الجواب من السيّد علي الحائري: لا علاقة لذلك بالنزعة العنصريّة أبداً ، فالعنصريّة هي النزعة التي تميّز الناس وترجّح بعضهم على بعض على أساس الدّم ، والعنصر الذي ينتمون إليه فيفضَّل مثلاً العنصر الآري على غيره ، وهذا ممّا لا يقرّ به الإسلام ويشجبه تماماً. أمّا مسألة حرمة زواج المسلمة من الكافر فهي عبارة عن ترجيح عقيدة على عقيدة وتفضيل مبدأ على مبدأ ، فالإسلام يرى أنّ أهمّ ما في الإنسان هو عقيدته ومبدؤه ويحاول الاجتناب عن كلّ ما يمكن أن يشكّل خطراً على المبدأ والعقيدة ويوجب الانحراف ، والمرأة عادةً تتأثّر بأفكار زوجها ، فإذا كان الزوج كافراً فمن الطبيعي أن يُتوقّع تأثّر الزوجة المسلمة بالتدريج بأفكاره ، وهذا ممّا لا يمكن للإسلام ـ الذي يرى أنّ الإيمان أهمّ شيء في الإنسان ـ أن يقبله ، فالقضية بعيدة كلّ البعد عن النزعة العنصريّة بل هي تمثّل النزعة العقيديّة والمبدأيّة في الإسلام ، واللّه العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: الإسلام دين شامل لكلّ جوانب الحياة وله موقف ورأي في كلّ الشؤون التي تمسّ الإنسان ومنها الشأن العامّ والشأن السياسي ، ومن الطبيعي جدّاً بالنسبة إلى كلّ مسلمٍ أن يحتكم إلى الشارع في كلّ شؤونه ، ويدعو أيضاً إلى الاحتكام إليه في كلّ الشؤون ، وليس هذا شيئاً قد ظهر في الآونة الأخيرة ـ كما توهّم السائل ـ بل الإسلام يمتاز بالشموليّة. قال تعالى : ( وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ) [ إبراهيم : 34 ] . وعن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « ما من شيء يقرّبكم إلى الجنّة ويبعدكم عن النار إلّا وقد أمرتكم به ، وما من شيء يبعدكم عن الجنّة ويقرّبكم إلى النار إلّا وقد نهيتكم عنه » . ويقول تعالى في الشأن العام والشأن السياسي : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّـهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) [ الأحزاب : 36 ] . وقال تعالى : ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) [ النساء : 65 ] . وقال تعالى : ( أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ) [ النساء : 59 ] . إذن لا مجال للديمقراطيّة ـ بمعناها الغربي ـ ولا للشورى ورأي الأمّة أو الأكثريّة في النظام السياسي الإسلامي وليست الأُمّة مصدر السلطات ولا الشورى ملزمة ، والمسلم لا يحتكم إلى رأي الجمهور ولا إلى الأكثريّة في تحديد النظام السياسي ، بل يحتكم إلى الكتاب والسنّة ، وقد عيّن الكتاب والسنّة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله على رأس النظام السياسي فقال : ( النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) [ الأحزاب : 6 ] ، ومن بعده الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه أفضل الصلاة والسّلام بالنصوص الكثيرة من القرآن والسنّة ، ومن بعده أحد عشر إماماً أوّلهم الحسن ثمّ الحسين ، ثمّ الأئمّة التسعة من ولد الحسين سلام اللّه عليهم أجمعين ، ونصّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله على عددهم في الحديث المتّفق عليه بين المسلمين فقال : « الأئمّة من بعدي اثنا عشر » ، وفي عصر غيبة الإمام الثاني عشر ـ كما في عصرنا الحاضر ـ أرجع الإسلام الناس إلى الفقهاء ، فهم ولاة الأمر في عصر الغيبة وهم الذين يحدّدون شكل الحكومة وسائر ما يرتبط بالجانب السياسي للمجتمع الإسلامي ، نعم قد يرى الفقيه الوليّ المتصدّي للجانب السياسي والحكومي المصلحة في أخذ رأي الناس أو التشاور مع مجموعة من الأخصّائيين وأهل الخبره في جانب من الجوانب ، فله ذلك والمجال مفتوح أمامه ، فتكون الشورى حينئذٍ من أجل تنضيج الفكرة الموجودة عنده ، لكنّها ليست ملزمة له ولا لغيره ، بل القرار النهائي يتّخذه وليّ الأمر ـ نبيّاً أو إماماً أو نائب إمام ـ ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ ) [ آل عمران : 159 ] فالعزم عزمه والقرار قراره ، وعلى الجميع أن يتّبعوه ويطيعوه. وصفوة القول هي أنّ الأكثريّة ليست مقياساً للحقّ ولا هي أقرب إلى الحقّ ولا هي مصدر السلطة ولا هي ملزمة ، وكذلك الشورى ورأي الأُمّة ، واللّه العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: إنّما يُحكّم العرف عندنا في فهم النصوص الشرعيّة ، وبالتالي في استنباط الأحكام الشرعيّة من مصادرها المقرّة ـ وهي عبارة عن القرآن الكريم والسنّة الشريفة ـ فالمناسبات العرفيّة المرتكزة في ذهن العرف تُلقي الضوء على الآية أو الرواية ، وبالتالي تجعلها ظاهرة عرفاً في معنى معيّن ، ويكون هذا الظهور العرفي حجّةً لدى الفقيه كما هو المقرّر في علم « أصول الفقه » ، فليس العرف بنفسه مصدراً للفتوى واستنباط الحكم الشرعي عندنا ، وإنّما المصدر هو الكتاب والسنّة ، غاية الأمر أنّ العرف ممّا يُستعان به في فهم الحكم الشرعي من مصدره ، والسّلام عليكم.
الجواب من السيّد علي الحائري: قبل الإجابة على الأسئلة الواردة أعلاه أودّ التنبيه على أمور ثلاثة : الأوّل : أنّ من الآداب التي ينبغي أن يلتزم بها كلّ مسلمٍ هو أن يصف الله بما هو وصف هو نفسه به ، ونحن نرى أنّه تبارك وتعالى وصف نفسه في القرآن الكريم بـ ( الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) حيث قال في آية الكرسي : ( وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) (1) ؛ فلماذا تقولون : صدق الله العظيم ؟!! الثاني : أنّ الرواية الأخرى القائلة : « كتاب الله وسنّتي » ليست ممّا اتّفق عليه الفريقان ، بل المتّفق عليه بين السنّة والشيعة هي الرواية الأولى القائلة : « كتاب الله وعترتي أهل بيتي » (2). الثالث : أنّ المستحب شرعاً عند ذكر إسم النبيّ هو الصلاة عليه وعلى آله ، أمّا الصلاة عليه فقط فهي الصلاة البتراء التي نهى صلّى الله عليه وآله عنها ؛ فلماذا تقولون : يقول النبيّ محمّد « صلّى اللّه عليه وسلّم » ؟ أليست هذه هي الصلاة البتراء المنهيّ عنها بإجماع المسلمين قاطبة ؟ والآن ندخل في صميم الموضوع ، ونحاول الإجابة على الأسئلة بالقدر الممكن في المقام : أمّا عن السؤال الأوّل ف هو أنّ عترة النبيّ صلّى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام هم : عليّ وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة التسعة من ذريّة الحسين وولده. وهم : علي بن الحسين السجّاد زين العابدين ، ومحمّد بن علي الباقر ، وجعفر بن محمّد الصادق ، وموسى بن جعفر الكاظم ، وعلي بن موسى الرضا ، ومحمّد بن علي التقي الجواد ، وعلي بن محمّد الهادي النقيّ ، والحسن بن علي العسكري ، ومحمّد بن الحسن المهدي القائم المنتظر. هؤلاء فقط هم عترته وأهل بيته المقصودون في هذا الحديث « حديث الثقلين ». وأمّا عن السؤال الثاني ف هو أنّ وجه الوصيّة بالعترة وأهل البيت عليهم السّلام هو أمر الله تبارك وتعالى نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بذلك ، والنبيّ صلّى اللّه عليه وآله لا يأتي بشيء من عنده : ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) (3) ؛ وقد صَرَّح صلّى الله عليه وآله في الحديث المتّفق عليه بين المسلمين كلّهم بأنّ الأئمّة من بعدي اثنا عشر (4). إذن هؤلاء هم العترة وهم أهل البيت وهم الأئمّة وهم خلفاؤه الحقيقيّون الذين وصّانا بهم النبيّ صلّى الله عليه وآله بأمرٍ من الله تبارك وتعالى ، بوصفهم امتداداً للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله في كلّ الصفات والخصوصيّات ما عدا النبوّة والوحي ، إذ لا نبيّ بعده صلّى الله عليه وآله ، فهو خاتم الرّسل والنبييّن قطعاً ، والشريعة الإسلاميّة هي خاتمة الشرائع ، والرسالة المحمّدية هي آخر رسالةٍ نزلت من السماء للبشريّة كلّها إلى يوم القيامة ، وحلال محمّد صلّى الله عليه وآله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة ، إلّا أنّ حلاله وحرامه لا يُعرف حقّاً إلّا من خلال الكتاب والعترة ؛ فالكتاب وحده لا يكفي ، إذ ليست فيه تفاصيل التشريعات والأحكام. فمقولة : « حسبنا كتاب الله » (5) مقولة خاطئة ، وتُنبئ عن سوء فهم للشريعة وللقرآن. هذا بالاضافة إلى أنّ القرآن نفسه بحاجة إلى مَن يفسّره ويشرحه للأُمّة ، إذ فيه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب ، وفيه أيضاً آيات متشابهات لابدّ من شرحها وبيان المقصود منها ، وهذا ممّا لا يعلمه إلّا العترة وأهل البيت الذين أكّدت الأحاديث الكثيرة على أنّهم ورثة علم رسول الله وخزّان الوحي وتراجمته. وأمّا عن السؤال الثالث ف هو أنّه لا يوجد هناك أيّ نزاع وخلاف بين المسلمين في حبّهم ، ولا ينكر أحد وجوب مودّتهم بوصفهم ذوي القربى الذين فرض الله تعالى مودّتهم وجعلها أجر الرسالة ، ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (6) ؛ فالمسلمون قاطبة مجمعون على مودّتهم. نعم هناك شرذمة قليلة تعاديهم وتعادي شيعتهم ، وهم النواصب ـ خذلهم الله تعالى ـ ، وهم محكومون بالكفر عندنا وإن انتحلوا الإسلام. وأمّا عن السؤال الرابع ف أنّ حبّهم وإن كان فرضاً وواجباً كما قلنا إلّا أن الذي أكّد عليه الحديث المذكور أعلاه ـ وهو حديث الثقلين ـ ليس عبارة عن حبّهم فحسب ، بل هو عبارة عن « الأخذ بالكتاب وبالعترة » أو « التمسّك بهما » على اختلاف النقل. ومن الواضح أنّ الأخذ والتمسّك بالشيء لا يتحقّق من خلال حبّه فقط ، بل يتحقّق من خلال اتّباعه والسير على منهجه وخطّه ، والعمل بما يقوله ويأمر به ، والارتداع عمّا ينهى عنه. فكما أنّ التمسّك بالقرآن لا يكون بحبّ القرآن بل بالعمل بالقرآن ، كذلك التمسّك بالعترة فلابدّ من العمل بأقوالهم واتّباع أفعالهم. ومن هنا كانت « السُنّة » عندنا أوسع دائرةً من السنّة النبويّة ؛ فهي تشمل أيضاً سنّة العترة أيّ أقوالهم وأفعالهم وكلّ ما أقرّوه وأمضوه ؛ فإنّ ذلك كلّه حجّة عندنا. وأمّا عن السؤال الخامس والأخير ف نعم ، بالإمكان جعل حبّ العترة هو المحور الرئيسي الذي يصلح أن يكون مدخلاً للتقارب وتوحيد الصف بين المسلمين ، وهذا ما نؤكّد عليه دائماً. والسّلام عليكم. الهوامش 1. البقرة : 255. 2. مسند أحمد / المجلّد : 3 / الصفحة : 14 و 17 / الناشر : دار الفكر. 3. النجم : 3 ـ 4. 4. بحار الأنوار « للمجلسي » المجلّد : 8 / الصفحة : 366 / الناشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت / الطبعة : 2. 5. صحيح البخاري / المجلّد : 5 / الصفحة : 11 ـ 12 / الناشر : دار إحياء التراث العربي. 6. الشورى : 23.
الجواب من السيّد علي الحائري: هو أنّ هذه المشكلة محلولة لدى فقهائنا من خلال « علم الرجال » الذي هو أحد العلوم التي يستند إليها الإجتهاد والاستنباط وتعتمد عليها الفقاهة ، فالفقيه لا يكون فقيهاً إلّا بعد أن يتقن جملةً من العلوم ويقضي شطراً كبيراً من عمره في الإمعان فيها ، ومن جملة هذه العلوم « علم الرجال » الذي يتكفّل إثبات الوثاقة أو عدم الوثاقة في كلّ طبقات الرواية إلى أن يصل السند إلى الأئمّة عليهم السلام. وهناك ضوابط ومقاييس لإثبات الوثاقة في كلّ راوٍ من الرواة وفي كلّ طبقة من الطبقات ، وهناك أيضاً ضوابط ومعايير لاعتماد الفقيه على رواية من الروايات في مجال فهم الحكم الشرعي واستنباطه أو عدم اعتماده على رواية في هذا المجال ، كلّ هذا ممّا تتطلبه عمليّة الاستنباط والاجتهاد وهي عمليّة تخصّصية تحتاج إلى دراسةٍ حوزويّة متقنة في الحوزات العلميّة وعلى يد أساتذة من أهل الفنّ والاختصاص في هذا المجال ، ولا يتاح ذلك لكلّ أحد فكما لا يمكن لكلّ إنسان أن يمارس « الطبابة » ، لأنّ الطبّ علم واختصاص ويتوقّف على دراسة متقنة وطويلة الأمد ، كذلك لا يمكن لكلّ إنسان أن يمارس « الاجتهاد ». إذن فالواجب على أمثال الأخ العزيز السائل مراجعة الفقهاء والمجتهدين وذوي الإختصاص واتّباعهم في معرفة الحكم الشرعي وليس الواجب عليه أن يجتهد هو ويستنبط كِي يواجه هذه المشكلة ، تماماً كما يراجع الطبيب الأخصّائي في معرفة المرض وعلاجه من دون أن يمارس هو شخصيّاً عمليّة « الطبابة » ، فالواجب عليه التقليد لا الاجتهاد.
من سماحة السيّد علي الحائري
الجواب من السيّد علي الحائري: نعم يعترف الإسلام بعاطفة « الحبّ » ، وبدورها الأساسي في دفع الإنسان وتحريكه حتّى ورد في بعض الروايات : « وهل الدّين إلّا الحبّ » ؟ غير أنّ الإسلام لا يحبّذ الحبّ الأعمى غير الهادف ولا الحبّ القائم على أساس لا مبدئي ، بل يؤكّد على الحبّ المبنيّ على القيم والمبادئ ، وقد رفع الإسلام شأن الحبّ والمودّة حتّى جعل أجر الرسالة النبويّة مودّة ذوي القربى « أهل بيته الطاهرين » : ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) [ الشورى : 23 ] . فحبّ أهل بيت النبيّ صلّى اللّه عليه وآله فرض وواجب على جميع المسلمين نصّ عليه القرآن الكريم في أكثر من آية ، وأكّدت عليه النصوص الكثيرة من السنّة الشريفة ، وهذا اللون من الحبّ هو من أرقى أنواع الحبّ والولاء لأنّه يقوم على أساسٍ مبدأي ويستهدف غايةً مقدّسةً. أمّا أنّه قائم على أساس مبدئي ، فلأنّ حبّهم سلام اللّه عليهم يمثّل حبّ كلّ الصفات الحسنى والفضائل الجمّة المتوفرة فيهم من « العلم » ، و « الوعي » ، و « الشجاعة » ، و « العدالة » ، و « الوفاء » ، و « الصدق » ، و « الزهد » وغيرها من الحسنات التي يتمتّعون بها ، وعلى رأسها « العبودية المخلصة للّه وحده » ، وكذلك « الجهاد » و « التضحيته » ، و « نكران الذات » ، و « مقارعة الظلم والفساد » ، و « الدفاع عن المظلومين والمحرومين والمستضعفين ». فنحن حينما نحبّ عليّاً أو الحسين أو أيّ واحد من الأئمّة عليهم أفضل الصلاة والسّلام إنّما نحبّهم لأنّهم عباد مخلصون للّه تعالى ومضحّون في سبيله وباذلون أنفسهم في مرضاته ومعارضون للظلم والفساد والطغيان ومدافعون عن حقوق المظلومين وعالمون بكلّ الشؤون والمتطلّبات اللازمة لتوفير الحياة السعيدة للإنسان في هذه الدنيا وفي الآخرة ، ولأنّهم مستجمعون لكلّ الصفات الحسنة التي يعشقها الإنسان ويحاول الاتّصاف بها في حياته ، فحبّهم إذن حبّ لتلك الصفات. هذا هو الحبّ القائم على أسس ومبادئ. وأمّا أنّ هذا الحبّ هو حبّ هادف ، فلأنّ الهدف والغاية من حبّ أهل البيت عليهم السّلام ومودّة ذوي القربى اتخاذهم سبيلاً إلى اللّه تعالى ووسيلةً إلى رضوانه ، فأجر الرسالة في الواقع إنّما هو في صالح الإنسان المحبّ لهم والمُوالي ويعود بالنفع عليه لا عليهم : ( قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ) [ سبأ : 47 ] ، ( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ) [ الفرقان : 57 ] ، « فَكانُوا هُمُ السَّبيلَ اِلَيْكَ وَالْمَسْلَكَ اِلى رِضْوانِكَ » [ دعاء الندبة ] . ثمّ إنّ هناك نقطة أُخرى في مسألة « الحبّ » لابدّ من أخذها بعين الاعتبار والاهتمام بها وعدم إهمالها وهي عبارة عن المحافظة على جانب الاعتدال في هذه العاطفة ، فإنّ لها القابليّة في أن تتطرّف في الإنسان وتذهب به إلى حدّ بحيث يعمى بصره فلا يرى شيئاً سوى ما يحبّ أو مَن يحبّ ، ولذا ورد في بعض النصوص : « مَن أحبّ شيئاً أعمى بصره » ، فينبغي للإنسان أن يلقّن نفسه دائماً أن لا يتطرّف في حبّه للأفراد أو الجماعات أو الأشياء إلى حدّ يعمى بصره عن رؤية السلبيّات والنواقص ، عصمنا اللّه وأيّاكم ، والسّلام عليكم.
الجواب من السيّد علي الحائري: في ما يتعلّق بالسؤال الأوّل نقول : إنّ المقصود بالعقل والتعقّل الذي جاء التأكيد عليه كثيراً في النصوص الشرعيّة من الكتاب والسنّة عبارة عن التأمّل والتعقّل في كلّ ما يرتبط بمبدأ الكون وبمعاده ونهايته ، فالعقل السليم هو الذي يربط هذا الكون بخالقه وبدايته ويربطه أيضاً بنهايته واليوم الآخر الذي يجازى فيه الإنسان على ما قام به في حياته : « العقل ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان ». وفي ما يتعلّق بالسؤال الثاني نقول : إنّ النزعة العقليّة التي نؤكد عليها عبارة عن تحكيم العقل في فهم أصول الدين ومعرفتها ، والبرهنة عليها بالمقدار الذي تحصل للإنسان القناعة الكاملة بها ، والوثوق الشخصي بمحتوياتها ، وكذلك تحكيم العقل في فهم النصوص الشرعيّة من القرآن الكريم والسنّة الشريفة ، لكن يجب أن نلتفت إلى نكته هامّة بهذا الصدد وهي أنّ العقل وإن كنّا نؤمن به كمصدر من مصادر الفتوى حيث إنّ الدليل العقلي حجّة ويجوز العمل به ، لكن هذا لا يعني سوى أنّ العقل حجّة في فهم الأحكام واستنباط التشريعات ، وليس معنى ذلك أنّ العقل حجّة في إدراك ملاكات الأحكام وفلسفتها والهدف منها بالضبط ، فملاكات الأحكام لا سبيل إلى معرفتها إلّا الشارع نفسه ، ولذا ورد في الأخبار : « إنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول » . وأمّا عن السؤال الثالث : فالجواب هو أنّ كلّ مسلك واتّجاه يحاول الجمود على ظواهر النصوص الشرعيّة من دون الاستعانة في فهمها بالعقل فهو في الواقع يعطّل وظيفة العقل ويجمّد دوره المسموح له به من قبيل المسلك الظاهري لدى « السُنّة » ، ومن قبيل المسلك الأخباري لدى « الشيعة ». فنحن إذن في الوقت الذي لا نسمح فيه للعقل بإدراك ملاكات الشريعة لا نجمّد أيضاً دوره الأساسي في فهم الشريعة من نصوصها واستنباط الأحكام من مصادرها ، واللّه العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: على فرض صحّة سند هذه الرواية وصدور هذا الكلام من المعصوم عليه السلام ، لعلّ المقصود به هو أنّ الزهراء سلام الله عليها هي في الواقع همزة الوصل بين « النبوّة » و « الإمامة » ، كما أنّ الأئمّة عليهم السلام هم همزة الوصل بين « الله تعالى » والناس. فقوله : نحن حجج الله عليكم ، وأُمّنا فاطمة حجّة الله علينا (1) ، يريد التأكيد على هذا الدور المهمّ الذي منحت الصدّيقة سلام الله عليها به. فلعلّ الكثير من الأمور كان يأخذها الأئمّة عليهم السلام من « مصحف فاطمة » الموجود بأيديهم ، والذي يحتوي على الحقائق التي أخذتها الزهراء سلام الله عليها من أبيها رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وأملته على الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام ، فكتبه بخطّه. (2) ونجد في بعض الروايات أحياناً استشهاد الأئمة عليهم السلام بهذا المصحف ، واستدلالهم على بعض الأمور بوجوده في « مصحف فاطمة ». (3) والله العالم. الهوامش 1. أطيب البيان « للسيد عبدالحسين الطيب » / المجلّد : 13 / الصفحة : 225 / الناشر : انتشارات اسلام / الطبعة : 2. 2. راجع : الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 240 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 3. بصائر الدرجات « لمحمد بن الحسن الصفار » / الصفحة : 173 ـ 175 / الناشر : مؤسسة الأعلمي. دلائل الإمامة « لمحمد بن جرير الطبري » / الصفحة : 104 ـ 107 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. الوافي « للفيض الكاشاني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 581 / الناشر : مكتبة أمير المؤمنين علي عليه السلام / الطبعة : 1. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 22 / الصفحة : 545 ـ 546 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. 3. راجع : الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 240 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 3. الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 242 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 3. بصائر الدرجات « لمحمّد بن الحسن الصفار » / الصفحة : 174 / / الناشر : مؤسسة الأعلمي. الوافي « للفيض الكاشاني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 579 ـ 580 / الناشر : مكتبة أمير المؤمنين علي عليه السلام / الطبعة : 1. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 26 / الصفحة : 38 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2.
الجواب من السيّد علي الحائري: لأنّهم ليسوا المشركين فلا تشملهم الآية الشريفة ، نعم هم كفّار لكنّهم ليسوا مشركين بل هم من أهل الكتاب ويختلفون عن المشركين في كثير من الأحكام ، ومنها هذا الحكم المذكور في السؤال. والله العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: إنّما يتمّ ذلك من خلال الرجوع إلى الفقهاء في أخذ معالم الدين والتمييز بين الدين وغيره ، فهم المحاور والمراجع والأخصّائيون في شؤون الدّين ، فإنّ استخراج الحكم الشرعي من مصدره الأساسي ـ وهو القرآن الكريم والسنّة الشريفة ـ ليس عمليّة ميسورة لكثير من الناس بل هي عملية معقّدة وبحاجة إلى جهد علمي وذلك نتيجة الفاصل الزمني والابتعاد عن عصر نزول القرآن الكريم وصدور السنّة الشريفة ، فيزداد هذا الجهد العلمي ضرورةً وتتنوّع وتتعمّق ـ أكثر فأكثر ـ متطلّباته وحاجاته كلّما ابتعد الإنسان عن زمان صدور النصّ الشرعي ـ كتاباً وسنّةً ـ وامتدّ الفاصل الزمني بينه وبنبيّه بكلّ ما يحمله هذا الامتداد من مضاعفات كضياع جملة من الأحاديث ولزوم تمحيص الأسانيد وتغيّر كثير من أساليب التعبير وقرائن التفهيم والملابسات التي تكتنف الكلام ودخول شيء كثير من الدسّ والإفتراء في مجاميع الروايات ، كلّ هذا يتطلّب عناية بالغة في التمحيص والتدقيق. هذا إضافةً إلى أن تطوّر الحياة يفرض عدداً كبيراً من الوقائع والحوادث الجديدةً التي لم يرد فيها نصّ خاصّ من كتاب أو سنّة ، فلا بدّ من استنباط حكمها على ضوء القواعد العامّة ، ومجموعة ما بأيدينا ممّا أعطانا الشارع من أصول وتشريعات. كلّ ذلك وغير ذلك ممّا لا يمكن استيعابه في هذا الحديث الموجز أدّى إلى أن أصبح التعرّف على الحكم الشرعي وفهم الدين في كثير من الحالات عملاً علميّاً معقّداً وفنّاً تخصيصيّاً يعجز عنه عامّة الناس ، لأنّه بحاجة إلى جهد وعناء وبحث ودارسة طويلة الأمد. نعم في بعض الحالات التي يكون الحكم الشرعي فيها واضحاً كلّ الوضوح لا يحتاج الأمر إلى الجهد العلمي المذكور ، لكن « الدين » لا يقتصر على ذاك البعض ، بل يمتدّ ليشمل كلّ أبعاد وجود الإنسان وكلّ مناحي حياته بوصفه « الدين القيّم » عل توجيه الحياة الإنسانيّة ، وبوصفه أشرف رسالات السماء وخاتمها ، والمنسجم مع فطرة الإنسان : ( صِبْغَةَ اللَّـهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّـهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ) [ البقرة : 138 ] ، ( فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) [ الروم : 30 ] . هذا هو شأن فهم « الدين » في عصورنا البعيدة عن عصر النصّ والتشريع. ولم يشذّ فهم الدين في هذا الجانب عن سنّة الحياة في سائر نواحيها ، فأيّ مجال من مجالات الحياة إذا لاحظناه نجد أن ممارسته تتطلّب معرفة معيّنة ، وأنّ جزءاً من هذه المعرفة قد يكون واضحاً ومتيّسراً لعموم الناس ، لكنّ الجزء الأكبر منها غير واضح ويتطلّب جهداً علميّاً ، ومعاناة في الدرس والبحث. خذ إليك مثلاً : المجال الصحّي ، فكلّ إنسان يعلم ـ بحكم التجربة الساذجة في حياته ـ إنّه إذا تعرض إلى مناخ بارد وفجأة فقد يصاب بأعراض حُمّى ، ولكن كثيراً من أساليب الوقاية والعلاج لا يعرفها الإنسان إلّا عن طريق الطبيب ، ولا يعرف الطبيب إلّا من خلال البحث والجهد العلمي ، وهكذا الحال في مجال التعمير والبناء ، وفي مجال الزراعة والصناعة على اختلاف فروعها. ومن هنا وجد كلّ إنسان إنّه لا يمكن عمليّاً أن يتحمّل بمفرده ووحده مسؤوليّة البحث والجهد العلمي الكامل في كلّ ناحية من نواحي الحياة ، لأنّ هذا عادة أكبر من قدرة الفرد وعمره من ناحية ولا يتيح له التعّمق في كلّ تلك النواحي بالدرجة الكبيرة من ناحية أُخرى ، فاستقرّت المجتمعات البشريّة على أن تخصّيص لكلّ مجال من مجالات المعرفة والبحث عدد من الناس ، فيكتفي كلّ فرد في غير مجال اختصاصه بما يعلم على البديهة ويعتمد في ما زاد عن ذلك بين الناس على ذوي الاختصاص محمّلاً لهم المسؤلية في تقدير الموقف ، وكان هذا لوناً من تقسيم العمل بين الناس سار عليه الإنسان بفطرته منذ أبعد العصور. ولم يشذّ الإسلام عن ذلك بل جرى على نفس الأساس الذي أخذ به الإنسان في كلّ مناحي حياته ، فوضع مبدأي « الإجتهاد » و « التقليد » ، فـ « الإجتهاد » هو التخصّص في علوم الشريعة ، و « التقليد » هو الإعتماد على المتخصّصين ، فكلّ إنسان يريد التعرّف على الدين والشريعة وأحكامها يعتمد : أوّلاً : على ما يعلمه بالبداهة والوضوح من الدين. وثانياً : على المجتهد المتخصّص في علوم الشريعة فيرجع إليه في فهم ما لا يعرفه بالبداهة من الدين. ولم يكلّف الإسلام كلّ إنسان بـ « الإجتهاد » ومعاناة البحث والجهد العلمي من أجل التعرّف على الحكم الشرعي ، وذلك من أجل توفير الوقت وتوزيع الجهد الإنساني على كلّ حقول الحياة. كما لم يأذن الإسلام لغير المتخصّص المجتهد بأن يحاول التعرّف المباشر على الدين والشريعة وأحكامها من القرآن الكريم والسنّة الشريفة ، ويعتمد على محاولته هذه يثق بها ، انّ هذا ممّا لا يجوز له ويكون من قبيل أن يحاول الإنسان التعرّف المباشر على المرض وطريق علاجه من دون أن يكون قد درس شيئاً من علم الطبّ ، بل الواجب على غير المجتهد المتخصّص أن يتعرّف على الدين وأحكامه بصورة غير مباشرة ، أيّ عن طريق التقليد والإعتماد على العلماء والمجتهدين المتخصّصين في علوم الشريعة. وبهذا كان التقليد أمراً واجباً مفروضاً في الدين. وعلى هذا الأساس يكون « التقليد » في الواقع عبارة عن تحميل المسؤوليّة لذوي الإختصاص والمعرفة ، الأمر الذي جرت عليه سنّة الحياة في سائر المجالات كالمجال الصحّي الذي تقدّمت الإشارة إليه. وإنّما سمّي تقليد المجتهد « تقليداً » ، لأنّ المكلّف يضع عمله كالقلادة في رقبة المجتتهد الذي يقلّده تعبيراً رمزياً عن تحميله مسؤوليّته هذا العمل أمام الله سبحانه وتعالى ، وليس « التقليد » هو التعصّب الأعمى والإعتقاد بما يعتقده الآخرون جهلاً وبدون دليل. ففرق كبير بين أن يُبدي شخص رأياً معيّناً فتسارع أنت إلى اليقين ، والإعتقاد بذلك الرأي بدون ان تعرف دليلاً عليه وبدون أن يكون ذاك الشخص من ذوي الإختصاص والمعرفة بذاك الأمر ، وبين أن يبدي شخص رأياً فتتّبعه أنت وتحمّله مسؤوليّة هذا الرأي بحكم كونه من ذوي الإختصاص والمعرفة ، فالأوّل هو « التقليد المذموم عقلاً وشرعاً » ، الثاني هو « التقليد الصحيح الذي جرت عليه سنّة الحياة ، ويؤكّده العقل والشرع ». وقد احتاطت الشريعة لـ « التقليد » احتياطاً كبيراً ، ففرضت على الإنسان أن يقلّد أعلم المتخصّصين في حالة اختلاف آرائهم وأن لا يقلّد إلّا مَن كان عادلاً لا يميل عن الشرع إلى هواه خطوةً واحدة في صغير الأمور وكبيرها ، وذلك لكي يضمن المقلّد عن هذا الطريق أكبر درجة ممكنة من الصواب في رأي مرجعه الديني ومجتهده المتخصّص الذي يرجع إليه في فهم « الدين ». وأمرت الشريعة الإنسان بالعدول إلى الأكفأ والأعلم في اللحظة التي يجد فيها مَن هو أعلم و أكفأ من مجتهده الذي كان يقلّده ، كلّ ذلك للابتعاد بالتقليد عن معنى المتابعة العمياء ، والمتعصّب المذموم. وعلى ذلك جرت سنّة المؤمنين والمسلمين منذ عصور الأئمّة عليهم السّلام إلى يومنا هذا ، فقد كان الأئمّة عليهم السّلام يوجّهون السائلين من أبناء البلاد والأمصار الأُخرى إلى اتّباع الفقهاء من أبناء مدرستهم والرجوع إليهم ، وتقليدهم في فهم الشريعة وأحكامها ، ولا يرون لهم عذراً في التسامح في ذلك : « لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك في ما يرويه عنّا ثقاتنا » . وفي الوقت الذي أوجبت فيه الشريعة « التقليد » بالمعنى الذي ذكرناه ، وذلك في فروع الدين من الحلال والحرام ، نرى أنّها حرّمت « التقليد » حتّى بهذا المعنى في أصول الدين فلا يجوز للإنسان أن يقلّد في عقائده الدينيّة الأساسيّة أحداً حتّى ولو كان من ذوي الاختصاص والمعرفة ، ولم تسمح الشريعة للإنسان بأن يتّبع غيره في رأي يُبديه في أصول الدين بدون أن يعرف دليله عليه ويثق هو شخصيّاً بذاك الرأي ، فالمطلوب شرعاً في أصول الدين هو أن يحصل لكلّ شخص العلم واليقين بربّه ونبيّه ومعاده وإمامه ، وأن يتحمّل بنفسه مسؤوليّة عقائده الدينيّة الأساسيّة ، بدلاً عن أن يقلّد فيها ويحمّل غيره مسؤوليّتها. وأصول الدين محدودة عدداً من ناحية ، ومنسجمة مع الفطرة والعقل على نحو تكون الرؤية الباشرة الواضحة ميسورة فيها للإنسان غالباً من ناحية أُخرى ، وذات أهمّية قصوى في حياة الإنسان من ناحية ثالثة ، فلذا كان تكليف الشريعة كلّ إنسان ببذل الجهد المباشر في البحث عنها واكتشاف حقائقها أمراً طبيعياً ، ولا يواجه غالباً صعوبة كبيرة ولا يؤثّر على المجرى العملي لحياة الإنسان. وحتّى إذا واجه أحياناً صعوبات فالإنسان جدير ببذل الجهد لتذليل تلك الصعوبات فيجب عليه بحكم العقل أن يجهد لكي يصل إلى الحقيقة ، وذلك لأنّ المسألة مسألة عقيدة ، والعقيدة هي أهمّ شيء في كيان الإنسان وشخصيّته وإذا جهد وبذل ما في وسعه فسوف يصل إلى الحقيقة إن شاء الله تعالى : ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) [ العنكبوت : 69 ] . هذا هو مبدأ « الإجتهاد » ، وهذا هو مبدأ « التقليد ». وهذان المبدأن مستمرّان لا ينقطعان ، ومتجدّدان لا يجمدان مادام العصر عصر غيبة الإمام المعصوم عليه أفضل الصلاة والسّلام وعجّل الله فرجه ، وذلك لأنّ مصادر الشريعة محفوظة ـ ولله الحمد ـ إلى يومنا هذا في « القرآن الكريم » كاملاً ، و بدون أيّ نقصان ، وكذلك في عدد كبير من أحاديث « السنّة الشريفة ». إذن فمن الطبيعي أن يستمرّ « الإجتهاد » كتخصّص علمي في فهم تلك المصادر واستخراج الشريعة والدين منها ، ومن الطبيعي أيضاً أن تنمو خبرات المجتهدين وتتراكم لفتاتهم وانتباهاتهم على مرّ الزمن وتكون للمجتهد المتأخّر زمنيّاً رصيداً أكبر وعمقاً أوسع بالإستنباط. وهذا من الأسباب التي تدعوا إلى عدم جواز جمود المقلّدين على رأي فقيه من فقهاء عصر الغيبة طيلة قرن أو قرون ، لأنّ ذلك كالجمود على رأي طبيب من الأطبّاء طيلة قرن أو قرون رغم نموّ الطبّ بعده وتراكم الخبرات لدى الأطبّاء خلال تلك المدّة. ومن هنا كانت رابطة المقلّد بالمرجع الديني رابطةً حيّة متجدّدة باستمرار ويزيدها قدسيّة ما يتمثّل في المرجع من نيابة عامّة عن الإمام الغائب عليه أفضل الصلاة والسّلام. وحينما وضعت الشريعة هذين المبدأين ـ الإجتهاد والتقليد ـ كمبدئين مستمرّين مادام « الكتاب » و « السنّة » ، وفرضت « المجتهد » محوراً ومرجعاً للناس في شؤون الدين ، استعملت كلّ الأساليب الكفيلة بإنجاح هذين المبدئين وأدائهما لرسالتهما الدينيّة باستمرار : فمن ناحية نرى أنّ الشريعة أوجبت « الإجتهاد » وجوباً كفائيّاً على المسلمين ، ومعنى الوجوب الكفائي هو أنّه إذا قام به البعض وبلغوا درجة الإجتهاد سقط الوجوب عن الآخرين ، وإذا أهمل المسلمون جيمعاً هذا الواجب فلم يتوفّر في المجتمع الإسلامي مجتهد واجد للشروط يرجع إليه الناس في شؤون الدين كان الجميع آثمين مستحقّين للعقوبة الإلهيّة الأُخرويّة. والعدد الواجب توفّره في المجتمع من المجتهدين ليس محدَّداً شرعاً بل يتحدّد وفقاً للحاجة. هذا عن ايجاب الشريعة للإجتهاد وحثّها على طلب العلم ودراسة علوم الشريعة ، قال الله تبارك وتعالى : ( فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) [ التوبة : 122 ] . ومن ناحية أُخرى نرى أنّ الشريعة حثّت على التمسّك بالعلماء والسؤال منهم ، قال تعالى : ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) [ النحل : 43 ، الأنبياء : 7 ] . وقدّمت العلماء إلى الناس بوصفهم ورثةً للأنبياء ، فقد جاء في الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنّ « العلماء ورثة الأنبياء » [ الكافي : 1 : 34 ، الحديث 1 ] . وجاء عنه صلّى الله عليه وآله أنّه قال : « اللهم ارحم خلفائي » . فقيل : يا رسول الله ، ومَن خلفاؤلك ؟ قال : « الذين بأتون من بعدي يروون عنّي حديثي وسنتّي فيعلّمونها الناس من بعدي » [ وسائل الشيعة 18 : 66 ] . وفي رواية عن الإمام أمير المؤمنين علي عليه أفضل الصلاة والسّلام أنّه قال : « مجاري الأمور و الأحكام على أيدي العلماء بالله ، الأمناء عل حلاله وحرامه » [ تحف العقول : 238 ] . إلى غير ذلك من الأحادث الروايات . ورغّبت الشريعة ـ بشتّى الأساليب ـ في التقرّب من العلماء والإستفادة منهم حتّى جعلت النظر إلى وجه العالم عبادة ، للترغيب في الرجوع إليهم والأخذ منهم. وبقدر عظمة المسؤوليّة التي أناطتها الشريعة بالعلماء شدّدت عليهم وتوقّعت منهم سلوكاً عامراً بالتقوى والإيمان والنزاهة ، نقيّاً من كلّ ألوان الاستغلال للعلم لكي يكونوا ورثة الأنبياء حقّاً. فقد جاء عن الإمام الحسن العسكري عليه السّلام في هذا الصدد قوله : « فأمّا مَن كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوامّ أن يقلّدوه » . [ تفسير الإمام العسكري : 300 ] وفي رواية عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال : « مَن استأكل بعلمه افتقر » . فقيل له : إنّ في شيعتك قوماً يتحمّلون علومك ويبثّونها في شيعتكم يتلقون منهم الصلة. فقال : « ليس أولئك بمستأكلين إنّما ذاك الذي يفتي بغير علم ولا هدى من الله ليبُطل به الحقوق طمعاً في حطام الدين » . [ وسائل الشيعة 18 : 102 ] . وفي حديث عن الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله أنّه قال : « الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخول في الدنيا » . [ الكافي 1 : 46 ] . وأخيراً فقد جاء في الأحاديث التأكيد على أنّ مبدأ الإجتهاد أضافة إلى استمراره شرعاً ـ كما لاحظنا ـ مستمرّ عملاً وواقعاً وأنّ الدين لن يعدم ولن يفقد أبداً العلماء القادرين عل استيعابه والتفقّه فيه وتفهيمه للآخرين ورفع الشبهات عنه والدفاع عن حوزته. فقد جاء في الحديث الشريف عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنّه قال : « يحمل هذا الدين في كلّ قرن عدون ينفون عنه تأويل المبطلين وتحرف الغالين وانتحال الجاهلين كما ينفي الكير خبث الحديد » . [ وسائل الشيعة 18 : 109 ] . وصفوة القول هي أنّ التفريق بين ما هو دين ثابت وما هو ليس كذلك لا سبيل إليه عادة سوى الرجوع إلى الأخصائيين في شؤون الدين. والله العالم ، والسّلام عليكم.
الجواب من السيّد علي الحائري: قد تطلق كلمة « البدعة » ويقصد بها معناها العام الشامل لأمرين كلاهما محرّم في الشريعة : أحدهما : هو الكذب والإفتراء الذي يعني إدخال ما ليس من الدين في الدين بمعنى أن تنسب إلى الدين وإلى الشريعة أمراً لم يقرّه الدين حقّاً ولم تقل به الشريعة ، فإنّ هذا كذب وإفتراء ، وهو محرّم شرعاً ، قال الله تبارك وتعالى : ( آللَّـهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّـهِ تَفْتَرُونَ ) [ يونس : 59 ] ؟ وثانيهما : هو التشريع الذي يعني إدخال ما لم يعلم كونه من الدين في الدين ، بمعنى أن تنسب إلى الدين والشارع أمراً لا تعلم يقيناً إنّه ممّا أقرّه الشرع بل تحتمل عدم كونه من الدين ، فإنّ هذا الإسناد تشريع وحرام شرعاً ، قال الله تبارك وتعالى : ( أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّـهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) [ البقرة : 80 ] ؟ هذه هي البدعة المحرّمة وهي الضلالة بعينها. أمّا الخلاف الفقهي الدائر بين الفقهاء في المسائل الفقهية فهو ليس داخلاً في دائرة « البدعة » بل هو خلاف دائر بين الأخصّائيين في شؤون الدين حول أمر معيّن ، فيراه أحد طرفي الخلاف أنّه من الدين بينما يراه الطرف الآخر أنّه ليس من الدين وكلّ من طرفي الخلاف يعتقد بما يراه ويثق به يقيناً ، فلا هذا الطرف كاذب أو مشرِّع ولا ذاك الطرف ، لأنّ الطرف الأوّل الذي يرى أنّ هذا الأمر من الدين قاطع وجازم بذلك وهو من المتخصّصين في الشريعة حسب المفروض. إذن فقطعه هذا يبرّر له إسناد ما يراه إلى الشارع ، فإنّ القطع بالحكم الشرعي موضوع لجواز إسناد ذاك الحكم إلى الشارع والإفتاء به حتّى وإن لم يكن ذاك الحكم ثابتاً في الشريعة واقعاً وكان قطع هذا المجتهد المتخصّص خاطئاً وغير مطابق للواقع ، فإنّ هذا الإسناد والإفتاء ليس كذباً وإفتراءاً في نظر هذا الشخص بل هو بحكم إحرازه أنّ هذا من الدين يحرز أنّ الإفتاء به وإسناده إلى الشارع ليس كذباً وإفتراءاً. إذن فالطرف الأوّل قاطع وجازم بأنّه ليس كاذباً ومفترياً كذلك هو جازم بأنّه ليس مشرّعاً ، لأنّ التشريع المحرّم ـ كما لاحظنا ـ عبارة عن إسناد ما لم يعلم كونه من الدين إلى الدين ، بينما الطرف الأوّل حينما يسند الأمر المعيّن إلى الشارع يعلم إنّه من الدين ، فإسناده وإفتاؤه ليس إسناداً وإفتاءاً لما لا يُعلم. هذا هو الحال الطرف الأوّل من طرفي الخلاف وهو الذي يرى أنّ هذا الأمر من الدين فلا هو كاذب ولا هو مشرّع. وكذلك حال الطرف الثاني الذي ينكر كون هذا الأمر من الدين ، فإنّ إنكاره هذا ليس في نظره ورأيه كذباً وإفتراءاً على الشارع ، لأنّه قاطع بذلك كما قلنا ، وقطعه يبرّر له ذلك تماماً كما لاحظنا في الطرف الأوّل ، وليس إنكاره تشريعاً أيضاً ، لأنّه ليس ممّا لا يعلم كما قلنا. إذن فالخلاف الفقهي بين الفقهاء في مسألةٍ معيّنة لا يتمّ إلى « البدعة » بصلة أبداً ، بل هو كالخلاف الدائر بين الأطبّاء في مسالة طبيّة معيّنة ، فكما أنّ الخلاف الطبّي لا يُعتبر إدخالاً لما ليس من الطبّ في الطبّ ، كذلك الخلاف الفقهي. وأمّا السبيل للتمييز بين ما هو ابتداع في الدين وما هو اجتهاد فقهي فهو عبارة عن التخصّص في علوم الشريعة ، وبذل الجهد العلمي وتحمّل عناء البحث والدرس الطويل الأمد إلى أن يصبح الإنسان من ذوي الإختصاص والمعرفة لكي يكون قادراً عل التمييز بين الأمرين ، وبدون ذلك لا يتيسّر التفريق بينهما ، ولا تخلو محاولة التفريق حينئذٍ من خطر الإنحراف الذي يهدّده ، والله العاصم ، والسّلام عليكم.
من سماحة السيّد علي الحائري لا نعرف كنه الإسم الأعظم ، لكنّنا نؤمن بوجوده وبآثاره وبركاته ، لدلالة النصوص على ذلك ، واللّه العالم.