من سماحة الشيخ علي الكوراني مضافاً إلى الحديث الذي رواه الجميع ، والذي يذكر عددهم عليهم السلام ، وأنّهم اثنا عشر .. فإنّه يوجد أحاديث نبوية عديدة تذكرهم عليه السلام بأسمائهم . ومن الأحاديث المشهورة عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه عدّهم : علياً والحسن والحسين وتسعة من ذرية الحسين آخرهم المهدي عليهم السلام .. ومن أشهر الأحاديث التي تسميهم عليهم السلام حديث اللوح الذي نزل به جبرئيل عليه السلام هديةً إلى الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام ، وفيه أسماؤهم ، ونبذة عن كل واحد منهم . وقد ألف أحد قدامى علمائنا ، وهو الخزاز القمي تلميذ الصدوق أعلى الله مقامهما ، كتاباً في الأحاديث التي تنص على الأئمة الاثني عشر عليهم السلام سماه ( كفاية الأثر في النص على الاثني عشر ) ، وقد جمع فيه أحاديث عن ثلاثين صحابياً في تبشير النبي بهم ، وأمره بإطاعتهم ، وبيانه لمقامهم ، صلوات الله عليه وعليهم .
من سماحة الشيخ محمّد السند الإمامة وإن كانت من أصول الدين إلا أنّه لا يحكم على منكرها بالكفر الظاهري ؛ وذلك لتطرق الشبهة في الأذهان ، نعم انكارها يوجب الكفر الأخروي ، أي بحسب باطن القلب لا بحسب ظاهر اللسان ؛{قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ }(الحجرات/14). ويدل على كونها من أصول الدين : ما قصّه القرآن من وصف إبليس في عدة سور أنّه : كافر ورجيم ، مطرود من رحمة الله ، وأنّ عليه اللعنة ، وكفر إبليس لم يكن إلا لعدم خضوعه ومتابعته لخلافة آدم عليه السلام ، والخلافة هي تملّك مقاليد الأمور من دون تجافي لقدرته تعالى في ما استخلف آدم فيه ، وإلا فإبليس كان يقرّ بتوحيد الله تعالى وبالمعاد ؛ { رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}(الحجر/36). وكان يقرّ بنبوة آدم ؛ { أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ }(الإسراء/62).{ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ }(الأعراف/20). ولكن كان منكراً لخلافة آدم عليه السلام :{ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً }(البقرة/30). وغير ذلك من الآيات ، كآية المودّة: { قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}(الشورى/23) ، فجعل تعالى مودة القربى عدل للرسالة بكل اُصولها وفروعها ، فلا تكون المودة إلا من أصول الدين كي تعادل بقية أصول الدين ومفتاح لها . وكذلك آية الغدير :{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا}(المائدة/3)، فرضا الرب بإسلام الناس ، أي بإقرارهم بالشهادتين مشروط بالولاية لعلي عليه السلام ممّا يدلل على كون ولايته على مستوى الأصول في الدين ولها مثل هذا الموقع الخطير .
من سماحة الشيخ هادي العسكري
الجواب من الشيخ محمد السند: روى عن النبي صلّى الله عليه وآله كل من الفريقين بطرق متواترة أن : « من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة » بألفاظ مختلفة ، ومن البيّن أنّ المعرفة قلبيّة إعتقاديّة ، وهذا الإمام الذي معرفته هي مدار إيمان وإلّا فيموت الإنسان موتة أهل الجاهليّة ، لا يكون إلّا معصوماً ، والقول بإمامته من أصول الدين. وكذلك قوله تعالى : ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) [الشورى : 23 ] ؛ فإن جعل أجر الرسالة كلّها ، بما فيها من أصول الدين ، جعل أجر أصول الدين وفروعه مودّة آل محمّد صلوات الله عليهم ، دالّ على أنّ مودّتهم وولايتهم وإمامتهم من نسيج أصول الدين ؛ بمقتضى التعادل والتساوي بين المعوض والعوض والأجر ، وإلّا لكان تعبير القرآن بالأجر مسامحة والعياذ بالله تعالى. وكذلك قوله تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) [ المائدة : 3 ] ، ما هو الخطب في ذلك اليوم الذي يصفه القرآن بأنّ الدين لم يكمل قبله ، أنّ أصول الدين لم تكمل قبله ، وأنّه تعالى لم يكن راضياً للمسلمين بالإسلام من دونه ؛ فما هو ذلك الخطب في ذلك اليوم ، يوم غدير خمّ ، بعد حجّة الوداع ؟! لا يكون ما نزل في ذلك اليوم إلّا من أصول الدين ، فهو الذي يتناسب مع هذا الحجم من التعظيم والخطورة التي يبرزها القرآن له ، ولذلك قال تعالى في سورة المائدة ـ آخر السور نزولاً ـ أيضاً : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّـهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) [ المائدة : 67 ] ، فما هو هذا الأمر الذي عادل الباري تعالى بينه وبين مجموع الرسالة ، وأنّ خطورته تعدل مجموع الرسالة ، وأنّه كانت لدى النبي صلّى الله عليه وآله خشية من عدم قبول الناس لتبليغه ذلك الأمر ، وأنّه تعالى جعل الجاحدين لذلك الأمر هم القوم الكافرين بالإيمان ؟! فترى المعادلة في هذه الآية ، وكذلك الآية السابقة ، وكذلك آية المودّة ، وكذلك الحديث النبوي في معرفة الإمام ، وكذلك حديث الثقلين المتواتر عند الفريقين : « إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي » ؛ فإنّ المعأدلة بين الكتاب والعترة ، تقضى بأنّ إمامتهم من أصول الدين ؛ لأنّ الإيمان بالكتاب من أصول الدين ، ومن الإيمان بنبوّة النبي صلّى الله عليه وآله ، فكذلك أعدال الكتاب ، وغير ذلك من الأدلّة الدالّة على كون إمامتهم من أصول الدين ، وعلى ذلك فمن يقول بأنّ الإمامة ليست من أصول الدين ، يعني أنّ الاعتقاد بإمامتهم غير واجب وغير لازم ، أيّ لا يلزم نفسه بالاعتقاد بإمامتهم ، وبالتالي فيخرج نفسه من ربقة الإيمان بمقتضى الأدلّة والبراهين الدينيّة المتقدّمة ، وإن بقي على ظاهر الإسلام لا على حقيقته : ( قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) [ الحجرات : 14 ] .
الجواب: من سماحة الشيخ هادي العسكري الآثار وصفات الأشياء تكون على قسمين يلازم تصور الموصوف تصور الصفة ولا ينفك عنها ولا يمكن سلبها عن موضوعها ويستحيل وجوده بدونها ، فهذي تسمى ذاتية وعينية ، مثل اضاءة النور وحرارة النار ، وظلمة الليل وضوء النهار ، وحلاوة العسل ومرارة الحنظل ، وبياض القطن وسواد الفحم ، وصفار البيض وحمرة الدم . وقسم يمكن سلب الصفة عن الموصوف وتصوره بدونها ووجوده معها ولا معها ، وهذه تسمى عرضي وخارجي، كحرارة الحديد وضوء القمر، وسواد القرطاس وبياض السكر ، وبرودة الماء وحمرة الاحمر والصفرة من الوجل والحمرة من الخجل .
من سماحة الشيخ هادي العسكري بحسب الأدلة الثابتة والبراهين القاطعة يمكن للعقل البشري أن يدرك أصل وجود الله وتحقق ذاته ، ولا يمكن للذهن البشري ولا يستطيع أن يتصور ذاته وكيفيته سبحانه . فانت لا يمكنك أن تتصور ما وراء الفضاء إلا بأنّه فضاء ، ولا تتصور العدم إلا بصورة في ذهنك ، وهي موجودة ، وهذه تدل على أنّ العقل يدرك ويجزم ، ولكن الذهن يعجز عن التصور، فإذا كان الذهن عاجزاً عن تصور ذات بعض مخلوقات الله تعالى ، فهو أحرى بالعجز عن تصور ذاته سبحانه. واحسن وصف ، وابلغ بيان ما وصفه به أمير البيان علي عليه السلام من النهج : لا تراه العيون بمشاهدة العيان ، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان ، قريب من الأشياء غير ملامس ، بعيد منها غير مبائن ، متكلم لا برؤية ، مريد لابهه ، صانع لا بجارحة ، لطيف لا يوصف بالخفاء ، كبير لا يوصف بالجفاء ، بصير لا يوصف بحاسّة ، رحيم لا يوصف برقّة ، تعنوا الوجوه لعظمته ، وتجب القلوب من مخافته .
من سماحة الشيخ محمّد السند الصفات الثبوتية هي كل صفة وجودية كمالية يستند تحققها إلى الموصوف ، وفي الباري تسمى أيضاً صفات الجمال مثل الحياة والعلم والقدرة ، والصفات السلبية هي كل سلب لصفة نقص وعدم ، وقد تسمى صفات الجلال مثل ليس بجاهل ، وليس بظلام للعبيد ، {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَهُ }{ وَلاَ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا }(البقرة/255) ، لا يزال ولا يزول ، { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} (الإخلاص/3ـ4).
من سماحة الشيخ محمّد هادي آل راضي قسّم علماء الكلام صفات الباري إلى قسمين : ثبوتية وسلبية ، ثمّ قسموا الثبوتية إلى قسمين أيضاً : صفات الذات وصفات الفعل . والمراد بصفات الذات : هو كل صفة يكفي في انتزاعها ملاحظة الذات فحسب ، ولا يحتاج إلى ملاحظة الغير مثل صفة الحياة والعلم بذاته أي علمه بنفسه . والمراد بصفات الفعل : هو كل صفة يتوقف انتزاعها على ملاحظة فعله سبحانه ، مثل صفة الخلق والرزق والغفران ونحوها ، فإنّ هذه الصفات تنتزع من مقام الفعل ، إذا الحياة مثلاً صفة تنتزع من مقام الذات ، ولا يتوقف انتزاعها على صدور فعل منه سبحانه ، بخلاف صفة الخلق مثلاً فإنّ انتزاعها يتوقف على أن يخلق هذا أو ذاك حتى يقال له : خالق. وأمّا الصفات السلبية فهي الصفات التي لا تليق بساحته المقدسة مثل المحدودية والجسمية فيقال : ليس بمحدود وليس بجسم وليس بمرئي وهكذا.
من سماحة الشيخ حسن الجواهري نلخّص لكم الجواب بخلاصة مفيدة ، وهي : إنّ كل علّة في هذا الكون المشاهد تحتاج إلى علّة لايجادها ، فإن كانت علة الكون تشابه هذه العلل المشاهدة ، فهي محتاجة إلى غيرها ، وهذا يلزم منه التسلسل الباطل ، فلا بدّ أن تنتهي إلى علة غير محتاجة إلى علة ، خصوصاً وأنّ القرآن يرشد إلى أنّ الله ليس كمثله شيء ، وهو يوضح لنا أنّ هذه العلّة لا تشبه العلل المشاهدة في عالمنا المحسوس التي تحتاج إلى علة . بالاضافة إلى أنّ هذا الكلام ( بأنّ علّة الكون محتاجة إلى علّة تبعاً لقانون العليّة ) خطأ ؛ وذلك لأنّ علّة الكون من شأنها الخالقية لهذا الكون ، وإذا كانت العلة من شأنها الخالقية ، فلا يصح الكلام عن علّتها ، ونضرب لك هذا المثال البسيط ، وهو قولنا : من اين جاءت الطماطة في السوق ؟ فيقال : من السوق . فيقال : من اين جاءت إلى السوق ؟ فيقال : من ميدان الخضرة . فيقال : من اين جاءت إلى ميدان الخضرة ؟ فيقال : من البستان التي زرعت فيه . وحينئذ لا يصح أن يقال من اين جاء بها البستان ؟ لأنّ البستان والأرض من شانها أن تنبت الطماطة . ولهذا لا يصح أن يقال من الذي خلق الله ؟ ؛ لأنّ الله من شانه أن يخلق ولا يُخلق
من سماحة الشيخ محمّد السند 1 ـ أسماء الله تعالى تطلق على معان ، فيستعمل ويراد به الوجود التكويني الذي هو فعله تعالى وهو على مراتب ودرجات بحسب السبق واللحوق في أفعاله تعالى ، فقد يطلق على فعله الاول فيقال : الاسم الاعظم الأعظم للأعظم ، وقد تكون الاشارة اليه في قوله تعالى : {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى* الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى* وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى* وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى* فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى}(الأعلى/1ـ 5) . وقد يطلق على الأفعال اللاحقة له تعالى ، ويستعمل ويراد به الوجود اللفظي الصوتي أو المكتوب. 2 ـ هذا وأمّا خصوص اسم ( الله ) فهو علم للذات المستجمعة لجميع الصفات الكمالية ، وهو مشتق من الوله وهو الحيرة والهيمان تجاه الذات الإلهية ، ومنه اشتق الإله أي الشيء الذي يؤله ، أو من الاه بمعنى الاحتجاب والارتفاع ، أو من أله بمعنى عبد. وأمّا خواصه : فقد روي عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام قوله : « بسم الله الرحمن الرحيم اقرب إلى اسم الله الأعظم من سواد العين إلى بياضها » . تحف العقول/87 ع في البحار : 90. وروي عن الإمام زين العابدين ( ع ) أنّ : « اللهم إنّي اسألك باسمك الله الله الله الله الله الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم » أنّه الاسم الأعظم . وروي عن الإمام الصادق عليه السلام: « أنّ كل فعل من شرب وأكل ولبس ووضوء وغسل وغيرها لم يبدأ ببسم الله يكون الفعل شركاً للشيطان فيه » .
من سماحة الشيخ محمّد هادي آل راضي لا اشكال في أنّ من صفات الباري سبحانه وتعالى ( المتكلم ) ، وقد ورد في القرآن توصيفه بذلك :{وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا}(النساء/164). وغير ذلك ، وقد فسر ذلك من قبل علمائنا ( قدس سرهم ) بأنّه تعالى اوجد حروفاً واصواتاً قائمة بالأجسام كما كلّم الله موسى من الشجرة ، فاوجد فيها الحروف والاصوات الخاصة نظير الخطاط والصباغ ؛ فإنّ تلبّسهما بالخط والصبغ إنّما هو بايجادهما الخط والصبغ في الورقة والثبوت ونحو ذلك ، فالله سبحانه متكلم بمعنى أنّه يوجد الكلام في الشيء ، فيكون من الصفات الثبوتية من القسم الثاني أي من صفات الأفعال كالرازق والخالق ونحو ذلك . وأمّا الاشاعرة فإنّهم ادعوا أنّ التكلم من الصفات الذاتية القديمة مثل الحياة والعلم وفسروه بالكلام النفسي ، وأنّه مدلول الكلام اللفظي ، وأنّه غير العلم والقدرة وباقي الصفات الأخرى ، ولذا آمنوا بأنّ القرآن قديم وليس مخلوقاً ، في حين أنّ الإمامية وغيرهم مثل المعتزلة يؤمنون بخلق القرآن .
الجواب: من سماحة الشيخ حسن الجواهري إنّ احد البراهين الواضحة على وجود خالق لهذا الكون هو النظام الموجود في هذا الكون ، فإذا نظرت إلى السماء وجدت فيها نظاماً كونياً عظيماً ، بحيث لو اختلّ هذا النظام لحظة واحدة لتحطمت الاجرام السماوية ولاصطدمت بعضها ببعض. والهواء الذي نستنشقه فيه من النظام الشيء الكثير بحيث لو زادت نسبة الاوكسجين فيه ، أو نقصت لهلك البشر ، كما أنّ الماء الذي نشربه فيه من النظام العجيب بحيث لو اختلفت مركّباته لما وجد هذا الماء ، وهكذا في كل شيء تجده في هذا العالم سواء كان في السماء أو في الأرض وحتّى هذا الإنسان الذي يجري على سطح الكرة الأرضية إذا وضعت يدك على عينه وجدت النظام الرائع فيها ، وإذا وضعت يدك على انفه أو معدته أو اذنه أو دورته الدموية أو قلبه أو كبده ... الخ لوجدت النظام العجيب فيه . وهذا النبات الذي نأكله واللحوم والانهار والبحار والمحيطات كلها محتوية على نظام عجيب. أفلا يدل هذا النظام على وجود منظّم ؟ ! نعم لا بدّ من منظم ، ونقول إنّ هذا المنظم هو الله سبحانه خالق كل شيء وإليه ترجعون . فالقضية ليست قضية قصيدة شعر منظومة مرتبة تدل على نظامها ومنشيءها فقط حتى يقول أنّ القصيدة لا تنطبق على الكون . بل اننا نقول : إنّ هذا الكون نفسه فيه من النظام الرائع المدهش الذي يدل بالضرورة على وجود منظّم ، وهو الله جلّ وعلا .
الجواب: من سماحة الشيخ محمّد السند ورد النهي عن التفكر في ذات الله وأنه معنى قوله تعالى :{وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى}(النجم/42) ، وهو إرشاد إلى ما ورد أيضاً من أنّ كل ما توهّمتموه من ذات الله تعالى و صورتموه أو تخيلتموه في خواطركم ، فهو مخلوق لكم مردود عليكم ، وهو إرشاد إلى تنزهه سبحانه عن المقدار والصورة والحدّ والشكل والكيفية والأين ، وغير ذلك من لوازم المخلوق والأجسام والمادة ؛ لأنّ المراد من النهي ليس هو النهي عن معرفته تعالى بنحو التنزيه ، وإلا فكيف يأمر بالإيمان به تعالى : وأنّ المراد من العبادة في قوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}(الذاريات/56). هو: ليعرفون ، بل تصحيح معرفتنا به تعالى ، وما ثم ورد عقب هذا النهي التوصية بمعرفته بالصفات التنزيهية والكمالية بأنّه : أحد واحد قيوم أزلي عالم قادر ... ثمّ إنّه يفيد في دفع مثل هذه الخواطر التأمل في الأدلة والبراهين على التوحيد ، سواء القرآنية أو الروائية ، والمشروحة في كتب علم الكلام أو الفلسفة أو بعض التفاسير كالميزان.
الجواب: من سماحة الشيخ محمّد السند السؤال عن مبدأ الخلقة لو تابعناه فإنّه لا يقف عند حدّ ، ويتتابع السؤال حتى عند المادي القائل بأن المادة الطبيعية هي أصل كل الموجودات ، فإن السؤال يتكرر عليه : كيف وجدت هذه المادة ؟ هل وجدت من نفسها ؟ لا سيّما وان المادة كما نشاهد منفعلة ، لا تكتسب كمالها من ذاتها بل من غيرها ، فكيف هي أوجدت نفسها ؟ مضافا الى ما نشاهده من هذا النظم الذي يحيّر العقول والى يومنا هذا ، ورغم ما توصل اليه البشر من علم وتقنية وأجهزة الا أنهم يقفون حائرين أمام أسرار الخلقة والقوانين المودعة فيها ، ولم يكتشف العلم البشري الى يومنا هذا الا أقل القليل من ذلك ، فهذا النظم الباهر للعقول والمعجز للبشر لا يجئ من المادة الناقصة عن الكمال لا سيما المادة الطبيعية البسيطة في اوائل تكونها . وعلى ذلك فإننا نواجه هذا السؤال في كل ما نفرضه أول ومبدأ للخليقة ، وحينئذ فإن جعلنا ما هو مبدأ للتكوين والكون هو كتم العدم والفقدان نفسه ، فإن هذا الفرض يحكم العقل والبديهة بامتناعه ؛ فإن فاقد الشيء لا يعطيه ، فلا محالة وأن يكون رأس سلسلة الوجود حقيقة غنية بذاتها . وبعبارة اُخرى : إننا لمّا نشعر بحقيقة وجودنا وبأية واقعية ، فإننا ندرك أن السفسطة النافية لكل حقيقة مذهبٌ كاذب ، وصدق القضية الاولى وكذب القضية الثانية سببه تطابقها مع الواقعية التي تحيط بحقيقتنا المحدودة ، فتلك الواقعية الوسيعة ندرك انها قبل حقيقتنا وبعدها ، تلك الحقيقة الوسيعة التي تطابق كل شيء له صدق بها ندرك أنها سرمدية أزلية ، حتى أن القائل بالسفسطة عندما يريد أن يتبنّى صدق مذهبه فهو مذعن بأن مذهبه صادق بمطابقته للواقع والحقيقة المطلقة ، ولا يمكنه أن يفرض أن الواقع مقيد والا لما كان صدق مذهبه بصدق مطلق ، فالصدق المطلق يبتني على تلك الحقيقة الوسيعة السرمدية والأزلية. وهذا البيان ليس خاصاً بالوجود بل كذلك يتكرر في كل كمال ، كالعلم والقدرة والحياة وغيرها ؛ فإن سلسلة العلوم لا يمكن أن تخرج من كتم العدم والجهل تلقائياً ، بل كل علم خاص ومحدود لكي يصدق لا بدّ أن يتطابق مع علم وسيع سرمد أزلي ، وكذلك القدرة والحياة وبقية الكمالات ، فهناك حقيقة أزلية سرمدية ، وكذلك هي علم سرمدي وأزلي ، وهي قدرة أزلية وحياة سرمدية أزلية ، وهي ينبوع الكمالات ، بل هي تحيط بالعدم والمعدومات ، والا لكان العدم هو الأصل ، وقد سبق امتناعه