لا يقوم اللذّة والألم بذاته
قد يطلق الألم واللذّة ويراد منهما الألم واللذّة المزاجيان. والألم حالة حاصلة من تغيّر المزاج إلى الفساد. واللذّة حالة حاصلة من تغيّر المزاج إلى الإعتدال ، وعروض النشاط والسرور على المُلْتذ ، ومن كان متّصفاً بهما يجب أن يكون موجوداً ماديّاً قابلاً للإنفعال. ومن المعلوم لزوم تنزيهه سبحانه عن المزاج والفعل والإنفعال لاستلزامه تواليَ فاسدة لا تحصى. وبالجملة ، فالألم واللذّة من توابع المزاج ، منفيّان بانتفاء المتبوع.
وقد يطلقان ويراد منهما العقليّان ، والمراد منهما إدراك كلّ قوّة عقليّة ما يلائمها أو ينافيها. فالقوّة العاقلة لها كمال ولذّة هي إدراكها للمعقولات الكليّة ، وإنكار ذلك مكابرة. فإن العلماء الغائصين في لُجج التحقيق لهم لذّات لا يختارون اللذّات الحسيّة بأجمعها على أقلّ مسألة من مسائلها ، ويقابله الألم العقلي. ولأجل ذلك كلّما كان المعقول أفضل وأتمّ ، كانت اللذّة أبلغ وأوفر.
فلذا يكون إدراك القوّة العقليّة للمعقولات أتمّ من إدراك الحسّ للمحسوسات ، لأن القوّة العقليّة تصل إلى كنه المعقول وإلى ذاته وذاتيّاته ، فتكون اللذّة العقليّة أبلغ وأعظم من الحسيّة.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنَّ الألم على وجه الإِطلاق منفي عنه سبحانه ، أمَّا الألم المزاجي فلمّا عرفت ، وأمَّا الألم العقلي فلأنّه إدراك المنافي من حيث هو مناف. وهو مستحيل عليه سبحانه ، إذ لا منافي له لأن جميع ما عداه لوازم ومعلولات له ، والكلّ في قبضة قدرته ، مجتمع معه غير مناف له.
وأمَّا اللذّة العقليّة فإن بعض الحكماء نسبوها إلى الله تبارك وتعالى قائلين بأنَّه مدرك لأكمل الموجودات ـ وهي ذاته ـ فيكون متلذّذاً.
وبعبارة أُخرى : إنَّ واجب الوجود الّذي هو في غاية الجمال والكمال والبهاء ، إذا عقل ذاته فقد عقل أتمّ الموجودات وأكمل الأشياء ، فيكون أعظم مدرِك لأجلّ مُدْرَك بأتمّ إدراك.
هذا ما عليه الحكماء. ولكن المتكلّمين منعوا من توصيفه سبحانه باللذّة على وجه الإِطلاق مزاجيّاً كان أو عقليّاً ، ولعلّ عذرهم في ذلك كون أسمائه وصفاته أمراً توقيفيّاً.
أقول : لا شكّ أَنَّ إطلاق الملتذّ على الله سبحانه لا يجتمع مع القول بتوقيفيّة أسمائه وصفاته ، وأمّا كونه مبتهجاً بذاته ابتهاجاً عقليّاً لإِدراكه أتمّ الموجودات ، وملتذّاً في ظلّه ، فليس شيء يمنع منه. وإنَّ الحقيقة شيء والتسمية شيء آخر.
مقتبس من كتاب : الإلهيّات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل / الجزء : 2 / الصفحة : 123 ـ 124


