المـــؤمل



كيف نؤمن بأن المهدي ع قد وجد

( المبحث الخامس ) كيف نؤمن بأن المهدي قد وجد 

(102)

ونصل الآن إلى السؤال الرابع وهو يقول : هب أنّ فرضية القائد المنتظر ممكنة بكلّ ما تستبطنه من عمر طويل ، وإمامة مبكرة ، وغيبة صامتة ، فإنّ الإمكان لا يكفي للاقتناع بوجوده فعلاً.
 فكيف نؤمن فعلاً بوجود المهدي؟ وهل تكفي بضع روايات تنقل في بطون الكتب عن الرسول الأعظم (صل الله عليه واله) للاقتناع الكامل بالامام الثاني عشر على الرغم مما في هذا الافتراض من غرابة وخروج عن المالوف؟ بل كيف يمكن أن نثبت أنّ للمهدي وجوداً تاريخياً حقّاً وليس مجرد افتراض توفرت ظروف نفسية لتثبيته في نفوس عدد كبير من الناس؟ (1) والجواب : إنّ فكرة المهدي بوصفه القائد المنتظر لتغير العالم إلى الأفضل قد جاءت في أحاديث الرسول الاعظم عموماً ، وفي روايات أئمة أهل البيت
__________________
 (1) هذه التساؤلات يطرحها السيد الشهيد رضي الله عنه بصفتها من الإشكالات التي أثيرت وتثار عادةً حول المهدي(عليه السلام) ، وهي أقصى ما يثار في هذا الصدد ، حتّى إنّ بعض الكتّاب المعاصرين قد أثاروها أخيراً مدفوعين بدوافع غير علمية ، مصحوبة تلك الإثارة بضجيج مكثفٍ ، ومحاولات بائسة من الوهابية لترويجها وتبنيها ، ولا تخفى الدوافع بعد ذلك على أحد.
 وقد أجاب الإمام الشهيد بجواب علمي لمن يريد الحقيقة.
 راجع ما كتبناه في المقدمة أيضاً.

(104)

خصوصاً ، وأكدت في نصوص كثيرة بدرجة لا يمكن أن يرقى إليها الشك.
 وقد أحصي أربعمائة حديث عن النبي (صل الله عليه واله) من طرق إخواننا أهل السنّة (1) ، كما أُحصي مجموع الأخار الواردة في الإمام المهدي من طرق الشيعة والسنّة فكان أكثر من ستة آلاف رواية (2) ، وهذا رقم إحصائي كبير لا يتوفر نظيره في كثير من قضايا الإسلام البديهية التي لا يشك فيها مسلم عادة.
 وأما تجسيد هذه الفكرة في الإمام الثاني عشر عليه الصلاة والسلام فهذا ما توجد مبررات كافية وواضحة للاقتناع به.
 ويمكن تلخيص هذه المبررات في دليلين : أحدهما إسلامي.
 والآخر علمي.
 فبالدليل الإسلامي نثبت وجود القائم المنتظر.
 وبالدليل العلمي نبرهن على أنّ المهدي ليس مجرد أسطورة وافتراض ، بل هو حقيقة ثبت وجودها بالتجربة التاريخية.
 أما الدليل الاسلامي : فيتمثل في مئات الروايات الواردة عن رسول الله (صل الله عليه واله) (3) والائمة من أهل
__________________
 (1) يلاحظ كتاب ( المهدي ) للسيد « إلعم» الصدر قدس الله روحه الزكية.
 ( الشهيد الصدر ) راجع : ما أثبته الشيخ العباد في مجلة الجامعة الاسلامية / العدد 3 سنة 1969.
 وراجع : المهدي الموعود المنتظر / الشيخ نجم الدين العسكري.
 (2) يلاحظ كتاب منتخب الأثر في الامام الثاني عشر للشيخ لطف الله الصافي.
 ( الشهيد الصدر ) (3) راجع : معجم أحاديث الإمام المهدي / مؤسسة المعارف الاسلامية / الجزء الأول ـ أحاديث النبي.

 (105)

البيت : والتي تدلّ على تعيين المهدي وكونه من أهل البيت (1) .
 ومن ولد فاطمة (2) .
 ومن ذرية الحسين (3) .
 وأنه التاسع من ولد الحسين (4) .
 
__________________
 (1) أخرج أحمد وابن ابي شيبة وابن ماجة ونعيم بن حماد في الفتن عن علي (عليه السلام) قال : قال رسول الله (صل الله عليه واله) : « إلمهدي منّا أهل البيت يصلحه الله في ليلة ».
 راجع : الحاوي للفتاوي / السيوطي 2 : 213 و 215 وفيه ، أيضاً : اخرج أحمد وابن أبي شيبة وأبو داود ، عن علي ، عن النبي (صل الله عليه واله) قال : « لو لم يبق من الدهر إلاّ يومُ لبعث الله رجلاً من أل بيتي يملؤها عدلاً كما ملئت جورا » ، وراجع : صحيح سنن المصطفى 2 : 207 ، وسننن ابن ماجة 2 : 1367 / 4085.
 وراجع : معجم أحاديث المهدي 1 : 147 وما بعدها إذ ينقل أحاديث كثيرة عن الصحاح والمسانيد في هذا المعنى.
 وراجع : موسوعة الإمام المهدي / ترتيب مهدى فقيه إيماني ، الجزء اأول ، وفيها نقول مصورة عن عشرات الكتب لعلماء السنّة ومحدّثيهم في المهدي وصفاته ما يتعلق به وفيها نسخة مصورة الشيخ العباد حول ما جاء من الاحاديث والآثار في المهدي(عليه السلام).
 (2) الحاوي للفتاوي / السيوطي جلال الدين 2 : 214 ، قال : وأخرج ابو داود وابن ماجة والطبراني والحاكم عن أمّ سلمة قالت : سمعت رسول الله (صل الله عليه واله) يقول : « إلمهدي من عترتي من ولد فاطمة ».
 راجع صحيح سنن المصطفى لأبي داود 2 : 208.
 (3) حديث المهدي من ذرية الحسين (عليه السلام) كما في المصادر الآتية على ما نقل في معجم أحاديث المهدي وهي : الأربعون حديثاً لأبي نعيم الأصفهاني كما في عقد الدرر للمقدسي الشافعي ، وأخرجه الطبراني في الأوسط على ما في المنار المنيف لابن القيم ، وفي السيرة الحلبية 1 : 193 ، وفي القول المختصر لابن حجر.
 راجع منتخب الأثر للشيخ لطف الله الصافي في ما نقله من كتب الشيعة.
 وراجع توهين الرواية التي تقول بأنه من ولد الحسن (عليه السلام) كتاب السيد العميدي ( دفاع عن الكافي 1 : 296).
 (4) راجع الرواية التي تنص على أنّه التاسع من ولد الحسين (عليه السلام) في:ينابيع المودة لقندوزي

 (106)

وانّ الخلفاء اثنا عشر (1).
 فإنّ هذه الروايات تحدد تلك الفكرة العامة وتشخيصها في الإمام الثاني عشر من أئمة اهل البيت ، وهي روايات بلغت درجة كبيرة من الكثرة والانتشار على الرغم من تحفّظ الأئمة : واحتياطهم في طرح ذلك على المستوى العام ، وقايةً للخلف الصالح من الاغتيال أو الإجهاز السريع على حياته (2).
 وليست الكثرة العددية للروايات هي الأساس الوحيد لقبولها ، بل هناك إضافة إلى ذلك مزايا وقرائن تبرهن على صحتها ، فالحديث النبوي الشريف عن الائمة أو الخلفاء أو الأمراء بعده وأنهم اثنا عشر إماماً أو خليفةً أو أميراً ـ على اختلاف متن الحديث في طرقه المختلفة ـ قد أحصى بعض المؤلفين رواياته فبلغت أكثر من مائتين وسبعين رواية(3) مأخوذة من أشهر كتب الحديث عند الشيعة والسنّة بما في ذلك البخاري (4) ومسلم (5)والترمذي (6) وأبي داود (7)
__________________
 الحنفي : ص 492 ، وفي مقتل الإمام الحسين للخوارزمي 1 : 196 ، وفي فرائد السمطين للجويني الشافعي 2 : 310 ـ 315 الأحاديث من 561 ـ 569 ، وراجع منتخب الأثر للعلامة الشيخ الصافي إذ خرّجها من طرق الفريقين ( دفاع عن الكافي 1 : 294 ).
 (1) حديث « إلخلفاء بعدي اثنا عشر كلهم من قريش » أو « لا يزال هذا الدين قائماً ما وليه اثنا عشر كلهم من قريش ».
 هذا الحديث متواتر ، روته الصحاح والمسانيد بطرق متعددة وإن اختلف في متنه قليلاً.
 نعم ، اختلفوا في تأويله واضطربوا.
 راجع : صحيح البخاري 9 : 101 كتاب الأحكام ـ باب الاستخلاف.
 صحيح مسلم 2 : 119 كتاب الإمارة.
 مسند أحمد 5 : 90 ، 93 ، 97.
 (2) راجع الغيبة الكبرى / السيد محمد الصدر : ص 272 وما بعدها.
 (3) راجع التاج الجامع للأصول 3 : 40 قال : رواه الشيخان الترمذي ، وراجع في تحقيق الحديث وطرقه وأسانيده كتاب الإمام المهدي (عليه السلام) / علي محمد علي دخيل.
 (4) صحيح البخاري / المجلد الثالث / 9 : 101 ، كتاب الأحكام ـ باب الاستخلاف.
 طبعة دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
 (5) و (6) و (7) راجع : التاج الجامع لأصول 3 : 40 ، قال تعقيباً على الحديث : رواه الشيخان

(107)

ومسند أحمد (1) ومستدرك الحاكم على الصحيحين (2) ، ويلاحظ هنا أنّ البخاري الذي نقل هذا الحديث كان معاصراً للإمام الجواد والإمامين الهادي والعسكري ، وفي ذلك مغزىً كبير ؛ لأنه يبرهن على أنّ هذا الحديث قد سجّل عن النبي (صل الله عليه واله) قبل أن يتحقق مضمونه وتكتمل فكرة الأئمة الاثني عشر فعلاً ، وهذا يعني أنه لا يوجد أي مجال للشك في أن يكون نقل الحديث متأثراً بالواقع الإمامي الاثني عشري وانعكاسات أو تبريرات لواقع متأخر زمنياً لا تسبق في ظهورها وتسجيلها في كتب الحديث ذلك الواقع الذي تشكل انعكاساً له ، فما دمنا قد ملكنا الدليل المادي على أنّ الحديث المذكور سبق التسلسل التاريخي للأئمة الاثني عشر ، وضبط في كتب الحديث قبل تكامل الواقع الإمامي الاثني عشري ، أمكننا ان نتأكد من أنّ هذا الحديث ليس انعكاساً لواع وإنما هو تعبير عن حقيقة ربانية نطق بها من لا ينطق عن هوى (3) ، فقال : « إنّ الخلفاء بعدي اثنا عشر» (4).
 وجاء الواقع الإمامي الاثني عشري ابتداءً من الإمام عليٍّ وانتهاءً بالمهدي ؛ ليكون التطبيق الوحيد المعقول (5) لذلك الحديث النبوي الشريف.
 
__________________
 والترمذي ، وفي الهامش قال : رواه أبو داود في كتاب المهدي بلف : « لا يزال هذا الدين قائماً حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة» ، وراجع سنن أبي داود 2 : 207.
 (1) مسند الإمام أحمد 5 : 93 ، 100.
 (2) المستدرك على الصحيحين 3 : 618.
 (3) إشارة إلى قوله تعالى : ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إن هُوَ إلاّ وَحْيٌ يُوحَى ) النجم : 3 ـ 4.
 (4) تقدم تخريج الحديث.
 (5) اضطرب العلماء في تأويله بعد إطباقهم على صحته ، وما أوردوه من مصاديق لا يمكن قبولها ، بل إنّ بعضها غير معقول تماماً كإدخالهم يزيد بن معاوية المجاهر بالفسق ، المحكوم بالمروق والكفر أو من هو على شاكلته.
 راجع ما نقله السيد ثامر العميدي من أقوالهم وقد ناقش هذه القضية مناقشة وافية وعلمية ، وأبطل تأويلاتهم بما لا مزيد عليه في دفاع عن الكافي 1 : 540 وما بعدها.

(108)

وأما الدليل العلمي : هو يتكون من تجربة عاشتها أمّة من الناس فترة امتدت سبعين سنة تقريباً وهي فترة الغيبة الصغرى.
 لتوضيح ذلك نمهد بإعطاء فكرة موجزة عن الغيبة الصغرى (1).
 إنّ الغيبة الصغرى تُعبّر عن المرحلة الأولى من إمامة القائد المنتظر عليه الصلاة والسلام فقد قُدّر لهذا الإمام منذ تسلّمه للإمامة ان يستتر عن المسرح العام ويظلُّ بعيداً باسمه عن الأحداث وإن كان قريباً منها بقلبه وعقله ، وقد لوحظ أنّ هذه الغيبة إذا جاءت مفاجئة حققت صدمة كبيرة للقواعد الشعبية للإمامة في الأمة الاسلامية ؛ لأنّ هذه القواعد كانت معتادة على الاتصال بالإمام في كلّ عصر ، والتفاعل معه والرجوع إليه في حلّ المشاكل المتنوعة ، فإذا غاب الإمام عن شيعته فجأة وشعروا بالانقطاع عن قيادتهم الروحية الفكرية ، سبّبت هذه الغيبة (2) المفاجئة الإحساس بفراغٍ دفعي هائل قد يعصف بالكيان كله ويشتت شمله ، فكان لابدّ من تمهيد لهذه الغيبة ؛ لكي تألفها هذه القواعد بالتدريج ، وتكيّف نفسها شيئاً فشيئاً على أساسها ، وكان هذا التمهيد هو الغيبة الصغرى التي اختفى فيها الإمام المهدي عن المسرح العام ، غير أنه كان دائم الصلة بقواعده وشيعته عن طرق وكلائه ونوابه والثقات من أصحابه الذين يشكلون همزة الوصل بينه وبين الناس المؤمنين بخطه الإمامي (3).
 وقد شغل مركز النيابة عن الإمام في هذه الفترة أربعة
__________________
 (1) راجع : الغيبة الصغرى / السيد محمد الصدر ، فقد توسّع في بحثها.
 (2) إشارة الى الغيبة الكبرى.
 (3) راجع : تبصرة الولي فيمن رأى القائم المهدي / السيد هاشم البحراني.
 دفاع عن الكافي / السيد ثامر العميدي 1 : 568 وما بعدها.
 

(109)

ممن أجمعت تلك القواعد على تقواهم وورعهم ونزاهتهم التي عاشوا ضمنها وهم كما يلي : 1 ـ عثمان بن سعيد العمري.
 2 ـ محمد بن عثمان بن سعيد العمري.
 3 ـ أبو القاسم الحسين بن روح.
 4 ـ أبو الحسن علي بن محمد السمري.
 وقد مارس هؤلاء الأربعة (1) مهام النيابة بالترتيب المذكور ، وكلما مات أحدهم خلفه الآخر الذي يليه بتعيين من الإمام المهدي (عليه السلام).
 وكان النائب يتصل بالشيعة ويحمل أسئلتهم إلى الإمام ، ويعرض مشاكلهم عليه ، ويحمل إليهم أجوبته شفهية أحياناً وتحريرية (2) في كثير من الأحيان ، وقد وجدت الجماهير التي فقدت رؤية إمامها العزاء والسلوة في هذه المراسلات والاتصالات غير المباشرة.
 ولاحظت أنّ كلّ التوقيعات والرسائل كانت ترد من الإمام المهدي (عليه السلام) بخط واحد وسليقة واحدة (3) طيلة نيابة النواب الأربعة التي استمرت حوالي سبعين عاماً ، وكان السمري هو آخر النواب ، فقد أعلن عن انتهاء
__________________
 (1) راجع ترجمة هؤلاء الأربعة في كتاب الغيبة الصغرى للسيد محمد الصدر ، الفصل الثالث : ص 395 وما بعدها ، نشر دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت 1980.
 (2) وهذه تعرف بالتوقيعات ، وهي الأجوبة التحريرية والشفوية التي نقلت عن الإمام المهدي (عليه السلام).
 راجع : الاحتجاج / الطبرسي 2 : 523 وما بعدها.
 (3) مما استقر في الأوساط الأدبية وعند نقاد الأدب قديماً وحديثاً أنّ الأسلوب هو الرجل ، وهذه المقولة صحيحة.
 ومن هنا رأينا وسمعنا أنّ كثيراً من الادباء وقارئي الأدب يميزون بمجرد قراءة النص شعرياً كان نثرياً أنه لفلان أو لفلان ، وما ذلك إلاّ لأنّ الأسلوب هو الرجل ، وأنّ لكلّ كاتبٍ سمةً وطابعاً خاصاً في كتابته يمكن تمييزه من غيره ، هذا فضلاً على تميّز خطّه الشريف من غيره من الخطوط.

(110)

مرحلة الغيبة الصغرى التي تتميز بنُواب معينين ، وابتداء الغيبة الكبرى التي لا يوجد فيها أشخاص معينون بالذات لوساطة بين الإمام القائد والشيعة ، وقد عبّر التحول من الغيبة الصغرى الى الغيبة الكبرى عن تحقيق الغيبة الصغرى لأهدافا وانتهاء مهمتها ؛ لأنها حصّنت الشيعة بهذه العملية التدريجية عن الصدمة والشعور بالفراغ الهائل بسبب غيبة الإمام ، واستطاعت ان تكيّف وضع الشيعة على أساس الغيبة ، وتعدّهم بالتدريج لتقبل فكرة النيابة العامة عن الإمام ، وبهذا تحولت النيابة من أفراد منصوصين (1) إلى خط عام (2) ، وهو خط المجتهد العادل البصير بأمور الدنيا والدين تبعاً لتحول الغيبة الصغرى إلى غيبة كبرى.
 والآن بإمكانك أن تقدّر الموقف في ضوء ما تقدم ، لكي تدرك بوضوح أنّ المهدي حقيقة عاشتها أمة من الناس ، وعبّر عنها السفراء والنواب طيلة سبعين عاماً من خلال تعاملهم مع الآخرين ، ولم يلحظ عليهم أحدٌ كلّ هذه المدة تلاعباً في الكلام ، أو تحايلاً في التصرف ، أو تهافتاً في النقل.
 فهل تتصور ـ بربك ـ أنّ بإمكان أكذوبة ان تعيش سبعين عاماً ، ويمارسها أربعة على سبيل الترتيب كلهم يتفقون عليها ، ويظلون يتعاملون على أساسها وكأنها قضية يعيشونها بأنفسهم ويرونها بأعينهم دون ان يبدر منهم أي شيء يثير الشك ، ودون ان يكون بين الأربعة علاقة خاصة متميزة تتيح لهم نحواً من التواطئ ، ويكسبون من خلال ما يتصف به سلوكهم من واقعية ثقة الجميع ، وإيمانهم بواقعية القضية التي يدّعون أنهم يحسونها ويعيشون معها؟! لقد قيل قديماً : إنّ حبل الكذب قصير ، ومنطق الحياة يثبت أيضاً أنّ من
__________________
 (1) إشارة إلى النواب الأربعة المذكورين.
 (2) وهو ما اصطلح عليه ( بالمرجعية الدينية ) ، ويلاحظ هنا الصفات التي يرى الإمام الشهيد لزوم توفرها في المرجعية.

(111)

المستحيل عملياً بحساب الاحتمالات أن تعيش أكذوبة بهذا الشكل ، وكلّ هذه المدة ، وضمن كلّ تلك العلاقات والأخذ والعطاء ، ثمّ تكسب ثقة جميع من حولها.
 وهكذا نعرف أنّ ظاهرة الغيبة الصغرى يمكن ان تعتبر بمثابة تجربة علمية لإثبات ما لها من واقع موضوعي ، والتسليم بالإمام القائد بولادته (1) وحياته وغيبته ، وإعلانه العام عن الغيبة الكبرى التي استتر بموجبها عن المسرح ولم يكشف نفسه لأحد (2).
 
__________________
 (1) إنّ اتصال الامام القائد المهدي بقواعد الشيعية عن طريق نوابه ووكلائه ، أو بأساليب أخرى متنوعة واقع تاريخي موضوعي ليس من سبيل إلى انكاره ، كما في السفارة ، فضلاً عن الدلائل الأخرى الكثيرة المستندة الى اخبار من يجب تصديقه ، ثم هو مقتضى الاحاديث المتواترة ، كحديث : «من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتةً جاهلية » وغير ذلك.
 إنّ كلّ ذلك مجموعاً ـ وهو محل اتفاق اكثر طوائف الملة الإسلامية ـ يدحض وبشكل قاطع ما يثيره المتشككون حول وجود الإمام واستمرار حياته المباركة الشريفة ، راجع : الغيبة الصغرى / السيد محمد الصدر : ص 566.
 وراجع ما أثبتناه في المقدمة : ص 15 وما بعدها.
 (2) ورد التوقيع الشريف عن الإمام القائد المهدي (عليه السلام) بعدم إمكان رؤيته بشكل صريح بعد وقوع الغيبة الكبرى ، وهذا محل اتفاق علماء الإمامية.
 وراجع مناقشة المسألة في : الغيبة الصغرى / السيد محمد الصدر : ص 639 وما بعدها.
 

(112)

((ضمن كتاب بحث حول المهدي (عج) للسيد محمد الصدر ))