الجواب من السيد علي الميلاني: مجمل القضيّة هو إنّه قد كان الواجب على الناس الوفاء بما عاهدوا عليه الله ورسوله وبايعوا عليه أمير المؤمنين عليه السلام) في يوم الغدير وغيره ، فلمّا خالفوا جلس علي عليه السلام وأهله وأصحابه في البيت (1) ، فرأى القوم أنّ الأمر لأبي بكر لا يتمّ إلّا بحمله على البيعة (2) ، فطلبوه مراراً فأبى أن يخرج ويبايع ، حتّى أمر أبو بكر عمر بن الخطاب ومن معه بأن يأتوا به جبراً وقسراً (3) ، فجاؤوا إلى بابه ، فمنعتهم الصدّيقة الطّاهرة من الدخول ، ولم تكن تظنّ ـ ولا أحد يظنّ ـ أن يبلغ بهم التجاسر والجرأة ؛ لأن يدخلوا بيتها بضربها وضغطها بين الباب والجدار (4) ، حتّى دخلوا وأخرجوا الإمام للبيعة (5). ولو أنّ عليّاً عليه السلام خرج إليهم في تلك الحالة لقتلوه ، وذلك لم يكن الّا في صالحهم ، إذ كانوا يقولون ـ وتسير الأخبار إلى سائر الأقطار ـ بأنّ عليّاً خالف الاُمّة وخرج على الخليفة فقتله الناس ، كما قال بعضهم ذلك بالنسبة إلى الإمام الحسين عليه السلام ـ مع وضوح الفرق الكبير عندهم بين أبي بكر ويزيد وحكومتيهما ـ ، فلا الإمام علي عليه السلام سكت حتّى يقال وافق ، ولا قام بالسّيف وحارب حتّى يقال حارب على الحكم والرئاسة. ويبقى أمران : أحدهما : إنّ الناس كانوا ينتهزون الفرصة للانتقام من علي عليه السلام لقتله أشياخهم في الحروب والغزوات . (6) والثاني : إنّ الإمام كان مأموراً بالصبر وهم كانوا عالمين بذلك ... ، وقد نصّ رسول الله على أنّ في قلوب الناس ضغائن يبدونها بعد وفاته (7) ، ونصّ أمير المؤمنين على كونه مأموراً بالصبر في غير موضع من خطبه وكلماته (8). الهوامش 1. راجع : كتاب سليم بن قيس الهلالي / الصفحة : 148 ـ 150 / الناشر : دليل ما. الإختصاص « للشيخ المفيد » / الصفحة : 185 ـ 186 / الناشر : منشورات الجامعة المدرّسين في الحوزة العلميّة ـ قم. إثبات الوصيّة للإمام علي بن أبي طالب « للمسعودي » / الصفحة : 145 ـ 146 / الناشر : انصاريان. تفسير العيّاشي / المجلّد : 2 / الصفحة : 66 ـ 67 / الناشر : المكتبة العلميّة الإسلاميّة ـ تهران. الإمامة والسياسة « لابن قتيبة الدينوري » / المجلّد : 1 / الصفحة : 30 / الناشر : الشريف الرضي ـ قم. 2. راجع : الإختصاص « للشيخ المفيد » / الصفحة : 185 ـ 186 / الناشر : منشورات الجامعة المدرّسين في الحوزة العلميّة ـ قم. تفسير العياشي / المجلّد : 2 / الصفحة : 66 ـ 67 / الناشر : المكتبة العلميّة الإسلاميّة ـ تهران. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 28 / الصفحة : 227 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. 3. راجع : تلخيص الشافي « للشيخ الطوسي » / المجلّد : 3 / الصفحة : 75 ـ 76 / الناشر : مؤسسة انتشارات المحبين / الطبعة : 1. الإمامة والسياسة « لابن قتيبة الدينوري » / المجلّد : 1 / الصفحة : 30 / الناشر : الشريف الرضي ـ قم. أنساب الأشراف « للبلاذري » / المجلّد : 1 / الصفحة : 587 / الناشر : معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية. 4. راجع : كتاب سليم بن القيس الهلالي / الصفحة : 149 ـ 150 / الناشر : دليل ما. كامل الزيارات « لابن قولويه » / الصفحة : 548 ـ 549 / الناشر : نشر الفقاهة. إثبات الوصيّة للإمام علي بن أبي طالب « للمسعودي » / الصفحة : 146 / الناشر : انصاريان. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 28 / الصفحة : 308 ـ 309 / الناشر : مؤسسة الوفاء. بيت الأحزان « للشيخ عبّاس القمي » / الصفحة : 131 ـ 132 / الناشر : دار الحكمة / الطبعة : 1. 5. راجع : نهج البلاغة « لسيد الرضي » الصفحة : 387 / الناشر : مركز البحوث الإسلاميّة / الطبعة : 1. الإمامة والسياسة « لابن قتيبة الدينوري » / المجلّد : 1 / الصفحة : 30 / الناشر : الشريف الرضي ـ قم. تفسير العياشي / المجلّد : 2 / الصفحة : 66 ـ 67 / الناشر : المكتبة العلميّة الإسلاميّة ـ تهران. شرح نهج البلاغة « لابن أبي الحديد » / المجلّد : 6 / الصفحة : 48 ـ 49 / الناشر : دار إحياء الكتب العربيّة. 6. راجع : شرح نهج البلاغة « لابن أبي الحديد » / المجلّد : 20 / الصفحة : 298 / الناشر : دار إحياء الكتب العربيّة. شرح نهج البلاغة « لابن أبي الحديد » / المجلّد : 11 / الصفحة : 114 / الناشر : دار إحياء الكتب العربيّة. بحار الأنوار : « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 28 / الصفحة : 306 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة 2. بيت الأحزان « للشيخ عبّاس القمي » الصفحة : 121 / الناشر : دار الحكمة / الطبعة : 1. 7. راجع : كتاب سليم بن القيس الهلالي / الصفحة : 134 ـ 136 / الناشر : دليل ما. تاريخ مدينة دمشق « لابن عساكر » / المجلّد : 42 / الصفحة : 322 / الناشر : دار الفكر / الطبعة : 1. مجمع الزوائد « للهيثمي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 118 / الناشر : دار الكتب العلميّة. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 28 / الصفحة : 52 ـ 55 / الناشر : مؤسسة الوفاء. 8. راجع : كتاب سليم بن القيس الهلالي / الصفحة : 150 / الناشر : دليل ما. خصائص الأئمّة « للشريف الرضي » / الصفحة : 72 ـ 73 / الناشر : مجمع البحوث الإسلاميّة. نهج البلاغة « للشريف الرضي » / الصفحة : 48 / الناشر : مركز البحوث الإسلاميّة / الطبعة : 1.
الجواب من السيد علي الميلاني: كان الإمام علي عليه السلام في البيت ، وقد هجم القوم على البيت لإخراجه إلى البيعة ، فجاءت الزهراء الطاهرة لتمنعهم ، فاعتدوا عليها (1) ، وكان ما كان ممّا سعوا في إخفائه وكتمه ، ولكن شاء الله أن يُذكر الخبر ، وينتشر حتّى عن طريق أتباع القوم أنفسهم (2). لقد استضعف القوم عليّاً كما استضعف قوم موسى هارون (3) ، وكادوا يقتلونه (4) ، وكما كان ذاك الموقف بأمر من الله فكذلك هذا. ثمّ إنّهم قادوه عليه السلام إلى البيعة في قضيّة مفصّلة مذكورة في كتب الفريقين (5) ، وبإمكانكم مراجعتها ، مثل كتاب « الإمامة والسياسة » (6) لابن قتيبة. وقد جاء في « نهج البلاغة » أنّ معاوية أراد أن يذمّ الإمام عليه السلام ويطعن فيه بذلك ، فأجابه عليه السلام : وَلَعَمْرُ اللهِ لَقَدْ أَرَدْتَ أَنْ تَذُمَّ فَمَدَحْتَ ... (7) ؛ فراجعوا. الهوامش 1. راجع : كتاب سليم بن القيس الهلالي / الصفحة : 148 ـ 152 / الناشر : دليل ما. راجع : دلائل الإمامة « للطبري » / الصفحة : 134 ـ 135 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. راجع : كامل الزيارات « لابن قولويه القمي » / الصفحة : 547 ـ 548 / الناشر : نشر الفقاهة. راجع : اثبات الوصيّة للإمام علي بن أبي طالب « للمسعودي » / الصفحة : 145 ـ 146 / الناشر : انصاريان. راجع : تفسير العيّاشي / المجلّد : 2 / الصفحة : 66 ـ 67 / الناشر : المكتبة العلميّة الإسلاميّة ـ تهران. راجع : الإختصاص « للشيخ المفيد » / الصفحة : 185 ـ 186 / الناشر : منشورات الجامعة المدرّسين في الحوزة العلميّة في قم المقدّسة. 2. راجع : انساب الأشراف « للبلاذري » / المجلّد : 1 / الصفحة : 586 / الناشر : معهد المخطوطات بجامعة الدول العربيّة. راجع : الإمامة والسياسة « لابن قتيبة الدينوري » / المجلّد : 1 / الصفحة : 30 / الناشر : الشريف الرضي ـ قم. راجع : تاريخ الطبري « لابن جرير الطبري » / المجلّد : 2 / الصفحة : 443 / الناشر : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت. 3. راجع : سورة الأعراف / الآية : 150. 4. راجع : اثبات الوصيّة للإمام علي بن أبي طالب « للمسعودي » / الصفحة : 145 ـ 146 / الناشر : انصاريان. راجع : الإختصاص « للشيخ المفيد » / الصفحة : 186 ـ 187 / الناشر : منشورات الجامعة المدرّسين في الحوزة العلميّة في قم المقدّسة. راجع : الإمامة والسياسة « لابن قتيبة الدينوري » / المجلّد : 1 / الصفحة : 30 ـ 31 / الناشر : الشريف الرضي ـ قم. 5. راجع : نهج البلاغة « لسيّد الرضي » / الصفحة : 387 / الناشر : مركز البحوث الإسلاميّة / الطبعة : 1. راجع : تفسير العيّاشي / المجلّد : 2 / الصفحة : 66 ـ 67 / الناشر : المكتبة العلميّة الإسلاميّة ـ تهران. راجع : الإختصاص « للشيخ المفيد » / الصفحة : 186 / الناشر : منشورات الجامعة المدرّسين في الحوزة العلميّة في قم المقدّسة. راجع : الإمامة والسياسة « لابن قتيبة الدينوري » / المجلّد : 1 / الصفحة : 30 ـ 31 / الناشر : الشريف الرضي ـ قم. راجع : أنساب الأشراف « للبلاذري » / المجلّد : 1 / الصفحة : 587 / الناشر : معهد المخطوطات بجامعة الدول العربيّة. راجع : شرح نهج البلاغة « لابن أبي الحديد » / المجلّد : 6 / الصفحة : 48 ـ 49 / الناشر : دار إحياء الكتب العربيّة. راجع : السيرة النبويّة « لابن كثير » / المجلّد : 4 / الصفحة : 495 / الناشر : دار المعرفة. 6. راجع : الإمامة والسياسة « لابن قتيبة الدينوري » / المجلّد : 1 / الصفحة : 30 ـ 31 / الناشر : الشريف الرضي ـ قم. 7. راجع : نهج البلاغة « لسيّد الرضي » / الصفحة : 385 ـ 389 / الناشر : مركز البحوث الإسلاميّة / الطبعة : 1. راجع : تقريب المعارف « لأبي صلاح الحلبي » / الصفحة : 237 / الناشر : المحقق. راجع : أبهى المداد « لمقاتل بن عطيّة » / المجلّد : 1 / الصفحة : 481 / الناشر : مؤسسة الأعلمي / الطبعة : 1.
الجواب من الشيخ علي الكوراني: كما تعرفون ، فإنّ مصادر السنيين الأساسيّة مثل الصحاح الستّة ، تتجنّب رواية أيّ شيء يتعلّق بإثبات حقّ أمير المؤمنين عليه السلام ، حتّى عن لسانه !! ولذا لا نتوقّع أن يرووا مثل خطبته الشقشقيّة الصريحة بإدانة أبي بكر وعمر ، وإن كان فلتت منهم بعض الروايات التي سجلت حقيقة موقف أمير المؤمنين عليه السلام من أبي بكر وعمر ، كالذي رواه مسلم من شهادة عمر بأنّ عليّاً عليه السلام والعبّاس قالا له ولأبي بكر : « إنكما غادران خائنان آثمان !! » . أمّا المصادر الأخرى للسنّة فتجد فيها ما يثبت صدور هذه الخطبة عن أمير المؤمنين عليه السلام ، كالذي ذكره ابن سلام في غريب الحديث ، وابن الاثير في النهاية قال : ومنه حديث علي في خطبة له : « تلك شقشقة هدرت ، ثم قرّت » . وقد تتبّع ذلك الشيخ الأميني رحمه الله في الغدير : 7 / 82 ، وج 4 / 197 ، و الشيخ المحمودي في نهج السعادة : 2 / 512 ... جزاهما الله خيراً .. . ـ قال الشيخ الأميني رحمه الله في الغدير 7 / 82 حول هذه الخطبة : « هذه الخطبة تسمّى بالشقشقيّة ، وقد كثر الكلام حولها ، فأثبتها مهرة الفن من الفريقين ، ورأوها من خطب مولانا أمير المؤمنين الثابتة التي لا مغمز فيها ، فلا يُسمع إذن قول الجاهل بأنّها من كلام الشريف الرضي ، وقد رواها غير واحد في القرون الأولى قبل أن تنعقد للرضي نطفته ، كما جاءت بإسناد معاصريه والمتأخّرين عنه من غير طريقه ، وإليك اُمّة من اُؤلئك : 1 ـ الحافظ يحيي بن عبد الحميد الحماني ، المتوفّى 228 ، كما في طريق الجلودي في العلل والمعاني. 2 ـ أبو جعفر دعبل الخزاعي ، المتوفّى 246 ، رواها بإسناده عن ابن عبّاس ، كما في أمالي شيخ الطائفة / 237 ، ورواها عنه أخوه أبو الحسن علي. 3 ـ أبو جعفر أحمد بن محمّد البرقي ، المتوفّى 274 / 80 ، كما في علل الشرائع. 4 ـ أبو علي الجبائي شيخ المعتزلة ، المتوفّى 303 ، كما في الفرقة الناجية للشيخ إبراهيم القطيفي ، والبحار للعلّامة المجلسي 8 : 161. 5 ـ وجدت بخطّ قديم عليه كتابة الوزير أبي الحسن علي بن الفرات ، المتوفّى 312 ، كما في شرح ابن ميثم. 6 ـ أبو القاسم البلخي أحد مشايخ المعتزلة ، المتوفّى 317 ، كما في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 / 69. 7 ـ أبو أحمد عبد العزيز الجلودي البصري ، المتوفّى 332 ، كما في معاني الأخبار. 8 ـ أبو جعفر ابن قبة تلميذ أبي القاسم البلخي المذكور ، رواها في كتابه [ الإنصاف ] كما في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 : 69 وشرح ابن ميثم. 9 ـ الحافظ سليمان بن أحمد الطبراني ، المتوفّى 360 ، كما في طريق القطب الراوندي في شرح نهج البلاغة. 10 ـ أبو جعفر ابن بابويه القمي ، المتوفّى 381 ، في كتابيه : علل الشرائع ومعاني الأخبار. 11 ـ أبو أحمد الحسن بن عبد الله العسكري ، المتوفّى 382 ، حكى عنه شيخنا الصدوق شرح الخطبة في معاني الأخبار والعلل. « لفت نظر » : عدّه السيّد العلّامة الشهرستاني في : ـ ما هو نهج البلاغة ـ / 22 ، ممّن روى الشقشقيّة ، فأرخ وفاته بسنة 395 ، وذكره في/ 23 فقال : « من أبناء القرن الثالث. لا يتمّ هذا ولا يصحّ ذاك ، وقد خفي عليه أنّ الحسن بن عبد الله العسكري راوي الشقشقية هو : أبو أحمد صاحب كتاب الزواجر ، وقد توفّي سنة 382 وولد 293 ، وحسبه أبا هلال الحسن بن عبد الله العسكري صاحب كتاب « الأوائل » تلميذ أبي أحمد العسكري ، والتاريخ الذي ذكره تاريخ فراغه من كتابه « الأوائل » لا تاريخ وفاته ». توجد ترجمة كلا الحسنين العسكريين في : معجم الاُدباء 8 : 233 ـ 268 ، وبغية الوعاة / 221. 12 ـ أبو عبد الله المفيد ، المتوفّى 412 ، اُستاذ الشريف الرضي ، رواها في كتابه « الإرشاد » / 135. 13 ـ القاضي عبد الجبار المعتزلي ، المتوفّى 415 : ذكر في كتابه « المغنى » تأويل بعض جمل الخطبة ومنع دلالتها على الطعن في خلافة من تقدم على أمير المؤمنين من دون أيّ إيعاز إلى الغمز في إسنادها. 14 ـ الحافظ أبو بكر ابن مردويه ، المتوفّى 416 ، كما في طريق الراوندي في شرح النهج . 15 ـ الوزير أبو سعيد الآبي ، المتوفّى 422 ، في كتابه : « نثر الدرر ونزهة الأديب » . 16 ـ الشريف المرتضى أخو الشريف الرضي الأكبر ، توفّي سنة 436 ، ذكر جملة منها في الشافي / 203 فقال : مشهور. وذكر صدرها في / 204 فقال : معروف. 17 ـ شيخ الطائفة الطوسي ، المتوفّى 460 ، رواها في أماليه / 327 عن السيّد أبي الفتح هلال بن محمّد بن جعفر الحفار ، المترجم في مستدرك العلّامة النوري 3 : 509 من طريق الخزاعيين. وفي تلخيص الشافي. 18 ـ أبو الفضل الميداني ، المتوفّى 518 ، في مجمع الأمثال / 383 ، قال : « ولأمير المؤمنين علي رضي الله عنه خطبة تعرف بالشقشقيّة ؛ لأنّ ابن عباس رضي الله عنهما قال : « له حين قطع كلامه : يا أمير المؤمنين ! لو اطردت مقالتك من حيث أفضيت. فقال : هيهات يا بن عبّاس ! تلك شقشقة هدرت ثمّ قرّت » » . 19 ـ أبو محمّد عبد الله بن أحمد البغدادي ، الشهير بابن الخشّاب ، المتوفّى 567 ، قرأها عليه أبو الخير مصدق الواسطي النحوي ، وسيوافيك بعيد هذا كلامه فيها. 20 ـ أبو الحسن قطب الدين الراوندي ، المتوفّى 573 ، رواها في شرح نهج البلاغة من طريق الحافظين : ابن مردويه ، والطبراني. « وقال : أقول : وجدتها في موضعين تاريخهما قبل مولد الرضي بمدة : أحدهما : أنّها مضمنة كتاب « الانصاف » لأبي جعفر ابن قبة ، تلميذ أبي القاسم الكعبي أحد شيوخ المعتزلة ، وكانت وفاته قبل مولد الرضي. الثاني : وجدتها بنسخة عليها خطّ الوزير أبي الحسن علي بن محمّد بن الفرات ، وكان وزير المقتدر بالله ، وذلك قبل مولد الرضي بنيف وستين سنة ، والذي يغلب على ظنّي أنّ تلك النسخة كانت كتبت قبل وجود ابن الفرات بمدّة ». 21 ـ أبو منصور الطبرسي ، أحد مشايخ ابن شهر اشوب ـ المتوفّى 588 ـ في كتابه « الاحتجاج » / 95 ، فقال : « روى جماعة من أهل النقل من طرق مختلفة عن ابن عبّاس ». 22 ـ أبو الخير مصدق بن شبيب الصلحي النحوي ، المتوفّى 605 ، قرأها على أبي محمّد ابن الخشّاب وقال : « لما قرأت هذه الخطبة على شيخي أبي محمّد ابن الخشاب ... ». 23 ـ مجد الدين أبو السعادات ابن الأثير الجزري ، المتوفّى 606 ، أوعز إليها في كلمة « شقشق » في النهاية : 2 : 294 ، فقال : « ومنه حديث علي في خطبة له : « تلك شقشقة هدرت ثمّ قرت » » . 24 ـ أبو المظفر سبط ابن الجوزي ، المتوفّى 654 ، في تذكرته / 73 ، من طريق شيخه أبي القاسم النفيس الأنباري باسناده عن ابن عبّاس ، فقال : « تعرف بالشقشقيّة ، ذكر بعضها صاحب نهج البلاغة وأخل بالبعض ، وقد أتيت بها مستوفاة. ثمّ ذكرها مع اختلاف ألفاظها ». 25 ـ عزّ الدين ابن أبي الحديد المعتزلي ، المتوفّى 655 ، قال في شرح النهج 1 : 69 : « قلت : وقد وجدت أنا كثيراً من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخي ، إمام البغداديين من المعتزلة ، وكان في دولة المقتدر قبل أن يخلق الرضي بمدّة طويلة. ووجدت أيضاً كثيراً منها في كتاب أبي جعفر ابن قبة ، أحد متكلمي الإمامية ، وهو الكتاب المشهور بكتاب « الانصاف » ، وكان أبو جعفر هذا من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخي رحمه الله تعالى ، ومات في ذلك العصر قبل أن يكون الرضي رحمه الله تعالى موجوداً ». 26 ـ كمال الدين ابن ميثم البحراني ، المتوفّى 679 : « حكاها عن نسخة قديمة عليها خط الوزير علي بن الفرات ، المتوفّى 312 ، وعن كتاب « الانصاف » لابن قبة ، وذكر كلمة ابن الخشاب المذكورة ، وقراءة أبي الخير إياها عليه ». 27 ـ أبو الفضل جمال الدين ابن منظور الأفريقي المصري ، المتوفّى 711 ، قال في مادة « شقشق » من كتابه « لسان العرب » : 12 : 53 ، « وفي حديث علي رضوان الله عليه في خطبة له : « تلك شقشقة هدرت ثمّ قرت » » . 28 ـ مجد الدين الفيروزآبادي ، المتوفّى 816 / 17 ، أوعز إليها في القاموس : 3 : 253 ، قال : « والخطبة الشقشقية العلوية ؛ لقوله لابن عباس ـ لما قال له :« لو اطردت مقالتك من حيث أفضيت ـ : يا بن عباس ! هيهات تلك شقشقة هدرت ثمّ قرت » » . ـ وقال الشيخ المحمودي في نهج السعادة : 2 / 512 : « ليُعلم أنّ الخطبة الشريفة قد رواها جماعة كثيرة من علماء السنّة والإماميّة ، ومن عجائب الدهر أنّه مع كثرة الدواعي على إخفاء أمثال هذا الكلام ، واستقرار ديدنهم على تغطيته وستره ، وتمزيق أصله وإحراق مصادره ، ومع ذلك كلّه قد تجلّى في اُفق كتب كثير من أهل الإنصاف من علماء أهل السنّة ، وتلألأ بدره التام بحيث ينفذ شعاعه في حاسة العميان فضلاً عن أهل البصائر والضمائر ... ». فرواها الحافظان : ابن مردويه ، والطبراني ـ كما يأتي ـ. ورواها ابن الخشاب عبد الله بن أحمد ، واعترف بأنّها من كلام أمير المؤمنين عليه السلام وأنّه وجدها في كتب العلماء وأهل الأدب بخطوطهم قبل أن يُخلق الرضي بمائتي سنة ، كما ذكره عنه ابن أبي الحديد في شرح الخطبة. وكذلك ذكر ابن أبي الحديد في الشرح : 1 / 69 ، أنّه وجد كثيراً من ألفاظ الخطبة في تصانيف إمام البغداديين من المعتزلة الشيخ أبي القاسم البلخي. وأيضاً رواها سبط ابن الجوزي يوسف بن قزغلي الحنفي في أوّل الباب السادس من كتاب تذكرة الخواص / 133 ، عن شيخه أبي القاسم النفيس الأنباري ، ثمّ ذكر الخطبة بما يستفاد منه تعدّد الطرق لها. ورواها أيضاً الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري ، المتوفّي عام 382 ، كما رواها عنه الشيخ الصدوق في علل الشرائع ومعاني الأخبار ، وكذلك العلّامة الحلي في المطلب الخامس من كتاب كشف الحق : 2 / 40 ، وكذلك نقلها عنه في المقدّمة الثالثة من كتاب الدرجات الرفيعة / 37. ورواها أيضاً أبو علي الجبائي وأبو هلال العسكري الحسن بن عبد الله بن سهل ، المتوفّي بعد سنة 395 ، في كتاب الأوائل ، كما نقل عنه في إحقاق الحقّ ، نقلاً عن هدية الأحباب. وكثيراً منها ذكره الأدباء واللغويّون ؛ فذكر قطعا منها في مادة : « جذ » و « حذ » و « حضن » و « نفج » و « نفخ » و « شقشق » من القاموس ، ولسان العرب ، وتاج العروس ، ومجمع الأمثال : / 169. وقطعاً كثيرة منها ذكرها ابن الأثير في النهاية ؛ فانظر منه المواد التالية : « جذ » و « حذ » و « حضن » و « نفج » و « نفخ » و « نثل » و « خضم » و « شقشق » و « عفط » و « حلأ » و « سفف » و « شنق ». وقال الفيروزآبادي في مادة : « شقق » من كتاب القاموس : والخطبة الشقشقية العلوية ؛ لقوله لابن عباس ـ لما قال له : « لو اطردت مقالتك من حيث أفضيت ـ : يا بن عباس هيهات تلك شقشقة هدرت ثمّ قرت !!! ». وقال في باب الاستعانة من الجزء الثالث من كتاب تحرير التحبير / 383 : « وأمّا الناثر فإن أتى في أثناء نثره ببيت لنفسه سمّى ذلك : تشهيراً ، وإن كان البيت لغيره سُمّي : استعانة ، كقول علي عليه السلام في خطبته المعروفة بالشقشقيّة : ـ فيا عجبا ـ بينا هو يستقيلها في حياته ، إذ عقدها لآخر بعد وفاته ـ ثمّ قال ـ : شتان ما يومي على كورها * ويوم حيان أخي جابـــــــر فهذا البيت للأعشى ، استعان به علي عليه السلام كما ترى ». أقول : وللعلّامة الأميني رحمه الله في الغدير : : 7 / 80 كلام وفيه فوائد. «»
من سماحة الشيخ محمّد السند أ ـ إشارة لوصف جدّه علي بن أبي طالب عليه السلام حيث جاهد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله بكل ما اُوتي من طاقة وجهد ، كما إذا استفرغ المقاتل جهده بحمل رمحين لصد العدو ، أو لمجابهة خيل العدو بهما ، وقد يكون إشارة إلى أنّه عليه السلام كان سبب نصر المسلمين في بدر وأحد ، أو في الخندق وحنين ، أو أنّه جاهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله قبل الهجرة وبعدها ، أو أنّه عليه السلام قاتل المشركين على التنزيل وقاتل المنافقين على التأويل . ب ـ الثاني أيضاً إشارة لوصف جده علي بن أبي طالب عليه السلام ، والهجرة الأولى من مكة إلى المدينة ، والثانية الظاهر أنّ المراد بها من المدينة إلى الكوفة حيث استشهد صلوات الله تعالى عليه . ت ـ والبيعتان هما : بيعة العقبة لرسول الله صلى الله عليه وآله في مكة قبل الهجرة ، وبيعة الرضوان تحت الشجرة بعد الرجوع من صلح الحديبيّة.
الجواب من الشيخ محمد السند: الراقصات المراد بهنّ : الإبل. يقال للبعير إذا أسرع : رقص. وكذا إذا مشى : الخبب (1). فيكون القسم إشارة إلى نظير ما في قوله تعالى : ( أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ) . (2) ويحتمل بعيداً إرادة النجوم لحركتها اشارة إلى قوله تعالى : ( فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ) (3). الهوامش 1. لسان العرب « لابن منظور » / المجلّد : 7 / الصفحة : 42 / الناشر : نشر أدب الحوزة. 2. الغاشية : 17. 3. الواقعة : 75 ـ 76.
الجواب من الشيخ باقر الإيرواني: يمكن أن يقال بالنسبة إلى زواج الإمام الحسن عليه السلام من جعدة أنّه كزواج جدّه الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله ببعض أمّهات المؤمنين التي خرجت على إمام زمانها ، ووقفت محاربة له ، وقادت الجيش للقضاء عليه (1). أنّه كيف نفسر زواج الرسول صلّى الله عليه وآله بها ، وهو القائل : إياكم وخضراء ... ؟ إنّه لا بُدّ من وجود ظروف وأجواء قد خفيت علينا هي التي فرضت الزواج المذكور ، فمن المحتمل أنّه قصد بذلك سدّ ثغرة خاصة ، فالعرب إذا أرادت أن تأمن جانب عشيرة تزوّجت ببعض نسائها ، ولعلّ فعل النبيّ صلّى الله عليه وآله وولده الحسن عليه السّلام كان من هذا المنطلق. الهوامش 1. راجع : تاريخ اليعقوبي « لليعقوبي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 180 ـ 181. تاريخ الطبري « للطبري » / المجلّد : 4 / الصفحة : 450 ـ 451 / الناشر : دار المعارف / الطبعة : 2. أنساب الأشراف « للبلاذري » / المجلّد : 2 / الصفحة : 221 ـ 222 / الناشر : دار الفكر / الطبعة : 1.
من سماحة الشيخ محمّد السند
من سماحة الشيخ هادي العسكري
الجواب من الشيخ محمد السند: أمّا التعرّف على عقائد الشيعة الإماميّة ، فبإمكانك قراءة كتب العقائد الشيعيّة للتعرّف عليها مثل كتاب « تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي » ، فإنّه مليء بأسس عقائد الشيعة. وأمّا موسم أيّام عاشوراء ففيها قتل الحسين بن علي عليهما السلام ، وابن فاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله سبط النبي صلّى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام ظلماً من قبل يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الاُموي ، وسُبيت نساؤه وبناته ونساء أهل بيته ، وهنّ حفيدات رسول الله صلّى الله عليه وآله ، فانتهكت الدولة الأمويّة حرمة رسول الله صلّى الله عليه وآله في سبطه ، وانتُهك رسول الله صلّى الله عليه وآله في نساء أهل بيته. (1) وفوق كلّ ذلك طافوا برأس الحسين عليه السلام وبرؤوس أهل بيته البلدان من كربلاء إلى الكوفة إلى الشام ، استعراضاً في هتك حرمة رسول الله صلّى الله عليه وآله ، ولم يكتفوا بذلك بل طافوا بنساء أهل بيت الرسول صلّى الله عليه وآله البلدان. (2) مع أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال : إنّ الحسن والحسين رَيْحَانَتَايَ منَ الدُّنْيا . (3) وقال صلّى الله عليه وآله : الحَسَنُ والحُسَيْنُ سَيِّدا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ (4). وقال صلّى الله عليه وآله : الحسن والحسين امامان قاما أو قعدا (5). بل إنّ الله تعالى قد أوصى جميع المسلمين بقوله تعالى : ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) (6) ، فجعل تعالى أجر جميع تبليغ دين الله تعالى هو مودّة قربى رسول الله صلّى الله عليه وآله ، والمودّة ليست مجرّد المحبّة بل هي شدّتها وابراز المحبّة ، فكيف بهذه الوصيّة الإلهيّة والفريضة القرآنيّة تُخالف وتُجحد وتُنتهك ، مع أنّه تعالى قد أعظم من شأنها فجعلها عدل وأجر الدين كله. وأمرنا بصلة قربى النبي صلّى الله عليه وآله لا بقطيعتهم ، بينما قام يزيد الأموي بما قام من هذا الجرم الفظيع الشنيع وقال : ليت أشياخي ببدر شهدوا وقع ـ إلى أن يقول : ـ لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل. (7) فهو يصرّح بأنّه يثأر لأجداده المشركين الذين قُتلوا ببدر ، وينتقم لهم من أهل بيت رسول الله صلّى الله عليه وآله به ، ويزداد يزيد عناداً وعصياناً ، فيكفر بتصديق الوحي والرسالة ، وكيف لا ؟! وهو الذي أتى بواقعة الحرّة الفجيعة في المدينة وأهلها ، وهتك كلّ الحرمات فيها في السنة الثانية من ملكه (8) ، وفي السنة الثالثة هدم الكعبة ورجمها بالمنجنيق (9). فما تصنعه الشيعة من إقامة الحزن والعزاء هو مواساة لرسول الله صلّى الله عليه وآله لما جرى على سبطه وحبيبه الحسين ، وعملاً بوصيّة القرآن بمودّة قربى الرسول ، ومقتضى المحبّة هو الحزن لمصائب المحبوب ، وقد قال تعالى في ما استعرضه من سيرة النبي يعقوب عندما ابتلي بفراق يوسف ابنه : ( وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) (10). ( قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ * قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ ) (11). إلى أن يقول تعالى : ( ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ * وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ * وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * ... * لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ ) (12). وقد قال تعالى أيضاً : ( لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ ) (13). فنرى في هذه السيرة للنبي يعقوب التي قصّها لنا القرآن عبرة ولنقتدي بما فيها من توصيات ، إنّ سيرة النبي يعقوب عليه السلام الحزن على ما أصاب ابنه يوسف حتّى بلغ من حزنه وبثّه أن عميت عيناه ، وقد عابه أبنائه على ذلك ، فلم يعبأ باستنكارهم عليه بل استنكر هو عليهم جهلهم برشاد فعله من الحزن على يوسف ، وقاوم النبي يعقوب عليه السلام أبناءه في استنكارهم عليه الحزن على يوسف ورميهم له بالضلال ، واستنكارهم طول حزنه على يوسف الذي استمرّ عقوداً من السنين. ّففي هذه الآيات يوصينا القرآن بالعبرة من فعل النبي يعقوب بإقامة الحزن ، وبث الشكوى إلى الله تعالى على فقد أبناء الأنبياء المصطفين ، وعلى ما جرى عليهم من المصائب ، حتّى أنّ النبي يعقوب عليه السلام بلغ به الحزن الشديد أن تسبّب ذلك في عمي عينيه الشريفتين ، ولم يكن يعقوب يعبأ بذلك ولا بما ينكره عليه الآخرون من الحكم بضلاله ، فقد أصرّ على أنّ الحزن وبثّه الشكوى على المصاب على أبناء الأنبياء المصطفون من الرشاد. مع أنّ يعقوب قال لأولاده : ( بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ) (14) ، فلم يكن حزنه وبكائه ، ويثّه الشكوى إلى الله في المدّة الطويلة الزمنيّة حتّى عميت عيناه ، لم يكن ذلك منافياً للصبر الجميل ؛ والسرّ في ذلك مع أنّ الجزع والحزن الشديد غير ممدوح في ما يجري على الإنسان من مصائب كموت عزيز وفقد حبيب ، وذلك لكونه اعتراضاً على قضاء الله وقدره وعدم الرضا بتقديره ، السرّ في فعل النبي يعقوب هو كون يوسف ليس من قبيل بقيّة الناس بل كان مجتبىً ومصطفىً ؛ كما في قول يعقوب له : ( وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (15). أي أنّ أهل بيوت الأنبياء وذريّتهم المجتباة المُنعم عليهم يستحقّون التقدير والاحترام والمودّة ، لأنّهم قدوات البشريّة ، وأعظم الثروات المعنويّة التي تهتدي بتوسطها البشريّة إلى الصراط المستقيم . وقد قال النبي صلّى الله عليه وآله في الخبر المتواتر الذي رواه أهل السنّة والشيعة : إنّي تارك فيكم أمرين إن أخذتم بهما لن تضلّوا : كتاب الله عزّ وجلَّ وأهل بيتي عترتي ، أيّها الناس اسمعوا وقد بلّغت ، إنّكم ستردون عليَّ الحوض فأسألكم عمّا فعلتم في الثقلين والثقلان : كتاب الله جلَّ ذكره وأهل بيتي ، فلا تسبقوهم فتهلكوا ، ولا تعلّموهم فانّهم أعلم منكم. (16) فعترته هم : علي وفاطمة والحسن والحسين ، وقد فرّطت جماعات من المسلمين فيهم وتركوا التمسّك بهما معاً ، مع أنّه تعالى قد أمر النبي صلّى الله عليه وآله في يوم المباهلة بالاحتجاج بعترته ومنهم الحسين عليه السلام ؛ فقال تعالى : ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (17) ، فجعل الله تعالى الحسين عليه السلام ممّن يحتجّ به على أهل الكتاب (18) والبشريّة إلى يوم القيامة ، فجعل الباري الحسين عليه السلام حجّته على البشريّة في صدق نبوّة الرسول صلّى الله عليه وآله ، وهذا نداء من القرآن خالد على مقام الحسين عليه السلام. وكذلك ما في سورة الدهر والإنسان من وصفه من عباد الله الذين يسبقون الأبرار (19) ، فالحزن على الحسين عليه السلام والحزن على يوسف ليس تبرما ، وعدم رضا بتقدير الله تعالى بل هو مودّة لذي القربى وتمسّكاً بالثقلين واستنكاراً للظلم ، وابتعاداً من الضلال الذي يسير عليه يزيد وأمثاله من أعداء أولياء الله تعالى. هذا وقد أمر الرسول صلّى الله عليه وآله بعد غزوة أحد بالبكاء والندبة على عمّه حمزة (20) ، فكيف بابنه وريحانته الحسين عليه السلام ؟ ! الهوامش 1. راجع : مقتل الحسين عليه السلام « لأبي مخنف الأزدي » / الصفحة : 190 ـ 224 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 1. تاريخ الطبري « لمحمّد بن جرير الطبري » / المجلد : 4 / الصفحة : 301 ـ 360 / الناشر : مؤسسة الأعلمي. اللهوف في قتلى الطفوف « للسيد ابن طاووس » / الصفحة : 72 ـ 122 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 1. 2. راجع : مقتل الحسين عليه السلام « لعبد الرزاق المقرم » / الصفحة : 363 / الناشر : مؤسسة الخرسان. اللهوف في قتلى الطفوف « للسيد ابن طاووس » / الصفحة : 99 ـ 103 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 1. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلد : 45 / الصفحة : 144 ـ 145 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. 3. راجع : صحيح البخاري / المجلد : 6 / الصفحة : 136 / الناشر : أوقاف مصر / الطبعة : 2. سنن الترمذي / المجلد : 5 / الصفحة : 322 / الناشر : دار الفكر / الطبعة : 2. المعجم الكبير « للطبراني » / المجلد : 3 / الصفحة : 127 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 2. 4. مسند أحمد بن حنبل / المجلد : 17 / الصفحة : 31 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 1. راجع : سنن الترمذي / المجلد : 5 / الصفحة : 321 / الناشر : دار الفكر / الطبعة : 2. سنن الكبرى « للنسائي » / المجلد : 5 / الصفحة : 50 / الناشر : دار الكتب العلمية / الطبعة : 1. أنساب الأشراف « للبلاذري » / المجلد : 3 / الصفحة : 7 / الناشر : دار التعارف / الطبعة : 1. 5. المناقب « لابن شهرآشوب » / المجلد : 3 / الصفحة : 395 / الناشر : علامه / الطبعة : 1. 6. الشورى : 23. 7. تاريخ الطبري « لمحمد بن جرير الطبري » / المجلد : 10 / الصفحة : 60 / الناشر : دار التراث / الطبعة : 2 : ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا جزَعَ الخزْرَجِ من وقع الأَسلْ قد قتلنا القَوْم من ساداتكمْ وعدَلنا ميْلَ بدر فاعتدَلْ فأَهَلُّوا واستهلُّوا فرحاً ثم قالوا : يا يزيد لا تُسَلْ لسْتُ من خندِفَ إن لم أَنتقم من بني أحمدَ ما كان فعلْ وَلِعَتْ هاشِمُ بالمُلكِ فلا خبرٌ جاءَ ، ولا وحيٌ نزَلْ 8. راجع : تاريخ الطبري « لمحمد بن جرير الطبري » / المجلد : 4 / الصفحة : 370 ـ 381 / الناشر : دار التراث / الطبعة : 2. المنتظم في تاريخ الأمم والملوك « لابن الجوزي » / المجلد : 6 / الصفحة : 12 ـ 17 / الناشر : دار الكتب العلمية. أنساب الاشراف « للبلاذري » / المجلد : 5 / الصفحة : 319 ـ 337 / الناشر : دار الفكر / الطبعة : 1. 9. راجع : أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار « للأزرقي » / المجلد : 1 / الصفحة : 203 / الناشر : دار الأندلس للنشر. الأخبار الطوال « لابن قتيبة الدينوري » / المجلد : 1 / الصفحة : 267 ـ 268 / الناشر : منشورات الشريف الرضي / الطبعة : 1. أنساب الاشراف « للبلاذري » / المجلد : 5 / الصفحة : 339 ـ 343 / الناشر : دار الفكر / الطبعة : 1. 10. يوسف : 84 ـ 86. 11. يوسف : 94 ـ 95. 12. يوسف : 102 ـ 111. 13. يوسف : 13. 14. يوسف : 18. 15. يوسف : 6. 16. الكافي « للشيخ الكليني » / المجلد : 1 / الصفحة / 294 / الناشر : دار الكتب الإسلامية / الطبعة : 5. راجع : مسند أحمد بن حنبل / المجلّد : 17 / الصفحة : 170 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 1 : عن أبي سعيد قال : قال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم « إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُما أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ ، كتابُ الله حَبْلٌ مَمْدودٌ مِنَ السَّماءِ إلى الأَرْضِ ، وعِتْرَتي أَهلَ بَيْتِي ، وإنَّهما لَنْ يَفْتَرِقا حتى يَرِدا عليَّ الحَوْضَ » . أنساب الأشراف « للبلاذري » / المجلّد : 2 / الصفحة : 111 / الناشر : مؤسسة الأعلمي / الطبعة : 1 : عن زيد بن أرقم قال : كنّا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم في حجّة الوداع فلما كنا بغدير خم بدوحات فقممن ثمّ قام فقال : كأنّي قد دعيت فأجبت وانّ الله مولاي وأنا مولى كلّ مؤمن ، وأنا تارك فيكم ما إن تمسكتم به لم تضلوا ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. ثم أخذ بيد علي فقال : من كنت وليه فهذا وليه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. المعجم الكبير « للطبراني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 63 / الناشر : مكتبة ابن تيمية : حدثنا محمد بن عبدالله الحضرمي ثنا منجاب بن الحارث ثنا علي بن مسهر عن عبدالملك بن أبي سليمان عن عطية بن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال النبي صلّى الله عليه وسلّم : « ايها الناس اني تارك فيكم ما ان أخذتم به لن تضلوا بعدي أمرين أحدهما أكبر من الاخر كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والارض وعترتي أهل بيتي وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض » . 17. آل عمران : 61. 18. راجع : شواهد التنزيل لقواعد التفضيل « للحاكم الحسكاني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 157 / الناشر : مؤسسة الطبع والنشر : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمُقْرِي قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ الْخَلِيلِ بِ « بَلْخٍ » قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْعَثِ [ أَخْبَرَنَا ] يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [ فِي ] قَوْلِهِ : ( إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ ) فَبَلَغَنَا ـ وَاللهُ أَعْلَمُ [ كَذَا ] أَنَّ وَفْدَ نَجْرَانَ قَدِمُوا عَلَى نَبِيِّ اللهِ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ وَمَعَهُمُ السَّيِّدُ وَالْعَاقِبُ وَ [ أَ ] بُو حَنَسٍ وَأَبُو الْحَرْثِ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَسِيحِ وَهُوَ رَأْسُهُمْ وَهُوَ الْأُسْقُفُّ وَهُمْ يَوْمَئِذٍ سَادَةُ أَهْلِ نَجْرَانَ فَقَالُوا : يَا مُحَمَّدُ لِمَ تَذْكُرُ صَاحِبَنَا وَسَاقَ نَحْوَهُ إِلَى قَوْلِهِ : وَنَزَلَ جَبْرَئِيلُ فَقَالَ : ( إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ ) إِلَى [ قَوْلِهِ ] ( لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) . وَسَاقَ نَحْوَهُ إِلَى قَوْلِهِ : قَالُوا : نُلَاعِنُكَ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَأَخَذَ بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمَعَهُ فَاطِمَةُ وَحَسَنٌ وَحُسَيْنٌ فَقَالَ : هَؤُلَاءِ أَبْنَاؤُنَا وَنِسَاؤُنَا وَأَنْفُسُنَا فَهَمُّوا أَنْ يُلَاعِنُوا ـ ثُمَّ إِنَّ أَبَا الْحَرْثِ قَالَ لِلسَّيِّدِ وَالْعَاقِبِ : وَاللهِ مَا نَصْنَعُ بِمُلَاعَنَةِ هَذَا شَيْئاً ، فَصَالَحُوهُ عَلَى الْجِزْيَةِ. قَالُوا : صَدَقْتَ [ يَا ] أَبَا الْحَرْثِ. فَعَرَضُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ الصُّلْحَ وَالْجِزْيَةَ فَقَبِلَهَا ـ وَقَالَ : أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ـ لَوْ لَاعَنُونِي مَا أَحَالَ اللهُ لِيَ الْحَوْلَ وَبِحَضْرَتِهِمْ مِنْهُمْ بَشَرٌ ـ إِذاً [ كَذَا ] لَأَهْلَكَ اللهُ الظَّالِمِينَ. تفسير السمعاني / المجلّد : 1 / الصفحة : 327 / الناشر : دار الوطن / الطبعة : 2 : قوله تعالى : ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ ) أي : جادلك في الحق ( مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) . هذا في دعاء النبي صلّى الله عليه وسلّم بني نجران إلى المباهلة ، روى سعد بن أبي وقاص : « أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أخذ بيد الحسن والحسين وفاطمة وعلي ، ثم دعاهم إِلى المباهلة. فقوله ( نَدْعُ أَبْنَاءَنَا ) أراد به : الحسن والحسين ، وقوله : ( وَنِسَاءَنَا ) يعني : فاطمة ، وأنفسنا يعني : نفسه وعليّ ، فإن قال قائل : كيف قال : ( وَأَنفُسَنَا ) وعليّ ـ رضي الله عنه ـ غيره ؟ قيل : العرب تسمى ابن عم الرجل نفسه ، وعليّ كان ابن عمه ، وقيل : ذكره على العموم لجماعة أهل الدين. مفاتيح الغيب [ التفسير الكبير ] « لفخر الدين الرازي » / المجلّد : 8 / الصفحة : 247 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 3 : روي أنه عليه السلام لما أورد الدلائل على نصارى نجران ، ثم إنهم أصروا على جهلهم ، فقال عليه السلام « إن الله أمرني إن لم تقبلوا الحجة أن أباهلكم » فقالوا : يا أبا القاسم ، بل نرجع فننظر في أمر ناثم نأتيك فلما رجعوا قالوا للعاقب : وكان ذا رأيهم ، يا عبد المسيح ما ترى ، فقال : والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمداً نبي مرسل ، ولقد جاءكم بالكلام الحق في أمر صاحبكم ، والله ما باهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن فعلتم لكان الاستئصال فان أبيتم إلا الإصرار على دينكم والإقامة على ما أنتم عليه ، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خرج وعليه مرط من شعر أسود ، وكان قد احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن ، وفاطمة تمشي خلفه ، وعلي رضي الله عنه خلفها ، وهو يقول ، إذا دعوت فأمنوا ، فقال أسقف نجران : يا معشر النصارى ، إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله بها ، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة ، ثم قالوا : يا أبا القاسم ، رأينا أن لا نباهلك وأن نقرك على دينك فقال صلوات الله عليه : فاذا أبيتم المباهلة فأسلموا ، يكن لكم ما للمسلمين ، وعليكم ما على المسلمين ، فأبوا ، فقال : فاني أناجزكم القتال ، فقالوا ما لنا بحرب العرب طاقة ، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تردنا عن ديننا على أن نؤدي إليك في كل عام ألفي حلة : الفا في صفر ، وألفا في رجب ، وثلاثين درعاً عادية من حديد ، فصالحهم على ذلك ، وقال : والذي نفسي بيده ، إن الهلاك قد تدلي على أهل نجران ، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ، ولاضطرم عليهم الوادي ناراً ، ولاستأصل الله نجران وأهله ، حتى الطير على رؤس الشجر ، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا ، وروى أنه عليه السلام لما خرج في المرط الأسود ، فجاء الحسن رضي الله عنه فأدخله ، ثم جاء الحسين رضي الله عنه فأدخله ثم فاطمة ، ثم علي رضي الله عنهما ثم قال ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) واعلم أن هذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث. 19. الإنسان : 5 ـ 22. 20. راجع : الاستيعاب في معرفة الأصحاب « لابن عبد البر » / المجلّد : 1 / الصفحة : 374 / الناشر : دار الجيل / الطبعة : 1. المغازي « للواقدي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 315 / الناشر : نشر دانش اسلامي. المصنف « لعبد الرزاق الصنعاني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 561 / الناشر : منشورات المجلس العلمي.
حيث إنّ نتائج ثورة ونهضة الحسين عليه السلام هي البواعث لها ، وقد ذكرها عليه السلام في عدّة من خطبه وكلماته الشريفة. منها : وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي صلّى الله عليه وآله وسلّم أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ... (1) ؛ فقد استبدلت الخلافة الإسلاميّة على يد معاوية بملك الوراثة النَسبيّة الترابيّة ، وهذا انحراف خطير في الدين والأمّة الإسلاميّة أن يتبدّل مسار الزعامة الدينيّة والدنيويّة. منها : ما قاله الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم : حسين مني وأنا من حسين (2) ؛ فإنّ « من » ههنا ليس المراد منها التولّد بل أحد معاني الكناية فيها هو أنّ دين النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وشريعته بقاؤها مرهون بالحسين عليه السلام ، وذلك لأنّ بني اُميّة ـ معاوية ويزيد وآلهما ـ كانوا مصرّين على محو الشريعة ، وإزالة الدين بالتدريج حتّى لا يبقى رسم ولا اسم منه ، وكلمات معاوية ويزيد في ذلك معروفة (3) ، وكيف لا والبيت الاُموي بزعامة أبو سفيان لم ينثني عن مجابهة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ودولته في المدينة ومن قبل في مكّة ، واستمرّ إيقاده للحروب ضدّ الرسول حتّى عام الفتح لمكّة !! (4) ومن الواضح أنّ هذا الموقع القبلي الذي يتمتّع به أبو سفيان وبنو اُمية لم يتبدد بفتح مكّة بل بقي على حاله ، وإن كانوا في الظاهر استسلموا أمام السلطة الإسلاميّة الجديدة للرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ، ويتبيّن ذلك في قول أبي سفيان لعلي بن أبي طالب عليه السلام في أيّام السقيفة يريد إغراءه بمناصرته ضدّ أصحاب بيعة السقيفة : لئن شِئتم لأَمْلأنّها خَيْلاً ورجلاً (5). وكذلك استرضاء أبي بكر لأبي سفيان عندما اعترض على استخلافه ، وان تيم أخمل قريش ذكراً وبطنا ، استرضاه بتنصيب يزيد بن أبي سفيان على الشام. ومن ثمّ الخليفة الأوّل والثاني لم يجدا بُدّاً من الاستعانة ـ في جهاز الحكم وقيادة الجيوش وكسب الغنائم والمناصب ـ بالحزب القرشي المناوئ لبني هاشم وللأنصار ، وإلى ذلك يشير الحسين عليه السلام : وعلى الإسلام السَّلام إذا بليت الاُمة براعٍ مثل يزيد (6). ومنها : سنّ السنّة الإلهيّة العظيمة وهي مجاهدة الظالمين والطغاة من الحكّام في الدولة الإسلاميّة والثورة عليهم ردعاً للمنكر ، وإقامة للمعروف في كافة أشكاله ونظمه وأبوابه ، وإلى ذلك يشير بقوله عليه السلام استناداً إلى قول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرام الله ناكثاً عهده مخالفاً لسنة رسول الله يعمل في عباد الله بالاثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقاً على الله أن يدخله مدخله (7) ، أو : أَفْضَلَ الجهادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطانٍ جَائِرٍ (8). ومنها : استدعاء أهل العراق ومبايعتهم له عليه السلام ، لإقامة الحكم الإلهي العادل الحقّ. ومنها : عزم يزيد اغتيال الحسين عليه السلام بكلّ طريقة وسبيل ، وقد أشار عليه السلام إلى ذلك في عدّة من خطبه (9). والملخّص : إنّ هناك العديد من الأسباب ودواعي الحكمة في نهضته عليه السلام اجتمعت ، حتّى أنّ كثيراً من أصحاب الأقلام ينسبون تولّد التشيّع إلى نتائج ثورة الحسين عليه السلام وتعاطف محبّي أهل البيت عليه السلام لمظلوميّته ، وهذا القول وإن كان تنكر للحقائق القرآنيّة والسنن النبويّة الدالّة على إمامة أهل البيت عليهم السلام ومذهبهم ، إلّا أنّه يعكس مدى تعرية الإنحراف الذي أصاب المسلمين ، وتكشف كثير من الحقائق وتزييف الباطل الذي لم يتحقّق قبل ثورة الحسين عليه السلام. الهوامش 1. مقتل الحسين عليه السلام « لعبد الرزاق المقرم » / الصفحة : 139 / الناشر : مؤسسة الخرسان للمطبوعات. راجع : مقتل الحسين عليه السلام « للموفق الخوارزمي » / الصفحة : 273 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 2. 2. كامل الزيارات « لابن قولويه » / الصفحة : 116 / الناشر : مؤسسة نشر الفقاهة / الطبعة : 1. راجع : الإرشاد « للشيخ المفيد » / المجلّد : 2 / الصفحة : 127 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / الطبعة : 2. المصنف « لابن أبي شيبة الكوفي » / المجلّد : 7 / الصفحة : 515 / الناشر : دار الفكر / الطبعة : 1. مسند الإمام أحمد بن حنبل / المجلّد : 29 / الصفحة : 103 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 1. 3. الإرشاد « للشيخ المفيد » / المجلّد : 1 / الصفحة : 190 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / الطبعة : 2. راجع : الجمل « للشيخ المفيد » / الصفحة : 57 / الناشر : مكتبة الداوري. إعلام الورى بأعلام الهدى « للشيخ الطبرسي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 271 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / الطبعة : 1. الشعائر الحسينيّة « للشيخ محمّد السند » / الصفحة : 457 / الناشر : دار الغدير. 4. من أشعار يزيد بن معاوية : اللهوف في قتلى الطفوف « للسيد ابن طاووس » / الصفحة : 105 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 1 : ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل فأهلّوا واستهلّوا فرحا ولقالوا يا يزيد لا تشل قد قتلنا القرن من ساداتهم وعدلنا قتل بدر فاعتدل لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل لست من خندف إن لم أنتقم من بني أحمد ما كان فعل ومنها : معشر الندمان قوموا واسمعوا صوت الأغاني واشربوا كأس مدام واتركوا ذكر المعاني ومنها : شغلتني نغمه العيدان عن صوت الأذان وتعوضت عن الحور عجوزا في الدّنان ومنها : دع المساجد للعباد تسكنها واجلس علي دكّة الخمّار واسقينا إنّ الّذي شربا في سكره طربا للمصلّين لا دنيا ولا دينا ما قال ربّك ويل للذي شربا لكنّه قال ويل للمصلّينا 5. راجع : أنساب الأشراف « للبلاذري » / المجلّد : 1 / الصفحة : 124 و 312 / الناشر : معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية. المغازي « للواقدي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 181 / الناشر : نشر دانش إسلامي. السيرة النبويّة « لابن هشام الحميري » / المجلّد : 3 / الصفحة : 581 / الناشر : مكتبة محمد علي صبيح وأولاده. 6. مقتل الحسين عليه السلام « للموفق الخوارزمي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 268 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 2. راجع : مقتل الحسين عليه السلام « لعبد الرزاق المقرم » / الصفحة : 132 / الناشر : مؤسسة الخرسان للمطبوعات. اللهوف في قتلى الطفوف « للسيد ابن طاووس » / الصفحة : 18 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 1. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 44 / الصفحة : 326 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. 7. مقتل الحسين عليه السلام « لعبد الرزاق المقرم » / الصفحة : 189 / الناشر : مؤسسة الخرسان للمطبوعات. راجع : تاريخ الطبري « لمحمّد بن جرير الطبري » المجلّد : 4 / الصفحة : 304 / الناشر : مؤسسة الأعلمي. مقتل الحسين عليه السلام « للموفّق الخوارزمي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 305 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 2. الكامل في التاريخ « لابن الأثير » / المجلّد : 4 / الصفحة : 48 / الناشر : دار الصادر. 8. اللهوف في قتلى الطفوف « للسيّد ابن طاووس » / الصفحة : 39 ـ 40 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 1 : سار محمد بن الحنفية إلى الحسين في الليلة التي أراد الخروج في صبيحتها عن مكة فقال يا أخي إن أهل الكوفة من قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك وقد خفت أن يكون حالك كحال من مضى فإن رأيت أن تقيم فإنك أعز من في الحرم وأمنعه. فقال : يا أخي قد خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية في الحرم فأكون الذي يستباح به حرمة هذا البيت . تاريخ الطبري « لمحمّد بن جرير الطبري »/ المجلّد : 4 / الصفحة : 296 / الناشر : مؤسسة الأعلمي : عن جعفر بن سليمان الضبعي قال : قال الحسين : والله لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي ، فإذا فعلوا سلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من فرم الأمة ... تاريخ الطبري « لمحمّد بن جرير الطبري » / المجلّد : 4 / الصفحة : 290 / الناشر : مؤسسة الأعلمي : ثم افترقا ـ قال هشام ـ عن عوانة بن الحكم عن لبطة بن الفرزدق ابن غالب عن أبيه قال حججت بأمي فأنا أسوق بعيرها حين دخلت الحرم في أيام الحج وذلك في سنة 60 إذ لقيت الحسين بن علي خارجا من مكة معه أسيافه وتراسه فقلت لمن هذا القطار فقيل للحسين بن علي فأتيته فقلت بأبي وأمي يا ابن رسول الله ما أعجلك عن الحج فقال لو لم أعجل لأخذت . 9. مسند الإمام أحمد بن حنبل / المجلّد : 17 / الصفحة : 228 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 1. راجع : المعجم الكبير « للطبراني » / المجلّد : 8 / الصفحة : 282 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 2. المستدرك « للحاكم النيسابوري » / المجلّد : 4 / الصفحة : 504 / الناشر : دار المعرفة. كنز العمال « للمتقي الهندي » / المجلّد : 15 / الصفحة : 923 / الناشر : مؤسسة الرسالة.
الجواب من الشيخ محمد السند: السرّ في قراءة الحسين عليه السلام : ( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا ) (1) على وجه الخصوص دون غيرها ، هو : أنّ الآية الإعجازيّة التي كانت لله تعالى في أصحاب الكهف أنّهم كانوا مؤمنين موحّدين مضطهدين من قبل الملك والسلطان المتغلّب في وقتهم ، وكان مجتمعهم يتابع ذلك السلطان الغاشم ، فكانوا منفردين في طريق الحقّ والهداية ، وكان قوم الملك يستأصلونهم لو اطّلعوا على دينهم أو سيطروا عليهم ، إلّا أنّه بقدرته تعالى أبقى وحفظ أصحاب الكهف بعدما هلك ذلك السلطان وقومه ونشأ نسل جديد وحضارة أخرى ، ليبيّن تعالى على أنّه قادر على نصر المستضعفين ويرجعهم إلى الدار الدنيا وتكون العاقبة هي غلبتهم على القوم الظالمين (2) ، كما في قوله تعالى : ( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) (3) ، و ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) (4) ، وغيرها من الآيات الدالّة على رجوع الصالحين إلى الدار الدنيا ، وكون العاقبة لهم جزاءً دنيويّاً من الله تعالى قبل جزاء ثواب الآخرة. الهوامش 1. الكهف :9. 2. راجع الآيات 8 إلى 26 سورة الكهف. 3. القصص : 5. 4. الأنبياء : 105.
الجواب من الشيخ محمد السند: نظير هذا الإعتراض يذكر في مواجهة الصدّيقة الزهراء عندما أراد جماعة السقيفة إجبار أمير المؤمنين عليه السلام علي بن أبي طالب على بيعتهم ، فتصدّت لهم من وراء الباب ، وقد كان عليه السلام في البيت ، فيورد المعترضون أنّه كيف تسمح الغيرة الأبيّة لمثل أمير المؤمنين ولسيّد الشهداء بذلك ؟! وما الحكمة في ذلك وهما صلّى الله عليه وآله قد اتّفق ذلك منهما بوصيّة من رسول الله صلّى الله عليه وآله ، كما جاء في الروايات أنّه صلّى الله عليه وآله أخذ على عليّ عليه السلام الصبر (1) ، وعلى الحسين عليه السلام إنّ الله شاء أن يراهن سبايا (2) ؟! فهل الإرادة والمشيئة إلالهيّة تتعلّق بذلك ؟! وكيف وجه الحكمة فيه ؟! ويستعرض لنا القرآن الكريم الإجابة عن ذلك بأنّ المجاهدة في سبيل الله ومقارعة المعسكر الآخر كما تكون بالنفس والمال تكون بالمخاطرة بإهانة العرض لا بنحو الابتذال والتدنيس ، كما في قصة مريم عليها السلام. ففي سورة آل عمران : ( إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (3). وفي سورة مريم : ( فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا * قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا * فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا * فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا * فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ) (4). وفي سورة المؤمنون : ( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ) (5). فمريم قد تعرّضت لوظيفة حمل النبي عيسى عليه السلام من غير أب ، لتتحقّق المعجزة الإلهيّة لإثبات نبوة عيسى عليه السلام ، وبعثته بشريعة جديدة ناسخة لشريعة موسى عليه السلام ، مع أنّ تحقيق المعجزة هذه كان يخاطر بسمعة مريم وعرضها إلى درجة مواجهة بني إسرائيل لها بالقذف والبهتان ، ولكن كل ذلك لا يعنى ابتذال وتدنيس مريم بل غاية الأمر إهانة عرضها ، فتحمّلت المسؤولية الإلهيّة وأعباء المعجزة والرسالة الجديدة ، مع أنّها أصعب من الجهاد بالنفس والقتل بالسيف للإنسان الغيور ، وبالنسبة للمرأة العفيفة التي أحصنت فرجها ؛ ولذلك قالت : ( يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا ) (6) ، ولكن جهادها وتحملها أقام الحجّة على كفّار بني إسرائيل ، فجعلها الله تعالى آية حجّة تشارك ابنها النبي عيسى عليه السلام في الحجيّة. وهناك واقعة أخرى يسردها لنا القرآن ، وهي : واقعة المباهلة : ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (7). فههنا في واقعة المباهلة احتجّ الله بالزهراء عليها السلام على حقانيّة الشريعة المحمّدية ، ونبوّة سيّد الرسل جنباً إلى جنب الاحتجاج بالأربعة بقيّة أصحاب الكساء. ففي هذه الواقعة قد تحمّلت الصدّيقة الزهراء عليها السلام بأمر من الله تعالى أنزله في القرآن ، تحمّلت المشاركة في المباهلة أمام ملأ أهل الكتاب وهو نمط من المنازلة والمواجهة. فإذا اتّضح بعض الأمثلة المسطورة في القرآن الكريم من نماذج المجاهدة بالعرض لا بدرجة الابتذال والتدنيس ، يتّضح عدم المجال لمثل هذه الإعتراضات الناشئة من عدم الإحاطة بجهات أحكام الشريعة ، وعدم الإحاطة بملابسات الأحداث التاريخيّة في صدرالإسلام ، وقراءة الأحداث بشكل مبتور تخفى فيه الحقيقة كما هي عليه ثمّ الأخذ في الحكم على هذه الصورة المقطعة. فإنّ الحكمة في كلّ من فعل الأمير عليه السلام والحسين عليه السلام هو لأجل تعرية وفضح الخصم ، والكشف عن جرأته على مقدّسات الدين وحريم النبي صلّى الله عليه وآله ، وأنّ الخصم لا يتقيّد بأبجدية المبادئ الدينيّة. وكان استخدام هذا النمط من المواجهة والجهاد في ظرف اُغلقت فيه أيّ فرصة أخرى لدحض إجرام الخصم وباطله أمام أنظار وأذهان الناس المفتتنة بأكاذيب الخصم الناسية لوصايا القرآن والنبي صلى الله عليه وآله في حقّ العترة المطهّرة ، ولولا موقف الزهراء عليها السلام والعقيلة زينب عليها السلام لكان الخصم يلتف بدعايته ووسائل إعلامه على الحقيقة ويغيب على الناس في ذلك الوقت ـ فضلاً عن الأجيال اللاحقة ـ حقيقة الموقف ؛ ولأجل ذلك أوصت عليها السلام بإخفاء قبرها وتشييعها ليلاً خفية (8) ليظلّ ذلك رمزاً يطنّ في أذن التاريخ على الحقيقة التي حاولوا اخفاءها. الهوامش 1. راجع : كتاب سليم بن القيس الهلالي / الصفحة : 150 / الناشر : دليل ما. خصائص الأئمّة « للسيّد الرضي » / الصفحة : 72 ـ 73 / الناشر : مجمع البحوث الإسلاميّة. نهج البلاغة « للسيد الرضي » / الصفحة : 48 / الناشر : مركز البحوث الإسلاميّة / الطبعة : 1. 2. اللهوف في قتلى الطفوف « للسيد ابن طاووس » / الصفحة : 40 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 1. راجع : بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 44 / الصفحة : 364 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. 3. آل عمران : 45 ـ 47. 4. مريم : 17 ـ 30. 5. المؤمنون : 50. 6. مريم : 23. 7. آل عمران : 61. 8. راجع : تأويل مختلف الحديث « لابن قتيبة » / المجلّد : 1 / الصفحة : 279 / الناشر : دار الكتب العلميّة ـ بيروت. المصنف « لعبد الرزاق الصنعاني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 521 / الناشر : منشورات المجلس العلمي. علل الشرائع « للشيخ الصدوق » / المجلّد : 1 / الصفحة : 185 / الناشر : منشورات المكتبة الحيدريّة. طبقات الكبرى « لابن سعد » / المجلّد : 8 / الصفحة : 29 ـ 30 / الناشر : دار الصادر ـ بيروت.
الجواب: من سماحة الشيخ محمّد السند قد ورد في الحديث عنهم صلوات الله عليهم إنّ القرآن مأدبة الله ، والتدبر والتفكر ليس حكراً على فئة العلماء من أي تخصص كانوا . وقد قال تعالى : {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}(محمّد/24). وقال :{كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} (سورة ص/29). وقال :{ألم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ}(البقرة/1ـ 5). نعم للقرآن درجات وبطون إلى سبعين بطن وكلٌّ يغترف على قدر طاقته وقابليته ومؤهلاته العلمية والعملية بل إنّ أعماقه لا يصل إليها إلا المطهرون كما في سورة الواقعة ، كما إنّ قوله تعالى في سورة البقرة منبّه على أنّ الهداية القرآنية هي من نصيب المتقين ذوي المواصفات المتقدمة ، والتدبر والتفكر ، وإن كانا يتوقفان على العلم ودرجاته إلا أنّ العلم الفطري المودع في كل شخص بشري كفيل في توفير القدر على فهم أصول المعارف القرآنية في المجالات المختلفة ، كالعقيدة والفقه والأخلاق والآداب والحكمة والسنن التاريخية واللطائف المعنوية العرفانية وأصول القانون وأبوابه المختلفة وغيرها ، نعم تفاصيل تلك المعارف ودقائقها تتطلب الإلمام بعلوم العربية والأدب وغيرها ، والاطلاع على الروايات الواردة التفسيرية وغير ذلك ، وبإمكان القارئ للقرآن الاستعانة بالكتب التفسيرية المختلفة المعتمدة والموثوقة ، وهي تتدرج بالقارئ شيئاً فشيئاً إلى مستويات أعمق ، وإن لم يعني ذلك كونه من أهل التخصص وابداء النظر ، لكن ذلك لا يمنع فتح باب الفكر والعقل والقلب أمام أنوار هدايات القرآن ، فالسير في رحاب القرآن أمر ، والصيرورة من أهل الاختصاص والنظر أمر آخر ، وتصور الشيء أمر ، والتصديق به أمر آخر. أمّا الاتعاظ بالقرآن وقصصه وأمثاله وحكمه ، ووصاياه وتهذيب النفس ، وصقلها في جوّ الخطاب القرآني ، فمن المعلوم أنّ ذلك لا يحصل بتلك الدرجة من غير القرآن ، فإنّ التركيب الخاص والنظم المناسب سواء للألفاظ أو للمعاني أو للقضايا أو للنتائج أو للرؤى أو للمبادئ أو للعلوم وغيرها الموجود في الكتاب العزيز هو بدرجة لا تصل إليها القدرة البشرية في أي كتاب مؤلف من الإنس أو الجن ، فمن ثمّ كان ما يفعله القرآن في القارئ له من الناحية العلمية والعملية ، هو ما لا يفعله كتاب غيره ، ولأجل ذلك وصفه المشركون الذين كانوا يعارضون الدعوة المحمدية بأنّه سحر لما يشاهدونه من جذبات قرآنية تصنع في نفوسهم من دون اختيار. بل انّه من الثابت المقرّر بحسب الآيات والروايات والعلوم المختصة المشتهرة وغير المشتهرة أنّ قراءة القرآن لغير العارف باللغة العربية ، كأبناء اللغات الأخرى ، له تأثيره الروحي الخاص فضلاً عن الحفظ والأمن النفسي وغيره الذي توجبه قراءة القرآن على النفس والمال والأهل وغير ذلك من الخواص ، وإن كان ذلك أقلّ ما يستثمره القارئ ، ولكن ليست القراءة لقلقة مجردة كما قد يتُوهم ، نظير أذكار الصلاة وغيره من الأذكار بالاسماء والصفات الإلهية ، فالعمدة أنّ على القارئ أن يعتني في البداية في تقوية تدبراته وتأملاته أثناء القراءة للقرآن المجيد ، بتوسط معرفة غريب ألفاظ القرآن ، ثمّ التدرج في معرفة التفسير اللفظي ، ثمّ معرفة أسباب النزول ، ثمّ معرفة الروايات الواردة عن الثقل الثاني أعدال الكتاب ، ثمّ الاطلاع على بقية أنواع التفسير ، كل ذلك بحسب الوسع والتفرغ والقدرة ولو يسيراً ، فإنّه مع طول المدة وتكرر القراءة يصل القارئ إن شاء الله تعالى إلى مدارج محمودة من معرفة المعاني للآيات والسور ، لا سيما مع مراعاة جانب تهذيب النفس والتقوى ، فإنّ الهاتف والنداء القرآني يسمعه من صغى قلبه ، وطهر خلقه ، وقوى إيمانه ، كما أشارت إليه الآيات التي مرّت في صدر الكلام .