المـــؤمل

الرئيسية أحاديث حول المؤمل عقيدة الشيعة في الامام المهدي عليه السلام إنّه لابدّ في كلّ زمان من إمام يعتقد به الناس


إنّه لابدّ في كلّ زمان من إمام يعتقد به الناس

النقطة الثانية :

إنّه لا بدّ في كلّ زمان من إمام يعتقد به الناس أي المسلمون ، ويقتدون به ، ويجعلونه حجة بينهم وبين ربهم ، وذلك ﴿ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّـهِ حُجَّةٌ(2) و﴿ لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ(3) و﴿ قُلْ فَلِلَّـهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ(4).

ويقول أمير المؤمنين عليه السّلام كما في ]نهج البلاغة[ : «اللهمّ بلى لا تخلو الأرض من قائم للّه بحجّة إمّا ظاهراً مشهوراً وإمّا خائفاً مغمورا ، لئلاّ تبطل حجج اللّه وبيّناته» (5).

والروايات الواردة في هذا الباب أيضاً كثيرة ، ولا أظنّ أحداً يجرأ على المناقشة في أسانيد هذه الروايات ومداليلها ، إنّها روايات واردة في الصحيحين ، وفي المسانيد ، وفي السنن ، وفي المعاجم ، وفي جميع كتب الحديث ، والروايات هذه مقبولة عند الفريقين.

فقد اتفق المسلمون على رواية : «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة».

هذا الحديث بهذا اللفظ موجود في بعض المصادر ، وقد أرسله سعد الدين التفتازاني إرسال المسلّم ، وبنى عليه بحوثه في كتابه [ شرح المقاصد ](6).

ولهذا الحديث ألفاظ أُخرى قد تختلف بعض الشيء مع معنى هذا الحديث ، إلاّ أنّي أعتقد بأنّ جميع تلك الألفاظ لابدّ وأن ترجع إلى معنى واحد ، ولابدّ أن تنتهي إلى مقصد واحد يقصده رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم.

فمثلاً في ]مسند أحمد[ : «من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية»(7) ، وكذا في عدّة من المصادر : كمسند أبي داود الطيالسي(8) ، وصحيح ابن حبّان(9) ، والمعجم الكبير للطبراني(10) ، وغيرها.

وعن بعض الكتب إضافة بلفظ : «من مات ولم يعرف إمام زمانه فليمتْ إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً» ، وقد نقله بهذا اللفظ بعض العلماء عن كتاب ]المسائل الخمسون[ للفخر الرازي.

وله أيضاً ألفاظ أُخرى موجودة في السنن ، وفي الصحاح ، وفي المسانيد أيضاً ، نكتفي بهذا القدر ، ونشير إلى بعض الخصوصيات الموجودة في لفظ الحديث :

«من مات ولم يعرف» ، لابدّ وأنْ تكون المعرفة هذه بمعنى الاعتقاد أو مقدمة للاعتقاد ، «من مات ولم يعرف» أي : من مات ولم يعتقد بإمام زمانه ، لا مطلق إمام الزمان ، بإمام زمانه الحق ، بإمام زمانه الشرعي ، بإمام زمانه المنصوب من قبل اللّه سبحانه وتعالى.

«من مات ولم يعرف إمام زمانه» بهذه القيود «مات ميتة جاهلية» ، وإلاّ لو كان المراد من إمام الزمان أيّ حاكم سيطر على شؤون المسلمين وتغلَّب على أُمور المؤمنين ، لا تكون معرفة هكذا شخص واجبة ، ولا يكون عدم معرفته موجباً للدخول في النار ، ولا يكون موته موت جاهلية ، هذا واضح.

إذن ، لابدّ من أن يكون الإمام الذي تجب معرفته إمام حق ، وإماماً شرعياً ، فحينئذ ، على الإنسان أن يعتقد بإمامة هذا الشخص ، ويجعله حجةً بينه وبين ربّه ، وهذا واجب ، بحيث لو أنّه لم يعتقد بإمامته ومات ، يكون موته موت جاهلية ، وبعبارة أُخرى : «فليمت إنْ شاء يهودياً وإنْ شاء نصرانياً».

وذكر المورخون : أنّ عبداللّه بن عمر ، الذي امتنع من بيعة أمير المؤمنين سلام اللّه عليه ، طرق على الحجّاج بابه ليلاً ليبايعه لعبدالملك ، كي لا يبيت تلك الليلة بلا إمام ، وكان قصده من ذلك هو العمل بهذا الحديث كما قال ، فقد طرق باب الحجّاج ودخل عليه في تلك الليلة وطلب منه أن يبايعه قائلاً : سمعت رسول اللّه يقول : «من مات ولا إمام له مات ميتة جاهلية» ، لكن الحجّاج احتقر عبداللّه بن عمر ، ومدّ رجله وقال : بايع رجلي ، فبايع عبداللّه بن عمر الحجّاج بهذه الطريقة.

وطبيعي أنّ من يأبى عن البيعة لمثل أمير المؤمنين عليه السّلام يبتلي في يوم من الأيّام بالبيعة لمثل الحجّاج وبهذا الشكل.

وكتبوا بترجمة عبداللّه بن عمر ، وفي قضايا الحَرّة بالذات ، تلك الواقعة التي أباح فيها يزيد بن معاوية المدينة المنورة ثلاثة أيام ، أباحها لجيوشه يفعلون ما يشاؤون ، وأنتم تعلمون بما كان وما حدث في تلك الواقعة ، حيث قتل عشرات الآلاف من الناس ، والمئات من الصحابة والتابعين ، وافتضت الأبكار ، وولدت النساء بالمئات من غير زوج.

في هذه الواقعة أتى عبداللّه بن عمر إلى عبداللّه بن مطيع ، فقال عبداللّه ابن مطيع : إطرحوا لأبي عبدالرحمن وسادة ، فقال : إنّي لم آتك لكي أجلس ، أتيتك لأُحدّثك حديثاً ، سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول : «من خلع يداً من طاعة لقى اللّه يوم القيامة لا حجّة له ، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» ، [ أخرجه مسلم ](11).

فقضية وجوب معرفة الإمام في كلّ زمان والاعتقاد بإمامته والالتزام ببيعته ، أمر مفروغ منه ومسلّم ، وتدلّ عليه الأحاديث ، وسيرة الصحابة ، وسائر الناس ، ومنها ما ذكرت لكم من أحوال عبداللّه بن عمر الذي يجعلونه قدوة لهم.

إلاّ أنّ عبداللّه بن عمر ذكروا أنّه كان يتأسّف على عدم بيعته لأمير المؤمنين عليه السّلام ، وعدم مشاركته معه في قتال الفئة الباغية ، وهذا موجود في المصادر ، فراجعوا [ الطبقات ] لابن سعد (12) و [ المستدرك ] للحاكم (13) وغيرها من الكتب.

وعلى كلّ حال لسنا بصدد الكلام عن عبداللّه بن عمر أو غيره ، وإنّما أردت أن أذكر لكم نماذج من الكتاب والسنة وسيرة الصحابة على أنّ هذه المسألة ـ مسألة أنّ في كلّ زمان ولكلّ زمان إمام لابدّ وأنْ يعتقد المسلمون بإمامته ويجعلونه حجةً بينهم وبين ربهم ـ من ضروريات عقائد الإسلام.

الهوامش

(2) سورة النساء (4) : 165.

(3) سورة الأنفال (8) : 42.

(4) سورة الأنعام (6) : 149.

(5) نهج البلاغة : 497 رقم 147.

(6) شرح المقاصد 5 / 239 وما بعدها.

(7) مسند أحمد 4 / 96 ، حديث معاوية بن أبي سفيان.

(8) مسند أبي داود الطيالسي : 259.

(9) صحيح ابن حبّان 10 / 434 رقم 4573 ، وفيه : «من مات وليس له إمام».

(10) المعجم الكبير للطبراني 19 / 388 رقم 910.

(11) صحيح مسلم 3 / 1478 رقم 1851.

(12) طبقات ابن سعد 4 / 185 و187 ، وفيه : «ما أجدني آسى على شيء من أمر الدنيا إلاّ أنّي لم أُقاتل الفئة الباغية ، ما آسى عن الدنيا إلاّ على ثلاث : ظمأ الهواجر ومكابدة الليل وألاّ أكون قاتلت الفئة هذه الفئة التي حلّت بنا».

ضمن كتاب الامام المهدي للسيد علي الحسيني الميلاني