تمهيد

تتناول هذه المقالة مسألة خلافة أبي بكر من خلال بحث الأساس الذي قامت عليه البيعة ، ومناقشة أبرز الأدلّة التي استُدلّ بها على شرعيتها. ويقوم منهج البحث على عرض ما صرّح به عدد من أعلام أهل السنّة بشأن عدم وجود نصّ نبوي على خلافة أبي بكر ، ثمّ دراسة دعوى انعقاد الإجماع على بيعته ، مع استعراض الروايات التاريخية التي تتعلّق ببيعة السقيفة وتخلّف عدد من الصحابة عنها.

كما يتناول البحث حديث السقيفة ووصف بيعة أبي بكر بأنّها « فلتة » ، والظروف التي أحاطت بها ، ثم يناقش أهم الأحاديث التي استُدلّ بها على خلافته ، من خلال النظر في دلالاتها ومقارنتها بالروايات الأخرى ذات الصلة.

والغاية من هذا المنهج هي الوقوف على مدى صلاحية هذه الأدلة لإثبات الخلافة ، والتمييز بين النصّ النبوي ، والإجماع ، والاختيار ، والاجتهاد السياسي الذي وقع بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وصولاً إلى بيان الموقف الذي ينسجم مع مجموع النصوص والروايات الواردة في هذه المسألة.

هل ثبت النصّ النبوي على خلافة أبي بكر ؟

ذهب مشهور أهل السنّة إلى أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لم ينصّ على خلافة أبي بكر ، وأنّ خلافته إنّما ثبتت بالاختيار والبيعة. وقد صرّح بذلك عدد من أعلام أهل السنّة ، منهم عبد القاهر البغدادي ، وأبو حامد الغزالي ، والإيجي ، والنووي ، وابن كثير ، حيث نفوا وجود نصّ صريح بتعيين أبي بكر خليفة بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

ويؤيّد ذلك ما ورد في بعض مصادر الحديث من أنّ عمر بن الخطاب قال إنّه إن استخلف فقد اقتدى بأبي بكر ، وإن ترك الاستخلاف فقد اقتدى برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وهو ما يفهم منه عدم وجود استخلاف صريح من النبي لأبي بكر.

هل انعقد الإجماع على بيعة أبي بكر ؟

إذا لم تكن خلافة أبي بكر ثابتة بالنص ، فهل ثبتت بالإجماع ؟

لا ينهض الإجماع ـ وفق هذا الطرح ـ دليلاً مستقلاً لإثبات الخلافة ؛ لأنّ مجرّد اتفاق الناس لا يكفي لإثبات أمر ديني بهذه الأهمية ، ولا سيّما مع إمكان وقوع الخطأ أو حصول الاتفاق تحت ظروف الخوف والاضطراب والضغط السياسي والاجتماعي.

كما أنّ البيعة الأولى لأبي بكر في سقيفة بني ساعدة لم تكن بيعة عامة ، بل جرت بحضور عدد محدود من الصحابة ، ثم حصلت البيعة العامة في اليوم التالي. ولذلك يبقى السؤال عن الأساس الذي صحّح الخلافة قبل تحقق البيعة العامة.

وقد ذهب بعض علماء أهل السنّة إلى أنّ انعقاد الإمامة لا يحتاج إلى إجماع الأمة ، بل يكفي فيها عدد من أهل الحل والعقد ، بل ذكر الإيجي والجويني وغيرهما إمكان انعقاد الإمامة ببيعة واحد أو اثنين من أهل الحل والعقد ، واستدلوا ببيعة أبي بكر نفسها.

غير أنّ هذا يفتح باباً آخر ، وهو أنّ الخلافة إذا لم تكن متوقفة على إجماع الأمة ، فلا بدّ من تحديد الأساس الشرعي الذي يجعل بيعة عدد محدود من الأشخاص ملزمة لبقية المسلمين.

بيعة أبي بكر وموقف الصحابة منها

تذكر مصادر تاريخية وحديثية عند أهل السنّة أنّ جماعة من الصحابة لم يبايعوا أبا بكر في البداية ، ومن أبرزهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، وبنو هاشم، وسعد بن عبادة ، والزبير بن العوام ، وخالد بن سعيد بن العاص ، وطلحة بن عبيد الله ، والمقداد ، وسلمان ، وأبو ذر ، وعمار بن ياسر ، والبراء بن عازب ، وأُبيّ بن كعب وغيرهم.

وتنقل بعض المصادر أنّ بيعة علي عليه السلام تأخرت إلى ما بعد وفاة فاطمة الزهراء عليها السلام ، وأنّ جماعة من بني هاشم لم يبايعوا أبا بكر في بداية الأمر.

وعليه ، فإنّ القول بانعقاد إجماع الصحابة منذ اللحظة الأولى لا ينسجم مع هذه الروايات التاريخية ، ولا سيّما مع وجود شخصيات بارزة لم تدخل في البيعة في بدايتها.

بيعة السقيفة ووصفها بـ « الفلتة »

من أهم النصوص التي يستند إليها المقال ما رواه البخاري وغيره عن عمر بن الخطاب في حديث السقيفة ، حيث وصف بيعة أبي بكر بأنّها « فلتة » ، وأنّ الله وقى المسلمين شرّها ، وحذّر من تكرار مثلها.

وقد فسّر علماء اللغة والحديث « الفلتة » بأنّها الأمر الذي يقع فجأة ومن غير تروٍّ أو تدبير.

ويُفهم من هذا الوصف أنّ البيعة جرت في ظروف استثنائية ، وبسرعة ، ومن غير استكمال المشورة العامة. كما أنّ عمر نفسه حذّر من تكرار مثل هذه الطريقة في اختيار الخليفة.

ولو كانت خلافة أبي بكر ثابتة بنصّ صريح أو بإشارة واضحة من النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ، لكان الاستناد إلى ذلك النصّ كافياً لحسم النزاع ، ولما كان هناك مجال للمبادرة السريعة أو الخوف من أن تسبق جماعة أخرى إلى اختيار الخليفة.

الظروف التي ساعدت على استقرار خلافة أبي بكر

تربط الروايات التاريخية استقرار البيعة لأبي بكر بمجموعة من الظروف التي أحاطت بوفاة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم.

انشغال علي وبني هاشم بتجهيز النبي

كان أمير المؤمنين علي عليه السلام وبنو هاشم منشغلين بتجهيز رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، ولذلك لم يكونوا حاضرين في اجتماع السقيفة. وفي المقابل ، حضر أبو بكر وعمر وأبو عبيدة من المهاجرين ، فتمكّنوا من توجيه النقاش نحو قريش ، مستندين إلى ما نُقل من أنّ الأئمة من قريش.

كما ساهمت المنافسة القديمة بين الأوس والخزرج في إضعاف موقف الأنصار ، إذ خشي الأوس أن تنتقل الإمارة إلى الخزرج بصورة دائمة ، فسارعوا إلى مبايعة أبي بكر.

وهكذا أسهمت الخلافات الداخلية بين الأنصار ، وغياب عدد من المهاجرين ، وانشغال بني هاشم بتجهيز النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ، في سرعة إتمام البيعة.

الخوف من الفتنة والانقسام

تذكر الروايات أنّ أبا بكر وعمر كانا يخشيان أن يؤدي تأخير البيعة إلى اختلاف المسلمين وتعدّد مراكز السلطة ، ولذلك رأيا المبادرة إلى اختيار خليفة قبل أن تبايع جماعة أخرى رجلاً منها.

كما نقل عن أبي بكر أنّه لم يكن راغباً في الإمارة ، وأنّه قبلها خوفاً من وقوع الفتنة والردّة.

وبعد وفاة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ، كان المسلمون أمام حالة شديدة الحساسية ، فاختار بعض الصحابة عدم الدخول في نزاع جديد ، وقبلوا بالأمر الواقع حفاظاً على وحدة المسلمين ومنعاً لوقوع فتنة أكبر.

وتذكر بعض الروايات أنّ عبد الله بن مسعود ، مثلاً ، كان يرى أنّ الخلاف شر ، وهو ما يعكس جانباً من موقف بعض الصحابة من تقديم تجنّب النزاع على إعلان المخالفة.

دور عمر في تثبيت البيعة

كان لعمر بن الخطاب دور بارز في تثبيت بيعة أبي بكر ، وتذكر المصادر أحداثاً مرتبطة بالسقيفة وبمحاولة حمل بعض الممتنعين على البيعة.

وترد في بعض المصادر روايات حول التوجه إلى بيت فاطمة الزهراء عليها السلام لإخراج علي ومن معه للبيعة ، كما تذكر روايات أخرى إكراه بعض الأشخاص على الدخول في البيعة.

وبحسب هذا العرض ، فإنّ اجتماع هذه الظروف ساعد على استقرار الأمر لأبي بكر ، حتى مع عدم تحقق إجماع شامل منذ البداية.

السقيفة بين الشورى والنصّ النبوي

كان من بين الحجج التي طرحت في السقيفة أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من قريش ، وأنّ قومه وعشيرته أحق بالأمر من بعده.

غير أنّ هذا الاحتجاج يثير إشكالاً ؛ فإذا كان المعيار هو القرابة من النبي ، فإنّ بني هاشم ، وفي مقدمتهم أمير المؤمنين علي عليه السلام ، أقرب إليه من غيرهم.

وإذا كان المعيار هو الشورى ، فإنّ اختيار الخليفة في اجتماع محدود في السقيفة لا ينسجم مع اشتراط مشورة جميع المسلمين.

أما إذا ثبت وجود نصّ نبوي على خلافة علي عليه السلام ، فإنّ الاستناد إلى الشورى والاختيار لا يبقى أساساً لتصحيح البيعة.

ولهذا نُسب إلى أمير المؤمنين عليه السلام الاحتجاج بأنّ الشورى لم يكن فيها حضور جميع المشيرين ، وأنّ الاحتجاج بالقرابة لا يقتضي تقديم غير بني هاشم على من هو أقرب إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم.

أدلّة خلافة أبي بكر ومناقشة دلالاتها

استدلّ بعض علماء أهل السنّة بمجموعة من الأحاديث والحوادث لإثبات خلافة أبي بكر ، ويناقشها المقال من جهات مختلفة.

حديث « فأتي أبا بكر » : هل يدلّ على الخلافة ؟

ورد أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال لامرأة سألته عمّا تفعل إذا لم تجده : « فأتي أبا بكر ».

ولا يظهر من هذا الحديث ـ حتى مع التسليم بصحته ـ نصّ على الخلافة ؛ لأنّ الأمر الذي جاءت المرأة من أجله غير معلوم ، ويمكن أن يكون متعلقاً بأمر شخصي أو حاجة عادية ، ولا يلزم منه تولية أبي بكر للخلافة.

حديث « اقتدوا باللذين من بعدي » ودلالته على الخلافة

ورد حديث : « اقتدوا باللذين من بعدي : أبي بكر وعمر ».

ولا يدل الأمر بالاقتداء ، وفق هذا العرض ، على الخلافة ؛ لأنّ الاقتداء أعم من الإمامة والخلافة ، فقد يقتدى بشخص في بعض أفعاله أو خصاله من دون أن يكون خليفة.

كما أنّ الحديث ذُكر بألفاظ تتضمن الأمر بالاهتداء بهدي عمار والتمسك بعهد ابن مسعود ، مع عدم القول بخلافتهما ، فضلاً عن وجود كلام في أسانيد الحديث ، ولا سيّما ما يتعلق بالتدليس في بعض طرقه.

حديث الخُلّة : هل يثبت أحقية أبي بكر بالخلافة ؟

ورد عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال : « لو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً ».

ولا يرى هذا العرض أنّ الحديث يدل على الخلافة أو حتى على الأفضلية المطلقة ؛ فالخُلّة تدل على الصداقة والمحبة ، ويمكن أن تكون لأسباب متعددة ، ولا يلزم منها كون الشخص أولى بالخلافة.

حديث الكتاب في مرض النبي ودلالته على الخلافة

ورد عن عائشة أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أراد أن يكتب كتاباً في مرضه ، وقال إنّ الله والمؤمنين يأبون إلا أبا بكر.

ويُناقش الاستدلال بهذا الحديث من جهات عدّة، منها أنّ الرواية منقولة عن عائشة ، وأنّ الكتاب الذي أراد النبي كتابته لم يُذكر مضمونه صراحة ، فلا يثبت من الرواية أنّه كان يريد كتابة نصّ في الخلافة.

كما يُطرح سؤال عن مصير ذلك الكتاب ، وعن كيفية الاستدلال على أمر خطير كالإمامة بنص لم يطّلع عليه جمهور الصحابة.

حديث « أحبّ الناس إلى النبي » ودلالته على الخلافة

ورد في بعض الروايات أنّ أبا بكر كان أحب الرجال إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ، واستُدل بذلك على أفضليته.

لكن توجد روايات أخرى تذكر أنّ فاطمة الزهراء عليها السلام كانت أحب النساء إلى النبي ، وأنّ علياً عليه السلام كان أحب الرجال إليه ، كما وردت روايات في محبة النبي لأسامة بن زيد وأبي ذر والمقداد وسلمان وغيرهم.

وعليه ، فإنّ المحبة لا تساوي بالضرورة الأهلية للخلافة ، ولا يمكن جعلها وحدها دليلاً على تعيين الخليفة.

حديث « خلافة النبوة ثلاثون سنة » ودلالته

استُدل بحديث « خلافة النبوة ثلاثون سنة » على صحة خلافة أبي بكر ومن جاء بعده.

ويحمل المقال هذا الحديث على خلافة من نصّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم على خلافته ، ويربط مدة الثلاثين سنة بخلافة أمير المؤمنين علي عليه السلام ، ومن ثم لا يراه دليلاً على تصحيح خلافة من تقدّمه.

إمامة أبي بكر في الصلاة وعلاقتها بالخلافة

من أبرز الأدلة التي استُدل بها أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أمر أبا بكر أن يصلّي بالناس في مرضه الأخير ، وقيل إنّ ذلك دليل على أفضليته وبالتالي على استحقاقه للخلافة.

لكن إمامة الصلاة لا تساوي الخلافة العامة ، ولا يلزم من تقديم شخص للصلاة تعيينه إماماً للأمة في شؤونها السياسية والدينية. وتذكر الروايات معايير متعددة لتقديم الإمام في الصلاة ، منها الأقرأ والأقدم هجرة والأكبر سناً.

كما أنّ أشخاصاً آخرين صلّوا بالناس في ظروف مختلفة من غير أن يُفهم من ذلك أنّهم خلفاء للنبي.

هل القول بأحقية علي يستلزم الطعن في الصحابة ؟

استُدل أحياناً بأنّ القول بأحقية علي عليه السلام بالخلافة يستلزم تخطئة أبي بكر وعمر والمهاجرين والأنصار ، وأنّ ذلك طعن في جيل الصحابة.

ويُجاب عن ذلك بأنّ أقوال الصحابة ليست حجة مطلقة في مقابل النصوص النبوية ، وأنّ الصحابة ليسوا معصومين من الخطأ في الاجتهاد.

كما أنّ قبول اجتهادات الصحابة في الوقائع السياسية لا يعني وجوب تصحيحها في جميع الأحوال ، ولا يمنع من مناقشة قراراتهم إذا تعارضت مع نصوص ثابتة.

ويفرّق هذا الطرح بين من بايع تحت الإكراه أو دفعاً للفتنة ، وبين من سعى إلى الخلافة لنفسه أو عمل على إبعادها عن أمير المؤمنين عليه السلام لأسباب غير مشروعة.

خلاصة البحث ونتائجه

تخلص المناقشة إلى أنّ الأدلة التي استُدل بها على خلافة أبي بكر لا تنهض ـ وفق هذا العرض ـ لإثبات نصّ نبوي صريح أو واضح على خلافته ، كما أنّ البيعة لم تقم على إجماع شامل منذ البداية.

وتؤكد مجموعة من النصوص المنقولة عن أعلام أهل السنّة أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لم ينصّ على أبي بكر ، وأنّ خلافته قامت على الاختيار والبيعة.

كما أنّ حديث السقيفة الذي وصف البيعة بأنّها « فلتة » ، مع وجود صحابة لم يبايعوا في البداية ، ومع اختلاف الظروف والآراء التي أحاطت بالاجتماع ، يجعل دعوى انعقاد إجماع الصحابة على أبي بكر منذ البداية محلّ مناقشة.

ومن جهة أخرى ، فإنّ الأحاديث التي استُدل بها على خلافته ـ كحديث الاقتداء ، والخُلّة ، وإمامة الصلاة ، والكتاب الذي أراد النبي كتابته ، وكون أبي بكر أحب الرجال إليه ـ لا تتضمن ، بحسب هذا الطرح ، دلالة صريحة على الخلافة ، فضلاً عن أنّ بعضها تعارضه روايات أخرى أو يحيط بسنده أو دلالته نقاش.

وبناءً على ذلك ، يبقى البحث في خلافة أبي بكر مرتبطاً بالسؤال الأساس : هل ثبت عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم نصّ يعيّن الخليفة بعده ؟ فإذا ثبت النصّ على خلافة أمير المؤمنين علي عليه السلام ، فإنّ البيعة التي جرت في السقيفة لا يمكن أن تكون أساساً لتقديم غيره ، ولا يكون الاجتهاد السياسي الذي أعقب وفاة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم مبرراً لتجاوز النصّ.

 

التعليقات

Profile of User
Loading...

محتوى ذو صلة