة مثل الرسالة والنبوّة منصب الإلهي ، قال الله تعالى : ( وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) [ البقرة : 124 ] ، فالله أعطى إبراهيم مقام الإمامة وقيادة المجتمع والولاية على الناس بعد أن كان رسولاً نبيّاً بل وبعد كونه خليلاً لأنّ ابتلاء إبراهيم كان بأمره بذبح ولده إسماعيل ؛ فلمّا خرج إبراهيم من الامتحان موفقاً وناجحاً حيث تصدّى لذبح ابنه أعطاه الله تعالى منصب الإمامة ، وهذا الإبتلاء كان في زمان شيخوخة ابراهيم كما يقول : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ) [ ابراهيم : 39 ] ، أيّ أعطاه الله منصب الإمامة بعد كونه رسولاً نبيّاً ؛ فهذا المنصب مهمّ جدّاً. وثانياً : الروايات الكثيرة الصادرة من النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله التي تدلّ ان الإمامة والوصاية ثابته للإمام علي عليه السلام وأولاده الطاهرين : منها : حديث الغدير المتواتر بين الفرقين ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : « من كنت مولاه فهذا علي مولاه » . وقد صرح بعض أهل السنّة كالغزالي ، انّ النبي صلّى الله عليه وآله أخذ البيعة لعلي عليه السلام في غدير خم حتّى من زوجاته ـ اُمّهات المؤمنين ـ ؛ ولأجل وضوح هذا الدليل يرجى مراجعة الجزء الأوّل من كتاب الغدير للشيخ الأميني قدس سرّه. ومنها : قول رسول الله صلى الله عليه وآله : « مثل أهل بيتي كسفينه نوح من ركبها نجى ومن تركها غرق وهوى » . وهذا الحديث يدلّ بوضوح على انّ المتمسّك بحبل أهل البيت يكون ناجياً بخلاف من لم يتمسّك بهم حتّى لو اختاره جميع الاُمّة للإمامة والقيادة فانّه هالك لا محالة. ومنها : قول النبي الأعظم في الحديث المعروف والمشهور الذي رواه الفريقان السنّة والشيعة بطرق عديده ويعرف بحديث الثقلين ، قال صلى الله عليه وآله وسلّم : « إنّي تارك ـ مخلف ـ فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما ان تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً وانّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض » . وهذا المضمون بتمامه موجود في روايات أهل السنّة وهو يدلّ على اُمور : 1 : يجب التمسّك بأهل البيت عليهم السلام كما يجب التمسّك بالقرآن الكريم ولا يكفي أحدهما عن الآخر ؛ فيبطل قول من قال : « حسبنا كتاب الله ». 2 : يجب إطاعة العترة الطاهرة كما يجب إطاعة القرآن الكريم. 3 : لا يهتدي المسلم بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله إلّا بمتابعة الكتاب وإطاعة العترة الطاهرة. 4 : العترة الطاهرة معصومة من الذنوب والكذب والخطأ والاشتباه لأنّهم جعلوا عدلاً للقرآن الكريم وهو معصوم قطعاً ، مضافاً إلى انّه لا يعقل الأمر بإطاعة غير المعصوم وجعل طاعته بمنزلة طاعة القرآن الكريم. 5 : كما انّ القرآن الكريم مستمرّ إلى يوم القيامة ويجب التمسّك به إلى يوم القيامة كذلك يوجد من العترة الطاهرة في كلّ زمان إمام معصوم يجب التمسّك به كما يجب التمسّك بالقرآن الكريم ؛ لانّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال : « وانّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض » ، فلو لم يكن مثلاً في زماننا إمام معصوم من أهل البيت عليهم السلام لزم افتراق القرآن عن العترة الطاهرة ، والحال انّ النبي صلى الله عليه وآله يصرح في هذا الحديث بأنّهما لا يتفترقان إلى يوم القيامة. ومن الروايات قول النبي صلّى الله عليه وآله : « من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميته جاهلية » ؛ فمن هو إمام زمانك الذي إذا لم تعرفه يكون موتك موت الجاهليّة ؟ لا يمكن ان يقال بانّ المراد القرآن الكريم لأنّ القرآن إمام كلّ الأزمنة وهذا الحديث يدلّ على انّ لكلّ زمان اماماً خاصّاً إذا لم يعرفه المسلم يموت ميتة الجاهليّة ؛ فالإماميّة يسألون أهل السنّة من هو إمام زمانهم في هذا العصر ومن هو حجّة الله على العباد في هذا الزمان ؟! وهناك أدلّة وروايات اُخرى كثيرة جدّاً ينبغي لمعرفتها مراجعة الكتب المفصّلة. وقد أشار الإمام الحجّة في أجوبة أسئلة سعد بن عبد الله الأشعري إلى هذا الدليل العقلي : قلت فأخبرني يا مولاي عن العلّة التي تمنع القوم من اختيار إمام لأنفسهم ؟ قال : مصلح أو مفسد ؟ قلت : مصلح. قال : فهل يجوز ان تقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد ما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد. قلت : بلى. قال : فهي العلّة وأوردها لك ببرهان ينقاد له عقلك ؛ أخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم الله تعالى وأنزل عليهم الكتاب وأيّدهم بالوحي والعصمة إذ هم أعلام الاُمم وأهدى إلى الاختيار منهم مثل موسى وعيسى ، هل يجوز مع وفور عقلها وكمال علمهما إذا هما بالاختيار ان يقع خيرتهما على المنافق وهما يظنّان انّه مؤمن ؟ قلت : لا. فقال : هذا موسى كليم الله مع وفود عقله وكمال علمه ونزول الوحي إليه اختار من أعيان قومه ووجوه عسكره لميقات ربّه سبعين رجلاً ممّن لا يشكّ في إيمانهم وإخلاصهم فوقعت خيرته على المنافقين ، قال الله تعالى : ( وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا ) [ الأعراف : 155 ] ( لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ ) [ البقرة : 55 ] فلمّا وجدنا اختيار من قد اصطفاه الله للنبوّة واقعاً على الأفسد دون الأصلح ، وهو يظنّ انّه الإصلاح دون الأفسد علمنا انّ لا إختيار إلّا لمن يعلم ما تخفى الصدور وما تكن الضمائر وتتصرّف عليه السرائر ، وان لا خطر لاختيار المهاجرين والأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد ، ولما أرادو أهل الصلاح » . أقول لتوضيح المطلب انّ النبي المعصوم تارة يختار أحداً بأمر الله تعالى فلا محالة يكون الذي اختاره صالحاً وتارة يفوض الله إليه بأن يختار أحداً أو جماعة بنفسه ومع اعمال قوّة عقله وتفكير فقد يقع اختياره على المفسد مع إعتقاد انّه صالح ، ومراد الإمام انّ هذا القسم الثاني تحقّق بالنسبة للنبي موسى عليه السلام.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: السؤال : من هي الفرقة الناجية ؟ الجواب ؟ أوّلاً : لابدّ من ذكر الحديث الشريف المشتمل على هذه الكلمة وهو قول النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم المروي بطرق كثيرة معتبرة عند أهل السنّة والشيعة كليهما : « انّ اُمّة موسى عليه السلام افترقت بعده على إحدى وسبعين فرقة ، فرقة منها ناجية وسبعون في النار ، وافترقت اُمّة عيسى عليه السلام بعده على اثنتين وسبعين فرقة ، فرقة منها ناجية واحدى وسبعون في النار ، وإنّ اُمّتي ستفترق بعدي على ثلاث وسبعين فرقة ، فرقة منها ناجية واثنتان وسبعون في النار » . [ راجع كتاب التاج الجامع للاُصول ج 1 / 46 ] ثانياً : من هي الفرقة الناجية ؟ امّا من طرقنا فقد ورد في بعض هذه الروايات الدالّة على افتراق الاُمّة انّ عليّاً عليه السلام سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : يا رسول الله وما الناجية ؟ فقال : المتمسّك بما أنت عليه وأصحابك. وفي كتاب الغارات عن علي عليه السلام قال : « اختلفت النصارى على كذا وكذا واختلفت اليهود على كذا وكذا ولا أراكم أيّتها الاُمّة إلّا ستختلفون كما اختلفوا وتزيدون عليهم فرقة ، إلّا وانّ الفرق كلّها ضالّة إلّا انا ومن تبعني » . وقد ورد في روايات العامّة ـ أهل السنّة ـ تفسير الفرقة الناجية بالعترة الطاهرة من ذريّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأتباعهم والروايات في ذلك كثيرة على طوائف مختلفة : منها : حديث الثقلين المشهور والمعروف بين الفريقين حيث أمر فيه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم بالتمسّك بالقرآن والعترة الطاهرة لأجل تحصيل الهداية وذكر أنّهما لن يفترقا إلى يوم القيامة. قال صلى الله عليه وآله وسلم : « إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما ان تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً وانّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض » . ومنها : حديث السفينة المروي من طرق الشيعة والسنّة. قال صلّى الله عليه وآله وسلّم : « مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا من تركها غرق وهوى » . ومنها : قول النبي صلّى الله عليه وآله وسلم في موارد كثيرة مشيراً إلى علي بن أبي طالب عليه السلام : « هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة » . ومن هذه الموارد ما رواه السيوطي في تفسير الدر المنثور في ذيل تفسير قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) من سورة البينة قال : واخرج ابن عساكر عن جابر بن عبدالله الأنصاري قال : كنّا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاقبل علي عليه السلام فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم : « والذي نفسي بيده انّ هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة » . ونزلت ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أقبل علي عليه السلام قالوا : جاء خير البريّة ؟! وقال : واخرج ابن عدي عن ابن عبّاس قال : لما نزلت ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم لعلي عليه السلام : « هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين » . وفي الصواعق المحرقة لابن حجر المتعصّب : الآية الحادية عشرة قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) قال : اخرج الحافظ جمال الدين الزرندي عن ابن عبّاس انّ هذه الآية لما نزلت قال صلّى الله عليه وآله وسلّم لعلي عليه السلام : « هو أنت وشيعتك ، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين ويأتي عدوّك غضاباً مقمحين ... » . ومنها : قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « علي مع الحقّ والحقّ مع علي » . وقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « علي مع القرآن والقرآن مع علي » . وقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « علي منّي وأنا من علي » . وأمثال هذه التعابير التي تدلّ على ان من اتّبع علياً عليه السلام كان مع الحقّ والقرآن. ومنها : ما ورد في تفسير قوله تعالى : ( فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ). ففي تفسير الطبري ج 17 ص 5 روى بسنده عن جابر الجعفي قال : لما نزلت ( فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) قال علي : نحن أهل الذكر . هذا من طرق أهل السنّة امّا من طرق الشيعة فالروايات في ذلك كثيرة جدّاً. ومنها : ما ورد في تفسير قوله تعالى ( اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ) في سورة التوبة. قال السيوطي في الدر المنثور في ذيل تفسير الآية الشريفة من سورة التوبة : واخرج ابن مردويه عن ابن عبّاس في قوله ( اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ) قال مع علي بن أبي طالب عليه السلام. وقال أيضاً : واخرج ابن عساكر عن أبي جعفر ـ الامام باقر عليه السلام ـ في قوله ( وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ) قال : مع علي بن أبي طالب عليه السلام. ومنها : ما دلّ على انّ عليّاً باب مدينة علم النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم. قال صلّى الله عليه وآله وسلّم : « أنا مدينة العلم وعليّ بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب » . والروايات من طرق الشيعة والسنّة كثيرة بل متواترة إجمالاً فالفرقة الناجية هم أتباع علي عليه السلام وشيعته ، لأنّهم دخلوا مدينة علم النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من بابها ، إلى غير ذلك من الروايات.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: نفس الدليل العقلي الذي يثبت النبوّة والرسالة للأنبياء والرسل يثبت لزوم وجود الإمام والحجّة على الخلق حينما لا يكون بينهم نبي أو رسول. وإليك بعض الروايات : محمد بن إسماعيل ؛ عن الفضل بن شاذان ، عن صفوان بن يحيى ؛ عن منصور ابن حازم قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : إن الله أجل وأكرم من أن يعرف بخلقه ، بل الخلق يعرفون بالله ؛ قال : صدقت ، قلت : إن من عرف أن له ربا ، فينبغي له أن يعرف أن لذلك الرب رضا وسخطا وأنه لا يعرف رضاه وسخطه إلا بوحي أو رسول ، فمن لم يأته الوحي فقد ينبغي له أن يطلب الرسل فإذا لقيهم عرف أنهم الحجة وأن لهم الطاعة المفترضة وقلت للناس : تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان هو الحجة من الله على خلقه ؟ قالوا : بلى قلت فحين مضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كان الحجة على خلقه ؟ فقالوا : القرآن فنظرت في القرآن فإذا هو يخاصم به المرجي والقدري والزنديق الذي لا يؤمن به حتى يغلب الرجال بخصومته فعرفت أن القرآن لا يكون حجة إلا بقيم ، فما قال فيه من شيء كان حقا ، فقلت لهم : من قيم القرآن فقالوا ابن مسعود قد كان يعلم وعمر يعلم وحذيفة يعلم ، قلت : كله ؟ قالوا : لا ، فلم أجد أحدا يقال : إنه يعرف ذلك كله إلا عليا عليه السلام وإذا كان الشيء بين القوم فقال هذا : لا أدري وقال هذا : لا أدري وقال هذا : لا ادرى وقال هذا : أنا أدري ، فأشهد أن عليا عليه السلام كان قيم القرآن وكانت طاعته مفترضة وكان الحجة على الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأن ما قال في القرآن فهو حق ، فقال : رحمك الله . (1) علي بن إبراهيم ؛ عن أبيه ؛ عن الحسن بن إبراهيم ، عن يونس بن يعقوب قال : كان عند أبي عبد الله عليه السلام جماعة من أصحابه منهم حمران بن أعين ومحمد بن النعمان وهشام ابن سالم والطيار وجماعة فيهم هشام بن الحكم وهو شاب فقال أبو عبد الله عليه السلام : يا هشام ! ألا تخبرني كيف صنعت بعمرو بن عبيد ؟ وكيف سألته ؟ فقال هشام : يا ابن رسول الله إني اجلك وأستحييك ولا يعمل لساني بين يديك ، فقال أبو عبد الله إذا أمرتكم بشيء فافعلوا قال هشام : بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد وجلوسه في مسجد البصرة فعظم ذلك علي فخرجت إليه ودخلت البصرة يوم الجمعة فأتيت مسجد البصرة فإذا أنا بحلقة كبيرة فيها عمرو بن عبيد وعليه شملة سودآء متزرا بها من صوف ، وشملة مرتديا بها والناس يسألونه ، فاستفرجت الناس فأفرجوا لي ؛ ثم قعدت في آخر القوم على ركبتي ، ثم قلت : أيها العالم ! إني رجل غريب تأذن لي في مسألة ! فقال لي : نعم ؛ فقلت له ألك عين ؟ فقال : يا بني أي شيء هذا من السؤال ؟ وشيء تراه كيف تسأل عنه ؟ فقلت هكذا مسألتي ، فقال يا بني سل وان كانت مسألتك حمقاء قلت : أجبني فيها ؛ قال لي : سل ، قلت : الك عين ! قال : نعم ، قلت : فما تصنع بها ؟ قال : أرى بها الألوان والاشخاص قلت : فلك انف ؟ قال : نعم ، قلت : فما تصنع به ؟ قال : أشم به الرائحة ، قلت : ألك فم ؟ قال : نعم ، قلت : فما تصنع به ؟ قال : أذوق به الطعم ، قلت : فلك اذن ! قال : نعم ، قلت : فما تصنع بها ؟ قال : أسمع بها الصوت ؛ قلت ؛ ألك قلب ، قال : نعم ؛ قلت : فما تصنع به ؟ قال : أميز به كلما ورد على هذه الجوارح والحواس ، قلت : أوليس في هذه الجوارح غنى عن القلب ؟ فقال : لا ؛ قلت : وكيف ذلك وهي صحيحة سليمة ؟ قال : يا بني إن الجوارح إذا شكت في شيء شمته أو رأته أو ذاقته أو سمعته ردته إلى القلب فيستيقن اليقين ويبطل الشك ؛ قال هشام : فقلت له : فإنما أقام الله القلب لشك الجوارح ؟ قال : نعم ؛ قلت . لابد من القلب وإلا لم تستيقن الجوارح ؟ قال : نعم فقلت له : يا أبا مروان فالله تبارك وتعالى لم يترك جوارحك حتى جعل لها إماما يصحح لها الصحيح ويتيقن به ما شك فيه ويترك هذا الخلق كلهم في حيرتهم وشكهم واختلافهم ؛ لا يقيم لهم إماما يردون إليه شكهم وحيرتهم ويقيم لك إماما لجوارحك ترد إليه حيرتك وشكك ؟ ! قال : فسكت ولم يقل لي شيئا ، ثم التفت إلي فقال لي : أنت هشام بن الحكم فقلت : لا ، قال : أمن جلسائه ؟ قلت : لا ، قال : فمن أين أنت قال قلت : من أهل الكوفة قال : فأنت إذا هو ، ثم ضمني إليه وأقعدني في مجلسه وزال عن مجلسه وما نطق حتى قمت ، قال : فضحك أبو عبد الله عليه السلام وقال : يا هشام . من علمك هذا ؟ قلت : شيء أخذته منك وألفته ، فقال : هذا والله مكتوب في صحف إبراهيم وموسى . (2) ويدلّ على لزوم الحجّة على الناس بعد النبي قول الله تعالى : ( وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (3) ، وليست هذه الإمامة هي النبوّة والرسالة ، لأنّ الله تعالى أعطى إبراهيم الإمامة بعد ابتلائه وامتحانه ، وقد كان نبيّاً ورسولاً قبل ذلك. علي بن محمد ، عن سهل بن زياد ، عن محمد بن الحسين ، عن إسحاق بن عبد العزيز أبي السفاتج ، عن جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام قال سمعته يقول : إن الله اتخذ إبراهيم عليه السلام عبدا قبل أن يتخذه نبيا واتخذه نبيا قبل أن يتخذه رسولا واتخذه رسولا قبل أن يتخذه خليلا واتخذه خليلا قبل أن يتخذه إماما فلما جمع له هذه الأشياء - وقبض يده - قال له : يا إبراهيم إني جاعلك للناس إماما ، فمن عظمها في عين إبراهيم قال : يا رب ومن ذريتي ، قال : لا ينال عهدي الظالمين . (4) وممّا يدلّ على لزوم وجود إمام في كلّ عصر وزمان قول النبي صلّى الله عليه وآله المشهور بين الفريقين السنّة والشيعة : « من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة » . (5) وليس المراد القرآن الكريم لأنّه امام جميع الأزمنة لا إمام زمان خاصّ ، وليس المراد الخلفاء والحكّام لأنّ عدم معرفتهم لا يستلزم ميتة الجاهليّة بل لابدّ أن يكون هناك إمام معصوم وحجّة من الله على الخلق ليكون الجهل به وعدم معرفته موجباً لميتة الجاهليّة. ويدلّ أيضاً قوله المعروف المشهور بين الفريقين : « إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ما ان تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً وانّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض » . (6) الهوامش 1. الأصول من الكافي « للكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 128 ـ 129 / الناشر : المكتبة الإسلاميّة ـ طهران. 2. الأصول من الكافي « للكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 129 ـ 130 / الناشر : المكتبة الإسلاميّة ـ طهران. 3. البقرة : 124. 4. الأصول من الكافي « للكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 134 / الناشر : المكتبة الإسلاميّة ـ طهران. 5. الحدائق الناضرة « للبحراني » / المجلّد : 5 / الصفحة : 176 / الناشر : دار الكتب الإسلامية ـ نجف. راجع : الأصول من الكافي « للكليني » / المجلّد : 2 / الصفحة : 20 / الناشر : المكتبة الإسلامية ـ طهران. 6. مسند أحمد بن حنبل / المجلّد : 5 / الصفحة : 189. راجع : سنن الترمذي / المجلّد : 5 / الصفحة : 662 / الناشر : دار احياء التراث العربي ـ بيروت. راجع : الجامع للشرايع « للحلي » / تقديم صفحة ج / الناشر : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ـ قم. راجع : الوافي / المجلّد : 4 / الصفحة : 201 / الناشر : مكتبة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ـ اصفهان.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: الشيخيّة فرقة من الشيعة الإثنى عشريّة ويعتقدون بالأئمّة الإثني عشر ، ولكن حصل عندهم بعض الإنحرافات العقائديّة لكنّهم لا يقرّون بذلك ويؤولّون كلام مشايخهم ويدعون أنّهم كانوا مستقيمين في العقيدة. والأصل في الشيخيّة هو الشيخ أحمد الأحسائي وإليه تنسب الشيخيّة ، وقد اشتهر عنه أنّه أنكر المعاد الجسماني ـ بهذا الجسم العنصري ـ ، وادّعى انّ المعاد يكون بالجسم المثالي ـ الهورقليائي ـ ، ويكون الحشر في القيامة نظير عالم البرزخ حيث يحلّ الروح في بدن مثالي على صورة هذا البدن العنصري ويكون مورد العذاب أو النعيم بالجسم المثالي لا بالجسم العنصري. والشيخيّة يرون أصول الدين منحصرة في أربعة : التوحيد والنبوّة والإمامة والركن الرابع وهو معرفة الشيعة الكامل الذي يكون واسطة بين الشيعة والإمام الغائب حيث يأخذ الأحكام بلا واسطة من الإمام ويؤدّيها إلى غيره ، وبما انّ هذه العقيدة فاسدة لذا اجتهد مشايخ الشيخيّة في إخفائها وادّعوا انّ المراد من الركن الرابع هو التولّى والتبرّي. ويقال انّ اصل الإعتقاد بالركن الرابع صدر من محمّد كريم خان الكرماني الذي هو من تلامذة السيّد كاظم الرشتي وهو من تلامذة الشيخ أحمد الأحسائي ، ولذا لم يقبل هذا الأصل ـ شيخيّة آذربايجان الّذين هم أتباع الميرزا شفيع ثقة الإسلام التبريزي ـ ، وكذلك لم يقبله الاحقاقيّة على الظاهر. وأمّا انّهم يدعون انّ عقائدهم هي الأبلغ والأصحّ ، فهذا مجرّد دعوى يدّعيه أهل كلّ مذهب ومسلك ، وقد يقال قديماً : وكلّ يدعى وصلاً بليلى * وليلى لا تقرّ له بذاكا وأمّا الكرمانيّة فليسوا سادة لا موسويّة ولا غيرها بل هم أتباع الحاج محمّد كريم خان ، ولذا يقال لهم الكريم خانيّة. وكان والده ظهير الدولة والي خراسان وكرمان من أتباع الشيخ أحمد الأحسائي ، ثمّ صار ولده كريم خان رئيس الفرقة الشيخيّة الكرمانيّة. وقد ألّف مؤلّفات ورسائل عديدة ثمّ صار ولده الحاج زين العابدين رئيساً للفرقة ومن بعده أبوالقاسم خان ومن بعده عبدالرضا خان ، وليس أحداً منهم هاشميّاً ومن السادة.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: نعم مطابعنا تطبع كتب علماء أهل السنّة ، ولكن لأجل إلزام أعداء أهل البيت عليهم السلام بما ذكره علماؤهم في كتبهم ، ولأجل التحفّظ على ما فيها من الأحاديث الواردة في فضل أهل البيت عليهم السلام أو في الولاية والإمامة ، لأنّ أهل السنّة يطبعون هذه الكتب مع التحريف والغيير والإسقاط والحذف ، فيسقطون منها ما لا يروقهم مع وجودها في النسخ الخطيّة القديمة. وأمّا القندوزي فهو من علماء أهل السنّة وقد صرّح في كتابه ينابيع المودّة بمذهبه ، لكنّهم نسبوه إلى الرفض والتشيّع لحبّه وموالاته لأهل البيت عليهم السلام ولأجل كتابه القيم « ينابيع المودّة ». وقد طبع في مطابع أهل السنّة منها الطبعة الحجريّة في اسطانبول سنة 1301 في 527 صفحة ، ثمّ في بمبئي الهند وقد كانت اسطانبول عاصمة الخلفاء العثمانيين ؟! وقد احتجّ العلماء الكبار المحقّقون والمعاصرون للقندوزي بكتابه « ينابيع المودّة » على أهل السنّة ولو كان من الشيعة لما صحّ لهم الإحتجاج به عليهم ، وقد حاول القندوزي في كتابه هذا إثبات أنّ أهل السنّة يحبّون أهل البيت عليهم السلام وليس كلّهم من النواصب ، وكان غرضه من تأليف هذا الكتاب إثبات ذلك. وعلى فرض أنّه شيعي ، فإن مصادره كلّها من كتب أهل السنّة ، فعليك بمراجعة المصادر وخذ بعين الإعتبار قول الحكماء : « اُنظر إلى ما قال ولا تنظر إلى من قال ». ومن العجيب ان ينسب سبط ابن الجوزي إلى التشيّع مع أنّ له كتباً ينادي أسماؤها بأعلى صوتها انّه من السنّة ، وقد كان حنبليّاً ثمّ صار حنفيّاً ، فراجع الأعلام للزركلي. ومن كتبه « مناقب أبي حنيفة » و « شرح الجامع الكبير في الحديث » و « ايثار الانصاف في آثار الخلاف » وفي الفقه على المذاهب الأربعة فلو كان تأليفه منحصراً في « تذكرة خواص الاُمّة » ، لكان القول بتشيّعه ممكناً وان كان خلاف الواقع ، لكن التعصّب الأعمى أو الجهل فضح هذا القائل وظهر أنّه ناصبي وهّابي يرمي كلّ مؤلّف من علماء أهل السنّة إلى الرفض والتشيّع إذا ذكر في كتبه فضائل أهل البيت عليهم السلام أو عقائد الشيعة ، ولذا تراه يمدح ابن تيميّة ومحمّد به عبد الوهّاب والآلوسي وغيرهم من أعداء أهل البيت عليهم السلام ومنكري فضائلهم ومناقبهم ويسير على نهج هؤلاء المنحرفين. ولعلّ إمام الشافعيّة أيضاً رافضي خبيث عند هؤلاء حيث يقول : إذا كان رفضاً حبّ آل محمّد * فليشهد الثقلان أنّي رافضي ثمّ ماذا يصنع بابن حجر المتعصّب العنيد الذي ذكر في كتابه « الصواعق المحرقة » فضائل أهل البيت وذكر أسماء أئمّة أهل البيت وذكر ولادة الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف وأنّه ابن الإمام الحسن العسكري عليه السلام ؛ فهل هو رافضي إثنى عشري وقد كتب هذا الكتاب في ردّ الشيعة والتحامل والإفتراء عليهم ؟!! قال ابن حجر في الصواعق بعد ذكر بعض حالات الإمام أبي محمّد الحسن العسكري عليه السلام : « ولم يخلف غير ولده أبي القاسم محمّد الحجّة وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين ، لكن آتاه الله فيها الحكمة ويسمّى القاسم المنتظر » [ الصواعق المحرقة ، ص 208 ، الباب الحادي عشر ، الفصل الثالث ]. والظاهر انّ كلمة القاسم في عبارة الصواعق سهو من الناسخ ، وأصلها القائم. والدليل على ذلك انّه ذكر في كنيته أبو القاسم فلا وجه لتسميته بالقاسم.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: وأمّا الإعتراض الأوّل : فجوابه انّ النبي صلّى الله عليه وآله لم يكن له حيلة ذلك الظرف العصيب وفي ذلك الليل البهيم إلّا أن يأخذ معه أبا بكر ؛ لأنّه لو بقي كان المشركون يرونه ويسألونه عن النبي صلّى الله عليه وآله ، وبما أنّه على رأيكم كان صدّيقاً لا يكذب لكان يفشي سرّ النبي صلّى الله عليه وآله ، مع قطع النظر عمّا يقال من انّه كان ينمّ على النبي صلّى الله عليه وآله باختياره. وأمّا الإعتراض الثاني : فنقول ان تهيئه الأسباب لسفر النبي صلّى الله عليه وآله لا دليل عليه ، وكلّما يقال في هذا المجال دعوى يدّعيها أتباع أبي بكر ومؤيّديه ، ومن الطبيعي ان يذكروا له فضائل وأعمال من هذا القبيل. والعجيب أنّكم حينما نقول : النبي صلّى الله عليه وآله صادف أبا بكر في الطريق وأخذه معه خشية ان يعرف القوم بهجرية ، تقولون : لم يثبت ذلك وليس فيه اثارة من علم مع انّ الشيعة لهم روايات في ذلك ، ومعذلك تقولون : بأن أبا بكر هيّأ أسباب هجرة النبي صلّى الله عليه وآله ، فلنا ان نقول : ليس في ذلك اثارة من علم ولم يثبت بدليل معتبر عندنا. وأمّا الإعتراض الثالث : فلم نفهم المراد منه ، والظاهر انّ المعترض لم يفهم مقصوده ؛ فان الخطاب انّما هو لجماعة خاصّة وإذا كان عقاب فهو متوجّه إليهم لا إلى جميع من في الأرض ، ثمّ الآية تدلّ على انّ الله نصر النبي صلّى الله عليه وآله وليس فيه أيّ فضيلة لأبي بكر ، بل أفراد الضمير يدلّ على انّ الله تعالى لم يعتن بوجود أبي بكر معه ولم ينصره كما نصر نبيّه ، بل لم ينصر أبو بكر النبي صلّى الله عليه وآله ، والّا كان يقول فقد نصره الله وأبو بكر. وأمّا الإعتراض الرابع : فغاية ما يدلّ عليه انّ أبا بكر لم يكن كافراً ، وهذا أمر واضح لأنّ الإقرار بالشهادتين يخرج الإنسان عن حدّ الكفر لكن لا ينافي مع كونه منافقاً أو ضعيف الإيمان. وأمّا الإعتراض الخامس : فقد ثبت في علم أصول الفقه انّ النهي ظاهرٌ في المولويّة والتحريم أو على الأقلّ الكراهة والوضع اللغوي بل العرفي يقتضي ذلك ، وأمّا الحمل على التسلية ونحو ذلك ، فهو خلاف الظاهر يحتاج إلى قرينة قطعيّة لأكل ما يصلح للقرينيّة أو يدّعي قرينيّته ، وإلّا لكان كلّ شيء قرينة على خلاف الظاهر ؛ فلا يمكن فهم معاني الألفاظ ولا يحصل التفهيم والتفاهم ، والحزن لا يكون ممدوحاً ، بل ورد النهي عنه « ولا تهنوا ولا تحزنوا ». ثمّ لو كان الحزن أمراً غير إختياري وطبيعيّاً ، فلماذا لم يحزن النبي صلّى الله عليه وآله فانّه أيضاً بشر يعرض عليه أحاسيس البشر ؟ فإن قلت : إيمان النبي صلّى الله عليه وآله بالله تعالى كان مانعاً من عروض الخوف أو الحزن عليه ، قلنا : فالآية تدلّ على ضعف إيمان أبي بكر فأيّ فضيلة له مع ضعف يقينه وإيمانه ؟ وأمّا الإعتراض السادس : فقد ظهر جوابه ؛ فالله تعالى مع كلّ شيء فقد يكون معيّته بالنسبة لشخصين متصاحبين مختلفة ؛ فإذا اجتمع مؤمن مع كافر فالله معهما لكن معيّته مع المؤمن معيّة نصرة ومحبّة ، ومعيّته مع الكافر معيّة بغض واضلال. مضافاً إلى أنّ المراد من قوله ( مَعَنَا ) انّ الله تعالى يحفظنا ، ومن المعلوم انّ حفظ النبي صلّى الله عليه وآله كان يستلزم حفظ من معه وما معه حتّى حماره ومركوبه ؛ فشأن أبي بكر شأن مركوب النبي صلّى الله عليه وآله في هذه المعيّة. وأمّا الإعتراض السابع : فجوابه من الآيات التي ذكرناها سابقاً انّ الله مع كلّ شيء و ( أَنَّ اللَّـهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) و ( إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) ، فليس أبو بكر الوحيد من بني آدم الذي ذكر بمعيّة الله عزّ وجلّ. وأمّا الإعتراض الثامن : فجوابه واضح ؛ إذ أراد النبي صلّى الله عليه وآله منع أبي بكر من الخوف والحزن ، فلا محالة ذكره « بان الله تعالى معهما » بمعنى انّه محيط بهما وعالم بهما ، وبما ان الله شاء ان يحفظ النبي صلّى الله عليه وآله ، فلا محالة يحفظه ومن معه ، فهذا الكلام بمنزلة العلّة لنهي النبي صلّى الله عليه وآله أبا بكر عن الخوف والحزن ، فلا معنى لأن يقول النبي صلّى الله عليه وآله انّ الله معي ، إذ حينئذ يشتدّ خوف أبي بكر وحزنه ، ولعلّه يعلو صراخه وبكاؤه. وأمّا الإعتراض التاسع : اختلاف المفسّرين دليل على انّ الضمير لا يرجع إلى أبي بكر وإلّا لا معنى للإختلاف ثمّ لا يناسب رجوع الضمير في سكينته إلى أبي بكر مع قوله بعد ذلك : ( وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا ) ؛ فالضمير في هذه الجملة يرجع إلى النبي خاصّة دون أبي بكر ، فكيف يرجع نفس هذا الضمير في الآية السابقة إلى أبي بكر ، ثمّ إنزال السكينة لا يدلّ على وجود الحزن أو الخوف ، فانّ النبي صلّى الله عليه وآله كان لا يحزن ولا يخاف ، ومعذلك صرحت الآيات بنزول السكينة عليه ، قال تعالى : ( فَأَنزَلَ اللَّـهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) .
الجواب من السيد جعفر مرتضى العاملي: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين .. وبعد .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. ألف : بالنسبة لكيفيّة استفادة الناس منه عليه السلام في غيبته نقول : أوّلاً : لنفترض أنّ حزباً سياسيّاً يعيش في دولة قويّة ونظام متسلّط وجبّار ، وقد اضطهد هذا النظام الجبّار زعامة ذلك الحزب ، وألجأها إلى التخفي والإستتار ، فهل يمنعها ذلك من إيجاد وسائل تضمن لها مصلحة الجماعة التي هي تحت قيادتها ورعايتها ؟! أم أنّها سوف تبتكر الأساليب المختلفة ، التي تحقّق أهدافها ، وتصرف نظر الحاكم عنها ، وتخفيها عن نظره ، مهما بالغ في ملاحقتها ، وجهد لكشف أحوالها ؟! وهذا الخضر ـ وهو نبي ـ لا يزال غائباً عن الأنظار ، طيلة مئات ، بل آلاف السنين ، ويقوم بالمهمّات التي أوكلها الله تعالى إليه ، ولم يستطع أحد كشف أمره ، أو الإطلاع على سرّه ، والأمر في الإتّصال بمن أراد ، يرجع إليه عليه السلام ، وهو الذي يملك القرار والإختيار في ذلك ، وهو الذي يحدّد الوقت والكيفيّة ، والمكان وغير ذلك .. ولو لم يكن لوجوده فائدة ، فلماذا يبقيه الله تعالى حيّاً هذه الأزمنة المتمادية ؟! ثانياً : قد ذكرنا في الإجابة السابقة بعض فوائد وجود الإمام عليه السلام. على أنّ الأمر لا ينحصر باستفادة البشر منه ، فإنّه إذا كان الناس مسؤولين حتّى عن البقاع والبهائم ، فإن الإمام أولى بأن يكون مسؤولاً عن ذلك وسواه أيضاً. ثالثاً : ورد في الروايات : أنّ النبي صلّى الله عليه وآله ذكر المهدي عليه السلام ، فقال : ذلك الذي يفتح الله عزّ وجلّ على يديه مشارق الأرض ومغاربها ، يغيب عن أوليائه غيبة لا يثبت فيها إلّا من امتحن الله قلبه للإيمان. قال جابر : فقلت : يا رسول الله ، هل لشيعته انتفاع به في غيبته ؟! فقال صلّى الله عليه وآله : إي والذي بعثني بالحقّ نبيّاً ، إنّهم ليستضيؤون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته ، كانتفاع الناس بالشمس وإن علاها السحاب (1). رابعاً : بالنسبة لكيفيّة استفادة الناس منه في غيبته ، نقول : إنّه هو الذي يحدّد هذه الكيفيّة لتكون بحيث تحفظ سرّه ووجوده ، وتناسب حال من يريد عليه السلام أن يتعاطى ويتعامل معه .. أو الحالة التي يريد أن يعالجها .. ب : أمّا بالنسبة لقول الإمام الصادق عليه السلام : « أفضل الأعمال انتظار الفرج » ، فنقول : إن هذه الروايات في تعابيرها وفي خصوصيّات كلماتها المختارة قد جاءت بالغة الدقّة ، ظاهرة الغنى ، شديدة الإيحاء ، ويمكن أن نستخلص منها الكثير ممّا ينفعنا في صيانة ديننا وإصلاح دنيانا .. ونحن نقتصر منها ههنا على ما يلي : 1 ـ إن الخطاب في هذا الحديث الشريف موجّه إلى أولئك الذين يهتمّون بمعرفة الأعمال الفاضلة والتميز فيما بينها ، ليختاروا أتمّها فضلاً ، وأكثرها أجراً .. 2 ـ إن الإمام عليه السلام قد اعتبر انتظار الفرج عملاً حقيقيّاً ، له مزيّته بين سائر الأعمال ، وله ترجيح وفضل عليها .. وليس مجرّد فراغ وسكوت وسكون ، وعطلة غير محدودة بزمان. 3 ـ إنّه عليه السلام لا يريد صرف الناس عن نصرة ومساعدة أئمّتهم في إقامة أحكام الله سبحانه ، وإصلاح الأمور ، ولا إبعادهم عن العمل تحت قيادتهم في مختلف الإتّجاهات ، ولا هو يسعى إلى شل حركتهم وتفكيرهم عن التصدّي للمشاركة في صنع الحاضر ، والتأثير الإيجابي في المستقبل. كما أنّه لا يريد أن يجعلهم يعتمدون على الغيب ، ويتكلون على الصدف ، ويفهمون الأمور على أنّها تسير بمنطق الجبريّة التكوينيّة ، لينتهي الأمر بإعفائهم من المسؤوليّة عن هذا الطريق. 4 ـ إن الحديث الشريف قد دلّ أيضاً على وجود ضيق وشدّة يراد الخلاص منه ، ومنها ، وبذلك يكون الفرج .. 5 ـ إن هذه الشدّة وذلك الضيق ليسا من فعل الله سبحانه .. بل هما من فعل الناس .. فهم المطالبون إذن برفع ذلك وإزالته .. وليس لهم أن ينتظروا التدخل الإلهي ، في هذا السبيل. فعلى الناس الذين أفسدوا ، أن يصلحوا ما أفسدوه ، وعلى الذين أسهم سكوتهم في تسهيل الأمر على المفسدين أن يتحملوا مسؤوليّتهم في إعادة الأمور إلى نصابها. ولا أقلّ من أن يعملوا على إضعاف شوكة أهل الباطل بحسن تدبيرهم ، ودقّة حركتهم في هذا الإتّجاه .. 6 ـ ثم لا حاجة إلى التذكير بأن الخطاب في أمثال هذا الحديث الشريف ، إنّما هو موجّه إلى من يدرك وجود شدائد وأزمات ، وعراقيل وعقبات ، وضيق شديد ، وبلاء ومعاناة. وإلى من يعرف : أنّه لا بدّ من السعي للخروج من ذلك كلّه إلى برّ الأمان ، حيث السلام والسكينة ، لتكون مصائر العباد والبلاد بأيد قويّة وصادقة وأمينة. 7 ـ إنّه حين يطلب من هذا الإنسان الواعي لحقيقة الأمر ، والذي يعيش روح المسؤوليّة ، ويحمل همّها ـ أن ينتظر الفرج والحلّ. فإنّه سيدرك أن هذا التوجيه إنّما يهدف إلى ضبط حركته ، واستيعاب اندفاعه ليكون في الخطّ الصحيح ، والبنَّاء والمنتج. 8 ـ إن الإنسان المؤمن والواعي ، والعارف بما يريده الله منه ، يدرك تماماً مسؤوليّته تجاه ربّه ، وتجاه نفسه ، وتجاه امامه ، وتجاه الأمّة بأسرها .. ولا بدّ أن يكون قد راجع النصوص الشرعيّة ، واطلع على التوجيهات الإلهيّة ، التي حملها إليه القرآن ، وأبلغه إيّاها النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله والأئمّة الطاهرون المعصومون صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فإذا أدرك وجود ضيق وشدّة على نفسه ، أو على إمامه ، أو على إخوانه ، أو أمّته ، فإنّه سيجد نفسه أمام مسؤوليّة شرعيّة وعقليّة ووجدانيّة ، تدعوه إلى القيام بما فرضه الله عليه من تكاليف في جميع الحقول .. ولا بدّ أن يكون على درجة من الوعي بحيث يدرك أن أيّ حرج يتعرض له إمامه ، ويمنعه من ممارسة قيادته للامة بصورة فعليّة وفاعلة ، لا بدّ أن ينعكس آلاماً ، ومصائب ، وبلايا ونوائب على الأمّة بأسرها ، أفراداً وجماعات ، بل على كلّ مظاهر الحياة والخير فيها .. وبديهي أن من يرى بيته يحترق ، ويشاهد النار قد علقت بثيابه ، فليس له أن يقف موقف المتفرّج غير المكترث ، بل لا بدّ له من المبادرة إلى إخماد تلك النار ، وتلافي وقوع ذلك الحريق ، بكلّ ما يملك من قدرات ، وبجميع ما يقع تحت يده من وسائل وطاقات. 9 ـ والذي يثير الإنتباه هنا أيضاً : أن هذا التوجيه لم يحدّد ذلك الذي يكون الفرج له ، وذلك لكي يكون توجيهاً شاملاً ، ويكون التعاطي معه برؤية مستوعبة ، وواعية ، تلاحق كلّ الحالات ، وتتحرّك في جميع الإتّجاهات .. وما ذلك إلّا لأن أيّ اندفاع غير مسؤول ، لم تراع فيه الدقّة ، ولم تحكمه الموازين الإيمانيّة ، والشرعيّة ، والإعتقاديّة والتدبيريّة ، وغيرها .. فإنّه لا يؤمَنُ في مثله الوقوع في انحرافات عقائديّة خطيرة ، فضلاً عن أنّه قد يلحق بالكيان كلّه أضراراً بالغة وخطيرة ربّما يصعب تلافيها .. الأمر الذي يحتم مراجعة الحسابات بدقّة ، وبوعي ومسؤوليّة ، والتزام .. ولأجل ذلك نقول : إن هذا التوجيه قد يكون ناظراً إلى زمان الحضور والغيبة على حدّ سواء. ففي زمان الحضور أريد منه الحدّ من اندفاع الناس لتأييد من لا يستحق التأييد ، من الذين يرفعون رايات ضلالة ، من حيث إنّها تستبطن ادّعاء الإمامة لغير أهلها ، فكان الكثيرون من الناس الطيّبين يتعجلون في اتّخاذ القرارات بتأييدها والانخراط في صفوفها ، انطلاقاً من حماسهم ، لأن يعلو صوت الحقّ ، وتزول دولة الباطل ، وحبّ أن تنكشف الغمة عن الأمّة. فينجرّون وراء أمثال هؤلاء ، وتشتبه عليهم الأمور ، ويقعون في الشك والشبهة ، وفي المحذور الكبير بسبب غفلتهم ، وتسرّعهم ، وحماسهم غير المسؤول .. فجاء هذا التوجيه الحكيم ليعالج حالة هؤلاء الناس ، ويطلب منهم أن يثبتوا على يقينهم .. وأن لا يتعجلوا الأمور ، فإنّها مرهونة بأوقاتها .. ولا ينتهي أثر التوجيه عند هذا الحدّ ، بل تبقى له شموليّة ، وسعة ، وحاكميّة ، ودور في ضبط حركة المؤمنين في زمن الغيبة أيضاً .. فهو من جهة يكون تهدئة وضبطاً لحركة المستعجلين منهم ، وصيانتهم من محذور الوقوع فريسة تزوير الحقائق من قبل طلّاب اللبانات ، أصحاب المطامع ، الذين يطلقون الادّعاءات الباطلة ، ويرفعون رايات الضلال ، داعين الناس إلى بيعتهم وإلى إمامة أنفسهم. ثم يكون من جهة أخرى توجيهاً قويّاً وحاسماً ، باتّجاه الإعداد والاستعداد ، والمساهمة الفعليّة في إزالة الموانع ، وتذليل العقبات التي تعترض سبيل فرج الأمّة بظهوره صلوات الله وسلامه عليه و عجّل الله تعالى فرجه الشريف. 10 ـ ثمّ إن من الواضح : أنّ للفرج بعد الشدّة لذّته ، ومحبوبيّته ومطلوبيّته ، فانتظاره يكون انتظاراً لأمر محبّب ولذيذ ، تهفو إليه النفوس ، وتشتاق إليه وتتمنّاه .. فإذا جعل الإنسان المؤمن نفسه في موقع الطالب والمنتظر له ، فإن انتظاره هذا سيكون معناه : أن يكون دائم الفكر فيه ، والإستحضار له ، والإرتباط به. أضف إلى ذلك : أن هذا الإنتظار سيجعل هذا المنتظر يعدّ الدقائق واللحظات التي تفصله عمّن يحبّ ، وسيشعر بحجمها وبقيمتها ، وبمداها. ثمّ هي ستكون ثقيلة عليه ، ويودّ التخلّص منها ، بأيّة وسيلة ، ليصل إلى من ، أو ما يحبّ ، ويبلغ ما يريد. فإذا رأى أن ثمة تأخيراً في حصول ما يتمنّاه ، فسيبحث عن أسبابه ، ويعمل على إزالتها بكلّ ما يستطيع .. أمّا النائم الغافل ، الذي يعيش حياة الإسترخاء ، والفراغ ، وعدم الشعور بالمسؤوليّة ، فلا يمكن أن يكون من المنتظرين .. 11 ـ ويبقى علينا أن نعرف السبب في أنّ الإنتظار كان هو أفضل الأعمال ، وليس هو الصلاة مثلاً ، مع أن الصلاة عمود الدين .. ولعلّ بإمكاننا الإشارة في هذا السياق الى نقطتين : إحداهما : أنّه قد اتّضح ممّا ذكرناه : أنّ حفظ الإمام ، وتمكينه من القيام بمهمّاته ، هو حفظ للأمّة ، وللدين ، كلّ الدين ، ولكلّ مظاهر الحياة والقوّة ، وهو يهيّء الأجواء لكلّ كائنٍ لكي يتنامى ويتكامل ، ويسير نحو الأهداف السامية التي رسمها الله سبحانه وتعالى له. الثانية : أن هذا الإرتباط الذي يحقّقه عيش الناس لواقع الإنتظار ، هو التجسيد الواقعي والفعلي لأمر الولاية والإمامة. وكلّنا يعلم : أنّ ولاية الأئمّة شرط أساسي لقبول جميع الأعمال ، وهي بالنسبة لها بمثابة الروح ، حين تنفخ في الجسد ، حيث إنّ هذه الروح هي التي تعطي العين القدرة على الرؤية ، وتعطي الأذن السمع ، وتجعل اللسان يتكلّم ، واليد تتحرّك ، وما إلى ذلك .. فإن عيش الإنسان هذا الإرتباط الفعلي ، والواعي ، من شأنه أن يزيد في نشاط هذه الروح ، وسيعطيها المزيد من القوّة والحيويّة والحياة .. والحمد لله ربّ العالمين ، وصلاته وسلامه على عباده الذين اصطفى ، محمّد وآله الطاهرين .. الهوامش 1. راجع : كتاب الأربعين للماحوزي ص 224 وميزان الحكمة ج 1 ص 184 وكمال الدين وتمام النعمة ص 253 وبحار الأنوار ج 52 ص 92 ح 8 عنه ، وكفاية الأثر ص 54 وتفسير كنز الدقائق ج 2 ص 493 و 506 وإعلام الورى ج 2 ص 182 وقصص الأنبياء للراوندي ص 359 وكشف الغمة ج 3 ص 315 وينابيع المودة ج 3 ص 238 و 239. المصدر : موقع سماحة السيّد جعفر مرتضى العاملي
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: المنتظر الحقيقي هو من يمهّد ظروفه وظروف مجتمعه لظهور الإمام الحجّة عجّل الله تعالى فرجه الشريف ، وذلك بإتيان الواجبات الإلهيّة وترك المحرّمات ومراعاة التقوى والتخلّق بالأخلاق الحسنة ليكون مستعدّاً لنصرة الإمام عليه السلام وتلبية ندائه عند ظهوره. وفي الحديث عن الصادق عليه السلام انّه قال ذات يوم : ألا اخبركم بما لا يقبل الله عزّ وجلّ من العباد عملاً إلّا به. فقلت : بلى. فقال : شهادة ان لا إله إلّا الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله والإقرار بما أمر الله والولاية لنا والبراءة من أعدائنا والورع والإجتهاد والطمأنينة والإنتظار للقائم. ثمّ قال : ان لنا دولة يجيء الله بها إذا شاء. ثمّ قال : من سرّ ان يكون من أصحاب القائم فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق ؛ فان مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه فجدّوا وانتظروا هنيئاً لكم أيّتها العصابة المرحومة. [ بحار الأنوار / المجلّد : 52 / الصفحة : 140 ] وفي الحديث عن أبي بصير قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : « ليعدّن أحدكم لخروج القائم عليه السلام ولو سهماً فانّ الله إذا علم ذلك من نيّته رجوت لأن ينسيء ـ أيّ يؤخّر ـ في عمره حتّى يدركه ويكون من أعوانه وأنصاره » . ومن الأعمال التي ينبغي للمنتظر الإتيان بها : 1. الدعاء لتعجيل فرج الإمام الحجّة عجّل الله تعالى فرجه الشريف وتقديم ذلك على الدعاء لنفسه ولأهله ، وينبغي قراءة أدعية الفرج. 2. الصدقة لسلامة الإمام الحجّة عجّل الله تعالى فرجه الشريف وان كانت مضمونة ولكن لأجل أن يظهر حّبه وولاءة. 3. إحياء أمر أهل البيت بالمشاركة في مجالس ذكر أهمّ خصوصاً في المجالس الحسينيّة وإظهار الحزن في مصيبة سيّد الشهداء. 4. تكرار هذا الدعاء كلّ يوم بل كلّما يتذكّر كما ورد في الحديث فيقول : « الحمد لله ربّ العالمين اللهم صلّ على محمّد وآل محمّد اللهم كن لوليّك الحجّة بن الحسن صلوات الله عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كلّ ساعة وليّاً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلاً وعيناً حتّى تسكنه أرضك طوعاً وتمتّعه فيها طويلاً ».
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: هذا الزواج لم يتحقّق وهو من مخترعات أعداء أهل البيت عليهم السلام. وقد وضع موقع القبول من قبل علماء أهل السنّة بل حتّى بعض علماء الشيعة من غير تحقيق وفحص عن الحقيقة. وقد تصدّى الشيخ المفيد وهو من أعظم علماء الشيعة لتكذيب هذه القضيّة ، واستدلّ على كذبها بأدلّة منها : انّ الأصل في تلفيقها هو الزبير بن بكار المعروف عداوته لأهل البيت عليهم السلام. ومنها اختلاف الروايات في نقل هذه القضيّة ، وما يترتّب عليها اختلافاً جوهريّاً بحيث يكذب بعضها البعض الآخر ويظهر ان القصّة ملفقة لفقها كلّ حسب رأيه وذوقه. وممّا يكذب هذه القصّة انّ عمر بن الخطاب حينما خطب فاطمة من رسول الله صلّى الله عليه وآله قال انّها صغيرة ، أيّ هي صغيرة بالنسبة لعمر ، فكيف يزوّج علي ابنتها من عمر ولا يلاحظ صغرها بالنسبة له ؟! وقد يقال انّ عمر خطب امّ كلثوم بنت أبي بكر وقد كانت تحت حضانة علي عليه السلام مثل أخيها محمّد بن أبي بكر ، فاستفاد المغرضون من الشبه الأسمى وادعوا انّ عمر خطب امّ كلثوم بنت علي وفاطمة خصوصاً ، وان امّ كلثوم بنت أبي بكر كانت ربيبة لعلي عليه السلام وبحكم ابنته. وعلى كلّ حال لم يثبت هذا الزواج أصلاً. وللمزيد راجع أجوبة المسائل السرورية للشيخ المفيد قدّس سرّه.
الجواب من السيد جعفر مرتضى العاملي: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد .. فلا بأس بملاحظة ما يلي : 1. إن الروايات التي ذكرت اُمّهات الأئمّة الطاهرين أظهرت أنهنّ كنّ على جانب عظيم من التقوى ، والانقطاع إلى الله سبحانه ، وهذا لا يأتي من فراغ ، بل هو يدلّ على وجود بيئة إيمان ، ومعرفة وتقوى .. 2. إنّ الله تعالى قد أرسل الأنبياء لجميع الأمم والأقوام ، فقد قال تعالى : ( وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ ) (1). وقد استمرّت بعثة الأنبياء إلى ما قبل بعثة نبيّنا صلّى الله عليه وآله بقليل ، ولعلّ من آخر هؤلاء الأنبياء : خالد بن سنان ، كما دلّت عليه بعض الروايات .. فمن الذي يستطيع أن ينفي أن يكون آباء اُمّ الإمام الحجّة ، أو السجّاد أو الصادق عليهم السلام من المؤمنين ، الذين يعبدون الله على دين إبراهيم ، أو وفق ما ثبت لهم عن عيسى ، أو غيره من الأنبياء عليهم السلام بعده ؟! 3. إنّ المقصود بالأرحام المطهّرة : أن ولادة الإمام كانت عن زواج شرعي صحيح لا من سفاح .. 4. هناك خلاف في اسم والدة السجاد عليه السلام ، فراجع كتابنا : سيرة الحسين في الحديث والتاريخ. والحمد لله ، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى ، محمّد وآله الطاهرين .. الهوامش 1. الآية 24 من سورة فاطر.
الجواب من السيد جعفر مرتضى العاملي: أوّلاً : هل تؤمن أيّها السّائل بالقضاء والقدر ؟! إن قلت : نعم ، فسأقول لك : لماذا تبكي على أبيك وعلى أمّك وعلى ولدك وعلى أخيك وعلى صديقك وعلى زوجتك ، إن مات أيّ واحدٍ منهم ، ولماذا تنزعج إذا أصيب أو أُصِبتَ أنت بمرض عضال كالسرطان ، أو إذا قطعت يده أو يدك أو عميت عيناه أو عيناك. وإن قلت : إنّك لا تؤمن بالقضاء والقدر انتهى الأمر ، باعتراضك على قضاء الله ، وعدم رضاك بحكمته. ثانياً : هل معنى الإعتقاد بالقضاء والقدر أنّ ما جرى على الإمام الحسين عليه السلام هو مقتضى الحكمة الإلهيّة ؟! وهل كان ذلك محبوباً لله تعالى ؟! ويجب علينا وعليك أن نستحسنه وأن نرضى به ولا نعترض عليه ؟! وهل معنى ذلك : أن لا يعاقب قاتل الحسين بن علي عليه السلام ، بل يثاب ويدخل الجنّة ، لأنّه فعل المحبوب لله تعالى ، ونفذ ما اقتضته حكمته ؟! فإن كان الأمر كذلك ، فلماذا إذن تعترض أنت على من قتل لك عزيزاً ؟! بل لماذا تدافع عن نفسك ، إذا قصدك قاصدٌ بسوء ؟! ألا يكون هو الآخر يفعل ما يحبّه الله وما تقتضيه حكمته تعالى وما يدخل به الجنّة ؟! ثالثاً : لماذا أنت مستاء إذن من الرافضة ؟! ولماذا تبغضهم إن كنت تؤمن بالقضاء والقدر ؟! وإن كنت لا تؤمن به ، انتهى الأمر باعتراضك على قضاء الله ، وعدم رضاك بحكمته. ولماذا تعترض أيضاً على كفر الكافر وإجرام المجرم وعصيان العاصي لله ؟! ولماذا أيضاً تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟! وما فائدة ذلك ؟! ولماذا تعاقب القاتل ، وتقطع يد السارق ، وتجلد وترجم الزاني ، و ... و ... و ... ؟! رابعاً : رويتم : أن رسول الله صلّى الله عليه وآله قد قال عن شهداء أحد : أنا شهيد على هؤلاء ـ أو : أشهد على هؤلاء ـ. فقال أبو بكر : ألسنا إخوانهم ، أسلمنا كما أسلموا وجاهدنا كما جاهدوا ؟! قال : بلى ، ولكن هؤلاء لم يأكلوا من أجورهم شيئاً ، ولا أدري ما تحدثون بعدي. فبكى أبو بكر ، وقال : إنا لكائنون بعدك. ونقول : لماذا بكى أبو بكر ؟! فإن كان يؤمن بالقضاء والقدر فقد اعترض على الله ، وإن كان يؤمن بالقضاء والقدر فلماذا يبكي ؟! ولماذا حزن عندما كان في الغار مع ما رأى من الآيات والمعجزات التي دلّت على أن الله حافظ لنبيّه ، وناصره ، ومظهر لدينه ؟! هل كان يؤمن بالقضاء والقدر عندما حزن ؟! ولماذا حزن ؟! وإن كان لا يؤمن بالقضاء والقدر ، فقد اعترض على الله ؟! رابعاً : معنى القضاء والقدر : القضاء : هو الأمر الخارج عن الإختيار الذي يجري على الإنسان من خارج ذاته ممّا لا حيلة له فيه وهو الحكم ، وهو خير للمؤمن ، سواء سرّه أو ساءه ، إن ابتلاه كان كفّارة لذنبه ، وإن أعطاه وأكرمه كان قد حباه وفي قضاء الله كل خيرٍ للمؤمن. وروي عن علي عليه السلام : إن القضاء على عشرة أوجه : فمنه قضاء فراغ ، وقضاء عهدٍ ، ومنه قضاء إعلامٍ ، ومنه قضاء فعلٍ ، ومنه قضاء إيجاب ، ومنه قضاء كتاب ، ومنه قضاء إتمام ، ومنه قضاء حكم وفصل ، ومنه قضاء خلق ، ومنه قضاء نزول الموت. ثم ذكر الآيات لكلّ واحدة من هذه الأوجه. وروي : أن أمير المؤمنين عليه السلام عدل من عند حائطٍ مائل إلى مكانٍ آخر ، فقيل له : يا أمير المؤمنين ، تفرّ من قضاء الله ؟! فقال : أفر من قضاء الله إلى قدر الله. وسقوط الحائط على المستظلّ به لم يكن لأجل فعلٍ صدر من ذلك الجالس عنده. وخلاصة الأمر : إنه لا بدّ من تحديد معنى القضاء الذي يرد في أيّ حديث أو آية. المراد به في الحديث المروي عن علي عليه السلام آنفاً : هو الأمر الذي لا بدّ من وجوده في حكم الله تعالى. أما القَدَر ، فهو وضع الشيء وفق ما يقتضيه الغرض بلا زيادة ولا نقيصة ، قال تعالى : ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) . وذلك مثل خلق الإنسان بهذه الميزات والخصائص المتوافقة مع الحكمة ومع الوظيفة التي أرادها الله تعالى له في هذه الحياة ، والغاية التي سينتهي إليها. والقَدَر قد يكون في الخلق ، وقد يكون في الأحكام ، وقد يكون في السنن والنظم العامة في الكون والإنسان ـ ومن ذلك : تقدير الجزاء على الأفعال ـ وقد يكون بغير ذلك. وهذا القدر ، أو فقل : التقدير في الخلق قد اقتضى وضع السنن لتسير الأمور وفقها ، مثل سنن التوالد في البشر ، وغرس الشجر ، وظهور الثمر ، ودوران الأرض حول الشمس والقمر ، وقد يتوارد بعض هذه السنن على بعض ، حين تصبح في دائرة اختيار الإنسان وغيره من المخلوقات العاقلة. أو حين تصبح في مجال تصرّف سائر المخلوقات. فمثلاً : إن الله تعالى قدّر التوالد والتناسل بين البشر ، وقدّر أيضاً أن يعطي الإنسان قدرة على التصرّف ، فإذا بادر هذا الإنسان في مورد إلى انتزاع رحم المرأة أو إفساده بأدوية أو بغيرها ، أو تمكن من تعطيل القدرة الجنسيّة للرجل ، فإن ذلك يبطل أثر التقدير للتناسل في خصوص هذا المورد. وأن الانسان يتحكم في هذه السنة ، ويقدر على تغيير بعض مفردات تجليها ولكن بتقدير آخر حاكم عليها. فالقدر الذي تختزنه علّة بعينها قد يرد عليه ما يخل به ويبطله. وهو ما يعبر عنه : باختلال الشرائط ، أو وجود الموانع. أما القضاء ، فلا يعرض له شيء من ذلك كما قدمنا ، لأنّه حتم وجزم وتصرّف إلهي بات وقاطع. ولا بد من لفت النظر إلى أن من الضروري عدم الخلط بين العلم الإلهي الأزلي بما تكون عليه حركة الأسباب والمسببات ، وكيفيّة سيرها وتوارد بعضها على بعض في حركة الواقع ، وبين حركة الواقع في سننه التي قدرها ووضعها الله تعالى ، فان ذلك العلم لا يؤثر في هذه الحركة ، وإنما الذي يؤثر فيها هو السنة المقدرة التي أراد الله تعالى أن يكون الفيض منه تعالى من خلالها. وبذلك يظهر أيضاً أن القضاء والقدر ليس له ارتباط بحصر فعل الإنسان بالله تعالى ، بمعنى أن يجبر الله تعالى عباده على أفعالهم ، لأجل سنة القضاء والقدر ، لأنّ الله تعالى قد وضع السنن التي من جملتها أن يفيض الله الوجود على الإنسان ، وعلى قدراته وطاقاته لحظة بلحظة ، والإنسان هو الذي يختار أن يحول هذه القدرة ، وأن يجسدها في هذه الحركة ، أو في تلك. فهذا الإختيار البشري وذلك السعي والطلب الإنساني للحركة هو الشّرط الذي رُبِطَ الفيض الإلهي به. ولأجل هذا الربط يصح نسبة الفعل للإنسان ، لأنّه اختاره وتطلَّبه ، وأوجد شرط الفيض الإلهي الوجود عليه. ويصحّ نسبته أيضاً إلى الله تعالى ، لأنّه هو الذي أفاض وأعطى القدرة. وهو قادر على حجب الفيض في كلّ لحظة ، ولذا ورد أنّه تعالى لا يطاع جبراً ، ولا يعصى مغلوباً ، وهو القادر على ما أقدرهم عليه. وهذا نظير ما إذا كان هناك طاقة كهربائيّة موزّعة في بيتٍ وفق الضوابط ، وهي تأتي من مصدر ينتجها ويرسلها. ولكن صاحب البيت هو الذي يختار أن يستفيد من هذه الطاقة ، أو لا يستفيد ، وقد يوظفها في التدفئة ، أو في تبريد الطعام ، أو في قتل إنسان ، أو في تحريك آلة ، أو أي شيء آخر. فهو من جهةٍ ليس مجبراً على ما فعل ، كما أنه ليس حرّاً طليقاً بشكل مطلق ما دام بالإمكان إبطال فعله بقطع التّيار الكهربائي عنه ، وجعله عاجزاً عن فعل ما يريد ، ولذلك صحّ الثواب الإلهي على الفعل ، إذا كان حسناً ، وصحّ العقاب عليه إذا كان قبيحاً ، وصحّ الأمر والنهي عنه .. و .. و .. الخ.