من سماحة السيّد علي الحائري من معتقدات الشيعة الرجعة ، وقد وردت في القرآن الكريم في بعض الآيات من قبيل قوله تعالى : { وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ } {النمل/83} حيث فسّر اليوم بعصر الرجعة ، وأكدت على الرجعة نصوص وروايات صحيحة ومعتبرة ، كما أننا نقرأ في زيارة الجامعة الكبيرة : « اُشْهِدُ اللهَ وَاُشْهِدُكُمْ اَنّى مُؤْمِنٌ بِكُمْ وَبِما آمَنْتُمْ بِهِ ، كافِرٌ بَعَدُوِّكُمْ وَبِما كَفَرْتُمْ بِهِ ، مُسْتَبْصِرٌ بِشَأنِكُمْ وَبِضَلالَةِ مَنْ خالَفَكُمْ ، مُوالٍ لَكُمْ وَلاَِوْلِيائِكُمْ ، مُبْغِضٌ لاَِعْدائِكُمْ وَمُعادٍ لَهُمْ ، سِلْمٌ لِمَنْ سالَمَكُمْ ، وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبَكُمْ ، مُحَقِّقٌ لِما حَقَّقْتُمْ ، مُبْطِلٌ لِما اَبْطَلْتُمْ ، مُطيعٌ لَكُمْ ، عارِفٌ بِحَقِّكُمْ ، مُقِرٌّ بِفَضْلِكُمْ ، مُحْتَمِلٌ لِعِلْمِكُمْ ، مُحْتَجِبٌ بِذِمَّتِكُمْ ، مُعْتَرِفٌ بِكُمْ ، مُؤْمِنٌ بِاِيابِكُمْ ، مُصَدِّقٌ بِرَجْعَتِكُمْ ، مُنْتَظِرٌ لاَِمْرِكُمْ ، مُرْتَقِبٌ لِدَوْلَتِكُمْ ». ونقرأ أيضاً في مقطع آخر من هذه الزيارة العظيمة الشأن : « وَنُصْرَتى لَكُمْ مُعَدَّةٌ حَتّى يُحْيِىَ اللهُ تَعالى دينَهُ بِكُمْ ، وَيَرُدَّكُمْ فى اَيّامِهِ ، وَيُظْهِرَكُمْ لِعَدْلِهِ ، وَيُمَكِّنَكُمْ فى اَرْضِهِ » . ونقرأ أيضاً في مقطع ثالث من هذه الزيارة الجليلة القدر : « فَ ثَبَّتَنِىَ اللهُ اَبَداً ما حَييتُ عَلى مُوالاتِكُمْ وَمَحَبَّتِكُمْ وَدينِكُمْ ، وَوَفَّقَنى لِطاعَتِكُمْ، وَرَزَقَنى شَفاعَتَكُمْ ، وَجَعَلَنى مِنْ خِيارِ مَواليكُمْ ، التّابِعينَ لِما دَعَوْتُمْ اِلَيْهِ ، وَ جَعَلَنى مِمَّنْ يَقْتَصُّ آثارَكُمْ ، وَيَسْلُكُ سَبيلَكُمْ ، وَيَهْتَدى بِهُداكُمْ ، وَيُحْشَرُ فى زُمْرَتِكُمْ ، وَيَكِرُّ فى رَجْعَتِكُمْ ، وَيُمَلَّكُ فى دَوْلَتِكُـمْ ، وَ يُشَـرَّفُ فى عافِيَتِكُمْ ، وَيُمَكَّنُ فى اَيّامِكُمْ ، وَتَقِرُّ عَيْنُهُ غَداً بِرُؤْيَتِكُمْ » وقد ألَّف السلف الصالح من علمائنا كتباً مفصَّلة لدراسة « الرجعة » وإثباتها ، من جملتها كتاب « الشيعة والرجعة » ، كما أنّها مذكوره ضمن عقائد الشيعة في الكتب التي ألّفها علماؤنا لتناول معتقدات الإمامية ، واللّه العالم .
من سماحة السيّد علي الحائري هذه الآية الشريفة مع ماقبلها وما بعدها من الآيات تتعرّض بموجوعها لبعض القوانين التكوينية ، والسنن الإلهية التاريخية الجارية دائماً في المجتمعات البشرية ، ومعنى الآية ـ طبقاً لقرائتها الفعلية الموجودة في المصحف الشريف المتداول لدى المسلمين اليوم ـ هو عبارة عن سنّة إلهية تاريخية ، ومعادلة ربّانية تكوينية حاكمة على كلّ مجتمع بشري ، وهي : أنّ السبب الرئيسي لتدهور المجتمع البشري ، وانحطاطه ، وزوال مجده وعظمة وحضارئه ، وبالتالي فانّ السبب الأساسي لهلاكه هو فسق الطبقة المترفة ، أيّ : أولئك الذين اُتيحت لهم كلّ الإمكانيات المادّية الوسيعة ، وتوفّرت لهم النعم الإلهية من الثروة والسلطة وغيرهما . وفسقهم : يعني كفرانهم لتلك النعم والإمكانيات ، وسوء الانتفاع بها ، وعدم استثمارها في مجالاتها الطبيعية والمناسبة ، وعدم الاستفادة منها بالشكل الذي أمر اللّه تعالى به ، وبالتالي فانّ الفسق يعني التمرّد على كلّ القيم والمبادئ والأسس التي يقوم عليها المجتمع البشري ، والتي هي قوام الحياة الاجتماعية السليمة ، فانّ هذا الفسق ، وهذا الكفران للنعم ، وهذا النوع من سوء الانتفاع بها ، واستغلالها للأهداف غير السليمة سوف يؤدّي ـ ولو بالتدريج وخلال فترة زمنية قد تكون طويلة ـ إلى اضمحلال ذلك المجتمع البشري ـ كمجتمع ـ وزواله ودمارهم ، هذه هي سنّة اللّه تعالى في كلّ مجتمع . إذاً : فالأمر بالفسق ليس أمراً تشريعياً ؛ فانّ اللّه تعالى لا يأمر أمراً تشريعياً بالفسق ـ وحاشاه ـ ، بل هو ينهى نهياً تشريعياً عن الفسق والفحشاء والمنكر ، فكيف يأمر بما ينهى عنه؟ وأنّما المراد بالأمر بالفسق في الآية الشريفة الأمر التكويني ، أيّ : تكوين الأرضية المساعدة للفسق ، وإيجاد الإمكانيات والفرص التي يمكن للبشر استغلالها في سبيل الفسق ، وإعطاء النعم الوفيرة ، وإتاحة الثروة والسلطة وغيرهما ممّا يتمكّن به الإنسان من الفسق و الفجور والتمرّد على القيم والمبادئ الإنسانية ، فإنّ هذه الأرضية ، وتلك الإمكانيات والفرص والنعم التي مَنّ اللّه تعالى بها على الإنسان إنّما وفرّها اللّه تعالى له لكي ينتفع بها بالشكل السليم ، لكنّ الإنسان بفسقه الذي صدر منه بسوء إرادته واختياره استغلالها أسوأ استغلال ، فكانت النتيجة الطبيعية عبارة عن الدمار والهلاك. إذاً : فما جاء في السؤال ، وهو أنّ الأشخاص لا ذنب لهم ؛ لأنّ اللّه أمرهم بالفسق فكيف يعذّبهم عليه؟ جوابه : قد اتضحّ ممّا ذكرناه ؛ فإنّ اللّه تعالى لم يأمرهم بالفسق أمراً تشريعياً ، ـ سبحانه وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً ـ ؛ فإنّ اللّه يأمر بالعدل والإحسان ، وإيتاء ذي القربى ، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، بل المقصود بالأمر بالفسق في الآية الشريفة هو الأمر التكويني الذي شرحناه ، فلا توجد إذاً أيّ مصادرة للحرّيّة والاختيار ، بل الأمر بالعكس ؛ فإنّ الفسق الصادر من الإنسان إنّما صدر منه بكامل حريّته واختياره ، وبسوء إرادته كما قلنا ، هذا هو ما نفهم من الآية الشريفة ، واللّه العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: الواقع هو أننا لم نفهم وجه السؤال ؛ فهل السؤال عن أصل تشريع المتعة في الإسلام ، أم السؤال عن الفرق بينها وبين الزنا بعد الاعتراف والإيمان بأصل تشريع المتعة وتحليلها في الإسلام ؟ فان كان السؤال عن الأوّل : فالجواب هو أنّه لا خلاف ولا إشكال عند الشيعة في جواز المتعة في الشريعة الإسلاميّة وحلّيتها إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة ، فحلال محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم حلال إلى يوم القيامة ، وحرامه حرام إلى يوم القيامة. وقد تمّت لدينا الأدلّة القطعيّة من الكتاب والسنّة على جواز المتعة ، وليس من حَقّ أيّ شخصٍ أن يحرّم ما حلّله الله ورسوله. وإن أحببتم الاطّلاع على بعض الأدلّة الدالّة على جوازها في الشريعة ، وعمل المسلمين بها في عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فننصحكم بالرجوع إلى كتاب : « لله وللحقيقة » تأليف الشيخ علي آل محسن ، رَدّاً على كتاب : « لله ثمّ للتاريخ » ، ففيه ما ينفعكم بإذن الله تعالى. وإن كان السؤال عن الثاني : فالجواب هو أنّه بعد الاعتراف بحلّيّة المتعة في الإسلام ، فإنّ الفرق بينها وبين الزنا هو أنّ الله ورسوله قد أحلّا المتعة وحَرَّما الزنا. فبالنسبة الى المتعة قال تعالى : ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) (1). وبالنسبة الى الزنا قال تعالى : ( وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ) (2). فأيّ فرقٍ أعظم وأهمّ من هذا ؟ أليس تحليل الله ورسوله لشيء وتحريمها لشيء آخر فارقاً عندكم ؟ ففي المتعة تحصل علاقة ورابطة معنوية بين الرجل والمرأة نسمّيها بعلاقة الزوجيّة ، فيما إذا التزمنا بالشروط اللازمة من العقد المحدَّد ، والمدّة المحدَّدة ، والمهر المحدَّد ، والعدّة المحدّدة ، وحصول هذه العلقه الزوجيّة من خلال هذه الشروط أمر حَكَم به الشرع في الكتاب والسنّة ، والمفروض بالإنسان المسلم أن يَتعَبَّد بما حكم به الإسلام ، وأن لا يقول أيّ فرق بين هذا وبين الزّنا ، فيكون مَثَله مَثَل الذين قال عنهم القرآن الكريم : ( ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ) (3). فَرَدّ الله تعالى عليهم قائلاً : ( وَأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ) (4). ففي الزنا لا تحصل هذه العُلقه المعنوية الّتي سمّيناه بعلقه الزوجية ؛ لأنّ الله ورسوله لم يعتبرا الزنا عملاً يوجب حصول ذلك ، فالمرأة إذا لم تكن عاهراً ومحترفة للزنا ، ولم تكن أيضاً في عدّة من رجل آخر ، وأجرت العقد المحدَّد من الناحية اللفظيّة بينها وبين الرجل ـ وطبعاً ألفاظ العقد محدّدة ولا تنوب عنها ألفاظ أخرى ـ ، وكان العقد مشتملاً على الشروط اللازمة المذكورة في الكتب الفقهيّة أصبحت زوجةً شرعيّة للرجل ، وترتَّبت على هذه الزوجيّة أحكام شرعيّة معيّنة. أمّا إذا كانت عاهراً ومشهورةً بالزنا فلا يجوز التمتّع بها ـ لدى الكثير من الفقهاء ـ ، أو كانت عفيفة لكن كان وليّها غير راضٍ بعقد المتعة فأيضاً لا يجوز التمتّع بها ، ولا يصحّ. (5) لا تقولوا إنّه في الزنا أيضاً قد يرضى الوليّ فأين الفرق ؟ لأنّ الجواب هو أنّه إذا رضي الوليّ وأُجري العقد الذي حدّدناه ، وكان مشتملاً على كلّ الشروط اللازمة ، ولم تكن المرأة من المحترفات للزنا ، فإنّ هذا حينئذٍ ليس عبارة عن « الزنا » بل هو المتعة المحلَّلة شرعاً. إذاً فالحلال بيّن ، والحرام بيّن ، وتشريع المتعة إنّما كان من أجل إشباع الغريزه الجنسيّة عن طريق مشروع كما دلّت عليه رواياتنا وروايات أهل السنّة أيضاً. وأمّا استغلال المتعة من قبل البعض وتبديلها عن مسارها ، فهذا لا يخدش بأصل تشريع المتعة في الإسلام ، فكثير من ضعفاء النفوس يستغلّون الصلاة وغيرها من العبادات لمآربهم الدينيّة الدنيويّة ، فهل هذا يضرّ بأصل التشريع ؟ طبعاً لا ، فالممارسات الخاطئه التي تصدر من الناس بالنسبة إلى عمل من الأعمال لا تنعكس سلبيّاً على تشريع الله ورسوله لذلك العمل ، ولا تحلِّل ولا تحرِّم. فلو سلّمنا أن بعض ضعاف النفوس ـ من رجال أو نساء ـ قد استغلّوا نكاح المتعة أبشع استغلال كما تقولون ، فانّ هذا لا يقدح في حلّيّة نكاح المتعة ، كما لم يقدح في حلّيّة النكاح الدائم استغلاله من قبَل مَن يريد به تحقيق مكاسب مادّية أو معنويّة كما يفعله كثير من الناس. وأمّا قصر المدّة فأيضاً لا يضرَّ بصحّة النكاح مادام النكاح مشتملاً على شروط اللازمة ، فحال نكاح المتعة في ذلك حال النكاح الدائم ، فمَن عقد على امرأة عقد النكاح الدائم وباشرها ثمّ طلَّقها ، صَحَّ نكاحه وطلاقه بلا خلاف بين المسلمين ، ولا يضرّ قصر المدّة التي عاش معها بصحّة نكاحه ولا بصحّة طلاقه. وأخيراً ، فانّ المجال هنا ضيّق ولدينا الكثير من الكلام في هذا المجال ، فإن أحببتم الاطّلاع على المزيد من الشرح والتوضيح لكثير من النقاط السخيفه ـ حسب تعبيركم ـ التي تدور حول المذهب الشيعي ، فعليكم بمطالعة الكتاب الذي ذكرناه « لله وللحقيقة » ، وفّقكم الله وإيّانا لما يحبّ ويرضاه. الهوامش 1. النساء : 24. 2. الإسراء : 32. 3. البقرة : 275. 4. البقرة : 275. 5. راجع : منهاج الصالحين « للسيد السيستاني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 82 / الناشر : مكتب آية الله العظمى السيد السيستاني ـ قم / الطبعة : 1. منهاج الصالحين « للسيد السيستاني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 28 / الناشر : مكتب آية الله العظمى السيد السيستاني ـ قم / الطبعة : 1.
من سماحة السيّد علي الحائري إنّ نبيّ اللّه يوسف (على نبيّنا وآله وعليه السّلام) لم يراودها عن نفسه أبداً ، وحاشاه أن يفعل ذلك ، وإنّما هي راودته عن نفسه فامتنع كما نصّ عليه القرآن الكريم : { وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ } {يوسف/23}. وقد أعترفت هي أيضاً بذلك حيث قالت : { وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ } {يوسف/32}. ويبدو وأن السؤال إنّما هو عن هذه الآية الكريم : وتفسيرها هو : أنّها قصدته ، وأنّ يوسف أيضاً لولا عصمته لكان يقصدها ، لكنّه نبيّ معصوم عن الذنب والخطأ ، فلم يقصدها ، واللّه العالم .
الجواب من السيّد علي الحائري: مصيره مصير الآخرين بلا فرق ، فإن كونه ابن زنا لا يُعدّ ذنباً له يحاسب عليه ، فإنّ اللّه تبارك وتعالى عدل كريم ليس من شأنه الظلم والجور ، فبإمكان ابن الزنا أيضاً أن يدخل الجنّة إذا توفرّت فيه الشروط اللازمة للدخول في الجنّة ، شأنه شأن الآخرين ، واللّه العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: لم نعرف وجه السؤال ؟ فالمؤمن لا يخلّد في النار بلا إشكال كما أنّ الإيمان هو الشرط الأساسي والضروري لقبول الأعمال الصالحة الأُخرى حسبما تنصّ عليه النصوص الكثيرة. أمّا الخلود في النار فمقياسه العناد ، وعدم التسليم للّه وللحقيقة فنحن نقرأ في دعاء الكميل : « فَبِالْيَقينِ اَقْطَعُ لَوْ لا ما حَكَمْتَ بِهِ مِنْ تَعْذيبِ جاحِديكَ ، وَقَضَيْتَ بِهِ مِنْ اِخْلادِ مُعانِدِيكَ ، لَجَعَلْتَ النّارَ كُلَّها بَرْداً وَسَلاماً ، وَما كانَت لاَِحَد فيها مَقَرّاً وَلا مُقاماً ، لكِنَّكَ تَقَدَّسَتْ اَسْماؤُكَ ، اَقْسَمْتَ اَنْ تَمْلاََها مِنَ الْكافِرينَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ اَجْمَعينَ ، وَاَنْ تُخَلِّدَ فيهَا الْمُعانِدينَ » ، والمؤمن لا يكون معانداً وإلّا لم يكن مؤمناً ، فإنّ الإيمان عبارة عن خضوع العقل والقلب معاً تجاه الحقّ ، واستسلام الفكر والمشاعر أمام اللّه تبارك وتعالى ، فالحديث لا إشكال فيه ، واللّه العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: لم نعرف المقصود من كون الإنسان أعظم آية لله تعالى ، إنّما الثابت عندنا وفقاً للنصوص هو أنّ الإنسان قد فضّله الله تعالى على كثير من مخلوقاته كما تنصّ عليه الآية الشريفة : ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ) [ الإسراء : 70 ] . ولا شكّ في أنّ أفضل الخلق وأشرفهم نبيّ الإسلام محمّد بن عبد الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم. وقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد » ، ترسيخ لبشريّته وتأكيد على المفهوم القرآني المتكرّر في القرآن الكريم القائل : ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ ) [ الكهف : 110 ] ، إيعاداً للناس عن تأليهه وعبادته صلّى الله عليه وآله وسلّم.
الجواب من السيّد علي الحائري: 1 : رأي الشريفة في الألقاب التعظيميّة هو أنّ التعظيم بشكل عام إذا كان لله تعالى فهو أمر راجح ، بمعنى أن يكون الدافع للإنسان نحو تعظيم شخصٍ دافعاً إلهيّاً ، فانّ التعظيم حينئذٍ ليس تعظيماً للشخص بما هو شخص وإنّما هو تعظيم للقيم المتجسّدة فيه من الإيمان والتقوى والعلم والجهاد ، وقد فضّل الله المجاهدين على القاعدين ( وَفَضَّلَ اللَّـهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ) [ النساء : 95 ] . وقال : ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ ) [ الحجرات : 13 ] . وقال : ( يَرْفَعِ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) [ المجادلة : 11 ] . وأمّا أنّه مَن هو أوّل مَن أطلق عليه لقب « آية الله العظمى » من علمائنا فلم نعثر على تاريخ دقيق لهذا اللقب ، ولا أثر ولا قيمة لمعرفة ذلك ، إنّما المهمّ في الجواب على السؤال ما قلناه. 2 : لم نعرف المقصود من كون الإنسان أعظم آية لله ؛ إنّما الثابت عندنا وفقاً للنصوص هو أنّ الإنسان قد فضّله الله تعالى على كثير من مخلوقاته كما تنصّ عليه الآية الشريفة : ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ) [ الإسراء : 70 ] . ولا شكّ في أنّ أفضل الخلق وأشرفهم نبيّ الإسلام محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. وقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد » (1) ترسيخ لبشريّته ، وتأكيد على المفهوم القرآني المتكرّر في القرآن الكريم القائل : ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ ) [ الكهف : 110 ] ، إيعاداً للناس عن تأليهه وعبادته صلّى الله عليه وآله وسلّم. 3 : لا شكّ في أنّ الإنسان كلّما ازداد علماً ، فإنّ المفروض به أن يزداد تواضعاً ، وهذا هو نهج علمائنا. وفقهائنا منذ عصر الغيبة الصغرى إلى الآن ، فإنّهم جميعاً ـ رحم الله الماضين منهم وحفظ الله الباقين ـ كانوا القمّة في الإخلاص والتعبّد والتواضع ، فهم مفاخر هذه الطائفة ، ومُثلُها العليا ، ولم يعهد من أحد منهم أنّه أطلق على نفسه لقب « آية الله العظمى » أو لقب « الأعظم » أو ما أشبه ذلك أبداً ، أمّا إطلاق الآخرين عليه ذلك فمرجعه إلى تعظيم الآخرين له ، ومن الواضح أنّ التعظيم إذا كان يدافع إلهي وقُربي فهو تعظيم للقيم المتجسّدة في ذاك الإنسان المعظَّم ، وهل يشكّ أحد في أنّ تعظيم فقهاء هذه الطائفة وعلمائنا تعظيم لما يتمتّعون به من فضائل وسجايا ، وما يجسّدونه من قيم ومُثُل من إيمان وتقوى وعلم وجهاد وزهد وتواضع وإخلاص وعبادة ، وإحساس بالمسؤلية ، وتحمّل المسؤوليّة ، والتصدّي لإرشاد الناس وتوجيهم ، وما إلى ذلك من مظاهر الخلق الرفيع الذي نراه ونلمسهم فيه حفظهم الله تعالى. الهوامش 1. السيرة الحلبيّة / المجلّد : 3 / الصفحة : 94 / الناشر : المكتبة الإسلاميّة ـ بيروت.
الجواب من السيّد علي الحائري: 1 : لم نعهد من علمائنا مَن حرّم الشهادة الثالثة في الأذان بصورة مطلقة كي يصحّ السؤال عن أوّل مَن أجازها منهم ، فالكلّ متّفقون على أنّها ليست من فصول الأذان ، ولا يجوز الإتيان بها بقصد كونها جزءاً من الأذان وفصلاً من فصوله ، كما أنّ الكلّ متّفقون أيضاً على أنّ الإتيان بها لا بقصد الجزئيّة لا مانع منه. 2 : لا يجب ذكر عليّ عليه السلام في الأذان ، كما أنّه لم يوجد ولي يوجد عظيم مثل عليّ عليه السلام لا في الأوّلين ولا في الآخرين باستثناء نبيّ الإسلام الأعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم. 3 : لا نعتقد ذلك ، بل نرى أنّ الشهادة له سلام الله عليه بالإمرة والولايه سواء في الأذان أم في غيره أمر مستحب شرعاً طبقاً للنصوص الدالّة على ذلك ، فذكر عليّ عليه السلام عبادة على كلّ حال ، والشهادة له بكونه أميراً للمؤمنين ووليّاً لله تعالى شهادة بحقيقة من حقائق الإسلام.
الجواب من السيّد علي الحائري: تؤكّد النصوص الكثيرة على ضرورة التمسّك بالكتاب وبالعترة في مختلف المجالات عموماً وفي الفتن خصوصاً ، فهما العدلان والثقلان اللذان تركهما النبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم لأمّته ، وأمرهم بالتمسّك بهما ، وأخبرهم بأنّهم إذا تمسّكوا بهما لن يضلّوا من بعده أبداً. وآلية التمسّك بالثقلين في عصرنا ـ عصر غيبة الإمام المعصوم عليه السّلام ـ عبارة عن التمسّك بنوّاب الإمام الغائب عجّل الله فرجه وهم الفقهاء العدول ، فالتمسّك بالمرجعيّة الدينيّة وإتّباع نهجها وإمتثال أوامرها والإهتداء بهديها والخضوع لتوجيهاتها وإرشاداتها ونصائحها والرجوع إليها في مختلف مجالات الحياة وأخذ المواقف الرشيدة في الفتن منها يعتبر تجسيداً حيّاً للتمسّك بالقرآن والعترة الطاهرة في عصر الغيبة. وفقكم الله وإيّانا لما يحبّ ويرضى.
الجواب من السيّد علي الحائري: لا شكّ في أنّ الله تبارك وتعالى هو الغنيّ ذاتاً عن العالمين فلا يحتاج إلى شيء أبداً ، إلّا أنّه تبارك وتعالى من صفاته أيضاً أنّه فيّاض يفيض بالوجود على كلّ ما مَن شأنه الوجود ويتطلّبه ، ويفيض بالكمال على كلّ ما مَن شأنه الكمال ويتطلّبه ، لأنّ ذاك الشيء هو الذي يحتاج إلى الوجود و الكمال ويتطلّبه. فمثلاً البذرة التي من شأنها التكامل والنموّ والوصول إلى كمالها المناسب لها ، وتبدّلها إلى الثمر هي بحاجة إلى أن يفيض الله تعالى عليها كلّ مراحل تطوّرها ويُعطيها خلقتها المناسبة لها ويوصلها إلى كمالها المناسب لها ، كما قال سبحانه في القرآن الكريم : ( رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ) [ طه : 50 ] . والمادّة مثلاً إذا كانت مستعدّة ومن شأنها أن تتكامل وتتبدّل إلى إنسانٍ سَويّ ، إذاً فهي محتاجة إلى أن يفيض الله تعالى عليها كلّ مراحل وجودها وتطوّرها وتحوّلها إلى الإنسان الكامل. والإنسان مثلاً إذا كان مستعدّاً ومن شأنه الوصول إلى الكمال المناسب له ، إذاً فهو محتاج إلى أن يفيض الله تعالى عليه ما يهديه ويوصله إلى كماله. وقد ورد هذا المعنى في القرآن الكريم حيث يقول : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) [ الذاريات : 56 ] ، فإنّ عبادة الله تعالى التي اعتبرت في الآية الشريفة هي الهدف والغاية من خلق الجنّ والإنس هي الكمال المناسب للجنّ والإنس وهي التي يحتاج إليها الجنّ والإنس بحسب الواقع والحقيقة ، لا أنّ الله تعالى يحتاج إلى عبادتهم ، بل هم بحسب تركيبتهم وخلقتهم وطبيعتهم محتاجون إلى الوصول إلى كمالهم المتناسب مع خلقتهم ، والكمال المناسب لهم هو التقرّب إلى الكمال المطلق وهو الله تبارك وتعالى والتعبّد به والزلفى لديه ، فكلّ مَن تقرّب إلى الله تعالى أكثر من غيره كان أكمل من غيره ، ولذا فانّ أكمل الخلق وأشرفهم هو سيّدنا ونبيّنا محمّد بن عبد الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم. والحاصل إنّ كلّ ما يتطلّب الوجود والكمال يفيض الله تعالى عليه بالوجود والكمال المناسب له بمقتضى فيّاضيّته تبارك وتعالى لا لأنّ اللّه محتاج إلى خلقه بل الأمر بالعكس ، فإنّ ذاك الشيء هو المحتاج وهو الذي يتطلّب الوجود والكمال ، والله العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: كلا السؤالين يرتبط بموضوع جمع القرآن وترتيبه حسب الكيفيّة التي يشاهدها المسلمون اليوم ، ورأينا في هذا الموضوع يتلخّص في أنّ القرآن الكريم كان قد جُمع وكُتب في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ومن جملة أدلّتنا على ذلك حديث الثقلين المتواتر لدى المسلمين حيث قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي » ، فإنّ هذا الحديث الشريف يدلّ على أنّ القرآن كان مكتوباً مجموعاً في عهد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وقبل وفاته ، إذ لا يصحّ إطلاق لفظ « كتاب » على شيء غير مكتوب وغير مجموع بل هو في صدور حفّاظه أو هو مبعثر هنا وهناك ، إنّ مثل هذا لا يُطلق عليه لفظ « كتاب » إلّا على نحو المجاز ، واللفظ لا يحمل على معناه المجازي من غير قرينة ، ولا قرينة في حديث الثقلين تدلّ على ذلك ، فنبقى نحن وظاهر لفظ « كتاب الله » في الحديث ، فإنّه ظاهر فيما كان له وجود واحد جمعي ، ولا يطلق على المكتوب إذا كان مجزَّءاً ومبعثراً غير مجموع ، فضلاً عمّا إذا لم يكتب وكان محفوظاً في الصدور فقط. وهناك أدلّة أخرى على ذلك. والنتيجة أنّ إسناد جمع القرآن إلى الخلفاء أو إلى غيرهم أمر موهوم ومخالف للكتاب والسنّة والإجماع والعقل. نعم لا شكّ في أنّ عثمان قد جَمَع القرآن في زمانه لكنّ لا بمعنى أنّه جَمَع الآيات والسور في مصحف بل بمعنى أنّه جَمَع المسلمين على قراءة واحدة وأحرق المصاحف الأُخرى التي تخالف المصحف الذي جمع المسلمين عليه ، وكَتبَ إلى البلدان أن يُحرّقوا ما عندهم منها ، ونَهى المسلمين عن الاختلاف في القراءة حتّى اعترض عليه في ذلك جماعة من المسلمين وسمّوه بَحرّاق المصاحف ، وقد صَرّح بهذا كثير من أعلام أهل السنّة. إذاً القرآن مجموع في عهد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، كما أنّ ترتيبه الحالي الذي يشاهده المسلمون اليوم كان بأمر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، رغم أنّ هذا الترتيب ليس مطابقاً ترتيب نزول القرآن ، فهذا الترتيب يختلف عن ترتيب النزول ، لكنّه ترتيب أمَر به النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأمضاه الأئمّة المعصومون عليهم السلام أيضاً من بعده. أمّا ما هي الحكمة في ذلك ؟ فهذا أمر لا يعلمه إلّا اللّه ورسوله والراسخون في العلم ـ الأئمّة عليهم السلام ـ ، نعم قد نحدس ونستنبط بعض الحِكَم والمصالح ، واللّه العالم.
من سماحة السيّد جعفر علم الهدى لاتنافي في بين الايتين : أمّا الأولى ؛ فلأنّ المنافقين كانوا يتطّيرون بالنبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، ويزعمون أن ما يرد عليهم من البلاء إنّما لأجل وجود بالنبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيما بينهم ، فيتشائمون منه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، فأجاب الله تعالى بأنّ ما من حادثة أو بلاء يقع في الخارج إلّا يقع بإرادة الله تعالى وبقضائه وقدرته . فالخير والشر مقدران مكتوبان ، ولاربط لوجود شخص وعدمه في ذلك . أمّا الآية الأٌخرى فهي ناظرة إلى أفعال الإنسان ، وما يترتّب عليها من الآثار والنتائج ، فالله تعالى يعطي القدرة للإنسان ، ويرشده ، ويبيّن له العمل الصالح ، ويميّزه عن القبيح ، فإذا فعله الإنسان فهو في الحقيقة صادر منه باختياره وإرادته ، لكنّ الله تعالى هو الذي هداه وأرشده وأعطاه القدرة ، فالفضل له ، وأمّا ما صدر من الإنسان من القبيح ، فلا ينسب إلّا إلى الفاعل نفسه ؛ لأنّه اختاره وفعله باختياره وإرادته ، بمعنى أنّه إستفاد من القدرة المفاضة عليه من قبل الله تعالى في عمل الشرّ والقبيح بإرادته ، فهو المسؤول والمؤاخذ عليه ، ولا ينسب الشرّ إلى الله تعالى ؛ لأنّه لم يجبر الإنسان على فعله ، بل هداه وأرشده وطلب منه الخير ، لكن العبد بسوء اختياره إرتكب القبيح ، وهذا هو معنى لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين . وأمّا خطاب بالنبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم) بذلك مع أنّ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم) معصوم و مسدّد من الله تعالى ، فهو من باب : « إياك أعني ، وأسمعي يا جارة » ، فالخطاب في الحقيقة لسائر الناس.
من سماحة السيّد جعفر علم الهدى هذه كناية عن الإقرار والاعتراف بأنّهم قاموا بوظائفهم باعتبارهم أئمة و حجج الله على الخلق ، فالشهادة هنا بمعنى الإقرار والاعتراف في مقابل الإنكار والجحود . مضافاً إلى أنّ فيه نوعاً من الشكر على النعمة والإفضال ؛ فإنّه لولا إقامتهم الصلاة والزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم نكن نحن نعرف ذلك ، أو نعمل بذلك ، فإنّه ليس المراد أنّهم كانوا يصلّون ويزكّون بل المراد أنّهم أحيوا أمر الصلاة والزكاة والجهاد في سبيل الله بجهودهم ومساعيهم العلمية والعملية .