الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: يظهر من الروايات الواردة في تفسير هذه الآية إنّ المسجد الأقصى كان موجوداً في زمان النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بل كان قبلة للمسلمين ، وكان النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول : « لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد ، مسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى ». (٢) وقد ورد لمّا أُسري بالنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم من المسجد الحرام نزل في بيت المقدس ودخل المسجد ، وكان فيه آثار الأنبياء ومحاريبهم ، فصلّى بها. وقد وردت نصوص تدلّ على وجود هذا المسجد في زمان الأنبياء السابقين. قال وهب بن منبّه : « أوحى الله تعالى إلى موسى أن يتّخذ مسجداً لجماعتهم ، وبيت المقدس للتوراة ، ولتابوت السكينة ». (٣) وفي حديث أنّ داود عليه السّلام : ... فخرج بهم الى موضع بيت المقدس ، ... وقف موضع الصخرة دعا الله في كشف الطاعون عنهم ، فاستجاب الله ورفع الطاعون ، فاتّخذوا ذلك الموضع مسجداً ، وكان الشروع في بنائه لأحد عشر سنة مضت من ملكه ، وتوفّي قبل أن يستتمَّ بناءه وأوصى إلى سليمان بإتمامه. (٤) ثمّ إنّ المسجد الأقصى ببيت المقدس كان قبلة للمسلمين في زمن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فكيف يدّعى أنّ عمر بن الخطّاب هو الذي بناه ؟ والعجيب أنّ عمر بن الخطّاب كان لا يرى قدسيّة الأقصى فكيف يكون هو الذي بناه ؟ عن سعيد بن المسيب قال : « استأذن رجلٌ عمر بن الخطاب في إتيان بيتِ المقدس فقال له : إذهب فتجهز فإذا تجهزت فأعلمني ، فلما تجهز جاءه فقال له عمر : اجعلها عُمرةً ، قال : ومر به رجلان وهو يعرِضُ إِبلَ الصدقة فقال لهما : من أين جئتما ؟ قالا : من بيتِ المقدس ، فعلاهما بالدرّة وقال : أحجٌّ كحجّ البيت ؟ قال : إنّما كنّا مجتازين ». (٥) أقول : نسي عمر أو تناسى أو لم يسمع قول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « لا تشدّ الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد ، المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى » . (٦) وفي حديث آخر : « لا تُشدُّ الرحالُ إِلا ثلاثةِ مساجدَ : المسجدِ الحرامِ ، ومسجدِ المدينةِ ، ومسجدِ بيتِ المقدس » . (٧) الهوامش ١. الإسراء : ١. ٢. مسند الإمام أحمد بن حنبل / المجلّد : ٢ / الصفحة : ٥٤٢ / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : ٢. ٣. بحار الأنوار / المجلّد : ١٣ / الصفحة : ١٩٢ / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : ٢. ٤. بحار الأنوار / المجلّد : ١٤ / الصفحة : ١٤ / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : ٢. ٥. كنز العمال في سنن الاقوال والافعال / المجلّد : ١٤ / الصفحة : ١٤٦ / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : ٥. ٦. مسند الإمام أحمد بن حنبل ، المجلّد : ٢ / الصفحة : ٥٤٢ / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : ٢. ٧. كنز العمال في سنن الاقوال والافعال / المجلّد : ١٢ / الصفحة : ٢٧٣ / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : ٥.
من سماحة السيّد جعفر علم الهدى
من سماحة السيّد جعفر علم الهدى أوّلاً : ليس معنى العصمة أنّ الإمام أو النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مجبور على الطاعة ، وترك المعصية ، بل معناها أنّه يترك المعاصي باختياره وإرادته ، ويقاوم جميع عوامل الشرّ والفساد ؛ لعلمه الكامل بعظمة الله تعالى ، وحقّه العظيم ، وقبح مخالفته ، ومفسدة الذنوب والمعاصي ، كما يرى الإنسان بعينه النار المحرقة فلا يمدّ يده إليها ؛ لعلمه القطعي الكامل بأنّه سوف تحترق . نعم ، لابدّ أن يكون هناك تسديد وتوفيق من الله تعالى لكي يعمل بعلمه الكامل ؛ ولذلك يطلب الإمام والمعصوم من الله تعالى أن لا يتركه طرفة عين ، ولا يقطع عنه التوفيق والتسديد . هذا مضافاً إلى أنّ قلب الإمام (عليه السلام) كمرآة صافية ، تمام الصفاء بحيث يؤثّر فيها البخار الخارج من النفَس ، ومعنى ذلك أنّ هناك أشياء لا تعدّ معصية ، ولا مخالفة لله تعالى ، لكنّ تركها أولى ، فلو صدر من المعصوم مثل ذلك يرى نفسه عاصياً لله تعالى ، ومستحقاً للبعد من الله تعالى ، ولذلك يتعوّذ بلله من أن يصيبه مثل ذلك ، ويطلب من الله تعالى أن لا يصدر منه ترك الأولى ، وإن لم يكن ذنباً ومعصية ، والشيطان كما يدعوا الإنسان العادي إلى المعصية والمخالفة ، كذلك يوسوس للمعصوم أن يترك الأولى ليبتلى بآثار ذلك كما وسوس لآدم وأخرجه من الجنّة . ثانياً : قد يكون ذلك من باب التعليم والإرشاد حتّى يقول الناس هذا الدعاء في مقام المناجاة مع الله تعالى وإن كان الإمام نفسه أجلّ شأناً من ذلك .
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: ليس في الدعاء إشارة إلى أنّ الإستشهاد بآية واحدة ، بل جمع الإمام عليه السلام بين آيتين ، فذكر صدر أحديهما مع ذيل الاخرى ، وكلاهما قول اللّه الحقّ ووعده الصدق ، لكنّ استفاد كلاً منهما من آية تخصّه لا أنّ كليهما في آية واحدة. فالآية الأولى هو قوله تعالى : ( وَاسْأَلُوا اللَّـهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ) [ النساء : 32 ] ، والإمام ذكر صدرها : « وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ » ، والآية الثانية قوله تعالى : ( وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) [ النساء : 29 ] وذكر الإمام عليه السلام ذيلها. ويقال لهذا النوع من الاستشهاد التضمين ، أيّ يذكر المتكلّم في ضمن كلامه فقرات من القرآن أو الرواية ، أو كلام الغير كما في دعاء كميل : « وَاَنْتَ جَلَّ ثَناؤُكَ قُلْتَ مُبْتَدِئاً وَتَطَوَّلْتَ بِالاًِنْعامِ مُتَكَرِّماً ( أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ ) » [ السجدة : 18 ] . وفي دعاء الوارد في التعقيب : « اَللّـهُمَّ انْفَعْنا بِالْعِلْمِ وَيزَيِّنَا بِالْحِلْمِ وحَمِّلْنا بِالْعافِيَةِ وَكْرّمَنا بالتَّقْوى ( إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّـهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ) » [ الأعراف : 196 ] . وفي دعاء المجير : « سُبْحانَكَ لا اِلـهِ اِلّا اَنْتَ سُبْحانَكَ اِنّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمينَ ( فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ ) » [ الأنبياء : 88 ] .
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: أبو هريرة كان مشهوراً بالكذب والتدليس ، ولكنّ ليس معنى ذلك أن كلّ ما يرويه كذب وإفتراء وأنّه لم يصدر عن الله ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم بل من المحتمل صحّة بعض رواياته ولو لأجل أنّه سمعه من الثقاة ، وإنّما أسنده إلى الله ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم بحيث يتخيّل السامع أنّه سمعه من الله ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وهذا هو التدليس. وعلى كلّ حال فيمكن للفقيه أن يستند إلى بعض رواياته من باب التأييد لا الاستدلال على الحكم الشرعي ، لأنّ مجرّد احتمال عدم كذبه في هذا المورد الخاصّ يكفي في مرحلة التأييد ، مع وجود دليل آخر معتبر على الحكم. والغالب أنّ علماءنا يذكرون رواياته من باب الإلزام وإن أُعتقدوا عدم صحّتها ، أو من باب الإلزام والتأييد مع ثبوت مضمونها عندهم بأدلّة معتبرة أخرى.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: كلّ دين سماوي وإلهي كان يدعوا إلى التوحيد المستفاد من القرآن الكريم حسب تعاليم أهل البيت عليهم السّلام ، بل نقول : إنّ التوحيد أمر فطري يشعر به كلّ إنسان بحسب فطرته وغريزته والقرآن الكريم يشير إلى هذه الفطرة السليمة ، قال اللّه تعالى : ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) [ الروم : 30 ] . ففي الكافي بسنده عَنْ هِشامِ بنِ سالِم ، عَنْ أَبي عَبْدِ اللهِ عليه السلام قال : قُلْتُ : « فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا » ؟ قالَ : التوحيد . [ الاصول من الكافي ، المجلّد : 2 / الصفحة : 10 / الناشر : المكتبة الإسلاميّة ] وفي حديث آخر عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ سِنانٍ عَنْ أَبي عَبْدِ اللهِ عليه السلام قال : سَأَلتُهُ عَنْ قَوْلِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) ، ما تِلْكَ الفِطْرَهُ ؟ قالَ : هِي الإِسلامُ ، فَطَرَهُمُ اللهُ حينَ أَخَذَ ميثاقَهُمْ عَلَى التَّوْحيدِ . [ الاصول من الكافي ، المجلّد : 2 / الصفحة : 10 / الناشر : المكتبة الإسلاميّة ] وفي حديث آخر عن الصادق عليه السلام في قوله : ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) قال على التوحيد ومحمّداً رسول اللّه صلّى الله عليه وآله وعليّ أمير المؤمنين عليه السّلام » . [ بصائر الدرجات الكبرى ، المجلّد : 1 / الصفحة : 98 / الناشر : منشورات الأعلمي ] وفي الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ حَتّى يَكُونَ أبَواهُ يُهَوِّدانِهِ وَيُنَصِّرانِهِ » . [ المجعم الكبير ، المجلّد : 1 / الصفحة : 285 / الناشر : مكتبة ابن تيميّة ] . نعم لاريبّ في أنّ التوحيد المستفاد من القرآن الكريم وأحاديث أهل البيت عليهم السلام هو التوحيد الكامل الذي له أغصان وشعب ، ويعبّر عنه بتوحيد اللّه تعالى من جميع الجهات : كالتوحيد في الذات : ( قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ * اللَّـهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) [ الإخلاص : 1 ـ 4 ] . والتوحيد في الصفات : بمعنى أنّ صفات ذاته تعالى عين ذاته. كما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام : « أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ ، وَکَمالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ ، وَکَمالُ التَّصْديقِ بِهِ تَوْحِيدِهِ ، وَکَمالُ تَوْحيدُهُ الإخلاصُ لَهُ ، وَکَمالُ الإخلاصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفاتِ عَنْهُ لِشَهادَةِ کُلِّ صِفَةٍ أنَّها غَيْرُ المَوْصُوفِ ، وَشَهادَةِ کُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ. فمََنْ وَصَفَ اللهَ سُبْحانَهُ ، فَقَدْ قَرَنَهُ ، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنّاهُ ، وَمَنْ ثَنّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ ... » . [ نهج البلاغة : الخطبة الاولى ، الصفحة : 7 / الناشر : منشورات بنياد نهج البلاغة ] . والتوحيد في العبادة : بمعنى أنّه لا تجوز عبادة أحد سواه قال اللّه تعالى : ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَـٰهًا وَاحِدًا لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) [ التوبة : 31 ] . والتوحيد في الأفعال : وهو الاعتقاد بأنّه لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه ، وهذا لا يتنافى ترتب المسبّبات على الأسباب كالإحراق على النار أو الزرع على البذر ، كما لا يتنافى اختياريّة أفعال الإنسان ، وكذا لا يتنافى التوسّل بالأولياء والأنبياء والأئمّة عليهم السلام. أمّا عدم منافاته لترتّب المسبّبات على الأسباب ، فلأنّ ذلك أيضاً بمشيئة الله ومسبّب الأسباب هو الله تعالى. وعن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال : « أَبَى اللهُ أَنْ يُجْرِيَ الأَشْياءَ إِلّا بِأسْباب فَجَعَلَ لِكُلِّّ شَيْءٍ سَبَبَاً وَجَعَلَ لِكُلِّ سَبَبٍ شَرْحاً ، وَجَعَلَ لِكُلِّ شَرْحٍ عِلْماً وَجَعَلَ لِكُلِّ عِلْمٍ باباً ناطِقاً ، عَرَفَهُ مَن عَرَفَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ ، ذاك رَسُولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وَنَحْنُ » [ الاصول من الكافي ، المجلد : 1 / الصفحة : 140 / الناشر : المكتبة الإسلامية ] . وأمّا عدم منافاته لاختيار الإنسان ، فهو على أساس الفكرة التي طرحها أئمّتنا عليه السلام من مسألة الأمر بين الأمرين حيث إنّ اللّه تعالى يفيض القدرة على الإنسان في كلّ آن ، لكنّه جعله مختاراً في تصرّفاته ، فلا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين. وأمّا عدم منافاته للتوسّل بالمعصومين عليهم السلام ، فلأن تأثيرهم لا يكون إلّا بإذن اللّه سبحانه وتعالى وليس لهم باستقلالهم شيء ، قال اللّه تعالى : ( وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ ) [ المائدة : 110 ] . ثمّ إنّ التوحيد في الأفعال له شعب : 1ـ التوحيد في الخلق : ( أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّـهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) [ الأعراف : 54 ] . 2 ـ التوحيد في الربّوبّية : ( قُلْ أَغَيْرَ اللَّـهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ) [ الأنعام : 164 ] . وقال تعالى على لسان يوسف عليه السلام : ( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّـهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) [ يوسف : 39 ] . ويظهر من هذه الآية إنّ عبادة الأصنام كانت من قبيل الشرك في الربّوبّية ، كما أنّها كانت من قبيل الشرك في العبادة كما في قوله تعالى : ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّـهِ زُلْفَىٰ ) [ الزمر : 3 ] . 3 ـ التوحيد في المالكيّة والحاكميّة التكوينيّة : قال اللّه تعالى : ( ذَٰلِكُمُ اللَّـهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ ) [ الزمر : 6 ] . 4 ـ التوحيد في التشريع : قال اللّه تعالى ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّـهِ ) [ يوسف : 40 ـ 67 ] ، [ الأنعام : 57 ] . 5 ـ التوحيد في الإلوهيّة والطاعة : قال اللّه تعالى : ( اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ) [ الأعراف : 3 ] . وقوله تعالى : ( أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ) [ النساء : 59 ] . ولا يتنافى وجوب طاعة المعصومين مع توحيد اللّه في الطاعة ، لأنّ طاعتهم ليست اطاعة لهم بذاتهم واستقلالاً بل بإذن اللّه ، ولأنّه أوجب طاعتهم علينا فهي في الحقيقة طاعة للّه تعالى.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: أوّلاً : عدم وصول خبر الإله الآخر ومخلوقاته إلينا دليل على عجزه وعدم قدرته المطلقة حيث لم يتمكّن من تعريف نفسه لنا ولو بآياته وآثار خلقته ، كما أنّه لم يتمكّن أن يتصرّف في عالمنا ، فيكون محتاجاً إلى تعريف نفسه ، واللّه تعالى ـ أيّ واجب الوجوب بالذات ـ لابدّ أن يكون قادراً على الإطلاق وغنيّاً على الإطلاق. ولعلّ إلى هذا المعنى أشار الحديث الشريف في الإستدلال على نفي الشريك للباري تعالى ، ففي وصيّة أمير المؤمنين عليه السلام لولده الإمام الحسن عليه السلام : « وَاعْلَمْ ، يا بُنَيَّ ، أَنَّهُ لَوْ كانَ لِرَبِّكَ شَرِيكٌ لَأَتَتْكَ رُسُلُهُ ، وَ لَرَأَيْتَ اثارَ مُلْكِهِ وَسُلْطانِهِ ، وَلَعَرَفْتَ أَفْعالَهُ وَصِفاتِهِ ، وَلكِنَّهُ إلهٌ واحِدٌ ، كَما وَصَفَ نَفْسَهُ ، لا يضادُّهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ ، وَلا يَزُولُ أَبَداً ، وَلَمْ يَزَلْ ، أَوَّلٌ قَبْلَ الْأَشْياءِ بِلا أوليَّةٍ وَاخِرٌ بَعْدَ الْأَشياءِ بِلا نِهايَةٍ » . [ نهج البلاغة / الصفحة : 340 / الناشر : بنياد نهج البلاغة ] ثانياً : هذا الفاصل الذي بين خلق الإلهين مَن الذي خلقه ؟ وهل اتّفقا على وجوده ؟ أم أوجد نفسه ؟ أم كان مختار أحدهما دون الآخر ؟ ففي حديث الإمام الصادق عليه السلام : « ثمَّ يَلْزِمُكَ إنِ ادَّعَيْتَ اثْنَيْنِ فَلابُدَّ مِنْ فُرْجَةٍ بَيْنَهُما حَتّى يَكوُنَا اثْنَيْنِ فَصارَتِ الفُرْجَةُ ثالِثاً بَيْنَهما ، قَدِيماً مَعَهُما ، فَيَلْزِمُكَ ثَلاثَةً ، فَإنِ ادَّعَيْتَ ثَلاثَةً لَزِمَكَ ما قُلْنا في الاثْنَينِ حَتّى يَكوُنَ بَيْنَهُمْ فُرْجَتانِ فَيَكونَ خَمْساً ، ثُمّ يَتَناهى في العَددِ إلى ما لا نِهايَةَ في الكَثْرَةِ » . [ التوحيد / الصفحة : 224 / الناشر : منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلميّة في قم المقدّسة ] ويمكن توضيحه بما ذكره المجلسي في البحار : « إنّه لو كان التعدّد موجوداً لكان امتياز أحد الإلهين عن الآخر بأمر خارج عن ذاتهما يحتاج إليه في الإمتياز فيكون الإلهان محتاجين إلى هذا المائز ، والاحتياج ليس من شأن الإله ، فإنّ كلّ محتاج ممكن ». ثالثاً : بعد ثبوت امتناع وجود الإلهين بالأدّلة القطعيّة العقليّة لا معنى لفرض وجود إله آخر لا نعلم بحاله ولا بحال مخلوقاته. قال اللّه تعالى : ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّـهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّـهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ) [ الأنبياء : 22 ] ، وهذا إشارة إلى دليل التمانع حيث إنّ كلّ آله لو فرضنا مثل الآخر في القدرة والقوّة والعلم وجميع الصفات الكماليّة ، فمن المحتمل أن يريد أحدهما نقيض ما يريده الآخر فإمّا أن يقع ما أراداه ، وهو محال لاجتماع النقيضين أو لا يقع شيء منهما فهذا ارتفاع النقيضين أو يقع أحدهما دون الآخر ، فمَن وقع مراده هو الإله والثاني عاجز. إن قلت : لعلّهما يتّفقان على أن لا يريد أحدهما ضدّ الآخر ، قلنا : احتمال ذلك كافٍ في حصول الاستحالة ، لأنّ احتمال اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما محال وهكذا احتمال عجز الإله محال. قال اللّه تعالى : ( مَا اتَّخَذَ اللَّـهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـٰهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّـهِ عَمَّا يَصِفُونَ ) [ المؤمنون : 91 ] . والأدّلة على توحيد اللّه تعالى ونفي الشريك كثيرة نذكرها بنحو الإجمال : 1 ـ برهان الارتباط والتدّبير : كما يستفاد من حديث هِشامِ بنِ الحَكَمِ : قالَ : قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ الله عليه السلام : مَا الدَّليلُ عَلى أَنّ اللهَ واحِدٌ ؟ قال : اتِّصالُ التَّدْبيرِ وَتَمام الصُّنْعِ . [ التوحيد / الصفحة : 250 / الناشر : منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم المقدسة ] وعنه عليه السلام : فَلَمّا رَأَيْنا الخَلْقَ مُنْتَظِماً وَالفُلْكَ جارِياً واخْتِلافَ اللَّيلِ وَالنَّهارِ ، وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ دَلَّ صِحَّةُ الأَمْرِ وَالتَّدْبِيرِ وَائْتِلافُ الأَمْرِ عَلى أَنَّ المُدَبِّر واحِدٌ . [ التوحيد / الصفحة : 244 / الناشر : منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم المقدسة ] 2 ـ برهان عدم وجود الأثر للشريك الكاشف عن عدم المؤثّر : « لو كان لربّك شريك لأتتك رسله ». [ نهج البلاغة / الصفحة : 340 / الناشر : بنياد نهج البلاغة ] 3 ـ برهان السبر والتقسيم : لأنّه لو قيل بالتعدّد فلا يخلو الأمر فيهما من أحد ثلاثة : إمّا أن يكونا قادرين على إقامة النظام أو غير قادرين أو متفاوتين ومختلفين فيها ؟ فإذا كانا قادرين كان أحدهما لغواً ، وإذا كانا عاجزين كان كلاهما عبثاً ، وإذا كان أحدهما قادراً والآخر عاجزاً ثبت إلوهيّة القادر ولم يكن يليق بها الآخر العاجز. 4 ـ برهان استلزام الشركه للإستحاله : قال الصدوق : « أَنّهُما لَوْ كانا اثْنَيْنِ لَمْ يَخْلُ الأَمْرُ فيهما مِنْ أَنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُما قادراً عَلى مَنْعِ صاحِبهِ مِمّا يُريدُ أوْ غَيْرَ قادِر » ؟ [ التوحيد / الصفحة : 269 / الناشر : منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلميّة في قم المقدّسة ] فإن كان قادراً كان الآخر ممنوعاً ، والممنوع حادث ، والحدوث ليس من صفات الإله ، وإن لم يكن قادراً لزم عجزه ونقصه ، والعجز أيضاً ليس من صفات الله ، فيستحيل الشريك على كلا التقديرين ، ويثبت أنّ الآله واحد لا شريك له وهو الإله القادر جلّت قدرته. 5 ـ برهان الدفع : فإنّ وجوب الوجود لله تعالى الذي هو مسلّم ، يستلزم القدرة والقوّة الكاملة على جميع الأشياء بحيث يقدر على دفع جميع ما يضادّه ويقابله بنحو مطلق ، فإنّ عدم القدرة على هذا الدفع عجز ونقص ، والنقص عليه محال بالضرورة لوجوب وجوده ، وعليه فشريكه مندفع بالبداهة ، فيكون هو تعالى واحداً لا شريك له. 6 ـ دليل الكمال : إنّ التفرّد بالصنع كمال للصانع والشركة مستلزمة لسلب هذا الكمال ، وسلب الكمال عن ذاته المقدّسة المستجمعة لجميع الصفات الكماليّة محال بالبداهة ، فلا يكون له شريك ، لأنّ الشريك يستلزم سلب الكمال وسلب الكمال باطل ، فوحدة الصانع هو الحقّ. 7 ـ دليل الاستغناء : وذلك إنّ اللّه تعالى غني عمّا سواه ومستغن بذاته عن غيره ولا طريق للاحتياج إليه ، فيكون غنيّاً عن الشريك ومنزّهاً عن الحاجة والشركة ، مع أنّ الشركة بنفسها من الحاجة والفقر والنقص للاحتياج فيها إلى الإذن في التصرّف ، والغني أجلّ من الاحتياج وارفع من الاستيذان. ومع هذه الأدّلة العقليّة كيف يمكن فرض وجود إله ولو في عالم آخر لا نعلم به ؟
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: ليس الإختلاف في أصول العقائد وأركان الدين بل الإختلاف إنّما هو في الفروع والأحكام والتشريعات ، والكلام مع أهل الكتاب من النصارى واليهود أو مع المشركين إنّما هو في العقائد التي اتّفق عليها المسلمون وهم يرون أنفسهم على الحقّ ويعتقدون بطلان العقائد الأُخرى ، فالمسلمون بأجمعهم يعتقدون بوجود اللّه تعالى ووحدانيّته ، وبالأنبياء والرسل ، والأديان الإلهيّة ، وبنبوّة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم ورسالته ، وبالدين الإسلامي الحنيف الذي أوحاه اللّه تعالى إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وباليوم الآخر ، وبالقرآن الكريم الذي هو معجزة النبيّ محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم الخالدة ، وهذه العقائد متّفقة بين المسلمين وكلّهم يرون أنّها حقّ ويدعون جميع أهل الملل والأديان إلى الإعتقاد بها. وأمّا الاختلاف فلا يضرّ بأصل العقيده وبحقّانيّة الدين الذي يدعو إليه المسلمون ويرونه هو الحقّ الذي لابدّ أن يتّبع ، وذلك لأنّ الاختلاف إنّما هو في الفروع وهو موجود في جميع الأديان الإلهيّة السابقة ، مع أنّ أصحاب كلّ دين يرون أنّهم على الحقّ ، مع وجود هذه الإختلافات بينهم. وأمّا تحريف القرآن ، فالمحقّقون من علمائنا الأبرار يقولون ببطلانه وأنّه لم يحصل في القرآن الكريم زيادة أو نقيصه ، ولأجل ذلك أمرنا النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم والأئمّة الأطهار عليهم السّلام بالتدّبر في القرآن الكريم والاستدلال والاحتجاج به واستنباط الأحكام منه بمعونة السنّة النبويّة التي يحكي عنها روايات أهل البيت عليهم السّلام.
من سماحة السيّد جعفر علم الهدی أوّلاً : القرآن الكريم معجزة خالدة تثّبت نبوّة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، وقد ثبت إعجاز القرآن الكريم من جهات مختلفة لكلّ العلماء وجميع العقلاء ، بل للبشرية كافة جمعاء ، وقد تحدّى القرآن الكريم العرب وجميع الفصحاء والبلغاء على أن يأتوا بثله ، بل بعشر سور مثله ، بل إتيان سورة واحدة مثله ، فلم يستطيعوا ولن يستطيعوا إلى الأبد . قال تعالى : { قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } {الإسراء/88} . وقد روي أنّ ابن أبي العوجاء وثلاثة نفر من الدهرية اتّفقوا على أن يعارض كلّ منهم ربع القرآن ، وكانوا بمكّة عاهدوا على أن يجيئوا بمعارضة في العام القابل ، فلمّا حال الحول واجتمعوا في مقام إبراهيم (عليه السّلام). قال : أحدهم أنّي لمّا رأيت قوله : { وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } {هود/44} كففت عن عن المعارضة . وقال الآخر : وكذا أنا وجدت قوله : { فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيًّا } {يوسف/80} أيست من المعارضة ، وكانوا يسّرون بذلك فمرّ الصادق (عليه السّلام) فالتفت إليهم وقرأ عليهم : { قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ } {الإسراء/88} فبهتوا ) بحار الأنوار 92 : 16 . ولا ينحصر إعجاز القران الكريم في الفصحاة والبلاغة ، بل هو معجزة من حيث اشتماله على العلوم والمعارف الإلهية ، ومن حيث إخباره بالمغيّبات ، وعدم وجود اختلاف فيه ، والتاريخ الصحيح للأنبياء والرسل ، إلى غير ذلك . ثانياً : قد صدرت على يد النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خوارق العادة ، والمعاجز الإلهية في أفعاله وأقواله ، وأحواله وأوصفاته ، وما كان يختصّ به منذ ولادته إلى نهاية وفاته . وهذه المعجزات كثيرة جدّاً بحيث يقطع بحصوله بعضها إن لم يتحققّ كلّها . وقد ذكر ابن شهر آشوب في المناقب : « إنّه كان له أربعة آلاف وأربعمائة وأربع وأربعون معجزة ، ذكرت منها ثلاثة آلاف ، والمشهور منها التي ذكرها المؤرّخون ألف معجزة ، وقد تواتر منها الكثير الوفير » مناقب آل أبي طالب (عليه السّلام)1 : 106 ـ 144 . وثالثاً : سيرة الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : فمَن لاحظ نفس سيرته وسريرته ، وأخلاقه وآدابه ، وعشرته وطريقته وسلوكه أذعن بأنّه الآية الإلهية ، والحجّة الربّانية الكبرى ، وهو أهلٌ لأن يكون رسولاً من قبل الله ربّ العالمين ، فقد كان أجود الخلق يداً ، واشجع الناس وأصدقهم لهجة ، وأوفاهم ذمّة ، وأكرمهم عشيرة ، وكان أخشى الناس لربّه ، وأتقاهم لخالقه ، واعلمهم بالله ، وأقواهم في طاعة الله ، واصبرهم على عبادته ، وأزهدهم فيما سوى الله ، وكان ذا خلق عظيم ، وابتهال دائم ، وأدب فائق ، وكان أحلم الناس وأشجعهم وأعدلهم ، وأكثرهم تواضعاً ، وأشدّهم حياءً ، وكان يجيب دعوة الحرّ والعبد ، ويقبل الهدية ويكافئ عليها ، وكان يشيّع الجنازة ، ويعود المريض ، ويجالس الفقراء ، ويؤاكل المساكين ، ويكرم أهل الفضل ، ويصل ذوي رحمه ، ولا يجفوا أحداً ، ويقبل معذرة المعتذر ، ولا يقول إلّا حقّاً ، ولا يتكلّم إلّا صدقاً ، وكان يكرم مَن دخل عليه حتّى ربّما بسط له ثوبه ، وكان دائم البُشر ، ليس بفظّ ، ولا فحّاش ، ولا عيّاب ، ولا متملّق مدّاح ، وكان أفصح الناس منطقاً ، وأحلاهم كلاماً ، وأنفع الناس للناس ، إلى غير ذلك من صفات الكمال التي يكون توافرها في شخص واحد معجزة على حقّانيته .
الجواب: من سماحة السيّد جعفر علم الهدی
من سماحة السيّد جعفر علم الهدی ظهر أنّ إعجاز القرآن الكريم لا ينحصر في الفصاحة والبلاغة ، بل يكون من جهات أُخرى لا يختصّ دركها وفهمها بالعرب الفصحاء ، فالقرآن معجزة من حيث : 1 ـ الفصاحة والبلاغة . 2 ـ من حيث اشتماله على أفضل الآداب ، وأحسن الحكم ، وأكمل المواعظ ، وأصحّ النظم ، وأصوب القوانين ، وأتمّ الأحكام المتكفلة لارتباط الإنسان بخالقه وبغيره من أفراد البشر ، كما أنّ القرآن معجزة من حيث إنّه مع كثرة آياته وسوره خالٍ عن الاختلال والاختلاف والتناقض : { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا } {النساء/82}. 3 ـ من حيث اشتماله على الأخبار والآثار في قضايا الأُمم السابقة ، وخفايا القصص الماضية ، وسيرة الأنبياء والرسل ، وأحوالهم وقصصهم ممّا لم يطّلع عيها حتّى الأحبار والرهبان ، وعلماء الأديان السابقة . 4 ـ من حيث إنّ مَن أتى بالقرآن الكريم وهو النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يتعلّم عند معلّم ، ولو يدرس عند مدرّس ، ولم يعهد منه أنّه قرأ الكتب . 5 ـ من حيث الإخبار عمّا في ضمائر المنافقين ، وبواطن الكافرين ، ونوايا المشركين حتّى أنّهم كانوا يحذّرون من نزول آية تفضحهم ، وتكشف نواياهم . 6 ـ من حيث الإخبار عن الأمور المستقبلة ، والحوادث المقبلة ، والغيب الصادق كقوله { الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ } {الروم/1 ـ 3} . 7 ـ من حيث العلوم والفنون التي لم تنكشف إلّا في عصرنا .
الجواب: من سماحة السيّد جعفر علم الهدى سؤالك كاشف عن عدم اطّلاعك حتّى بما هو من المسلّمات عند الشيعة حيث إنّ الشيعة قرآنهم نفس القرآن الموجود بأيدي أهل السنّة بل أكثر الطبعات التي يقرأ فيها الشيعة تكون صادرة من مطابع أهل السنّة أو تكون تجديداً لطبعها ، وأكثر النسخ القرآن الكريم تكون مخطوطة بأيدي خطّاطين من أهل السنّة نظير « طه عثمان » . لكن نفس هذا القرآن الكريم الذي في يد أهل السنّة والشيعة جميعاً فيها آيات عديدة تدلّ على مسألة الولاية والإمامة ، وتكون مفسّرة بالأئمة (عليهم السّلام) فراجع كتاب شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني ، ومناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي ، وفضائل الخمسة من الصحاح الستّة للفيروزآبادي ، وراجع تفاسير أهل السنّة مثل تفسير الدر المنثور للسيوطي ، فقد ذكر في تضاعيف تفسير آيات وردت بحقّ عليّ (عليه السّلام) وأهل البيت (عليهم السّلام). منها : ما رواه في تفسير قوله تعالى :{ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ } {المائدة/67} عن بعض الصحابة إنّ هذه الآية نزلت هكذا ( أُنظر إلى التعبير بأنّها نزلت هكذا) : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ (أنّ عليّاً مولى المؤمنين) وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } . ومنها : ما رواه في تفسير قوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ } {البينة/7} إنّ النبيّ أشار إلى عليّ (عليه السّلام) وقال : « إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة » . فنزل قوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ } فكان عليّ كلّما دخل على الصحابة قالوا : جاء خير البرية . وهناك العشرات بل المئات من الآيات لو أردنا استقصاؤها لزم تأليف مجلدات من الكتب .
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: روي في الخصال بسنده عن حذيفة بن اُسيد ، قال : اطّلع علينا رسول الله صلّى الله عليه وآله من غرفة له ونحن نتذاكر الساعة ، فقال : « لا تقوم الساعة حتّى تكون عشر آيات : الدّجّال ، الدُّخان ، وطلوع الشمس من مغربها ، ودابّة الأرض ، ويأجوج ومأجوج ، وثلاثة خسوف : خسف بالمشرق ، وخسف بالمغرب ، وخسف بجزيرة العرب ، ونار تخرج من قعر عَدَن تسوق النّاس إلى المحشر ، تنزل معهم إذا نزلوا ، وتقيل معهم إذا قالوا » . (١) وأمّا من طرق أهل البيت عليه السلام فقد ورد في تفسير العيّاشي عن زرارة وحمران ومحمّد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السّلام في قوله تعالى : ( يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا ) (٢) قال : « طلوع الشمس من المغرب ، و خروج الدابّة ، والدّجّال ، والرجل يكون مصرّاً ، ولم يعمل على الإيمان ، ثم تجيءِ الآيات ، فلا ينفعه إيمانه » . (٣) وفي الكافي بسنده عن أبي عبد الله عليه السلام قال : « قال النبيّ صلّى الله عليه وآله [ وسلّم ] : من أشراط السّاعة أن يفشو الفالج وموت الفجأة » . (٤) وفي الخصال بسنده عن أبي الحصين قال : سمعت أبا عبد الله عليه السّلام يقول : « سئل رسول الله صلّى الله عليه وآله [ وسلّم ] عن الساعة ، فقال : عند إيمان بالنجوم وتكذيب بالقدر » . (٥) الهوامش ١. شرح الأبيّ والسنوسي على صحيح مسلم / الصفحة : ٣٥٢ / الناشر : دار الكتب العلميّة. ٢. الأنعام : ١٥٨. ٣. تفسير العيّاشي / المجلّد : ١ / الصفحة : ٣٨٤ / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة. ٤. الفروع من الكافي / المجلّد : ٣ / الصفحة : ٢٦١ / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة. ٥. الخصال / المجلّد : ١ / الصفحة : ٦٢ / الناشر : منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلميّة قم المقدّسة.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: السلطان مأخوذ من تسلّط على الشيء ، أيّ استولى عليه وتمكّن منه بالقهر والغلبة ، وقد يطلق السلطان على نفس السلطة والاستيلاء كقوله تعالى : ( وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا ) [ الإسراء : 33 ] . وقوله تعالى : ( إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ) [ النحل : 99 ـ 100 ] . وقوله تعالى : ( لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ) [ الرحمن : 33 ] . وقد يطلق السلطان على من له السلطة وهو الأكثر استعمالاً ، فيقال للملك : إنّه سلطان ، أيّ ذي سلطة واستيلاء ، وقد يطلق السلطان على الدليل والحجّة لأنّها تستولي على القلب وتوجب الإذعان بالأمر ، كقوله تعالى : ( فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ) [ إبراهيم : 10 ] ، وقوله تعالى : ( أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ) [ غافر : 23 ، هود : 96 ] ، أيّ حجّة واضحة.