من سماحة السيّد جعفر علم الهدى لايمكن الوصول إلى كنه ذات الله تعالى ومعرفته حتّى للأنبياء والرسل والأئمة (عليهم السّلام) ، وقد ورد عن الأئمة (عليهم السّلام) الاعتراف بعجزهم عن ذلك ، ففي دعاء الإمام السجاد (عليه السّلام) : « وَلَمْ تَجْعَلْ لِلْخَلْقِ طَريقاً اِلى مَعْرِفَتِكَ اِلاّ بِالْعَجْزِ عَنْ مَعْرِفَتِكَ » ( مناجاة العارفين ، مفاتيح الجنان ) . وفي دعاء المشلول عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) : « يا مَنْ لا يَعْلَمُ ما هُوَ وَلا كَيْفَ هُوَ وَلا أين هُوَ وَلا حَيْثُ هُوَ اِلاّ هُوَ » (مفاتيح الجنان ). وقال تعالى :{ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } {طه/110}. وقال عليّ (عليه السّلام) : « س بحان من إذا اتناهت العقول في وصفه كانت حائرة دون الوصول إليه ، وتبارك مَن اذا غرقت الفطن في تكيّفه لم يكن لها طريق إليه غير الدلالة عليه » . وكفى قوله تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } {الشورى/11} . نعم يمكن معرفة الله تعالى من آثاره ، وآيات عظمته ، وحكمته وقدرته ، ومظاهر صفاته ، وأسمائه الحسنى ، وبما أنّ المعصومين (عليهم السّلام) أكثر علماً وإحاطة بآيات الله تعالى ومخلوقاته ، فمعرفتهم بالله تعالى أعظم وأكثر من غيرهم ، بل ورد عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) قوله : « ولوكشف لي الغطاء ما ازدت يقيناً » . وقد ورد عن رسول الله (صلّی الله عليه وآله وسلّم) قوله لعليّ : « ياعليّ ماعرف الله إلّا أنا وأنت ، وماعرفني إلّا الله وأنت ، وماعرفك إلّا الله وأنا » . وقال أمير المؤمنين (عليه السّلام) حينما سئل هل رأيت ربّك ؟ قال : « وكيف أعبد ربّاً لم أره , لم تره العيون بمشاهدة العيان ، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان » . ونحن ننصحك بقرأءة توحيد المفضّل لترى ماذكره الإمام الصادق (عليه السّلام) من الآيات والأدلّة والبراهين والحجج والآثار الدالّة على وجود الله تعالى ووحدانيته وقدرته وحكمته ولطيف صنعه ، ومن ذلك تعرف أنّ الأئمة كانوا في أعلى مراتب المعرفة الممكنة للبشر تجاه الخالق العظيم .
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: الدليل على التوحيد الأحدي أيّ عدم تركّب الصانع من جزئين هو أنّ التركّب نقص ومستلزم للاحتياج فإنّ كلّ جزء من أجزائه يحتاج إلى الجزء الآخر ، والمفروض أنّ واجب الوجود غني على الإطلاق ولا يحتاج إلى أيّ شيء. وأمّا الدليل على التوحيد الواحدي أيّ عدم وجود شريك للباري تعالى فهو ما أشارت إليه الآية الكريمة : ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّـهُ لَفَسَدَتَا ) [ الأنبياء : 22 ] ، وقوله تعالى : ( مَا اتَّخَذَ اللَّـهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـٰهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ) [ المؤمنون : 91 ] . ويستفاد من قول الإمام الصادق عليه السلام : « فَلَمّا رَأَيْنَا الْخَلْقَ مُنْتَظِماً وَالْفَلَكَ جارِياً وَالتَّدْبِيرَ واحِداً وَاللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَلَّ صِحَّةُ الْأمْرِ وَالتَّدْبِيرِ وَائْتِلافُ الْأَمْرِ عَلى أنَّ المُدَبِّرَ واحِدٌ » [ الأصول من الكافي / المجلّد : 1 / الصفحة : 81 / الناشر : منشورات المكتبة الإسلاميّة ، بحار الأنوار / المجلّد : 3 / الصفحة : 230 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2 ] ، فلو كان المدبّر لهذا الكون متعدّداً ولكلّ واحد منهما قدرة كاملة لوقع الفساد في الكون ، إذ من المحتمل إرادة كلّ منهما غير ما يريده الآخر ، فيحصل الفساد أو عدم تحقّق شيء. ولعلّ الإستدلال في مورد السؤال يرجع إلى دليل آخر على نفي الشريك للبارى أشار إليه المجلسي في بحار الأنوار كتاب التوحيد وهو : إنّه يلزم من تعدّد الإله وجود الفاصل المائز القديم بينهما ، ثمّ وجود الفصل أيضاً بين الثلاثة فيما بينهما ، وهكذا متسلسلاً والتسلسل باطل ، فيصدق ضد التعدّد وهي الوحدة. وتوضيحه : أنّه لو كان التعدّد موجوداً لكان امتياز أحد الآلهتين عن الآخر بأمر خارج يحتاج إليه في الإمتياز ، فيكون الإلهان محتاجين إلى المائز والاحتياج ليس من شأن الإله ، فإن كلّ محتاج ممكن والله الغني أجلّ من الاحتياج ، فلا يكون له شريك.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: 1. قوله تعالى : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (1). وقد اتّفق جميع المفسّرين والمحدّثين من الشيعة والسنّة على أنّ الآية شاملة للزهراء عليها السّلام. (2) 2. قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : إنّ الله عزَّ وجلَّ يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها . (3) ومن المعلوم أنّ الله تعالى لا يرضى لرضى أحد إلّا إذا كان معصوماً. 3. قال الإمام العسكري عليه السلام : نحن حجج الله على خلقه وجدتنا فاطمة حجة الله علينا . (4) فإذا لم تكن فاطمة عليها السلام معصومة ، فكيف تكون حجّة الله على الأئمّة المعصومين عليهم السلام ؟ 4. قال الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف في توقيعه إلى الشيخ العمري : وفي ابنة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لي أسوة حسنة . (5) 5. وعن الصادق عليه السلام : لولا ان الله خلق أمير المؤمنين عليه السلام لم يكن لفاطمة عليها السلام كفو على ظهر الارض آدم فمن دونه . (6) وفي حديث الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم : ان الله قد أعطى فاطمة في الدنيا ذلك ، فأنا أبوها وما أحد من العالمين مثلي ، وعلي بعلها ولولا علي ما كان لفاطمة كفؤ أبداً ، وأعطاها الحسن والحسين وما للعالمين مثلهما سيدا شباب أسباط الانبياء وسيدا شباب أهل الجنة. (7) 6. عن أبي جعفر الباقر عليه السلام : ولقد كانت صلوات الله عليها طاعتها مفروضة على جميع مَن خلق الله من الجنِّ ، والإِنس ، والطير والبهائم ، والأنبياء والملائكة. (8) فكيف يفرض الله طاعة غير المعصوم على المعصومين ؟ 7. أفضليّتها وسيادتها على نساء الأولين والآخرين ونساء الجنّة حتّى مريم عليها السلام ، وهو يستلزم عصمتها ، وإلّا لم تكن غير المعصومة أفضل من المعصومة. ففي حديث عن الصادق عليه السلام : وان الله عز وجل جعلك سيدة نساء عالمك وعالمها وسيدة نساء الأولين والآخرين . (9) وفي حديث الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم : وابنتي فاطمة سيدة نساء أهل الجنّة من الخلق أجمعين . (10) 8. قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : منّا خمسة معصومون . قيل يا رسول الله ، من هم ؟ قال : أنا ، وعليّ ، وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام . (11) 9. تستفاد العصمة من ألقابها التي صدرت عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم والأئمّة المعصومين عليه السلام ، مثل : الطاهرة ، والمطهّرة ، والحوراء. (12) 10. شأنها العالي ، ومقامها الرفيع حيث جعلها الله محوراً للمعصومين : أبيها وبعلها وبنيها ، كما في حديث الكساء الشريف : وَهُمْ فاطِمَةُ وَأبُوها وَبَعْلُها وَبَنُوها (13). 11. كونها بضعة لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، المقتضي لأن تكون كالأصل معصومة ، بل هي مهجة قلبه وروحه التي بين جنبيه ، كما في الأحاديث الواردة عن الفريقين. قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : وأمّا ابنتي فاطمة فإنّها سيّدة نساء العالمين ، من الاوَّلين والآخرين وهي بضعة منّي ، وهي نور عينيَّ ، وهي ثمرة فؤادي ، وهي روحي الّتي بين جنبيَّ ، وهي الحوراء الإنسيّة. (14) الهوامش 1. الأحزاب : 33. 2. راجع : الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 286 ـ 287 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 3. الأمالي « للشيخ الطوسي » / الصفحة : 248 ـ 249 / الناشر : دار الثقافية / الطبعة : 1. تفسير فرات الكوفي « لعلي بن إبراهيم القمي » / الصفحة : 336 ـ 337 / الناشر : مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي / الطبعة : 1. تفسير القمي « لعلي بن إبراهيم القمي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 193 ـ 194 / الناشر : مؤسسة دار الكتاب / الطبعة : 3. تفسير القرآن العظيم « لابن كثير » / المجلّد : 3 / الصفحة : 494 / الناشر : دار المعرفة. أسباب النزول « لأحمد بن محمد النيسابوري » / الصفحة : 354 / الناشر : دار الإصلاح ـ الدمام / الطبعة : 2. تفسير القرآن العظيم « لابن أبي حاتم الرازي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 3131 / الناشر : دار الفكر. الدر المنثور في التفسير بالمأثور « لجلال الدين السيوطي » / المجلّد : 6 / الصفحة : 604 ـ 605 / الناشر : دار الفكر. 3. شرح احقاق الحق « للسيد المرعشي » / المجلّد : 10 / الصفحة : 116 ـ 117 / الناشر : منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي. راجع : الأمالي « للشيخ الصدوق » / الصفحة : 467 ـ 468 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. عيون أخبار الرضا « للشيخ الصدوق » / المجلّد : 2 / الصفحة : 51 / الناشر : مؤسسة الأعلمي / الطبعة : 1. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 43 / الصفحة : 220 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. 4. أطيب البيان « للسيد عبدالحسين الطيب » / المجلّد : 13 / الصفحة : 225 / الناشر : انتشارات اسلام / الطبعة : 2. 5. الغيبة « للشيخ الطوسي » / الصفحة : 286 / الناشر مؤسسة المعارف الإسلاميّة / الطبعة : 1. 6. تهذيب الأحكام « للشيخ الطوسي » / المجلّد : 7 / الصفحة : 470 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 4. راجع : المناقب « لابن شهر آشوب » / المجلّد : 2 / الصفحة : 181 / الناشر : مؤسسة انتشارات علامة / الطبعة : 1. الوافي « للفيض الكاشاني » / المجلّد : 21 / الصفحة : 315 / الناشر : مكتبة الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام / الطبعة : 1. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 43 / الصفحة : 107 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. 7. شرح إحقاق الحق « للسيد المرعشي » / المجلّد : 19 / الصفحة : 117 / الناشر : منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي. راجع : تفسير القمي « لعلي بن إبراهيم القمي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 338 / الناشر : مطبعة النجف. كشف الغمة « لعلي بن أبي الفتح الإربلي » / المجلّد : 4 / الصفحة : 419 / الناشر : المجمع العالمي لأهل البيت. البرهان في تفسير القرآن « للسيد هاشم البحراني » / المجلّد : 4 / الصفحة : 143 / الناشر : مؤسسة البعثة. 8. دلائل الإمامة « لمحمد بن جرير الطبري » / الصفحة : 106 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. 9. علل الشرائع « للشيخ الصدوق » / الصفحة : 182 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 2. راجع : دلائل الإمامة « لمحمد بن جرير الطبري » / الصفحة : 152 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. التفسير الصافي « للفيض الكاشاني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 336 / الناشر : مكتبة الصدر / الطبعة : 2. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 43 / الصفحة : 78 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. 10. شرح إحقاق الحق « للسيد المرعشي » / المجلّد : 5 / الصفحة : 41 / الناشر : منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي. راجع : الأمالي « للشيخ الصدوق » / الصفحة : 373 ـ 374 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. الأمالي « للشيخ الطوسي » / الصفحة : 84 ـ 85 / الناشر : دار الثقافة / الطبعة : 1. بشارة المصطفى « لمحمد بن أبي القاسم الطبري » / الصفحة : 65 ـ 66 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 36 / الصفحة : 294 ـ 296 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 2. 11. عوالم العلوم والمعارف ـ العوالم ، سيّدة الزهراء سلام الله عليه ـ « للشيخ عبدالله البحراني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 86 / الناشر : مؤسسة الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف / الطبعة : 3. راجع : مناقب الإمام أمير المؤمنين (ع) « لمحمد بن سليمان الكوفي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 153 / الناشر : مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة. 12. راجع : الخصال : « للشيخ الصدوق » / الصفحة : 414 / الناشر : منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلميّة بقم المقدّسة. تفسير فرات الكوفي « لفرات بن إبراهيم الكوفي » / الصفحة : 216 / الناشر : مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي / الطبعة : 1. علل الشرائع « للشيخ الصدوق » / المجلّد : 1 / الصفحة : 183 ـ 184 / الناشر : المكتبة الحيدريّة. 13. عوالم العلوم والمعارف ـ العوالم ، سيّدة الزهراء سلام الله عليه ـ « للشيخ عبدالله البحراني » / المجلّد : 2 / الصفحة : 933 / الناشر : مؤسسة الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف / الطبعة : 3. 14. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 43 / الصفحة : 172 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. راجع : الأمالي « للشيخ الصدوق » / الصفحة : 175 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. بشارة المصطفى « لمحمد بن أبي القاسم الطبري » / الصفحة : 306 ـ 307 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. عوالم العلوم والمعارف ـ العوالم ، سيّدة الزهراء سلام الله عليه ـ « للشيخ عبدالله البحراني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 277 / الناشر : مؤسسة الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف / الطبعة : 3.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: عذاب البرزخ وثوابه حقّ لا ريب فيه ، وقد ورد عن رسول الله صلّى الله عيه وآله وسلّم : « القبر إمّا روضة من رياض الجنّة ، أو حفرة من حفر النيران » . [ بحار الأنوار ، المجلّد : 6 / الصفحة : 275 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2 ] ولكن ليس من الضروري أن يعذّب كلّ أحد في القبر ، لأنّ عذاب القبر بالنسبة للمؤمن تمحيص له عن الذنوب والمعاصي ، وتطهير له ليرد على الله تعالى مستحقّاً لثوابه. وفي الحديث الشريف : « إنّ الله تعالى إذا أحبّ أحداً وصدرت منه المعاصي فإمّا أن يبتليه بمرض في بدنه ليكون تطهيراً له من آثار المعصية ، أو يبتليه في ماله أو في ولده أو يشتدّ عليه النزع وسكرات الموت ، وإذا لم يتحقّق بعض هذه الأمور ، فيبتلي بعذاب البرزخ ليكون كفّارة لذنوبه » . ولذا ورد عن الامام الصادق عليه السّلام : « والله ما أخاف عليكم إِلا البرزخ ، فامّا إِذا صار الأمر إلينا فنحن أولى بكم » . [ بحار الأنوار ، المجلّد : 6 / الصفحة : 214 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2 ] وقد ورد أنّ بعض المعاصي والأخلاق الذميمة توجب عذاب القبر ـ ضغطة القبر ـ ، ومنها سوء خلق الرجل مع زوجته وأهله. وعلى كلّ حال يمكن التخلّص من عذاب القبر بعدم إرتكاب الذنوب والمعاصي ، أو التوبة والإستغفار من الذنوب بالندم على ما صدر منه والعزم على عدم العود ، وإصلاح ما فسد ، والتخلّص عن حقوق الناس وإرضائهم ، والتوسّل بالنبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم والأئمّة المعصومين عليهم السّلام والذهاب لزيارتهم. وقد نقل إنّ إمرأة مؤمنة كانت مداومة لزيارة عاشوراء ، فلمّا توفّيت ودفنت ، جاء الإمام الحسين عليه السّلام لزيارتها ، « أو قلّ لردّ الزيارة » إلى قبرها ، وببركة مجيء الإمام الحسين عليه السّلام ارتفع العذاب ـ عذاب القبر ـ عن جميع المدفونين في تلك المقبرة. فراجع مفاتيح الجنان للشيخ القمّي أعلى الله مقامه بعد زيارة عاشوراء ودعاء علقمة لتجد تفاصيل القصّة هناك. وعلى كلّ حال فرحمة الله واسعة ، والنبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم ، والأئمة عليه السّلام المعصومون ، وفاطمة الزهراء عليها السلام شفعاء مشفّعون ، فلا بدّ أن نرجوا رحمة الله الواسعة ، وشفاعة المعصومين عليهم السّلام ، وفي نفس الوقت نخاف من ذنوبنا وشرور أنفسنا ، فنتداركها بالتوبة والأنابة إلى الله تعالى ، ونجتهد في تحصيل رضى الله تعالى بإتيان الواجبات وترك المحرمات. ففي الحديث الشريف عن النبيّ الأعظم صلّى الله عيه وآله وسلّم : « من مات على حبّ آل محمّد مات شهيداً » . [ بحار الأنوار ، المجلّد : 23 / الصفحة : 233 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2 ] ومن المعلوم أنّ الشهيد لا يعذّب في القبر ، فينبغي أن يكون حبّنا لله ولرسوله ولأهل البيت عليهم السّلام صادقاً بإطاعتهم ، والسير على نهجهم ، والرجوع إلى خطّهم ، كلّما انحرفنا عنه بإغراء الشيطان الرجيم وإغوائه ووسوسته. وقد روي عن الصادق عليه السّلام أنّه قال : تعصي الاله وأنت تظهر حبّه هذا لعمرك في الفعال بديع لو كان حبّك صادقا لأطعته إنّ المحبَّ لمن يحبُّ مطيعُ [ بحار الأنوار ، المجلّد : 47 / الصفحة : 24 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2 ]
من سماحة السيد جعفر علم الهدى لقد كان عيسى بن مريم ( عليه السّلام ) نبيّاً وهو في المهد ، ويظهر من القرآن الكريم أنّه لم يكن فرق بين كونه في المهد وبين كونه رجلاً كبيراً . قال الله تعالى : { إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً } {المائدة/110} . وقال تعالى : { وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا } {مريم/12} . وقال تعالى على لسان عيسى بن مريم ( عليه السّلام ) وهو طفل رضيع مخاطباً لبني إسرائيل : { إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّ ا } {مريم/30} . وكيف ما كان ، فالله أعلم حيث يجعل رسالته و ولايته وإمامته ، فلا استبعاد في أن يجعل الله تعالى طفلاً إماماً وحجّة على الخلق ؛ فإنّ الإمامة عند الشيعة الإمامية منصب إلهي ، وليس للناس اختيار في تعيين الإمام . قال الله تعالى : { قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } {البقرة/124} : أيّ الإمامة عهد يعطيه الله لمَن يختاره . وقال الله تعالى : { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ } {القصص/68}. وقال تعالى : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } {الأحزاب/36} . ففي رواية عن ابن أسباط قال : خرج عليّ أبو جعفر الجواد ( عليه السّلام ) ، فجعلت أنظر إليه وإلى رأسه ورجليه لأصف قامته لأصحابنا بمصر ، فلمّا جلس قال : « ياعليّ إنّ الله احتجّ في الإمامة بمثل ما احتجّ في النبوّة قال الله تعالى : { وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا } {مريم/12} ، قال : ولمّا بلغ أشدّه وبلغ أربعين سنة ، فقد يجوز أن يعطي الحكم صبياً ، ويجوز أن يعطي ، وهو ابن أربعين سنّة » . وفي إرشاد المفيد بسنده الصحيح عن معمّر بن خلاّد قال سمعت الرضا ( عليه السّلام ) وذكرشيئاً فقال : « ما حاجتكم إلى ذلك » ؟ « هذا أبو جعفر قد اجلسته مجلسي ، وصيّرته مكاني » ، وقال : « إنّا أهل بيت يتوارث أصاغرنا أكابرنا القذة بالقذة » . وفي الكافي بسنده عن محمّد بن الحسن بن عمّار قال : كنت عند عليّ بن جعفر بن محمّد جالساً بالمدينة ، وكنت أقمت عنده سنتين أكتب عنه ما سمع من أخيه يعني أبا الحسن موسى بن جعفر ( عليه السّلام ) ، إذ دخل عليه محمّد بن عليّ الرضا المسجد ـ مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ـ فوثب عليّ بن جعفر بلا حذاء ولا رداء فقبّل يده وعظّمه . فقال أبو جعفر ( عليه السّلام ) : « ياعمّ اجلس رحمك الله ». فقال : ياسيّدي كيف أجلس وأنت قائم ؟ فلما رجع عليّ بن جعفر إلى مجلسه جعل أصحابه يوبّخونه ويقولون : أنت عمّ أبيه وأنت تفعل به هذا الفعل ؟ فقال : اسكتوا إذا كان الله عزّوجلّ ـ قبض على لحيته ـ لم يؤهّل هذه الشيبة ، وأهّل هذا الفتى ، ووضعه حيث وضعه أُنكر فضله ؟ نعوذ بالله ممّا تقولون ، بل أنا له عبد .
بعض الأسئلة حول قوله تعالى : { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَة } السؤال : هناك بعض الأسئلة حول قوله تعالى : { إِ نَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } . 1- ما المقصود بالأمانة؟ 2- عندما نعرض أمراً على الغير ونطلب منه القيام بالدور المطلوب لابدّ أن يتوفّر فيه شرطان أساسيان : القابلية الذاتية لتحمل الدور ، والأهلية اللازمة لايفاء التعهد . فاذا افترضنا إنّ إباء السماوات والأرض عن تحمّل الأمانة كانت بسبب عدم وجود القابلية الذاتية : أيّ عدم وجود الملكة ، فيلزم منه أن يكون أصل العرض عليها غير صحيح . واذا افترضنا كانت فيها القابلية ، ولكن مع ذلك أبين عن تحمّل الأمانة كما يستفاد من ظهور { أَبَيْنَ } و{ أَشْفَقْنَ } . فينقدح هذا السؤال هل يحقّ أساساً لهذا الموجود المخلوق أن يأبى عن تحمّل ما عرض عليه خالقه؟ 3- تحمّل هذه الأمانة من قبل الإنسان : إمّا كان باختياره أو بغير اختياره. فان كان باختياره ، فأيضاً عرض هذه الأمانة على من ليس الأهلية بالوفاء قبيح . وهذا من قبيل إعطاء زمام أمور بلد إلى فرد لا أهلية له للقيام بهذا الدور. وإن لم يكن باختياره بل كان تحميلاً عليه ، فهذا أوّلاً : لا يناسب قوله : { عَرَضْنَا } حيث يستفاد منه كون تحمّل الأمانة اختيارياً. وثانياً : لا مقتضي للتعبير: { إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } ؛ لأنّه نظراً لفقدان الأهلية بالوفاء فيه كانت هذه النتيجة متصورة في حقّه من بادئ الأمر. الجواب : من سماحة العلامة السيّد كمال الحيدري المقصود من الأمانة هنا الولاية الإلهية . والمراد من عرض الأمانة وحملها : هو العرض الكوني الوجودي للولاية والخلافة الإلهية , والذي يحمل هذه الأمانة الإلهية لابدّ أن يكون قادراً ومستعداً لحملها , فيكون واسطة الفيض ، وهو الإنسان ، ووصف بالظلوم الجهول للإشارة إلى أنّ الإنسان فيه القدرة على أن يكون ظلوماً جهولاً ، وفيه القدرة على أن يكون عالماً عادلاً ، وإذا لم تكن فيه هذه القدرة والاستعداد - الظلم والجهل - لم يكن فيه تلك القدرة والاستعداد - عالماً عادلاً - . والإباء هنا من قبل السموات والأرض هو إباء إشفاقي لا إستكباري ، فهو إباء الذّلة والضعف ، لا إباء استكبار كما في إبليس : { أَبَى وَاسْتَكْبَرَ } {البقرة/34} . بعبارة أخرى : ا لآية بصدد بيان المقايسة بين الأشياء عند عرض الأمانة الإلهية عليها , فيكون المراد بحملها والإباء عنها هو وجود استعداد وصلاحية التلبس بها وعدمه , وهذا المعنى هو القابل لئن ينطبق على الآية ، فالسماوات والأرض والجبال على ما فيها من العظمة والشدة والقوة فاقد لاستعداد حصولها فيها ، وهو المراد بإبائهنّ عن حملها وأشفاقهنّ منها , لكن الإنسان الظلوم الجهول لم يأب ولم يشفق من ثقلها وعظم خطرها فحملها على ما بها من الثقل وعظم الخطر ، فتعقب ذلك أن أنقسم الإنسان من جهة حفظ الأمانة وعدمه بالخيانة إلى : منافق ومشرك ومؤمن بخلاف السماوات والأرض والجبال فما منها إلّا مؤمن مطيع .
بعض الأسئلة حول قوله تعالى : { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَة } السؤال : هناك بعض الأسئلة حول قوله تعالى : { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } {الأحزاب/72}. 1- ما المقصود بالأمانة؟ 2- عندما نعرض أمراً على الغير ونطلب منه القيام بالدور المطلوب لابدّ أن يتوفّر فيه شرطان أساسيان : القابلية الذاتية لتحمل الدور ، والأهلية اللازمة لايفاء التعهد . فاذا افترضنا إنّ إباء السماوات والأرض عن تحمّل الأمانة كانت بسبب عدم وجود القابلية الذاتية : أيّ عدم وجود الملكة ، فيلزم منه أن يكون أصل العرض عليها غير صحيح . واذا افترضنا كانت فيها القابلية ، ولكن مع ذلك أبين عن تحمّل الأمانة كما يستفاد من ظهور { أَبَيْنَ } و{ أَشْفَقْنَ } . فينقدح هذا السؤال هل يحقّ أساساً لهذا الموجود المخلوق أن يأبى عن تحمّل ما عرض عليه خالقه؟ 3- تحمّل هذه الأمانة من قبل الإنسان : إمّا كان باختياره أو بغير اختياره. فان كان باختياره ، فأيضاً عرض هذه الأمانة على من ليس الأهلية بالوفاء قبيح . وهذا من قبيل إعطاء زمام أمور بلد إلى فرد لا أهلية له للقيام بهذا الدور. وإن لم يكن باختياره بل كان تحميلاً عليه ، فهذا : أوّلاً : لا يناسب قوله : { عَرَضْنَا } حيث يستفاد منه كون تحمّل الأمانة اختيارياً. وثانياً : لا مقتضي للتعبير: { إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } ؛ لأنّه نظراً لفقدان الأهلية بالوفاء فيه كانت هذه النتيجة متصورة في حقّه من بادئ الأمر. الجواب : من سماحة السيّد جعفر علم الهدى ج1- قيل : إنّ المراد : { الْأَمَانَةَ }بالأمانة التكّليف ، والمراد بعرضها على السماوات والأرض هو ملاحظة استعدادهنّ للتكليف ، والمراد بإبائهنّ هو الإباء الطبيعي وعدم الاستعداد واللياقة ، والمراد بحمل الإنسان هو قابليته واستعداده للتكّليف ، والمراد بكونه : { ظَلُومًا جَهُولًا } غلبة القوة الشهوية والغضبية عليه وهو وصف بلحاظ الأغلب . ويؤيد هذا المعنى : ما ورد أنّ عليّاً (عليه السّلام) إذا حضر وقت الصلاة كان يتململ ويتزلزل ، ويتغّير لونه. فيقال له مالك : يا أمير المؤمنين ؟ فيقول : { جاء وقت الصلاة ، وقت أمانة عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملها وأشفقن منها }. وفي تفسير القمّي : « الأمانة هي الإمامة والأمر والنهي » . وفي عيون أخبار الرضا (عليه السّلام) ، ومعاني الأخبار للصدوق (قدسّ سرّه) عن الإمام الرضا (عليه السّلام) في هذه الآية قال : « الأمانة الولاية من أدعاها بغير حقّ فقد كفر » . وفي الكافي عن الصادق (عليه السّلام) : « هي ولاية أمير المؤمنين (عليه السّلام) ». وفي البصائر عن الباقر(عليه السّلام) : « هي الولاية أبين أن يحملنها كفراً بها وعناداً ، وحملها الإنسان ، والإنسان الذي حملها أبو فلان ». يعني إنّ الولاية عرضت على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها كذباً وزوراً بأن يدعين الولاية ، ولا يؤمن بها باطناً ، ولكن أبو فلان حملها ظاهراً ، وكفّر بها باطناً . ج2- ظهر جوابه : وهو أنّ المراد من عرضها (الأمانة والتكاليف والولاية) على السماوات والأرض النظر إلى قابليتها ولياقتها بحسب استعدادها الوجودي ، والمراد من الإباء الإباء الطبيعي ، أيّ تبين عدم لياقتها ، أو أنّ الأمانة هي الولاية وعرضت على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها على وجه الكفر والجحود والنفاق ، ولاينافي إنهنّ حملن الولاية على نحو التسليم والانقياد . أمّا الانسان - والمراد به أبو فلان وأتباعه - فحملها على نحو النفاق والكفر لجهله وعناده وتكبّره . ج3- العرض : كان لأجل اللياقة والاستعداد كما أنّ التحمّل اختيارياً ، لكن أغلب الناس لم يقم بوظيفته تجاه تلك الأمانة ، ولذا صار جهولاً ظلوماً . قال في تفسير الصافي : « إنّ المراد بالأمانة التكليف بالعبودية لله على وجهها ، والتقرب بها إلى الله سبحانه كما ينبغي لكلّ عبد بحسب استعداده لها ، وأعظمها الخلافة الإلهية لأهلها ، ثمّ تسليم مَن لم يكن من أهلها لأهلها ، وعدم ادعاء منزلتها لنفسه ، ثمّ سائر التكاليف . ثمّ المراد بعرضها على السماوات والأرض والجبال : النظر إلى استعدادهنّ لذلك. وبإبائهن : الإباء الطبيعي الذي هو عبارة عن عدم اللياقة لها ، وبحمل الإنسان إياها تحمّله لها من غير استحقاق تكبّراً على أهلها ، ومع تقصيره بحسب وسعه في أدائها . وبكونه ظلوماً جهولاً : ما غلب عليه من القوّة الغضبية والشهوية ، وهو وصف للجنس باعتبار الأغلب . فهذه الحقائق معان كلّية - وكلّ ما ورد في تأويلها في مقام التخصيص يرجع إلى هذه الحقائق ... » .
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: لم تفهم للأسف معنى الشفاعة ، وخصوصيّات الشفيع والمشفّع له ، كما لم تراجع الأحاديث الواردة حتّى من طرق علماء أهل السنّة التي تصرح بثبوت الشفاعة للنبي الأعظم صلّى الله عليه وآله. فالله تعالى وان كان أرحم الراحمين ، ورحمته وسعت كلّ شيء ، لكنّه في نفس الوقت أراد أن يعرف الناس مقام ومنزلة رسوله العظيم وأهل بيته وأوليائه ؛ فأمر الناس بالتوجّه إليه لا إلى غيره ، لكن مع الاستشفاع والتوسّل بالنبي الأعظم صلّى الله عليه وآله وأوليائه. ففي صحيح البخاري ، ان عمر بن الخطاب توسّل بالعبّاس عمّ النبي صلّى الله عليه وآله في الاستسقاء ، وطلب المطر من الله تعالى ، قائلاً : « اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيّنَا فَتسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمَّ نَبيِّنَا فَاسْقِنَا ، قالَ فَيُسْقَوْنَ ». (1) قل لعمر بن الخطاب لماذا تترك الطلب من الله تعالى ، وهو أرحم بكم وتستشفع بعمّ النبي ، أيّهما أرحم ، الله أو العبّاس ؟ أيّهم يستجيب الداعي إذا دعاه ؟ والجواب انّك لم تعلم معنى الشفاعة والتوسّل ؛ فانّك لا تطلب من الشفيع حاجتك ، بل تطلب من الله تعالى ، وانّما تقدّم الشفيع بينك وبين الله تعالى ، حتّى يستجيب الله دعائك اكراماً للشفيع ، وببركة الاستشفاع به. فراجع كتب الحديث والتفسير لكي ترى الآيات والروايات الدالّة على الشفاعة ، منها قوله تعالى : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّـهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّـهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ) (2). أقول : مع كون الله تعالى توّاباً رحيماً ؛ فلماذا تأمر الآية المجيء الى رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وطلب الاستغفار لهم منه ، فليستغفر كلّ أحد لوحده وفي بيته. ومنها قوله : ( يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ) (3) ، فاستشفع أولاد يعقوب بأبيهم ، وطلبوا منه الاستغفار ، مع انّ الله تعالى يقبل التوبة عن عباده ؛ فلماذا لم يردهم يعقوب النبي عليه السلام ، ولم يقل لهم : توبوا الى الله بأنفسكم ، بل قرّرهم على الاستشفاع والتوسّل به ، وقال : ( سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ ) (4). ومنها قوله : ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ ) (5) ، وقد فسّر في الروايات بالشفاعة. وقد ورد عن رسول الله في قوله : « ادّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من اُمّتي » (6) . الهوامش 1. صحيح البخاري / المجلّد : 2 / الصفحة : 34. صحيح البخاري / المجلّد : 5 / الصفحة : 25. 2. النساء : 64. 3. يوسف : 97. 4. يوسف : 98. 5. الضحى : 5. 6. بحار الأنوار « للمجلسي » / المجلّد : 8 / الصفحة : 30 / الناشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت / الطبعة : 2.
الجواب من السيد جعفر مرتضى العاملي: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ والحمد لله ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد .. أوّلاً : إنّ هذا الكلام باطل ومردود ، لأن إبراهيم عليه السلام كان أعظم من النبي موسى وعيسى عليهما السلام ، ومن سائر الأنبياء ما عدا نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وآله .. ؛ فهل انحطت الإمكانات الفكريّة ، وثقافات المجتمعات بعد عصر إبراهيم عليه السلام ، ثمّ عادت إلى الارتفاع في عهد نبيّنا الأعظم صلّى الله عليه وآله ؟ .. وثانياً : لو كان هذا الكلام صحيحاً ، فاللازم أن يكون جميع الأنبياء عليهم السلام الذين يكونون في عصر واحد ، في مستوى واحد .. ، مع أنّنا نعلم أنّ لوطاً عليه السلام الذي كان في عصر إبراهيم عليه السلام لم يكن في مستوى إبراهيم عليه السلام ، فانّ إبراهيم كان من أولي العزم ، وكان أعظم من جميع الأنبياء ، ومنهم لوط ، باستثناء نبيّنا الأكرم صلّى الله عليه وآله .. وثالثاً : هل إن هذا الكلام يعني : أنّ النبي محمّداً صلّى الله عليه وآله في ثقافته ، وفي مستواه الفكري أدنى من الناس في هذا العصر ؟!!.. وهل قياس المستويات هذه قد تمّ عبر أجهزة دقيقة الملاحظة ، عرفت مدى النشاط الفكري ، وحجم المعلومات التي يملكها الأنبياء عبر العصور ، ثمّ طلعت علينا بهذه النتيجة ؟.. رابعاً : إنّ الأنبياء إنّما يستمدون معارفهم ، وعلومهم وثقافاتهم من الله خالق الكون والحياة ، والمطلع على أسرار كلّ المخلوقات والمهيمن على مسيرها ، والواقف على مسارها .. ؛ فهل يستمدّ مثقفوا هذا العصر من مصدر أوثق وأوسع ثقافة ، وأعمق فكراً ، وأصحّ رأياً من مصدر معارف الأنبياء عليهم السلام وعلومهم. وأمّا إذا كان الحديث عن القابليّات ، فليس ثمة ما يثبت أنّ استعداد وقابليّة البشر للفهم وللوعي ، ولتلقّي المعارف قد اختلف عمّا كان عليه عبر العصور ، بل قد نجد في الآيات ما يشير إلى عكس ذلك .. قال تعالى : ( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا ) (1). فهل أثاروها بالجهل أم بالمعارف ، وبسلطان العلم ، وبدقّة الممارسة ؟ خامساً : إن آدم عليه السلام الذي كان يعرف من اسم الله الأعظم خمسة عشر حرفاً ، لم يكن لديه مجتمع حتّى يقال : إنّ ثقافته كانت في مستوى مجتمعه ، أو كانت أدنى أو أرفع. سادساً : إنّ ثقافة المعلّم ومستواه الفكري لا يقاس بثقافة ومستوى تلامذته ، فانّ حامل الشهادات العالية يدرّس من هو أقلّ منه ثقافة. وأضعف فكراً .. سابعاً : ولو كان المقصود هو الزيادة إنّما تكون للأنبياء على من هو أوسع الناس ثقافةً وأقواهم فكراً في الأمّة بأسرها ، فلا بدّ أن يزيد نبي تلك الأمّة عليه. فإنّه يقال : إنّنا إذا قبلنا بضرورة الزيادة ، فقد تكون كنسبة ثقافة دكتور يعلم تلامذة في الصفوف الابتدائيّة ، أو كنسبة ثقافة مرجع إلى ثقافة تلامذته الذين انتهوا للتوّ من دراسة مرحلة السطوح .. وقد تكون النسبة أزيد من ذلك ، وليس ثمة ما يحدّد نسبة هذه الزيادة ، فإنّها رهن بالقابليّات وبالفيض الإلهي عليهم صلوات الله وسلامه عليهم. ثامناً : هل يمكن اعتبار الإمام صاحب الأمر أوسع ثقافة ، وأرقى فكراً من الإمام علي عليه السلام ، ومن النبي صلّى الله عليه وآله .. نبّئونا بعلم إن كنتم صادقين. والحمد لله رب العالمين. الهوامش 1. سورة الروم ، الآية 9. المصدر : موقع الميزان
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: خلق الله الإنسان لأجل أن يصل إلى الكمال بسبب معرفته لله تعالى وعبادته وطاعته ، وهذا لا يتمّ إلّا إذا كان الإنسان مختاراً في أعماله وأفعاله وحركاته وسكناته ، فالغرض من الخلقة يقتضي وجود الإرادة والاختيار للإنسان ، ليصل إلى الكمال بالأفعال الاختيارية ؛ ولذلك اقتضت حكمة الله تعالى أن يخلق في الإنسان العقل ، ليكون هادياً له إلى الخير والصلاح من الداخل ، ويرسل الأنبياء ويقيم الحجج ليرشدوه ويبشّروه وينذروه ؛ لأنّ دعوة العقل وحكمه والزامه لايكون كافياً مع وجود الأهواء والتمايلات والغرائز والشهوات. فالإلهام إن كان بنحو الإجبار والاضطرار ـ كما في الحيوانات ـ ، فهو لا يفيد ، ولايحصل التكامل به ، وإن كان بنحواً الإقتضاء ، بحيث لا يتنافى مع إرادة الإنسان واختياره. فهو ليس أفضل من العقل الذي يخططّ للإنسان مساره الصحيح ، ويرشده إلى ما يتوصّل به إلى التكامل ، لكنّه لا يكفي. إذ ليس هناك ما يكون ضماناً لمتابعته ، وإطاعة حكمته ، فلا بدّ أن يرسل الله تعالى الرسل والأنبياء ليتمّ الحجّة على الناس ، ويحرّك إرادتهم نحو الخيرات والأعمال الصالحة ، ويبعثهم نحو الكمال بالتبشير والتخويف والوعد والوعيد.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: الأعمال والأفعال التي يقصد بها التقرّب إلى الله بوجه من الوجوه هي التي يترتّب عليها الثواب ، وإن كانت من المباحات كشرب الماء مثلاً فيكون ترتّب الثواب تابعاً لنيّة الفاعل وقصده. فإذا شرب الماء لأجل مجرّد التلذّذ لم يترتّب عليه الثواب الأخروي ، لكنّه إذا شربه بقصد أن يرتفع عطشه ويتقوى على فعل الطاعات والعبادات فلا محالة يؤجر عليه ، ولذا ورد عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في وصيّته لأبي ذرّ رضي الله عنه : « إن تمكنت أن تجعل أكلك وشربك ونومك لله فأفعل » .
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: مجرّد قراءة روايات أهل البيت عليهم السلام فيه أجر وثواب ، وذلك لأنّ كلامهم نور وأمرهم رشد ، ولامحالة هذا النور يدخل في القلب ويؤثّر في سلوك الإنسان وأفعاله ، لأنّ القلب إذا استضاء بنور كلامهم يرتفع عنه ظلمة الجهل والقساوة ، فيخشع ويدعو الفعل الخير والصلاح. قال تعالى : ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّـهِ ) (1). فالقراءة تدعوا للعمل قهراً. الهوامش 1. الحديد : 16.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: قيل : هما قبيلتان من ولد يافث بن نوح. وقيل : يأجوج من الترك ، ومأجوج من الجبل. واختار بعض المحقّقين انّ يأجوج من المغول وكانت هذه الأمّة قاطنة بالشمال الشرقي من آسيا في أقدم الأعصار وهي أمّة كبيرة مهاجمة تهجم تارة على الصين وأخرى على القفقاز وأرمينية وثالثة على شمال إيران. والروايات في حقيقة يأجوج ومأجوج مختلفة : فقد روى أنّهم من الترك ومن أولاد يافث بن نوح كانوا يفسدون في الأرض فضرب السدّ دونهم. (١) وروي أنّهم من غير ولد آدم. (2) وفي تفسير الطبري عن بن سلام قال : ما مات أحدٌ مِن يأجوجَ ومأجوجَ إلا تَرَك ألفَ ذرِّيِّ فصاعداً. (٣) وأخرج النسائي ، وابنُ مَرْدُويَه ، مِن طريقِ عمرِو بنِ أوسٍ ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : « إن يأجوجَ ومأجوجَ لهم ... ولا يموتُ رجلٌ منهم إلا ترَك مِن ذُرِّيَّتِه ألفاً فصاعداً » . (٤) وفي عدة من الروايات : « انهم قوم ولود لا يموت الواحد منهم من ذكر او انثى حتى يولد له الف من الاولاد وانهم اكثر عدداً من سائر البشر » . (٥) وروي أنّهم طوائف ثلاثة : فطائفة كالأرز وهو شجر طويل ، وطائفة يستوي طولهم وعرضهم أربعة أذرع في أربعة أذرع ، وطائفة وهم أشدّهم للواحد منهم أذنان يفترش بأحديها ويلتحف بالأخرى. (٦) وروي أنّ الواحد منهم شبرٌ أو شِبْرَان أو ثلاثة. (٧) وهذ الروايات أكثرها من طرق السنّة. ومن علامات آخر الزمان واقتراب الساعة خروج يأجوج ومأجوج وإنهدام السدّ الذي بناه ذو القرنين. قال الله تعالى : ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ) (٨). ففي الأمالي بسنده عن حذيفة بن اليمان عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم عن أهل يأجوج ومأجوج ، قال : « إنّ القوم لينقرون بمعاولهم دائبين ، فإذا كان الليل قالوا : غداً نفرغ ؛ فيصبحون وهو أقوى منه الأمس ، حتّى يسلم منهم الرجل حين يُريد الله أن يبلغ أمره. فيقول المؤمن : غداً نفتحه إن شاء الله ، فيصبحون ثمّ يغدون عليه فيفتحه الله ... » (٩) والحديث عامّي. وفي تفسير القمّي : « إذا كان قبل يوم القيامة في آخر الزمان أنهدم ذلك السد ، وخرج ياجوج ومأجوج إلى الدنيا وأكلوا الناس ... ». (١٠) الهوامش ١. بحار الأنوار / المجلّد : ٨ / الصفحة : ٢٢٠ / الناشر : مؤسّسة الوفاء / الطبعة : ٢. ٢. الروضة من الكافي / المجلّد : ٨ / الصفحة : ٢٢٠ / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : ٤. ٣. تفسير الطبري / المجلّد : ١٦ / الصفحة : ٤٠٠ / الناشر : دار عالم الكتب / الطبعة : ١. ٤. الدر المنثور / المجلد : ٩ / الصفحة : ٦٧٥ / الناشر : مركز هجر / الطبعة : ١. ٥. الميزان في تفسير القرآن / المجلّد : ١٣ / الصفحة : ٣٧٢ / الناشر : مؤسّسة إسماعيليان ـ قم / الطبعة : ٥. ٦. الدر المنثور / المجلّد : ٩ / الصفحة : ٦٧٣ / الناشر : مركز هجر / الطبعة : ١. ٧. الدر المنثور / المجلّد : ٩ / الصفحة : ٦٧٥ / الناشر : مركز هجر / الطبعة : ١. ٨. الكهف : ٩٨. ٩. الأمالي للطوسي / المجلّد : 2 / الصفحة : 346 / الناشر : دار الثقافة ـ قم / الطبعة : ١. ١٠. تفسير القمي / المجلّد : ٢ / الصفحة : ٤١ / الناشر : مكتبة الهدى.
الجواب من الشيخ حسن الجواهري: إليك أيّها السائل الكريم الإجابة على بعض الإشكالات التي تسجّل على تعاليم الدين الإسلامي . 1 ـ الأصل عندنا احترام المرأة فهي ريحانة وليست قهرمانة ، والأصل عندنا احترام الإنسان : ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ) [ الإسراء : 70 ] ، ولكن الإنسان ايّاً كان رجلاً أو امرأة قد يعمل عملاً يستوجب التنبيه بالقول أو الاعراض عنه أو حتّى الضرب الخفيف إذا شخّص الحاكم ذلك بعد أن تصل القضيّة الخارجيّة إليه. والمرأة هي إنسان قد ترتكب ما يوجب التنبيه من قبل الحاكم إذا وصلت القضيّة إليه فيحكم عليها بالسجن أو بالضرب حسب الحالة التي ارتكبتها المرأة التي يعاقب عليها القانون أو الشرع. وقد تعمل المرأة في البيت ما يستوجب أن تُنبّه عليه من قبل ولي الأمر فلا يجوز لأحد أن يقوم بتنبيهها إلّا وليّ الأمر الذي جعل الشارع له حقّ التأديب والتوجيه ، والتأديب يكون حسب ما يراه الولي الرشيد فقد يكون بالإعراض وقد يكون بالكلام وقد يكون بالوعيد وقد يكون بالضرب الخفيف بحيث لا يصل إلى حدّ الإحمرار أو الاسوداد ، فالمرأة ليست مصانة من كلّ عقوبة حتّى إذا صدر منها ما يوجب العقوبة . نعم إذا ضربها الولي أو غيره انتقاماً أو حتّى للتأديب ، ولكنه وصل إلى حدّ الاحمرار أو الاسوداد أو الاخضرار ، ففيه الدية على الضارب وان كان وليّاً ، لأنّ جواز التأديب كحكم شرعي لا يتنافى مع الحكم الوضعي بثبوت الدية لها على الولي. ولا أظن أنّ أحداً يقول بأنّ المرأة لا تُضرب ولا تُؤدّب ولا يحكم عليها القاضي بأيّ حكم مهما فعلت من أفعال ، فإنّ هذه صيانة لم يجعلها القانون لأحد. 2 ـ أمّا جواز تزويجها في السنّ التاسعة ، فإنّ الشارع المقدّس عندما يجوّز شيئاً فليس معنى ذلك أنّنا لا بدّ أن نعمل به بل يجب أن نلاحظ جملة أمور أخرى ، فقد تكون تلك الأمور الأخرى تجعلنا لا نقدم على ذلك الفعل الجائز ، فإذا جوّز الشارع الركض في الشارع فإنّ كثيراً من الناس لا يعملونه لأمور خاصّة تخصّهم تجعل ذلك الأمر الجائز مرجوحاً لهم أو ممتنعاً عليهم ، كما إذا كان الإنسان قد بلغ سنّ السبعين ، فليس معنى الجواز هو لا بديّة الفعل. ثمّ إنّ هذا الجواز لأجل بيان أنّ بعض النساء إذا كان لهم جسم كبير حسب طبيعة بدنهم ومحيطهم بحيث يكون الزواج بالنسبة لها أمراً مألوفاً ، فإنّ الشارع لا يقف منه موقف كمانع ، وليس معنى ذلك إنّ المرأة إذا كان لها تسع سنين وكانت غير قادرة على الزواج بدنياً تجبر على الزواج ، فإنّ هذا هو معنى الوجوب لا الجواز. 3 ـ وأمّا استئذان الأب في تزويجها ، فهو أمر قد جعله الشارع لمصلحة المرأة ، إذ إنّ المرأة في سنينها الأولى ليست عندها تجربة في ما يصلح لها من الأزواج ، فجعل لها الشارع مرشداً يعمل على مصلحتها فهو ولي لها وليس ولياً عليها يعمل بما تشتهيه رغبته الشخصيّة ، فإنّ الولي إذا كان لا يعمل لمصلحة البنت فولايته ساقطة بل هو يعمل لما يصلحها ، فالمرأة تشارك الولي في عقله للإستفادة منه للوصول إلى الزوج الصالح ، وهذا ليس منقصة للمرأة ، إذ إنّ الشارع جعل الاستشارة مستحبّة ، وجعل هنا استشارة المرأة لوليّها في الزواج واجبة لأنّ الزواج أمر مهم والمرأة تحتاج إلى من يرشدها في سنينها الأولى ، وخير من تستشيره ويرشدها هو وليّها الذي يدأب على مصلحتها. نعم إذا ثبت أنّ الأب ـ الولي ـ معاند لزواجها ويريد أن يعضلها من الأزواج فتسقط ولايته هنا ويكون أمرها بيدها. 4 ـ وأمّا عدم حرمة دم الحربي ، فانّنا إذا اعتقدنا بصحّة الدين الإسلامي وعالميّته ، وأنّه آخر الأديان وهو الصالح للبشريّة ، فَمَن لم يعتنق هذا الدين يكون إنساناً منحرفاً عن الطريق الصالح والسالم والهادي ، وحينئذ حكم الشارع بعدم الحرمة لدمه وماله ، إلّا أن هذا الحكم لا يسوّغ لنا التعدي عليه بالقتل أو الجرح أو السرقة لأمور له ، فإنّ هذه الأمور أيضاً محرّمة ولا تجوز ، فإذا أراد إنسان أن يعتدي على كافر حربي فلا بُدّ من أخذ إجازة من الحاكم الشرعي ، وإلّا فهو عمل محرّم أيضاً. 5 ـ أمّا عدم جواز ممارسة الحربي طقوسه بصورة علنية ، فهو أمر واضح لأنّنا عندما نعتقد عدم صحّة أديانهم وأنّها أديان منسوخة ، ونعتقد صحّة ديننا وعالميّته وإستمراره ، فبأيّ منطق نسمح لمن يؤدّي طقوساً هي منسوخة وباطلة بإعتقادنا ونجعله يدعو إليها ، فإنّ علنيتها معناه أنّه يدعو لها ، وإنّما العقل والمنطق يقول الدعاية والنشر يكون لما فيه صلاح البشريّة وهو الإسلام ، أمّا ما لا يكون صالحاً فنمنع من الدعاية له ، ومع هذا نسمح لهم بممارسة شعاراتهم سرّاً ، لأنّها تلبّي حاجاتهم الإعتقاديّة بدون دعوة الناس إليها. 6 ـ أمّا تربية الأطفال ، فإنّ التربية تختلف فقد تكون باللسان والمعاشرة وبيان الطرق الصحيحة وقد تستدعي التربية ضرباً وتأنيباً ، فإذا كان الضرب يفيد في تنبيه الطفل يكون جائزاً أمّا إذا كان الضرب لا يفيد في التربية فيكون غير جائز ، والتربية تختلف من إنسان لآخر ، فقد يكون بعض من الأطفال يُؤدّب بالكلام غير الشديد ، وقد يُؤدّب طفل بالكلام الشديد التأنيبي إذا صدر منه خطأ متعمد فيه ، وقد لا يفيد الطفل إلّا الضرب في حالات خاصّة ، فيكون الضرب جائزاً لمصلحته وتربيته لا للإنتقام منه. ومع هذا تأتي القاعدة القائلة : إنّ الضرب لا يجوز أن يكون قد وصل إلى حدّ الاحمرار أو الاخضرار أو الاسوداد ، فإنّ فيه الديّة حينئذٍ. 7 ـ وأمّا الخمُس الذي يريد منه السائل « حقّ السادات كرّمهم الله تعالى » ، فإنّ هذا الحقّ حينما جعله الله للسادة اشترط أن يكونوا من الفقراء ، ولا يجوز أن يُعْطَوْن منه أيّ شيء إذا كانوا من الأغنياء ، وحينما يُعْطَون لا يُعْطَون إلّا بقدر ما يرفع عنهم الفقر فقط ، أمّا الزائد فيكون لمذهب الإمام يصرفه في صالح المسلمين. وفي قبال ذلك فقد حرم الإسلام على السادة الفقراء الزكاة والفطرة فجعلهم محرومين منها فجعل لهم حق السادات بشرط الفقر ، إذ ما يُعْطى السادة الفقراء مقدار ما يرفع به فقرهم كما يعطى الفقراء من غير السادة ما يرفع به فقرهم من الزكاة والفطرة ، فإن وصل الإنسان إلى حدّ الغنى وأصبح مكتفياً أو كان صاحب مهنة أو حرفة يكتفي بها لمعاشه ، لا يجوز له أن يأخذ من حقّ السادات ، وإن كان سيّداً ، ولا يجوز له أن يأخذ من الصدقات إن لم يكن سيّداً ، فليس حقّ السادة هو مختصّاً بعشيرة من العرب يوزع عليهم ممّا توّهم. إذا لا عنصريّة في البين ، وإنّما اهتمّ التشريع برفع مستوى الفقراء من السادة وغيرهم. والسيّد إذا لم يكن فقيراً يحرم عليه أخذ حقّ السادات باتّفاق الفقهاء. أخي الكريم ، إن كانت عندكم شبهات من هذا النوع فلا بأس بطرحها لاستلام الجواب عليها ، وقد امتلأت المكتبات الإسلاميّة ببيان أنّ أحكام الاسلام مطابقة للعقل والفطرة السليمة ، إلا أنّكم غير مطلعين عليها ، فإذا أمكنكم الاتّصال بأهل العلم الحقيقيين الذين ألّفوا وكتبوا في التشريع الإسلامي وبيان مطابقته للفطرة وللعقل ، لاتضح لكم أنّ هذه الشبهات قد اُجيب عليها من قبل المفكّرين الإسلاميين. وأكرّر لكم أيّها الأستاذ الكريم وللدكتور الذي يدرس في الجامعات الغربية ، إنّكم غير مطلعين على التشريع الإسلامي وتطوّره ومسايرته للعقل والفطرة ، فإنّ لهذه الأبحاث أساتذة متخصصين حبّذا لو سألتم عمّا يدور في أذهانكم من شبهات حتّى يجيب عليها أهل الإختصاص. تنبيه : إنّ علماء الإسلام تثبّتوا في رواة الروايات ، فلم يأخذوا إلّا بمن ثبت توثيقه وعدالته ، وتركوا ما لم يثبت توثيقه وعدالته ، أو كان مجهولاً ، فأحكموا اُسس التشريع الإسلامي من الإعتماد على الرواة والعلماء الذين بذلوا كل عمرهم في حفظ التراث الديني قد يمتنعون من أخذ الحقوق الشرعية احتياطاً لدينهم ، فهم لا يجرون النار إلى قرصهم ، فإنّ هذا الدين قد ثبت بمداد العلماء والرواة وبدمائهم ، ولا يوجد من العلماء الحقيقيين من يتكلّم بكلام واحد من دون دليل من قرآن أو سُنّة. وإذا كان الرواة قد جرّوا النار إلى قرصهم كما توهّم ، فماذا تعمل بالآية القرآنيّة القائلة : ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) [ الأنفال : 41 ] ؟! فهذه الآية أثبتت الخمس من كلّ غنيمة ، فما نحصل عليه من الغنائم في حياتنا هذه أوجدت فيه الآية الخمسة ، فنصفه هو سهم الله وسهم رسوله وسهم الأئمّة وهو ما يسمّى حقّ الإمام عليه السلام ، يصرفه في ما يصلح الدين وينشر الدين ، فهو بيد المرجع يصرفه على ترويج الدين وتشييده ونشره ، وأمّا حقّ السادات الذي للفقراء ، فقد ذكر القرآن أنّه لليتامى السادة والمساكين السادة وأبناء السبيل السادة من آل محمّد صلّى الله عليه وآله بعد أن منعهم من الصدقات والزكاة والفطرة ، فإنّ سادة آل محمّد الذين حرّم الله عليهم الصدقات من أين يعيش ضعيفهم ومسكينهم ويتيمهم ؟! فهل يحكم عليه بالموت أو يكون له حق عند الناس يسمّى حق السادات كرمهم الله تعالى ؟ ! إذاً هذا القانون قانون متطوّر يرفع الفقير إلى حدّ يتمكن فيه من العيش بكرامة ولا يعطى لهم كعشيرة وإن كانوا أغنياء ، وهذا التشريع هو من أروع تشريعات الإسلام للنهوض بالفقراء إلى حدّ العيش الكريم وترويج الدين الصحيح.