الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: إذا كان الإمام مأمور بذلك من قبل الله تعالى فلا مناص له من إطاعة أمره ، فالذي نهى الناس على إلقاء النفس في التهلكة هو الذي أمره بذلك لمصالح شخصيّة أو إجتماعيّة ، والله تعالى يأمر المسلمين بالجهاد في سبيل الله مع إذن الإمام المعصوم عليه السلام ، وبالدفاع عن الإسلام مطلقاً ، فهل يجوز لأحد مخالفة أمر الله تعالى بالجهاد وقوله : ( وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ) [ البقرة : 190 و 244 ] بحجّة أنّه يوجب إلقاء النفس في التهلكة ، والله تعالى يقول : ( وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) [ البقرة : 195 ] ؟! وقد ورد في الروايات أنّ لكلّ إمام من الأئمّة عليهم السلام برنامجاً خاصّاً قد عيّنه الله تعالى وكلفّه بأن يقوم به ويسير على طبقه. وفي الحقيقة الإلقاء في التهلكة منهي عنه إلّا إذا ترتّب عليه مصلحة أهمّ من حفظ النفس ، وهذا أمر عقلائي من باب أنّ كلّ عاقل يختار أهون المحذورين عند المزاحمة.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: الفقيه المجتهد العارف بعلم الحديث وعلم الرجال ، والمطّلع على أحوال الرواة هو الذي يتمكّن من تشخيص الرواية الصحيحة ، وتمييزها عن الرواية الضعيفة ، وليس لمَن ليس له خبرة بعلم أصول الفقه وعلم الحديث وعلم الرجال الحكم على رواية بكونها صحيحة أو ضعيفة لمجرّد أنّ بعض علماء الرجال وثّقوا الراوي أو حكموا بضعفه أو كان مجهولاً ؛ فإنّ ملاك التصحيح والتضعيف يختلف حسب اختلاف المجتهدين والفقهاء في مسائل علم الأصول والحديث والرجال ، فالمسألة تخصّصية لا يجوز لغير الخبير التدخل فيها ، وكما أنّ السند ملحوظ في الحكم بصحّة الرواية وضعفها ، فكذلك المتن والمضمون بل القرائن العقليّة والنقليّة دخيلة في ذلك ، ولذا ورد عنهم عليهم السّلام : « إنّا لا تعدّ الرجل منكم فقيهاً حتّى يعرف معاريض كلامنا » .
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: أوّلاً : قد يكون التضعيف من باب الإلزام حيث إنّ أهل السنّة يحكمون بضعف الرواي ، ونحن نلزمهم بذلك ، ونحكم على الراوية التي فيها ذلك الراوي بالضعف من باب إلزامهم بما التزموا. وأمّا بالنسبة لنا فالراوي وإن كان ثقة إلّا أنّ تلك الرواية من أصلها ضعيفة عندنا لأجل أنّ أصحاب كتب الحديث لأهل السنّة غير موّثقين عندنا فضلاً عن رواة الحديث ، وعن الذين الذين يحكمون بوثاقتهم ، نعم قد يكون الراوي قد ثبت وثاقته بطرقنا مثل « جابر ابن عبد الله الأنصاري » ، لكن الشأن كلّ الشأن في الكتب التي تنقل تلك الرواية ، وفي الرواة الذين وقعوا في طريق الرواية. ثانياً : قد يكون حكم المجلسي وغيره بصحّة رواية من جهة القرائن الموجودة على صحّتها ، لا لأجل وثاقة الراوي أو الرواية.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: أوّلاً : تصحيح المجلسي لرواية أو حكمه بوثاقة راوٍ أنّما هو رأي شخصي له وهو معذور في ذلك ، لأنّه بذل جهده في اتّخاذ هذا الرأي واعتمد على أدلّة قطعيّة عنده ، وقد يكون ذلك من المؤيّدات لدى غيره من المجتهدين أو المحدّثين ، لكن لا يعدّ دليلاً عندهم بل كلّ مجتهد أو محدّث يجب أن يعتمد في توثيقه أو تضعيفه للروايات على الأدلّة التي هي حجّة في نظره ، وبما أنّ ملاك الصحّة والضعف وأدلّتهما تختلف عند الفقهاء والعلماء ، فلابدّ أن يفحص كلّ فقيه عن الأدلّة التي هي صحيحة عنده ثمّ يحكم بصحّة رواية أو ضعفها. ثانياً : أكثر روايات الكافي ممّا يحكم بصحّته عند التحقيق والفحص التامّ ، فإن تصحيح الرواية لا يختصّ بأن يكون السند صحيحاً بأن يكون الرواة ثقات أو عدول بل هناك قرائن داخليّة أو خارجيّة ، لفظيّة أو عقليّة ، مقاليّة أو مقاميّة يمكن على أساسها الحكم بصحّة الروايات. وهذا يحتاج إلى خبرة واطّلاع كامل بعدّة من العلوم أهمّها علم الرجال وعلم الحديث وعلم التفسير وعلم الكلام وعلم أصول الفقه وعلم الفقه ومعرفة آراء العلماء والفقهاء وفتاواهم بل في بعض الأحيان نحتاج إلى معرفة آراء علماء العامّة والاطلاع على مذاهبهم و رواياتهم. ثمّ أنّ المحدّث المجلسي إنّما ذكر في كتابه « مرآة العقول » صحّة الإسناد وضعفها مجاراةً للأصوليين الذي يقسّمون الخبر إلى أربعة أقسام : « الصحيح ، الموثق ، الحسن ، الضعيف » ، وإلّا فالمجلسي من المحدّثين الذين يرون صحّة جميع روايات الكتب الأربعة أو أغلبها.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: تصحيح السند شيءٌ وتصحيح الرواية شيءٌ آخر ، وليس كلّ رواية يحكم عليها بضعف السند لأجل ضعف الرواي أو الجهل بحاله ، قد تكون هناك قرائن خارجيّة أو داخليّة على صحّة الرواية وصدورها من المعصوم عليه السلام. وبناءً على ذلك يكون الحكم بصحّة رواية أو ضعفها من شؤون الفقيه المجتهد الذي له اطلاع واسع وإلمام كبير ، وخبرة عالية بكثير من العلوم التي هي دخيلة في ذلك كعلم الحديث وعلم الرجال وعلم أصول الفقه وعلم الفقه والتفسير وغيرها ، ولذلك ننصح الأخ أن يترك البتّ في تصحيح الروايات إلى أهل الخبرة من الفقهاء والمحدّثين. وعلى هذا الأساس من الطبيعي أن يحصل الاختلاف بين العلماء ، لأنّ ملاك تصحيح الروايات تختلف عندهم ، كما أنّ درجات العلم والخبرة والممارسة مختلفة. وعلى العموم فكتاب الكافي من الكتب المعتبرة بل هو أهمّ كتاب روائي عند الإماميّة ، وأغلب روايته محكومة بالصحّة. وقد أشار المؤّلف الكريم إلى ذلك في ديباجة الكتاب ، وقد نقل عن الإمام الحجّة عجّل الله تعالى فرجه الشريف إنّه قال : « الكافي كافٍ لشيعتنا » . ومن الخطأ إفراز الروايات الصحيحة عن غيرها لما ذكرنا من أنّ ملاك التصحيح ليس مجرّد وثاقة الرواي ، بل لابدّ من ملاحظة كلّ الجهات التي توجب صحّة الرواية ، والقطع بصدورها من المعصومين عليهم السلام.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: لقد وقع الإشتباه بين تصحيح السند وتضعيفه وبين تصحيح الرواية وصدورها عن المعصومين عليهم السلام ، ولا ملازمة بينهما ، فقد يكون السند صحيحاً لكن توجد قرائن على ضعف الرواية وعدم صدورها ، وقد يكون السند ضعيفاً لكن توجد قرائن تدلّ على الوثوق بصدور الرواية ، كما يقال : من أنّ عمل المشهور بالرواية الضعيفة يوجب جبر سندها. وإنّما تعرّض المجلسي لبيان سند روايات الكافي لأجل أن يكون صحّة السند طريقاً إلى الوثوق بالصدور . وأمّا الحكم بضعفه ، فالمراد أنّ السند ضعيف لا يكون بمجرّده موجباً للوثوق بالصدور ، لكن لاينافي في صحّته واقعاً لوجود القرائن الداخليّة والخارجيّة بل المجلسي يُعّد من المحدّثين الذين يرون أنّ أخبار الكتب الأربعة مقطوعة الصدور بنحو عامّ ، فكيف يحكم بضعف رواية موجودة في الكافي حقيقة مع أنّه لا يتناسب مع مسلكه ؟ فلا محالة مراده المماشاة مع الأصوليين ، فيتكلّم حسب مصطلحهم لكن يرى الرواية صحيحة على مسلكه ، ولو لأجل القرائن الموجبة للقطع أو الاطمينان بصدور الروايات الموجوة في الكتب الأربعة. وعلى كلّ حال فالضعف السندي لا يلازم ضعف الرواية واقعاً وعدم صدورها عن المعصومين عليهم السلام.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: ليس معنى ذلك اختصاص الروايات الصحاح بما يسمّى صحيحاً بالمصطلح الجديد بل هو نوع تعميم للروايات التي يجوز العمل بها ، فبعد أن ثبت حجّية خبر الثقة أضيف على الصحيح بالمعنى القديم ثلاث أقسام من الروايات التي يعمل بها : « الصحيح ، والموثّق ، والحسن » أو قسمين « خصوص الصحيح والموّثق » ، لكن القائلين بالصحيح بالمصطلح الجديد لا يضايقون العمل برواية ثبت صحّتها بطرق أُخرى كالقرائن الداخليّة أو الخارجيّة الموجبة للوثوق والاطمينان بصدور الرواية عن المعصومين. ولذا نقول : « إنّ أكثر القائلين بالمصطلح الجديد يقولون : بأنّ عمل المشهور برواية ـ حتّى لو كانت ضعيفة بالمصطلح الجديد ـ يوجب انجبارها ، وجواز العمل بها كما أنّ الرواية مهما ازدادت صحّة من حيث السند لو أعرض عنها المشهور ازدادت وهناً وضعفاً. نعم الاختلاف قد يكون في تشخيص القرائن الموجبة للوثوق بصدور الرواية ، وهذا أمر آخر تابع لاجتهاد المجتهدين ، ولا ربط له بمعنى الصحّة والضعف كالاختلاف الواقع في وثاقة الرواة بالتوثيقات العامّة أو الخاصّة.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: أكثر المفسّرين وأصحاب كتب الحديث صرّحوا بأنّ الآية الكريمة نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام ، وإليك بعض النماذج : 1 ـ الفخر الرازي في تفسيره الكبير في سورة المائدة في ذيل تفسير قوله تعالى : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ ... ) . (1) 2 ـ الشبلنجي في نور الأبصار. (2) 3 ـ الزمخشري في الكشّاف. (3) 4 ـ ابن جرير الطبري في تفسيره. روى بسنده عن غالب بن عبد الله قال سمعت مجاهداً يقول في قوله إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ قال نزلت في علي بن أبي طالب تصدق وهو راكع. (4) 5 ـ السيوطي في الدرّ المنثور في ذيل تفسير قوله تعالى : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ ... ) من سورة المائدة قال : وأخرج الخطيبُ في « المتفقِ والمفترِقِ » عن ابنِ عباسٍ قال : تصدَّقَ عليٌّ بخاتِمه وهو راكعٌ ، فقال : النبيُّ صلّى الله عليه وسلم للسائلِ : « مَن أعطاك هذا الخاتم ؟ ». قال : ذاك الراكعُ. فأنزلَ اللهُ فيه : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ ... ) . (5) 6 ـ الواحد في أسباب النزول ، بسنده عن أبي صالح عن ابن عبّاس وعن جابر بن عبد الله. (6) 7 ـ كنز العمّال ، عن ابن عبّاس. وكنز العمّال ، عن أبي رافع. (7) 8 ـ الهيثمي في مجمع الزوائد ، عن عمّار بن ياسر. (8) 9 ـ ذخائر العقبى ، عن عبد الله بن سلام. (9) 10 ـ الرياض النضرة. (10) الهوامش 1. راجع : التفسير الكبير « للرازي » / المجلّد : 12 / الصفحة : 25 ـ 31 / الطبعة : 3. 2. راجع : نور الأبصار « للشبلنجي » / الصفحة : 86 ـ 87 / الناشر : دار الفكر. 3. راجع : الكشّاف عن حقايق التنزيل وعيون الأقاويل « للزمخشري » / المجلّد : 1 / الصفحة : 624 / الناشر : دار المعرفة ـ بيروت. 4. جامع البيان في تفسير القرآن « للطبري » / المجلّد : 6 / الصفحة : 186 / الناشر : دار المعرفة ـ بيروت / الطبعة : 2. 5. راجع : الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور « للسيوطي » / المجلّد : 5 / الصفحة : 359 ـ 363 / الناشر : مركز هجر للبحوث والدراسات العربية والإسلامية. 6. راجع : أسباب النزول « للنيسابوري » / الصفحة : 113 ـ 114 / الناشر : دار الكتب العلميّة ـ بيروت / الطبعة : 5. 7. راجع : كنز العمال « للحسام الدين الهندي » / المجلّد : 13 / الصفحة : 108 / الناشر : دار الكتاب العربي ـ بيروت / الطبعة : 3. 8. راجع : مجمع الزوائد ومنبع الفوائد « للهيثمي » / المجلّد : 7 / الصفحة : 16 ـ 17 / الناشر : دار الكتب العربي ـ بيروت / الطبعة : 3. 9. راجع : ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى « للمحب الدين الطبري » / الصفحة : 102 / الناشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت. 10. راجع : الرياض النضرة « للمحب الطبري » / المجلّد : 3 / الصفحة : 178 / الناشر : دار الكتب العلمية ـ بيروت.
من سماحة السيّد جعفر علم الهدى المحقّقون من علماء الشيعة يقولون : بعدم تحريف القرآن الكريم لا بالزياددة ولا بالنقيصة ، ولكن وردت الروايات كثيرة من طرق السنّة والشيعة كليهما ظاهرها وقوع النقيصة في القرآن . وأوّل مَن اعتقد ذلك هو عمر بن الخطّاب حيث إنّه جاء بآية رجم الشيخ والشيخة إلى أبي بكر حينما أراد أن يجمع القرآن ، وادعى عمر أنّ هذه الآية من القرآن ، وطلب من أبي بكر أن يثبّته في المصحف لكن لم يقبل منه ذلك . وقد ورد عن عائشة أنّها قالت : « كانت سورة الأحزاب مئتي آية على عهد رسول الله ، فلمّا جمع عثمان المصاحف لم نقدر إلاّ على ما هو الآن » . وروي أيضاً عن أبّي ابن كعب إنّ سورة الأحزاب كانت لتضاهي سورة البقرة . إلى غير ذلك من الروايات التي يرويها إهل السنّة . وهناك روايات من طرق الشيعة أيضاً ، لكنّ المحقّقون من علمائنا الأبرار حملوها هذه الروايات على إرادة التفسير والتأويل ، وبيان شأن النزول بمعنى أنّ النقصان لم يكن في أصل القرآن الكريم ، ولم تسقط منه آية أو كلمة ، بل الساقط والمحذوف تفسير الآية وتأويلها . ولعلّ النوري (رحمه الله) ذكر الروايات الدالّة بظاهرها على وقوع النقيصة في كتابه : (فصل الخطاب) ، وأراد أن يجيب عن شبهة التحريف ، لكنّه لم يوفّق لذلك ، فطبع هذا القسم. وينقل بعض الأجلاء إنّ الشيخ النوري كتب مجلدين أحدهما هذا الكتاب الموجود المسمّى بفصل الخطاب ، يذكر فيه أدلّة القائلين بوقوع النقيصة في القرآن الكريم ، والثاني الجزء الآخر لهذا الكتاب ، وقد تعرّض للجواب عن هذه الأدلّة ، لكن الجزء الثاني من كتابه صار مفقوداً ، ولم يطبع ، فطبع الجزء الأوّل فقط . وعلى تقدير اعتقاده بوقوع النقيصة في القرآن فهو رأي شخصي له قد خالف في ذلك أكثر المحقّقيين من علمائنا المتقدّمين والمتأخرين ، فراجع كتاب البيان في تفسير القرآن للسيّد الخوئي (قدسّ سرّه) . ومن المحتمل أنّ الشيخ النوري (رحمه الله) قصد من تأليف هذا الكتاب بيان أنّ القوم قد أسقطوا ما ورد عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من التفسير والـتأويل للقرآن الكريم ، لا وقوع النقيصة فيما نزل على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من آيات القرآن وكلماته التي أوحاها الله إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، فالنقيصة إنّما حصلت في أمر خارج عن القرآن ، لكنّه مرتبط به أشدّ الارتباط ؛ لأنّه تفسير وتأويل وتفصيل لآياته .
الجواب من السيّد علي الحائري: العبّاس سلام الله عليه ليس إماماً ، وبعض الروايات تدلّ على أنّه عليه السلام كان له ابن. أمّا عن زواج الإبن وسلالته واستشهاده مع أبيه فلم نعثر على شيء بهذا الصدد ، والله العالم. وبإمكانكم مراجعة كتاب : [ قمر بني هاشم ] للسيّد عبد الرزّاق المقرّم.
الجواب من السيّد علي الحائري: خالفوا أمر النبيّ صلّى الله عليه وآله لأسباب عديدة من أهمّها أنّهم وسائر من كان بالمدينة حين رحيل الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله عاشوا ـ منذ اللحظات الأولى من رحيله صلّى الله عليه وآله ـ جوّ الإرهاب والتخويف الذي خلّفه الحزب المتآمر ـ والحاكم في ما بعد ـ للسيطرة على الوضع بيد حديديّة ، فإذا كان عمر في اللحظة الأولى من وفاة النبيّ صلّى الله عليه وآله قائماً على باب المسجد واقفاً شاهراً سيفه يتهدّد ويتوّعد الناس وهو يقول : إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لم يمت لكنّه ذهب إلى ربّه كما ذهب نبيّ الله موسى ـ عليه السلام ـ ، وإنّه سيعود ويقطع أيدي وأرجل رجال يزعمون إنّه مات. وكان لا يدع أحداً يدخل إلى الدار ، كي لا تتبيّن حقيقة الحال ، ولا يتّضح لدى المسلمين أن النبيّ صلّى الله عليه وآله قد مات ، ولا يفكّر أحد في ترتيب الخلافة إلى أن يأتي صاحبه أبو بكر وقد كان خارج المدينة ، فلمّا أتى قرأ على الناس قوله تعالى : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّـهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّـهُ الشَّاكِرِينَ ) (1) ، ثمّ ذهبا إلى سقيفة بني ساعدة ، وجرى هناك ما جرى من غسل الدماغ وتحريف المفاهيم وبيان أفضليّة المهاجرين وأفضليّة قريش وأفضليّة عشيرة النبيّ صلّى الله عليه وآله والتخويف والتهديد بالقتل لمَن لا يبايع ... إلى آخر الأحداث التي سجّلها المؤرّخون ـ سنّة وشيعة ـ. (2) أقول : إذا كان الأمر كذلك فأنّى للأنصار ـ ورئيسهم سعد بن عبادة مريض مسجّى ، وهو مضافاً إلى ذلك يَطمع أو يُطمع في شأنه أن يكون خليفة ـ أن يقاوموا ذاك الجوّ من الأرهاب الفكري والسياسي. وأمّا الشورى فهي كذب محض فلم تكن البيعة بالشورى ، ولم تكن عامّة في بداية الأمر لكنّها شيئاً فشيئاً اتّسعت رقعتها وشملت المسلمين ، فهي فلتة كما قالها أصحابها. ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (3). الهوامش 1. آل عمران : 144. 2. راجع صحيح البخاري / المجلّد : 3 / الصفحة : 172 ـ 173 / الناشر : دار الاحياء التراث العربي. راجع صحيح البخاري / المجلّد : 5 / الصفحة : 7 ـ 8. راجع صحيح البخاري / المجلّد : 8 / الصفحة : 209 ـ 211. راجع صحيح البخاري / المجلّد : 9 / الصفحة : 100 ـ 101. راجع مسند أحمد / المجلّد : 1 / الصفحة : 55 / الناشر : دار الفكر. 3. الشعراء : 227.
الجواب من السيّد علي الحائري: أركان الإسلام تنقسم إلى أصول وفروع : فالأصول عبارة عن : « التوحيد بالمعنى الشامل للعدل أيضاً » و « النبوّة بامتدادها الشامل للإمامة أيضاً » و « المعاد ». والفروع عبارة عن : « الصلاة » و « الصوم » و « الزكاة » و « الخمس » و « الحجّ » و « الجهاد » و « الأمر بالمعروف » و « النهي عن المنكر » و « التوليّ » و « التبريّ ».
الجواب من السيّد علي الحائري: الرواية الأولى والثانية وكذلك الرواية الثالثة التي وردت فيها جملة : « لا أحبّ ذلك » مرتبطة بتحليل الأَمَة ، والروايتان الأخيرتان مرتبطتان بوطي المرأة في الدّبر ، وهاتان مسألتان فقهيّتان مطروحتان في الفقه. المسألة الاولى : مسألة تحليل الأمة ، ولا موضوع لها في عصرنا الحاضر ؛ إذ لايوجد حاليّاً عبيد وإماء ، أمّا في العصر الذي كان يوجد فيه عبيد وإماء كان لابدّ من تشريع أحكامٍ بشأنهم ، فمن جملة الأحكام المشرَّعة في الشريعة الإسلامية بشأن الإماء هو أنّ مَن مَلَكَ أمةً جاز له وطؤها ، وجاز له أيضاً تحليلها لغيره ، فمِلك الأمة خطّ موازٍ لخطّ النكاح في الشريعة بمعنى أنّ المرأة الأجنبيّة لا تحلّ للانسان إلّا عن أحد طريقين : عقد النكاح والزواج ـ سواء الدائم والمنقطع ـ هذا هو الطريق الأوّل : وهو خطّ النكاح ، أمّا الطريق الثاني : فهو ملك اليمين : أيّ أن يتملك الإنسان أَمَةً أو إماءاً ـ فيما إذا كان يوجد في المجتمع عبيد وإماء ـ فإنّه إذا ملك الأمة حلّت له بدون الحاجة إلى إجراء عقد النكاح والزواج ، بل لا معنى لأن يتزوّجها مالكها إلّا إذا أعتقها وحرّرها من الرّقّية فأصبحت حُرّةً ؛ فإنّه حينئذٍ يتزوّجها بعقد الزواج كما يتزوّج الحرائر ، وقد ورد ملك اليمين كخطٍّ موازٍ لخطّ الزواج في العديد من الآيات الشريفة في القرآن الكريم ، من قبيل قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ) [ الأحزاب : 50 ] ، وغيرها من الآيات . وعلى أيّ حال فمالك الأمة كما يجوز له أن يبيع أمته لغيره ويملّكه رقبتها ، كذلك يجوز له أن يحلّلها لغيره ، أيّ أن يحلّل له فرجها ، والاستمتاع بها دون أن يملّكه رقبتها ، فالروايات الثلاثة الأولى مرتبطة بهذه المسألة الفقهية التي لا موضوع لها في عصرنا الحاضر ، وطبعاً للمسألة شروط خاصّة مذكورة في الفقه. أمّا المسألة الثانية : فهي مسألة وطي المرأة ـ زوجةً كانت أم أَمَةً ـ في دبرها ، وإتيانها من خلفها ، وهي أيضاً مسألة فقهيّة مطروحة في الفقه ، واختلف الفقهاء في حكمها ، فمنهم مَن حرّم الوطي في الدبر ، ومنهم مَن أجاز ، ومنهم مَن فَصَّل بين فرض رضاها بذلك ، وفرض عدم رضاها به ، فأجاز في الفرض الأوّل ، ومَنَع في الفرض الثاني ، والسبب في اختلاف فتاوى الفقهاء هو اختلاف الروايات. وعلى الإنسان أن يراجع فتوى المرجع الذي يقلّده لكِي يعرف حكم هذه المسألة ، والروايتان الأخيرتان تعتبران من الروايات الدالة على جواز ذلك ، لكن توجد أيضاً روايات أُخرى معارضة لها ، ففهم هذه الروايات بأجمعها ومعالجة التعارض بينها أمر لا يتمكّن منه إلّا ذووا الاختصاص في الفقه ، وهم الفقهاء ، وعلى سائر الناس أن يراجعوا الفقهاء الأخصّائيين لمعرفة أحكامهم ، والله المسدّد.
الجواب من السيّد علي الحائري: الاختلاف والخصام الذي أشير إليه في السؤال وكذلك الانتقاص من شأن المرأة ممّا لا يقرّ به الإسلام بل يرفضه رفضاً باتاً ، فلقد كان الناس أُمّة واحدة ثمّ اختلفوا فلذا بعث الله النبيين مبشّرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب لتحقّق العدالة ويقوم القسط بينهم ويزول الاختلاف والخصام الذي يتنافى مع القسط والعدل ، ولقد أقرّ الإسلام وأكّد على مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة ورفض أيّ انتقاص لشأن المرأة. وطبعاً يجب أن نميّز بين « المساواة » وبين « المماثلة » ، فالمساواة التي ينادي بها الإسلام بين الرجل والمرأة لا تعني مماثلة الرجل للمرأة في الحقوق والواجبات بل تعني أنّهما متساويان في الحقوق والواجبات المتناسبة مع طبيعة كلّ واحد منهما ، وعلى هذا الأساس فلا أصل لما سمّيتموه بالتفسير الذكوري والتفسير النسوي. ونحن نرى أنّ المنهج الأسلم لاستيعاب المفاهيم القرآنيّة عبارة عن الاستفادة من الدروس الحوزويّة في التفسير وفي سائر المعارف الإسلاميّة والقرآنيّة ، وهي غنيّة ومتوفّرة ، والحمد لله والسّلام عليكم.