حدود المعرفة الإنسانيّة بحقيقة الوجود الإلهي

تمهيد

تُعَدُّ معرفة الله تعالى من أهمّ مباحث العقيدة والتوحيد، غير أنّ هذه المعرفة ترتبط بحدود قدرة الإنسان على إدراك الحقائق. فهل يستطيع العقل البشري الإحاطة بحقيقة الذات الإلهيّة، أم أنّ معرفته سبحانه تقتصر على ما تدلّ عليه أسماؤه وصفاته؟ وللإجابة عن هذا السؤال، لا بدّ من بيان حدود المعرفة الإنسانيّة، والتمييز بين إدراك ماهيّات الأشياء ومعرفة حقيقة وجودها، وصولاً إلى توضيح سبب تعذّر الإحاطة بحقيقة الله تعالى.

ليست حقيقته معلومة لغيره

إنّ أدوات المعرفة عند الإنسان هي القوى العقليّة التي تمكّنه من إدراك الأشياء والوقوف على حدودها وماهيّاتها. فإذا أراد الإنسان معرفة ماهيّة شيءٍ كـالإنسان، استعان بقواه العقليّة لإدراك ذاته وذاتيّاته؛ ولذلك عُرّفت ماهيّة الإنسان بأنّها « الحيوان الناطق »، أي المفهوم المجرّد عن الوجود والعدم، الذي يتحقّق بوجوده في الخارج.

أمّا حقيقة الوجود نفسه، فلا يمكن للنفس الإحاطة بها؛ لعدم السنخيّة بين أدوات المعرفة وما تريد معرفته. فالإنسان يدرك الأشياء عن طريق الفكر والذهن والمفاهيم، وهذه الأدوات لا تتعرّف إلا على ما يسانخها من المفاهيم والماهيّات، بينما الوجود المحقّق للماهيّة حقيقة عينيّة وخارجيّة، لا يستطيع الذهن إدراكها بواقعها الخارجي.

وقد اتّفق أهل المعقول على أنّ الإنسان يستطيع معرفة ماهيّات الأشياء وحدودها، لا حقيقة الوجود العارض عليها. وإذا كان هذا حال الوجود في الأشياء، فإنّ معرفة حقيقة وجود الله سبحانه وتعالى، وهو الوجود المحض الذي لا حدّ له ولا ماهيّة، أبعد عن قدرة الإنسان؛ لأنّ أدواته المعرفيّة لا تستطيع الإحاطة بالحقيقة العينيّة الخارجيّة التي لا سنخيّة بينها وبين الذهن.

ومن هنا، فإنّ معرفة الإنسان بالله تعالى إنّما تكون من خلال الأسماء والصفات التي تدلّ عليه، لا من خلال الإحاطة بحقيقته سبحانه. فهذه الأسماء والصفات نوافذ يطّلع الإنسان من خلالها على عالم الغيب، ولكنّ معرفته تظلّ محدودة ولا تتجاوز التعرّف على الاسم والصفة، دون إدراك حقيقة الذات الإلهيّة. وفي هذا المعنى يقول ابن أبي الحديد:

فِيكَ يا أُعْجُوَبةَ الكَوْ

 

نِ غَدا الفِكْرُ كَليلا

أَنْتَ حَيَّرْتَ ذَوي اللُّـ

 

بِ وَبَلْبَلْتَ العُقُولا

كُلَّما قَدَّم فكْري فيـ

 

كَ شِبْراً فَرَّ ميلا

ناكِصاً يَخْبِطُ في

 

عَمْياءَ لا يُهْدى سَبيلا

وبناءً على ذلك، يتّضح أنّ صفات الله الثبوتيّة لا تنحصر في الصفات الثماني المعروفة، كما أنّ صفاته السلبيّة لا تنحصر في الصفات المذكورة سابقاً؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى موجود تامّ من جميع الجهات، فلا يخرج أيّ كمال عن إحاطة وجوده، كما أنّ وجوده منزّه عن كلّ نقص يُتصوّر. قال تعالى: ﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾.

النتيجة

يتّضح ممّا تقدّم أنّ قدرة الإنسان على المعرفة محدودة، فهو يستطيع فهم معاني الأشياء وماهيّاتها، لكنّه لا يستطيع الإحاطة بحقيقة وجودها. وإذا كان عاجزاً عن إدراك حقيقة وجود المخلوقات إدراكاً كاملاً، فإنّ معرفة حقيقة الذات الإلهيّة تكون أبعد عن قدرته؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى هو الوجود المحض، المنزّه عن الحدود والماهيّات.

وعليه، فإنّ الإنسان يعرف الله تعالى من خلال أسمائه وصفاته التي تدلّ على كماله وجلاله، من دون أن يتمكّن من الإحاطة بحقيقة ذاته المقدّسة. ولأنّ الله سبحانه وتعالى كامل من جميع الجهات، فإنّ كلّ كمال يليق به ثابت له، وهو منزّه عن كلّ نقص؛ ولذلك لا تنحصر صفاته الثبوتيّة والسلبيّة في عددٍ محدود، بل تشمل كلّ ما يدلّ على كماله وتنزّهه عن النقائص.

 

التعليقات

Profile of User
Loading...

محتوى ذو صلة