الجواب من السيّد علي الحائري: نعم ، كان موجوداً في البيت كما ترويه الروايات (1) ، وهو الذي سمح لها بفتح الباب ، وحاشا للزهراء سلام الله عليها أن تقوم بعملٍ لا يرضى به الإمام أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام. والهدف معارضة تلك الخلافة الغاصبة ، وشجب تلك البيعة المشؤومة ، ورفض البيعة غير المشروعة ، والإعلان عن مخالفة عليّ عليه السّلام لما قرّروه من خلافة أبي بكر. ولعلّ السّبب والحكمة في ترشيح الزهراء سلام الله عليها للقيام بهذا الدور في ذاك الظرف الحسّاس ، ما كانت تتمتّع به من مكانة خاصّة عند المسلمين باعتبارها حبيبة المصطفى صلى الله عليه وآله ، فكان من الطبيعي أن يُتوقّع ارتداع المهاجمين على دارها ، ورجوعهم عن مداهمة البيت عندما يواجهون الزهراء سلام الله عليها خلف الباب ، حتّى أنّهم عارضوا عمر بن الخطّاب حينما هَدَّد أن يحرق الدار على مَن فيها ، وقالوا له : إنّ فيها فاطمة ، لكن مَن كان يتوقّع أن يجيب على هذا الاعتراض بقوله : وإنْ (2) ، يعني حتّى وإن كانت فيها فاطمة. وأمّا سكوت الإمام سلام الله عليه ، وعدم قيامه بأيّ دفاعٍ وردّ فعلٍ ؛ فلأنّّه كان مأموراً من قِبَل النبيّ صلّى الله عليه وآله بالسكوت والصبر (3). فسلام الله على الزهراء وعلى أبيها وبعلها وبنيها. الهوامش 1. راجع : كتاب سليم بن القيس الهلالي / الصفحة : 148 ـ 150 / الناشر : دليل ما. تفسير العياشي / المجلّد : 2 / الصفحة : 66 ـ 67 / الناشر : المكتبة العلميّة الإسلاميّة ـ تهران. أنساب الأشراف « للبلاذري » / المجلّد : 1 / الصفحة : 586 / الناشر : معهد المخطوطات بجامعة الدول العربيّة. الإمامة والسياسة « لابن قتيبة الدينوري » / المجلّد : 1 / الصفحة : 30 ـ 31 / الناشر : الشريف الرضي ـ قم. 2. الإمامة والسياسة « لابن قتيبة الدينوري / المجلّد : 1 / الصفحة : 30 / الناشر : الشريف الرضي ـ قم : قال : وإن أبا بكر رضي الله عنه تفقد قوماً تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه ، فبعث إليهم عمر ، فجاء فناداهم وهم في دار علي ، فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها ، فقيل له : يا أبا حفص ، إن فيها فاطمة ؟ فقال : وإنْ ، ... راجع : أبهى المداد « لابن عطية » / المجلّد : 1 / الصفحة : 474 / الناشر : مؤسسة الأعلمي. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 28 / الصفحة : 356 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. 3. راجع : كتاب سليم بن القيس الهلالي / الصفحة : 150 / الناشر : دليل ما. كتاب سليم بن القيس الهلالي / الصفحة : 134 ـ 136 / الناشر : دليل ما. خصائص الأئمّة « للسيد الرضي » / الصفحة : 72 ـ 73 / الناشر : مجمع البحوث الإسلاميّة. نهج البلاغة « للسيد الرضي » / الصفحة : 48 / الناشر : مركز البحوث الإسلاميّة / الطبعة : 1.
من سماحة السيّد علي الحائري العبارة الواردة في الزيارة الجامعة الكبيرة ، وهي التي يخاطب فيها الزائر الأئمة (عليهم السلام) هي : « بِاَبى اَنْتُمْ وَاُمّى وَنَفسى وَاَهْلى وَمالى ، ذِكْرُكُمْ فِى الذّاكِرينَ ، وَاَسْماؤُكُمْ فِى الاَْسْماءِ ، وَاَجْسادُكُمْ فِى الاَْجْسادِ ، وَاَرْواحُكُمْ فِى اْلاََرْواحِ ، وَاَنْفُسُكُمْ فِى النُّفُوسِ ، وَآثارُكُمْ فِى الاْثارِ ، وَقُبُورُكُمْ فِى الْقُبُورِ ، فَما اَحْلى اَسْمائَكُمْ وَاَكْرَمَ اَنْفُسَكُمْ ، وَاَعْظَمَ شَأنَكُمْ ، وَاَجَلَّ خَطَرَكُمْ ، وَاَوْفى عَهْدَكُمْ ، وَاَصْدَقَ وَعْدَكُمْ » . وهذه العبارة نفهم منها أن الأئمة (عليهم السلام) بالرغم من كونهم من البشر لكنّهم ليسوا كسائر البشر ، فهي في الوقت الذي تنفي فيه الغلوّ وتشجبه ، وتؤكّد على كونهم (عليهم السلام) مخلوقين كسائر الخلق ، تميّزهم عن غيرهم ، وتشجب فكرة أن يقاس بهم أحد ، فتقول أيّها الزائر الكريم مخاطباً لهم : يا مواليَّ إنّ ذكركم وإن كان ممّا تلهج به ألسنة الذاكرين الذين يذكرونكم ويذكرون غيركم، وإنّ أسمائكم وإن كانت معدودة ضمن سائر الأسماء ، وإنّ أجسادكم وإن كانت تعيش في البيئة التي تعيش فيها سائر الأجساد ، وإنّ أرواحكم وأنفسكم وإن كانت موجودة ضمن سائر الأرواح والنفوس ، وإنّ آثاركم وإن كنّا نشاهدها ضمن آثار الآخرين وقبوركم معدودة ضمن سائر القبور ، فأنتم يا مواليَّ إذن من البشر ومخلوقون كسائر الخلق ولستم آلهة ، لكن هيهات أن يقاس بكم أحد ، فلا يوجد إسم أحلى من أسمائكم ، ولا توجد نفس أكرم من أنفسكم ، فأسماؤكم أحلى ، ونفوسكم أكرم ، وشأنكم أعظم من شأن غيركم ، ومنزلتكم أجلّ وأخطر من منزلة غيركم ، وعهدكم أوفى من سائر العهود ، و وعدكم أصدق من سائر الوعود.
الجواب من السيّد علي الحائري: نحن وإن كنّا نؤمن بأنّ الدليل العقلي حجّة ويجوز العمل به ، لكنّنا لم نجد حكماً واحداً يتوقّف إثباته على الدليل العقلي بالمعنى الذي يختلف الأصوليّون مع الأخباريّين في أنّه هل يسوغ العمل به أم لا ؟ بل كلّ حكمٍ يثبت بالدليل العقلي فهو ثابت في نفس الوقت بكتابٍ أو سنّة. وأمّا الإجماع فهو ليس مصدراً من مصادر الاستنباط إلى جانب القرآن والسنّة ، ولا يُعتمد عليه إلّا من أجل كونه وسيلة من وسائل إثبات الدليل الشرعي الصادر عن الشارع ، وتوضيح هذا المطلب موكول إلى علم الأصول. إذن : فالمصدران الوحيدان هما القرآن والسنّة ، ونبتهل إلى الله تعالى أن يجعلنا من المتمسّكين بهما ، ومَن استمسك بهما فقد استمسك بالعروة الوثقى لاانفصام لها والله سميع عليم ، وقد قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم : « إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا أبداً كتاب الله وعترتي أهل بيتي » . (1) وأمّا عمل أخيكم وهو اتّباع أحد الفقهاء فلابدّ من أن يكون مطابقاً للموازين الفقهيّة التي تعرفونها للتقليد واتّباع الفقيه ، فلا بدّ من توفر الشروط اللازمة في ذاك الفقيه ، وإلّا فهو عمل غير سائغ وليس احتياطاً ، بل هو الهلاك بعينه ، والله العالم. الهوامش 1. راجع : مسند أحمد / المجلّد : 3 / الصفحة : 14 ، 17 ، 26 ، 59 / الناشر : دار الفكر. راجع : سنن الترمذي / المجلّد : 5 / الصفحة : 662 / الحديث : 3786 / الناشر : دار احياء التراث العربي ـ بيروت. راجع : صحيح مسلم / المجلّد : 4 / الصفحة : 1874 / الحديث : 37 / الناشر : دار الفكر ـ بيروت. راجع : الخلاف / المجلّد : 1 / الصفحة : 27 / الناشر : مؤسسة النشر الاسلامي. راجع : المعتبر / المجلّد : 1 / الصفحة : 23 / الناشر : مؤسسة سيّد الشهداء عليه السلام.
الجواب من السيّد علي الحائري: نعم هي أحاديث صحيحة عند الفريقين ، فنكاح المتعة ممّا أحلّه القرآن الكريم وكذلك السنّة النبوية الشريفة ، وطبّقه المسلمون في عهد النبيّ صلّى الله عليه وآله ، وكذلك في عهد أبي بكر. أمّا القرآن الكريم : فقد قال تعالى : ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) (1). وأمّا السنّة النبويّة : وكذلك تطبيق المسلمين لهذا القانون فيكفيكم في ذلك الرجوع إلى نفس قول عمر بن الخطّاب ، حينما أراد أن يحرّم ذلك حيث قال : « متعتان كانتا على عهد رسول الله أنا اُحرّمهما واُعاقب عليهما » (2). والسّلام عليكم. الهوامش 1. النساء : 24. 2. راجع : مسند أحمد / المجلّد : 1 / الصفحة : 52 / الناشر : دار الفكر. راجع : سسن الكبرى « للبيهقي » / المجلّد : 7 / الصفحة : 206 / الناشر : دار الفكر. راجع : كنز العمال « للحسام الدين الهندي » / المجلّد : 16 / الصفحة : 519 ـ 523 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 5. راجع : أحكام القرآن « للجصاص » / المجلّد : 2 / الصفحة : 152 / الناشر : دار الفكر.
من سماحة السيّد علي الحائري
الجواب من السيّد علي الحائري: الحلّ يا أخي العزيز هو ما أشرت إليه أنت بنفسك ، وهو أنّ تثق بعدم وجود أيّ مشكلة لديك سوى الوسواس الذي يلعب في عقلك على حدّ تعبيرك فأيّ مشكلة هذه ؟ هل الرؤيا حجّة ؟ طبعاً لا ، سَل جميع الفقهاء في ذلك فسوف لا تحصل على واحد منهم يُفتي بأنّ الرؤيا حجّة ، فكيف يجوز لك أن تعتمد على مثل هذه الأحلام وترتّب عليها الأثر وتصبح شاكّاً في دينك وفي عقيدتك ؟ إنّ الأرزاق بيد الله تبارك وتعالى وعليك أن تتوكّل على الله وتعتمد عليه وتثق به فلا ابن سيرين ، ولا مَن هو أكبر من ابن سيرين يمكنه أن يتحكّم في الأرزاق بغير إذن الله تبارك و تعالى ولا أحد يعلم الغيب إلّا الله تبارك وتعالى ، ومَن علّمه الله علم الغيب ، وهم الأئمّة عليهم السلام ، والأئمّة عليهم السلام لم يُخبروا عن أنّك سوف تصبح فقيراً ـ والعياذ بالله ـ ، فكن واثقاً بالله ومتوكّلاً عليه ، ولا يكن همّك سوى أن تعمل بواجباتك وتكاليفك التي فرضها الله عليك من الصلاة والصوم والزكاة والخمس والحجّ وغيرها ، وفقنا الله وإيّاكم لما يحبّ ويرضى ، والسلام عليكم.
الجواب من السيّد علي الحائري: لا شكّ في أنّ خروج الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام كان ثورة في وجه « الجاهلية الثانية » التي أعادها الحكم الأموّي باسم الإسلام حينما أصبح مثل يزيد شارب الخمور ، وراكب الفجور ، وقاتل النفس المحترمة ، والمعلِن للكفر ، خليفة لرسول الله صلّى الله عليه وآله (1). وحينما كانت الأمّة الإسلامية قد ماتت إرادها ، ولم تكن قادرة على التغيير رغم أنّها كانت تدرك الإنحراف الذي حصل ، والخطر الذي يهدّد الدين ؛ ذلك لأنّها كانت تعاني من مرض « فقدان الإرادة » الذي قد يصيب الفرد ، وقد يصيب المجتمع والأمّة على العموم ، فالمجتمع آنذاك كان كما صوّره الفرزدق للإمام الحسين عليه السلام : « قلوبُهم معك ، وسيوفُهم عليك » (2) ، فقلوبهم تحبّ التغيير وإزاحة كابوس الكفر والجاهليّة المخيّم على الإسلام والمسلمين والمتمثّل بـيزيد ، لكن هذه القلوب فاقدة للإرادة والتصميم والعزم بحيث تُمسك بالسيوف وتجرّدها في وجه هذا الكابوس ، بل هي على العكس تصبح الأداء الطيّعة لللنظام الجاهلي الحاكم ، وتقف في وجه مَن يريد التغيير حتّى ولو كان الثائر الحسين بن علي بن أبي طالب سبط رسول الله صلّى الله عليه وآله وسيّد شباب أهل الجنّة. ولقد أجاد جعفر الحلّي رحمه الله حين قال : لم أدرِ أين رجال المسلمين مضوا وكيف صار يزيد بينهم ملكا العاصر الخمر من لؤم بعنصره ومن خساسة طبع يعصر الودكا لئن جرت لفظة التوحيد في فمه فسيفه بسوى التوحيد ما فتكا قد أصبح الدين منه يشتكي سقماً وما إلى أحد غير الحسين شكا الهوامش 1. راجع : مقتل الحسين عليه السلام « لعبد الرزاق المقرّم » / الصفحة : 129 / الناشر : مؤسسة الخرسان للمطبوعات. اللهوف في قتلى الطفوف « للسيد ابن طاووس » / الصفحة : 26 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 1. بحار الأنوار « للعلّامة المجلسي » / المجلّد : 44 / الصفحة : 338 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. 2. الأغاني « لأبي الفرج الأصفهاني » / المجلّد : 21 / الصفحة : 257 / الناشر : دار إحياء التراث العربي. راجع : دلائل الإمامة « لمحمّد بن جرير الطبري » / الصفحة : 182 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. مقتل الحسين عليه السلام « لعبد الرزاق المقرّم » / الصفحة : 177 / الناشر : مؤسسة الخرسان للمطبوعات. مدينة العاجز « للسيد هاشم البحراني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 451 / الناشر : مؤسسة المعارف الإسلامية / الطبعة : 1. 3. الانتصار « للعاملي » / المجلّد : 8 / الصفحة : 305 / الناشر : دار السيرة / الطبعة : 1. راجع : الأعلام الشرقية في المائة الرابعة عشرة الهجرية « لزكي محمد مجاهد » / المجلّد : 2 / الصفحة : 698 / الناشر : دار الغرب الإسلامي / الطبعة : 2.
الجواب من السيّد علي الحائري: هل عليّ عليه السلام بايع أبا بكر إجتهاداً أم عصمة ؟ لا شكّ من الناحية التاريخيّة في أنّ عليّاً عليه أفضل الصلاة والسلام لم يبايع أبا بكر بيعةً حقيقيّةً ، فلقد امتنع عليه السلام عن البيعة قطعاً ، لكنّه بعد ذلك أُجبِر وأُكرِه على البيعة ، فتمّ نتيجة الإجبار والإكراه عمل صوري قد يُطلق عليه لفظ « البيعة » مجازاً وتسامحاً ، وإلّا فلا شكّ في أنّ المعنى الحقيقي للبيعة لم يتحقق ؛ ذلك لأنّ « البيعة » عقد ، ولها طرفان ، وبحاجة إلى قصد و إنشاء ، ولا معنى للعقد مع الإجبار والإكراه ، فأصل البيعة بمعناها الحقيقي لم يتمّ ، وإنّما الذي حصل هو أنّه عليه الصلاة والسلام أُكرِه على إجراء البيعة شكلياً وصورياً ، وإلّا فسوف يُقتَل لا محالة كما صرّح بذلك عمر بن الخطّاب ، فحقن دمه بهذا العمل الصوري الشكلي ، وهذا منه ليس اجتهاداً بمعنى ما يصدر من رأي يجوز فيه الخطأ ، بل هو عمل صادر عن معصوم ، ويقتضيه واجبه الشرعي ، وتكليفه الإلهي في مثل هذا الظرف ، والله العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: أنّ طريق إثبات النبوّة وتحصيل اليقين بالعقيدة والإيمان بها لا ينحصر بالممعاجز ، لأنّ المطلوب عقلاً في أصول الدين هو أن يحصل للإنسان العلم واليقين بربّه وبنبيّه ومعاده ودينه وإمامه وأن يتحمّل بنفسه مسؤوليّة هذه العقائد الأساسيّة بدلاً عن أن يقلّد غيره فيها ويحمّله مسؤوليّتها ، فالتقليد في أصول الدين حرام وقد عنّف القرآن الكريم بأشكال مختلفة أولئك الذين يقلّدون الآخرين في عقائدهم الأساسيّة ، وهذه العقائد محدودة ومنسجمة مع الفطرة بحيث تكون الرؤية المباشرة الواضحة ميسورة فيها غالباً ، فلذا يجب على كلّ إنسان أن يبذل الجهد المباشر في البحث عنها واكتشاف حقائقها ولا توجد غالباً صعوبة كبيرة ، وحتّى لو واجه صعوبة أحياناً فمن الجدير بالإنسان تذليل تلك الصعوبة ، لأنّ عقيدة الإنسان هي أهمّ ما فيه ، والله تعالى سوف يهديه : ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) [ العنكبوت : 69 ] . ومن الواضح أنّ الناس يختلفون في مستوياتهم الفكريّة والثقافيّة فلا يجب على كلّ إنسان سوي النظر والبحث في أصول الدين بالمقدار الذي يتناسب مع مستواه ، ويصل به إلى قناعة كاملة بالحقيقة تطمئنّ به نفسه ويعمر بها قلبه ويتحمّل مسؤوليّتها المباشرة أمام ربّه ، وذلك من أيّ طريق كان ، وإن لم يكن من المعاجز فقد يحصل للإنسان اليقين بالعقيدة من خلال كلمة أو جملة أو موقف عملي معيّن أو أيّ شيء آخر ، فالمهمّ هو الإيمان وهو متقوّم باليقين العقلي والخضوع القلبي ، والله العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: فالجواب هو أنّه لا يقاس الثاني بالأوّل أبداً ، فمن وجهة نظر الإسلام لا شكّ في أنّ الأوّل هو الأفضل ، بل أنّ الثاني لا فضل له أبداً فهو والمنتحر سيّان ، فهل للمنتحر فضيلة ؟ طبعاً لا ، كذلك الإنسان المادّي الذي عبّرتم عنه بأنّه ضحّي من أجل مبدئة ، إذ أيّ مبدأ هذا الذي ضحّى من أجله ؟ هل المادّية مبدأ ؟ وهل أنّ مَن يقتل نفسه في سيبل المادّية وأهدافها يُعتبر مضحّياً من وجهة نظر العقل والوجدان ؟ من الواضح أنّ العقل والوجدان لا يقرّ المادّية ولا يقبلها ، بل العقل والوجدان بكامل وجوده ينادي بأعلى صوته « آمنتُ بالله وباليوم الآخر » ، فكيف يمكن أن نسمّي هذا الإنسان المادّي الذي لا يعرف الله والقيامة ولم يقترب بعمله نحو الله تعالى أنّه ضحّى من أجل المبادئ والقيم ؟ بل انّ العقل والوجدان يعتبر هذا الإنسان قد انتحر وأهدر دمه بنفسه من دون الحصول على أجر ، والله العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: وأمّا السؤال القائل إنّ الله تعالى هل خلق الناس لكي يستعبدهم ؟ فالجواب نعم إنّه تعالى خلقهم لكي يحصلوا على ما كان لهم الحقّ الطبيعي في الحصول عليه وهو الكمال المناسب لهم ، ويرى الإسلام أنّ الكمال المناسب للإنسان يكمن في العبودية المخلصة لله وحده : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) [ الذاريات : 56 ] ، ففي هذه العبوديّة ينطوي التحرّر من كلّ الأغلال والقيود وبدونها لا يحصل الإنسان على الحرّية الحقيقة ، وهذا هو الفارق الأساسي والمائز الجوهري بين الحرّية التي ينادي بها الإسلام والحرّية الغربيّة. وللمزيد من التوضيح والبسط لهذه النقطة يمكنكم الرجوع إلى جوابنا عن السؤال القائل : ما هو موقف الإسلام من الديمقراطيّة وحقوق الإنسان ؟ وبذلك يتضّح لكم الجواب على سؤالكم الآخر أيضاً وهو أنّه : لماذا يهدّد الله بالعذاب من لا يؤمن به ؟