من سماحة الشيخ علي الكوراني العرش عندنا مخلوق محدود ، وليس كما يتصورالمشبهون أنّه مكان يجلس عليه الله تعالى ! بل هو مكان منه يدار الكون بأمر الله تعالى ، فهو أشبه بـ ( سنترال ) الكون . وهذه بعض الأحاديث الشريفة التي تبين عقيدتنا في العرش : روى الشيخ الصدوق أعلى الله مقامه في كتاب التوحيد/316 ، قصة قدوم جاثليق إلى المدينة مع مائة من النصارى بعد قبض رسول الله صلى الله عليه وآله ، وسؤاله أبا بكر عن مسائل لم يجبه عنها ، ثمّ أرشد إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، فسأله عنها فأجابه ، وكان في ما سأله أن قال له : « أخبرني عن الرب أين هو وأين كان ؟ فقال علي عليه السلام : « لا يوصف الرب جل جلاله بمكان ، هو كما كان ، وكان كما هو ، لم يكن في مكان ، ولم يزل من مكان إلى مكان ، ولا أحاط به مكان ، بل كان لم يزل بلا حد ولا كيف » ، قال : صدقت ، فأخبرني عن الرب أفي الدنيا هو أو في الآخرة ؟ قال علي عليه السلام :« لم يزل ربنا قبل الدنيا ، ولا يزال أبداً ، هو مدبّر الدنيا ، وعالم بالآخرة ، فأمّا أن يحيط به الدنيا والآخرة فلا ، ولكن يعلم ما في الدنيا والآخرة » . قال : صدقت يرحمك الله ، ثمّ قال : أخبرني عن ربك أيَحمل أو يُحمل ؟ فقال علي عليه السلام : « إن ربنا جل جلاله يَحمل ولا يُحمل » . قال النصراني : فكيف ذاك ونحن نجد في القرآن: { وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ}(الحاقة/17). فقال علي عليه السلام : « إنّ الملائكة تحمل العرش ، وليس العرش كما تظن كهيئة السرير ، ولكنه شيء محدود مخلوق مدبّر ، وربك عز وجل مالكه ، لا أنّه عليه ككون الشيء على الشيء ، وأمر الملائكة بحمله ، فهم يحملون العرش بما أقدرهم عليه » . قال النصراني : صدقت رحمك الله ... إلى آخر الحديث ». ـ وفي/317 : عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه سئل عن قول الله عز وجل :{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}(طه/5). فقال : « استوى من كل شيء ، فليس شيء أقرب إليه من شيء . وعنه عليه السلام : من زعم أنّ الله عز وجل من شيء ، أو في شيء ، أو على شيء فقد كفر ، قلت : فسّر لي ، قال : أعني بالحواية من الشيء له ، أو بإمساك له ، أو من شيء سبقه » . وفي رواية اخرى قال : « من زعم أنّ الله من شيء فقد جعله محدثا ، ومن زعم أنّه في شيء فقد جعله محصوراً ، ومن زعم أنّه على شيء فقد جعله محمولا ً». وعنه عليه السلام قال :« كذب من زعم أنّ الله عز وجل من شيء أو في شيء أو على شيء » . ـ وفي/319 : عن داود الرقي ، قال : « سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله ، عز وجل : {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ}(هود/7). فقال لي : « ما يقولون في ذلك ؟ » . قلت : يقولون إنّ العرش كان على الماء والرب فوقه ، فقال : « كذبوا ، من زعم هذا فقد صير الله محمولاً ، ووصفه بصفة المخلوقين ، ولزمه أنّ الشيء الذي يحمله أقوى منه » . قلت : بيّن لي جعلت فداك ، فقال : « إنّ الله عز وجل حمل علمه ودينه الماء قبل أن تكون أرض أو سماء أو جن أو إنس أو شمس أو قمر ، فلما أراد أن يخلق الخلق نثرهم بين يديه فقال لهم : من ربكم ؟ ! فكان أوّل من نطق رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام والأئمة صلوات الله عليهم ، فقالوا : أنت ربنا ، فحملهم العلم والدين ، ثمّ قال للملائكة : هؤلاء حملة علمي وديني واُمنائي في خلقي وهم المسؤولون . ثمّ قيل لبني آدم : أقروا لله بالربوبية ولهؤلاء النفر بالطاعة ، فقالوا : نعم ربنا أقررنا ، فقال للملائكة : اشهدوا . فقالت الملائكة شهدنا على أن لا يقولوا إنا كنا عن هذا غافلين أو يقولوا إنّما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون ، يا داود ! ولايتنا مؤكدة عليهم في الميثاق » . عن أبي الصلت عبد السلام بن صالح الهروي قال : « سأل المأمون أبا الحسن علي بن موسى الرضا صلى الله عليه وآله ، عن قول الله عز وجل:{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}(هود/7). فقال : إنّ الله تبارك وتعالى خلق العرش والماء والملائكة قبل خلق السماوات والارض ، وكانت الملائكة تستدل بأنفسها وبالعرش والماء على الله عز وجل ، ثمّ جعل عرشه على الماء ليظهر بذلك قدرته للملائكة فيعلموا أنّه على كل شيء قدير ، ثمّ رفع العرش بقدرته ونقله فجعله فوق السماوات السبع وخلق السماوات والأرض في ستة أيام ، وهو على عرشه ، وكان قادراً على أن يخلقها في طرفة عين ، ولكنه عز وجل خلقها في ستة إيام ليظهر للملائكة ما يخلقه منها شيئاً بعد شيء ، وتستدل بحدوث ما يحدث على الله تعالى ذكره مرة بعد مرة ، ولم يخلق الله العرش لحاجة به إليه ؛ لأنّه غني عن العرش وعن جميع ما خلق ، لا يوصف بالكون على العرش ؛ لأنّه ليس بجسم ، تعالى الله عن صفة خلقه علواً كبيراً ». وفي/321 : 50 ـ باب العرش وصفاته : عن حنان بن سدير ، قال : « سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العرش والكرسي ، فقال : إنّ للعرش صفات كثيرة مختلفة ، له في كل سبب وضع في القرآن صفة على حدة فقوله{ َرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} يقول : الملك العظيم ، وقوله:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}(طه/5). يقول : على الملك احتوى ، وهذا ملك الكيفوفية الأشياء ، ثمّ العرش في الوصل متفرد من الكرسي ؛ لأنّهما بابان من أكبر أبواب الغيوب ، وهما جميعا غيبان ، وهما في الغيب مقرونان ؛ لأنّ الكرسي هو الباب الظاهر من الغيب الذي منه مطلع البدع ومنه الأشياء كلها ، والعرش هو الباب الباطن الذي يوجد فيه علم الكيف والكون والقدر والحد والأين والمشية وصفة الإرادة ، وعلم الألفاظ والحركات والترك ، وعلم العود والبدء فهما في العلم بابان مقرونان ؛ لأنّ ملك العرش سوى ملك الكرسي ، وعلمه أغيب من علم الكرسي ، فمن ذلك قال : { َرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} أي صفته أعظم من صفة الكرسي وهما في ذلك مقرونان . قلت : جعلت فداك ! فلم صار في الفضل جار الكرسي ؟ قال : إنه صار جاره ، لأنّ علم الكيفوفية فيه ، وفيه الظاهر من أبواب البداء وأينيتها وحد رتقها وفتقها » . وفي التوحيد للصدوق/327 : 52 ـ باب معنى قول الله عز وجل : { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}(البقرة/255). 1 ـ حدثنا أبي رحمه الله ، قال : حدثنا سعد بن عبد الله ، عن القاسم بن محمد ، عن سليمان بن داود المنقري ، عن حفص بن غياث ، قال : « سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل : { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}(البقرة/255). قال : علمه » . 2 ـ حدثنا أبي رضي الله عنه ، قال : حدثنا علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل : { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}(البقرة/255). فقال : « السماوات والارض وما بينهما في الكرسي ، والعرش هو العلم الذي لا يقدر أحد قدره » . 3 ـ حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رحمه الله ، قال : حدثنا محمّد بن الحسن الصفار ، قال : حدثنا يعقوب بن يزيد ، عن حماد بن عيسى ، عن ربعي ، عن فضيل بن يسار ، قال : « سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل:{ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}(البقرة/255). فقال : يا فضيل ! السماوات والارض وكل شيء في الكرسي » . 4 ـ حدثنا أحمد بن محمّد بن يحيى العطار رحمه الله ، عن أبيه ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحجال ، عن ثعلبة بن ميمون ، عن زرارة ، قال : « سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل : { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}(البقرة/255). السماوات والأرض وسعن الكرسي ، أم الكرسي وسع السماوات والأرض ؟ فقال : بل الكرسي وسع السماوات والأرض والعرش ، وكل شيء في الكرسي ».
من سماحة الشيخ محمّد هادي آل راضي ورد ذكر العرش المنسوب إليه تعالى في عشرين آية من القرآن الكريم ، وقد وصف في بعضها بالكريم وبالعظيم وبالمجيد ، وهناك خلاف في نص العرش ، فبعضهم يرى أنّه من المتشابهات التي يجب التوقف فيها ، وارجاع علمها إليه سبحانه وتعالى ، وبعضهم حمل الكلمة على ظاهر معناها ، فهو عندهم مخلوق كهيئة السرير وله قوائم ... وبعضهم يرى أنّه مجرد كناية عن قدرته وتدبيره واستيلائه على عالم الخلق. ويرى العلامة الطباطبائي صاحب الميزان أنّه وإن كان جارياً مجرى الكناية بحسب اللفظ إلا أنّه يعبّر عن حقيقة خارجية هي مقام العلم الذي تجتمع فيه جميع ازمّة الأمور على كثرتها واختلافها . وأمّا الثمانية في الآية الشريفة ، فالمراد به العدد المعروف ، ويفهم من الآية أنّ حملة العرش يوم القيامة ثمانية.
الجواب من الشيخ هادي العسكري: لا تلازم بين الاعتقاد والعمل ، ولا تقدم لأحدهما على الآخر ، وقد يصدر عمل من غير اعتقاد ، وقد يكون اعتقاد من دون عمل ، نعم للعمل أفضل الآثر ، وعند تكرّر الأعمال ومداومة الأفعال تتحقّق أكثر الآثار ، والعمل هو الذي يمهّد الطريق ، ويجلب التوفيق حتّى له أن يجذب الفريق. قال الحكيم في كتابه الكريم : ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) [ الزلزلة : 7 ـ 8 ] . فلا يصح لأحد ترك المستحبات لأجل عدم إتيانه الواجبات ، ولا يجوز الإكتفاء بالواجبات والتهاون بالمندوبات ، فلكلّ عمل أثره ، ولكلّ فعل ثمرهُ ، ولكلّ سعي حاصله في الدنيا ، وعند الجمع ويوم الحساب : ( فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ) [ القارعة : 6 ـ 9 ] . صدق الله العليّ العظيم
الجواب من الشيخ هادي آل راضي: تقوية إيماننا بالله سبحانه وعلاقتنا به تكون عن طريق زيادة المعرفة ؛ فإنّ التناسب بين الإيمان بالله والاعتقاد به بين المعرفة تناسب طردي ، فكلّما ازدادت معرفة الإنسان بربّه ازداد تبعاً لذلك إيمانه ، وقويت علاقته بربّه ، ولأجل هذا تفاوت الناس في درجات الإيمان ؛ فأصحاب المعرفة الحقيقيّة الحاصلة من التدبّر والتأمّل وملاحظة الآيات الإلهيّة في الآفاق وفي أنفسهم وكذا من البراهين والأدلّة هؤلاء أكثر إيماناً وعلاقةً بالله سبحانه من أصحاب المعرفة السطحيّة ، فالإنسان إذا اعتقد اعتقاداً جازماً لا شبهة فيه ولا تردّد بوجود الله سبحانه ، ووحدانيّته ، وبصفاته الثبوتيّة والسلبيّة « الجماليّة والجلاليّة » ، وأنّه قادر عالم حكيم مدبّر غني عن عباده منعم عليهم وهكذا سائر الأمور الأخرى الداخلة في باب التوحيد ، فإنّ مثل هذا الإنسان سيكون إيمانه بالله إيماناً راسخاً وعلاقته به علاقة كبيرة ، ولذا تلاحظ انّ إيمان الأنبياء والأئمّة عليهم السلام بالله سبحانه وتعالى هو أعلى مراتب الإيمان ، وما ذلك إلّا لأنّهم عليهم السلام بلغوا الغاية في المعرفة والعلم حتّى قال أمير المؤمنين عليه السلام : « لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً » ، ولا بدّ من اقتفاء آثارهم والإهتداء بهداهم حتّى نصل إلى ما يمكن الوصول إليه من درجات المعرفة واليقين.
الجواب من الشيخ هادي آل راضي: قال تعالى : ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ) [ الإسراء : 16 ] . وقال : ( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ ) [ سبأ : 34 ] . وقد وصف سبحانه وتعالى أصحاب الشمال في سورة الواقعة بـ : ( إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ ) [ الواقعة : 45 ] . والظاهر أنّ المال والترف يخلق أرضيّة مناسبة لعدم الإيمان والتمرّد على المولى سبحانه لما يحدثه المال بمادّة في نفس صاحبه من الحرص والشعور بالاستعلاء والتفكير المادي البحت ، وهذه العوامل تجعل صاحب المال غير مؤهّل لقبول المواعظ والأحكام الإلهيّة. نعم ليس هناك ملازمة بين الأمرين ، ولذا يجب على أصحاب الأموال ان يكونوا على حذر من الشيطان ، فإنّه يتوسّل بلطائف الحيل لإغرائهم والإيقاع بهم ، فلا بدّ من ملاحظة ذلك وصرف الأموال في مواردها المحببة شرعاً ومساعدة الآخرين ، ويوجد في التاريخ الإسلامي نماذج مشرفة من أصحاب الأموال الذين بلغوا الدرجات العالية في الإيمان ومتابعة الشارع ، مثل أمّ المؤمنين خديجة عليها السلام وغيرها.
الجواب من الشيخ محمد السند: هناك العديد من الأدلّة المتكاثرة على ذلك ، نذكر منها مقتطفاً مثل قوله تعالى : ( اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ * وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ * قَالُوا تَاللَّـهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ * فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّـهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) (1). وفي ذيل سورة يوسف يقول تعالى : ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ ) (2). فما ذكره الله تعالى من استشفاء نبي الله يعقوب بقميص ابنه نبي الله يوسف ورجوع بصره ببركة قميصه ليس حديثاً يفترى خيالي بل عبرة لاُولي الألباب كي يستنّوا بسنن أنبياء الله تعالى. ومثل : قوله تعالى : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّـهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّـهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ) (3). ومن المعلوم أنّ مرض الروح وهو الذنوب أعظم من مرض البدن ، فإذا كانت شفاعته صلى الله عليه وآله في النجاة الأبديّة والخلاص الدائم مقبولة ، فكيف لا تكون شفاعته صلّى الله عليه وآله مقبولة في النجاة من المرض البدني الموقّت ؟! وقد أجمع المسلمون في روايات الفريقين على شفاعته صلّى الله عليه وآله. ومثل ما روى أصحاب كتب السير المعروفة لدى الفريقين وكتب الحديث والتواريخ والتفسير أنّه صلّى الله عليه وآله في غزوة خيبر عندما لم يظفر المسلمون باليهود وقلاعهم المحصنة ، وكان صلّى الله عليه وآله قد أرسل أبا بكر وعمر وعمرو بن العاص كلّ واحد في مرّة مع الجيش ، فيرجعون فراراً في يئس من الظفر باليهود وفي حالة من الذعر ، فقال صلّى الله عليه وآله : لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله كرّار غير فرّار ، يفتح الله على يديه ، فتطاولت إلى ذلك أعناق القوم ، وقالوا : من يعطاها ؟ وكلّ واحد تمنّى أن يكون هو ، فأصبح صلّى الله عليه وآله ونادى : أين علي ؟ فقالوا له : أنّه مريض مصاب بالرمد في عينيه. فقال : آتوني به ، فجاؤوا به أرمد العينين فمسح صلّى الله عليه وآله عيني على بريق ماء فمه الشريف ، فبرئ عليّ ، وأخذ الراية ، وفتح الله تعالى على يديه حصون اليهود وقتل مرحباً ، وكانت أحد مواقفه عليه السلام التي بنت صرح الدولة الإسلاميّة العظمى. (4) فنرى في هذا الموقف أنّ عليّاً عليه السلام قد شفى بريق النبي صلّى الله عليه وآله. (5) وقد روى أصحاب الصحاح الستّة أنّ المسلمين كان يتبرّكون بفاضل وضوئه صلى الله عليه وآله. (6) إلى غير ذلك من الموارد التي لا تحصى. الهوامش 1. يوسف : 93 ـ 96. 2. يوسف : 111. 3. النساء : 64. 4. 5. راجع : صحيح البخاري / المجلّد : 4 / الصفحة : 20 / الناشر : دار الفكر. صحيح مسلم / المجلّد : 7 الصفحة : 120 / الناشر : دار الفكر. خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب « للنسائي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 42 / الناشر : مكتبة المعلا / الطبعة : 1. 6. مسند أحمد بن حنبل / المجلّد : 31 / الصفحة : 247 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 1 : ثم إنَّ عروة جَعَلَ يَرْمُقْ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم بعينه ، قال : فوالله ما تَنخَّمَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم نُخَامَةَ إلّا وَقَعتْ في كَفِّ رَجُلٍِ منهم ، فَدَلَكَ بها وَجْهَهُ وجِلْدَهُ ، وإذا أَمَرَهُمْ ابتدروا أمْرَه ، وإذا توضَّأ كادوا يقتتِلون على وَضوئه ، وإذا تكلَّموا ، خَفَضُوا أصْوَاتَهُم عنده ، وما يُحِدُّون إليه النَّظَرَ تعظيماً له. راجع : صحيح البخاري / المجلّد : 4 / الصفحة : 58 / الناشر : دار الفكر.
الجواب من السيد علي الميلاني: قال الله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (1). وقال : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّـهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (2). وقد فسّر « الوسيلة » (3) و « الحبل » (4) بأهل البيت عليهم السلام في أخبار الفريقين. ومثلها الآيات الأخرى. وقال رسول الله ـ في الحديث المتواتر بين الفريقين ـ : إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ، وإنّكم لن تضلوا ما اتّبعتموهما واستمسكتم بهما . (5) ومثله الأحاديث الأخرى يدلّان على أنّ الله تعالى جعل أهل بيت الرسول هم الباب والوسيلة إليه (6) ، وقد ضمن ـ كما في الأخبار ـ أن لا يردّ من دخل من هذا الباب ، والعاقل لا يترك الطريق الموصل إلى المقصد ، والهدف على وجه اليقين أخذاً بالطريق المشكوك في إيصاله للمقصود ، فضلاً عن الطريق الأعوج الخاطئ. أمّا أنّه لماذا كان أهل البيت هكذا ، ولماذا جعلهم الله كذلك ؟ فهذا بحث آخر. الهوامش 1. المائدة : 35. 2. آل عمران : 103. 3. راجع : تفسير القمي « لعلي بن ابراهيم القمي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 168 / الناشر : مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر / الطبعة : 3. تفسير جوامع الجامع « للشيخ الطبرسي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 496 / الناشر : مؤسسة النشر الاسلامي / الطبعة : 1. المحرر الوجيز « لابن عطية الأندلسي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 187 / الناشر : دار الكتب العلميّة / الطبعة : 1. 4. راجع : تفسير العيّاشي « لمحمّد بن مسعود العياشي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 194 / الناشر : المكتبة العلميّة الإسلامية. الأمالي « للشيخ الصدوق » / الصفحة : 70 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. ينابيع المودة « للقندوزي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 356 ـ 357 / الناشر : دار الأسوة للطباعة والنشر / الطبعة : 1. 5. الأمالي « للشيخ الطوسي » / الصفحة : 548 / الناشر : دار الثقافة للطباعة والنشر والتوزيع / الطبعة : 1. وسائل الشيعة « للشيخ الحرّ العاملي » / المجلّد : 27 / الصفحة : 33 ـ 34 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / الطبعة : 2. مسند أحمد بن حنبل / المجلّد : 17 / الصفحة : 170 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 1. تفسير العياشي « لمحمد بن مسعود العياشي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 5 / الناشر : المكتبة العلميّة الإسلاميّة. 6. تفسير العياشي « لمحمد بن مسعود العياشي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 102 / الناشر : المكتبة العلميّة الإسلاميّة : وروى جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال : السلم هو آل محمّد أمر الله بالدخول فيه ، وهم حبل الله الذي أمر بالاهتمام به قال الله : « وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ». الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 230 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 5 : عن أبي بصير قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : الأوصياء هم أبواب الله عزَّ وجلَّ الّتي يؤتى منها ولولاهم ما عُرف الله عزَّ وجلَّ وبهم احتجّ الله تبارك وتعالى على خلقه . الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 230 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 5 : عن جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : إنَّ اسم الله الأعظم على ثلاثة وسبعين حرفاً وإنّما كان عند آصف منها حرف واحد فتكلّم به فخسف بالأرض ما بينه وبين سرير بلقيس حتّى تناول السرير بيده ثمَّ عادت الأرض كما كانت أسرع من طرفة عين ونحن عندنا من الاسم الأعظم اثنان وسبعون حرفاً وحرف واحد عند الله تعالى استأثر به في علم الغيب عنده ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم .
الجواب من السيّد مرتضى المهري: التوسّل بالأنبياء والأئمّة عليهم السلام وأولياء الله وعباده الصالحين يتمثّل في ثلاث وجوه : الوجه الأوّل : الحضور عندهم لطلب الحاجة ، سواء في ذلك الحضور عندهم أحياء أو عند قبورهم ، وهذا ممّا ورد في الكتاب العزيز. قال تعالى : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ) (1). فنفس الحضور عند الرسول يؤثّر في استجابة الدعاء ، والسرّ في ذلك إنّ الإنسان يقرب من الله تعالى في مواضع وحالات. فالمواضع منها : المساجد ، وكلّ موضع يصلّي فيه المؤمنون وإن لم يكن مسجداً كالمصلّى في دائرة أو فندق ، فالإنسان هناك أقرب إلى الله في غيره ، فأولى به أن يكون أقرب إذا حضر عند الرسول أو الإمام أو عالم متعبّد يذكّر الإنسان بالله تعالى ، فإنّ القرب والبعد إنّما هو من جانب الإنسان ، والله تعالى أقرب إلى كلّ إنسان من نفسه. قال تعالى : ( نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) (2). ونسب الأشياء إليه تعالى واحدة ، وإنّما البعد يحصل للإنسان من جهة معاصيه وتوجّهه إلى الدنيا وملاهيها ، فكلّ موضع يشعر فيه بالقرب ويذكّره بالله تعالى يؤمّل فيه استجابة الدعاء. قال تعالى : ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ... ) (3). بل هناك مواضع يشعر الإنسان فيها بالقرب من الله وإن لم تكن لها قدسيّة ككونه تحت السماء ، ولذلك أمر في بعض الصلوات والأدعية أن يخرج الإنسان بها من تحت السقوف إلى ما تحت السماء والصحراء ، فإنّ الإنسان يشعر فيها بقربه من الله ، ولذلك أمر في صلاة العيد والاستسقاء أن يصحروا بهما. وهناك حالات للإنسان تؤثر فيه بشعور القرب كالبعد عن زخارف الدنيا ، ولذلك أمر الحاج بلبس ثوبي الإحرام والتنعّل وكشف الرأس ، كلّ ذلك للتأثير في الإنسان ليشعر بالقرب وإلّا فلا شيء يؤثر في الله تعالى. بل الدعاء والصلاة أيضاً للتأثير في الإنسان ، فرحمة الله واسعة شاملة ، وعلى الإنسان أن يصقل مرآة نفسه ليمكنه الاستضاءة من هذا النور الغامر ، والصلاة والدعاء وغيرهما من العبادات تحقّق الأرضيّة الصالحة لاستقبال أنوار الرحمة الإلهيّة ، فكذلك التوسّل والحضور لدى الرسول صلّى الله عليه وآله والأئمّة عليهم السلام وكلّ من يذكّر الإنسان بالله تعالى يؤثر في ذلك. ولا فرق في ذلك بين ميّتهم وحيّهم ، وذلك لأنّ المفروض أنّ المراد تأثر الإنسان بقدسيّة المكان وهو حاصل في كلا الموردين ، مع أنّهم لا يقصرون مقاماً عند الله من الشهداء في سبيله. وقد قال تعالى : ( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (4). بل حياة النبي صلّى الله عليه وآله والأئمّة عليهم السلام أقوى وأعظم. بل يظهر من بعض النصوص إنّ الإنسان أقوى حياة بعد موته حتّى الكفّار. ففي الحديث : إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وقف على شفير قليب بدر وخاطب الكفّار المقتولين بما معناه : قد وجدت ما وعدني ربّي حقّاً ، فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقاً ؟ أو غير ذلك. فتعجّب أصحابه وقالوا : إنّ هؤلاء أموات فكيف تخاطبهم يا رسول الله ؟ أو كما قالوا. فقال لهم الرسول صلّى الله عليه وآله : لستم باسمع منهم ولكنّهم لا يقدرون على الجواب . (5) ويلحق بهذ الأمر ـ أي الحضور عند النبي والولي ـ التوسل بأسمائهم وأرواحهم وإن لم يحضر عندهم ، وذلك بأن يدعو الله تعالى ويطلب منه حاجته مع الاستشفاع بذكر الرسول أو الإمام ، وهذا أيضاً يؤثر في الإنسان من جهة أنّه يرى نفسه تابعاً لهؤلاء ، مهتدياً بهداهم ، سالكاً سبيلهم ، محبّاً لهم ، وليس هذا الحبّ والولاء إلّا المتابعة ، لأنّهم أولياء الله وأصفيائه ، وبذلك يوجب القرب من الله تعالى ويدخل في قوله سبحانه : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) (6). والإمام هو من جعله الله تعالى مثلاً للناس يقتدون به ، فإنّه للطفه بعباده لم يكتف بإرسال الشريعة والكتب بل جعل للناس من أنفسهم مثُلا يستنّون بسنّتهم ويحتذون بسيرتهم. قال تعالى : ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) (7). ويوم القيامة تحاسب أعمال الناس بالقياس إلى أئمّتهم. قال تعالى : ( يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ... ) (8). وعلى ذلك فلا استغراب أن يكون في ذكر الإمام والتوسّل به تقرّباً إلى الله تعالى ، فهو كما يذكّر الإنسان بربّه عملاً وقولاً وشمائلاً ، كذلك يذكّره بربّه إذا تذكّره ، وتذكّر أفعاله وتعبّده لله تعالى. الوجه الثاني : أن يطلب من النبي أو الولي أن يدعو الله تعالى ليقضي حاجته ، وهذا أيضاً ممّا ورد في الآية السابقة ، إذ قال تعالى : ( وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ ... ) (9). بل هذا ممّا لا شك ولا خلاف في جوازه وتأثيره حتّى بالنسبة لغير النبي والإمام من عامّة المؤمنين ، وقد وردت بذلك أحاديث كثيرة في كتب العامّة والخاصّة. (10) وممّا يلفت النظر في هذا الأمرأنّ الله تعالى خلق ملائكة يدعونه تعالى ويستغفرون للمؤمنين. قال سبحانه : ( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ... ) (11). وغير ذلك من الآيات والروايات. (12) الوجه الثالث : أن يطلب الحاجة من نفس النبي أو الإمام ، وهذا هو الذي يقال أنّه شرك بالله العظيم ، ولا شكّ أنّه لو اعتقد الإنسان أنّ النبي أو الإمام أو أيّ أحد أو شيء في العالم يستقلّ في التأثير فيؤثر شيئاً من دون أن يأذن الله تعالى ، فهو نحو من الشرك وإن كان خفيّاً ، والموحّد يعتقد بأنّ الله هو المؤثّر في العالم ، وإن كلّ شيء يحدث فإنّما هو بإذنه تعالى إلّا أنّ هذا لا يختلف بالنسبة إلى العلل والأسباب الغيبيّة والعلل والأسباب الطبيعيّة. فلو اعتقد أحد أنّ الطبيب يستقلّ في المعالجة والشفاء ، فقد اشرك ، بل الشفاء من الله تعالى ، بل الصحيح أنّ العمل الطبيعي الذي يقوم به الطبيب أو من يباشر العلاج أو أيّ عمل آخر فإنّما هو بإذن الله تعالى مع أنّ مراجعة الطبيب وغيره لا يعدّ شركاً ولا فسقاً. وربّما يقال ـ كما في تفسير المنار لمحمّد رشيد رضا وغيره (13) ـ بأنّ : هناك فرقاً بين التوسّل بالعلل الطبيعيّة والتوسّل بالعلل الغيبيّة ، والثاني يعدّ شركاً دون الأوّل. ويستدلّ على ذلك بأنّ الله تعالى اعتبر المتوسّلين بالملائكة وغيرهم مشركين ، والمشركون ما كانوا يعتقدون أنّهم يؤثرون بالاستقلال ، فليس ذلك إلّا للاعتقاد بتأثيرهم الغيبي. والجواب إنّ هذا الفرق تحكّم واضح ، إذ لا شكّ انّ الإعتقاد بالتأثير المستقلّ لغير الله تعالى شرك ، وإن كان طبيعيّاً. فالصحيح انّ المشركين كانوا يعتقدون بنوع من الاستقلال للملائكة وغيرهم من العوامل الغيبيّة ، كما أنّه ربما يحصل هذا الاعتقاد لبعض المسلمين بالنسبة لبعض الأنبياء أو الأئمّة أو الأولياء ، ولا شكّ إنّ هذا نوع من الشرك يجب تطهير القلب منه. ونحن نعتقد إنّ الله تعالى أذِن لبعض عباده الصالحين أن يعملوا أعمالاً لا يقدر عليها البشر العادي ولكن كل تأثيرهم بإذن الله تعالى ، ولا فرق بين هذا التأثير الغيبي وتأثير الصدقة. مثلاً في دفع البلاء فهو أيضاً تأثير غيبي فقد جعل الله فيها هذا التأثير ، ولكنّه لا يحدث إلّا بإذنه تعالى كسائر العلل والأسباب الطبيعيّة وغير الطبيعيّة. وقد أخبر الله سبحانه في كتابه العزيز انّ عيسى عليها السلام كان يحيى الموتى ويبرئ الأكْمَه والأبرص كلّ ذلك بإذنه تعالى ، ومن اللطيف إنّ الآية الكريمة تصرّح بأنّ كلّ عمله بإذنه تعالى حتّى ما كان طبيعيّاً ، إذ قال : ( وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ... ) (14). ولا شكّ إنّ صنع الطين كهيئة الطير عمل عادي طبيعي ، والنفخ فيه وجعله طيراً حيّاً عمل غير طبيعي ، وكلّ ذلك بإذنه تعالى ، فإذا توسّل أحد بعيسى عليه السلام حال حياته وطلب منه شفاء مريضه لم يكن ذلك شركاً بالله سبحانه كما هو واضح ، وإذا كان كذلك فسيّد الأنبياء والمرسلين وعترته الطاهرين أولى بذلك ، ولا فرق بين حيّهم وميّتهم كما مرّ ذكره. نعم ، إنّما يصحّ التوسّل إذا صحّ الإعتقاد بأنّ الله تعالى فوّض إليهم بعض الأمر ، وهذا ما نعتقده للروايات القطعيّة المتواترة (15) أو للتجربة ، ولو فرضنا جدلاً عدم صحّة هذا الإعتقاد فهذا لا يبرّر تهمة الشرك وإنّما يكون كمراجعة طبيب لا علم له ، ونحن على ثقة وبصيرة من أنّهم عليهم السلام أبواب رحمته تعالى ، وقد قال في كتابه العزيز : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) (16). وقد صحّ عنه صلّى الله عليه وآله : مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق وهوى (17). ونحو ذلك من الروايات المتواترة معنىً ، الحمد لله رب العالمين. الهوامش 1. النساء : 64. 2. ق : 16. 3. النور : 36 ـ 37. 4. آل عمران : 169. 5. مسند أحمد بن حنبل / المجلّد : 21 / الصفحة : 298 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 1 : حدّثنا عبدُالله بن بَكر ، حدثنا حُميدٌ عن أنس قال : سَمِعَ المسلمون نبيَّ الله صلّى الله عليه وسلّم يُنادِي مِن اللَّيلِ : « يا أبا جَهْلِ بنَ هِشامٍ ، ويا عُتْبَةَ بنَ رَبِيعةَ ، ويا شَيْبَةَ بنَ رَبِيعة ، ويا أُمَيَّةَ بنَ خَلَفٍ ، هل وَجَدْتُم ما وَعَدَكم رَبُّكم حقّاً ؟ فإنِّي قد وَجَدْتُ ما وَعَدَني رَبِّي حَقّاً » قالوا : يا رسولَ الله ، تُنادِي أَقواماً قد جَيَّفُوا ؟ قال : « ما أَنتُم بأسْمَعَ لِمَا أقُولُ مِنهُم ، غيرَ أنَّهم لا يَسْتَطيعونَ أنْ يُجِيبُوا » . راجع : صحيح مسلم / المجلّد : 8 / الصفحة : 163 ـ 164 / الناشر : دار الفكر. المغازي « للواقدي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 112 / الناشر : نشر دانش إسلامي. 6. المائدة : 35. 7. الأنبياء : 73. 8. الإسراء : 71. 9. النساء : 64. 10. الطبقات الكبرى « لابن سعد » / المجلّد : 1 / الصفحة : 262 / الناشر : دار الكتب العلميّة / الطبعة : 1 : أخبرنا محمّد بن عبدالله الأنصاري قال : حدّثني أبي عن ثُمامة بن عبدالله عن أنس بن مالك أنّهم كانوا إذا قُحِطوا على عهد عمر خرج بالعبّاس فاستسقى به وقال : اللّهمّ إنّا كنّا نتوسل إليك بنبيّنا ، عليه السلام ، إذا قُحِطْنا فتسقينا وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا ، عليه السلام ، فاسقِنا. مسند أحمد بن حنبل / المجلّد : 17 / الصفحة : 247 ـ 248 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 1 : عن أبي سعيد الخدري ـ فقلت لفضيل : رفعه ؟ قال : أحسبه قد رفعه ـ قال : « مَنْ قَالَ حِينَ يَخْرُجُ إلى الصَّلاةِ : اللَّهُمَّ ، إنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ ، وبِحَقِّ مَمشَايَ ، فإنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَراً ولا بَطَرَاً ولا رِياءً ولا سُمْعَةً ، خَرَجْتُ اتِّقَاءَ سَخْطِكَ وابتغاَ مَرْضَاتِكَ ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُنْقِذَنِي مِنَ النَّارِ ، وأَنْ تَغْفِرَ لي ذُنُوبي ، إنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ. وَكَّلَ الله بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ ، وأَقْبَلَ الله عليه بوَجْهِهِ حتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلاتِهِ ». 11. غافر : 7. 12. راجع : سورة الشورى : 5 : ( تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 8 / الصفحة : 304 / الناشر : دار الكتب الإسلامية / الطبعة : 5 : محمّد بن أحمد ، عن عبدالله بن الصلت ، عن يونس عمّن ذكره ، عن أبي بصير قال : قال أبوعبدالله عليه السلام يا أبا محمّد إنَّ لله عزَّ وجلَّ ملائكة يسقطون الذُّنوب ، عن ظهور شيعتنا كما تسقط الرّيح الورق من الشجر في أوان سقوطه وذلك قوله عزَّوجلَّ : « يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا » والله ما أراد بهذا غيركم. مستدرك الوسائل « لميرزا حسين النوري الطبرسي » / المجلّد : 7 / الصفحة : 531 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / الطبعة : 2 : وعن أبي المحاسن ، عن أبي عبد الله [ عن عبد الصمد ] عن علي بن [ عبد الله ] عن أحمد بن محمد ، عن عثمان بي أبي شيبة ، عن جوير بن أبي حائر ، عن عبد الله بن العباس ، قال : كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، إذا جاء شهر رجب ، جمع المسلمين حوله ، وقام فيهم خطيبا ، فحمد الله واثنى عليه ، وذكر من كان قبله من الأنبياء ، فصلى عليهم ، ثم قال : « أيّها المسلمون فقد أطلكم شهر عظيم مبارك ، وهو شهر الأصبّ ، يصيب فيه الرحمة على من عبده ، الّا عدا مشركا ، أو مظهر بدعة في الاسلام ، الا إنّ في شهر رجب ليلة من حرّم النّوم على نفسه قام فيها ، حرّم الله تعالى جسده على النار ، وصافحه سبعون الف ملك ، ويستغفرون [ له ] الى يوم مثله ، فإن عاد عادت الملائكة ، ثم قال : من صام يوما واحداً من رجب ، أُومن الفرع الأكبر ، وأُحير من النار » . 13. راجع : تفسير المنار « للشيخ محمد رشيد رضا » / المجلّد : 8 / الصفحة : 250 ـ 251 / الناشر : دار المعرفة / الطبعة : 1. 14. المائدة : 110. 15. راجع : الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 221 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 5 : أحمدٌ بن محمّد ، عن محمّد بن الحسين ، عن عبدالله بن محمّد ، عن الخشّاب قال : حدَّثنا بعض أصحابنا ، عن خيثمة قال : قال لي أبوعبدالله عليه السلام : يا خيثمة نحن شجرة النبوَّة ، وبيت الرحمة ، ومفاتيح الحكمة ، ومعدن العلم ، وموضع الرسالة ، ومختلف الملائكة ، وموضع سرّ الله ونحن وديعة الله في عباده ، ونحن حرم الله الأكبر ، ونحن ذمّة الله ، ونحن عهد الله ؛ فمن وفى بعهدنا فقد وفى بعهد الله ، ومن خفرها فقد خفر ذمّة الله وعهده. الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 230 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 5 : محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد عن الحسين بن سعيد ومحمّد بن خالد ، ، عن زكريّا بن عمران القمّي ، عن هارون بن الجهم ، عن رجل من أصحاب أبي عبدالله عليه السلام لم أحفظ اسمه قال : سمعت أباعبدالله عليه السلام يقول : إنَّ عيسى ابن مريم عليه السلام اُعطي حريفين كان يعمل بهما واُعطي موسى أربعة أحرف ، واُعطي إبراهيم ثمانية أحرف ، واُعطي نوح خمسة عشر حرفاً ، واُعطي آدم خمسة وعشرين حرفاً ، وإنَّ الله تعالى جمع ذلك كلّه لمحمّد صلّى الله عليه وآله وإنّ اسم الله الأعظم ثلاثة وسبعين حرفاً ، أعطى محمّداً صلّى الله عليه وآله اثنين وسبعين حرفاً وحجب عنه حرف واحد. الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 268 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 5 : محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسن ، عن يعقوب بن يزيد ، عن الحسن بن زياد ، عن محمّد بن الحسن الميثمي ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : سمعته يقول : إنّ الله عزّوجلّ أدّب رسوله حتّى قوّمه على ما أراد ، ثمّ فوّض إليه فقال عزّ ذكره : « ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا » فما فوّض الله إلى رسوله صلّى الله عليه وآله فقد فوّضه إلينا. 16. الأنبياء : 16. 17. المعجم الأوسط « للطبراني » / المجلّد : 5 / الصفحة : 306 / الناشر : دار الحرمين للطباعة والنشر والتوزيع : عن أبي ذَرٍّ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صّلى الله عليه وسلّم [ يقول ] : « أَهْلُ بَيْتي فِيكُم كَسَفِينَةِ نُوحٍ عليه السَّلامُ في قَوْمِهِ ، مَنْ دَخَلَها نَجَا ، ومَنْ تَخلَّفَ عنها هَلَكَ » . راجع : تاريخ بغداد « للخطيب البغدادي » / المجلّد : 12 / الصفحة : 90 / الناشر : دار الكتب العلميّة / الطبعة : 1. الامالي « للشيخ الطوسي » / الصفحة : 633 / الناشر : دار الثقافة / الطبعة : 1.
الجواب من الشيخ هادي العسكري: إنّ الله اختار من بقاع الأرض ستّة : البيت الحرام ، الحرم ، مقابر الأنبياء ، مقابر الأوصياء ، مقابر الشهداء والمساجد التي يذكر فيها. وجاء في الحديث : « إنّ موضع قبر الحسين عليه السلام ترعة من ترع الجنّة ». وقال أبو هاشم الجعفري : دخلت على أبي الحسن علي بن محمّد الهادي وكان محموماً عليلاً ، فقال : « يا أبا هاشم ! ابعث رجلاً من موالينا إلى الحير ـ أيّ كربلاء ـ ويدعو الله لي ». فخرجت من عنده فاستقبلني علي بن بلال فاعلمته ما قال لي ، وسألته : أن يكون الرجل الذي يخرج. فقال : السمع والطاعة ، ولكنّي أقول : إنّه أفضل من الحير إذا كان بمنزلة مَن في الحير ، ودعاؤه لنفسه أفضل من دعائي له بالحائر. فرجعت وقلت للإمام ما قال لي ، فقال الإمام عليه السلام : « قل له كان رسول الله صلّى الله عليه وآله أفضل من البيت والحجر وكان يطوف بالبيت ويستلم الحجر ، وإنّ لله تبارك وتعالى بقاعاً يحبّ أن يُدعى فيها فيستجيب لمن دعاه ، والحائر منها » .
الجواب من الشيخ باقر الإيرواني: وأمّا الصلاة على التربة الحسينيّة ، فهم لا يفعلون ذلك من باب وجوب أن يكون السجود عليها بل من جهة نكتة اُخرى وهي : إنّ السجود عندهم لا يجوز إلّا على الأرض أو من نبات الأرض غير المأكول وغير الملبوس ، وبما أنّ السجاد المفروش في المساجد هو من القطن الذي هو من جنس الملبوس فلذا لا يجوز السجود عليه ، بل لا بدّ من السجود على غيره كالحصى والتراب والطابوق وغيرها ، لأنّ هذه كلّها أرض ، وبما أنّ تراب مدينة كربلاء له مزيّة خاصّة إذ تعطّر بدماء سيّد الشهداء عليه السلام وأهله وأصحابه فلذا يسجد الشيعة على التربة المصنوعة منه ، من باب كونه مصداقاً من مصاديق الأرض ، وإلّا فلا يتعيّن السجود عليها. والنبي صلّى الله عليه وآله كان يسجد على الخمرة ، وهي القطعة الصغيرة من الحصير. وقد روى البخاري في كتاب الصلاة باب 21 عن ميمونة : « كان النبي صلّى الله عليه وآله يصلّي على الخمرة ». وروى مسلم في كتاب الحيض من صحيحه : « قال لي رسول الله صلّى الله عليه وآله : ناوليني الخمرة من المسجد. فقلت : إنّي حائض. فقال : إن حيضتك ليست في يدك ». إذن سيرة النبي صلّى الله عليه وآله كانت جارية على السجود على الأرض ونباتها من غير المأكول والملبوس ، ونحن نقتدي بسنّة الرسول صلّى الله عليه وآله.
الجواب من الشيخ حسن الجواهري: كانت أرض كربلاء قبل الإسلام قد اتّخذت نواويس ومعابد ومدافن للأمم الغابرة القابرة كما يشعر به كلام الحسين عليه السلام في أحدى خطبه المشهورة حيث يقول : « وكأنّي بأوصالي هذه تقطّعها عسلان الغلوت بين النواويس وكربلاء » . وأمّا بالنسبة إلى السجود في الصلاة ؛ فقد اتّفقت كلمات فقهاء الإماميّة إلى أنّ السجود لا يجوز إلّا على الأرض ، أو ما ينبت منها غير المأكول والملبوس ، وأفضله السجود على التربة الحسينيّة. وهذا الفضل للسجود على التربة الحسينيّة هو نتيجة لما ورد في فضلها من الأخبار ؛ فقد ورد أنّ تراب قبر الحسين عليه السلام فيه الشفاء ، وهذه الروايات كثيرة جدّاً ، والشفاء الحاصل من العمل بهذه الروايات كثير جداً وإليك الأخبار : 1 ـ ورد في كتاب البحار للمجلسي « كتاب المزار » ، قال : عن محمّد بن إبراهيم الثقفي عن أبيه عن الإمام الصادق عليه السلام ، قال : « إنّ فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله كانت سبحتها من خيط صوف مفتّل معقود عليه عدد التكبيرات وكانت تديرها بيدها ، تكبّر وتسبح حتّى قتل حمزة بن عبد المطّلب ، فاستعملت تربته وعملت منها التسابيح ، فاستعملها الناس ، فلمّا قتل الحسين صلوات الله عليه عدل بالأمر إليه فاستعملوا تربته لما فيها من الفضل والمزيّة » . وأوّل من صلّى على هذه التربة هو الإمام زين العابدين ـ علي بن الحسين عليه السلام ـ بعد أن فرغ من دفن أبيه وأهل بيته وأنصاره أخذ قبضة من التربة التي وضع الجسد الشريف الذي بضّعته السيوف كلحم على وضم ، فشدّ تلك التربة في صرّة وعمل منها سجادة ومسبحة ... ولما رجع الإمام هو وأهل بيته إلى المدينة صار يتبرّك بتلك التربة ويسجد عليها ويعالج بعض مرضى عائلته بها ، فشاع هذا عند العلويّين وأتباعهم ومن يقتدي بهم .. فأوّل من صلّى على هذه التربة هو زين العابدين ، ثمّ تلاه ولده محمّد الباقر وحثّ أصحابه عليها ، ثمّ ولده جعفر الصادق عليه السلام ؛ ففي مصباح المتهجّد لشيخ الطائف الشيخ الطوسي قال : « كان للإمام الصادق عليه السلام خريطة من ديباج صفراء فيها تربة أبي عبد الله الحسين عليه السلام ، فكان إذا حضرته الصلاة صبه على سجادته وسجد عليه. ثمّ قال : إنّ السجود على تربة أبي عبد الله عليه السلام يخرق الحجب السبع ». ولعلّ المراد بالحجب السبع هي الحاءات السبع من الرذائل التي تحجب النفس عن الاستضاءة بأنوار الحقّ ، وهي : « الحقد ، الحسد ، الحرص ، الحيرة ، الحماقه ، الحيلة ، والحقارة » ، فالسجود على التربة من عظيم التواضع ، والتوسّل بأصفياء الحقّ ويمزّقها ويبدّلها بالحاءات السبع من الفضائل ، وهي : « الحكمة ، الحزم ، الحلم ، الحنان ، الحصانة ، الحياء ، والحب ». ويروي صاحب الوسائل عن الديلمي ، قال : كان الصادق عليه السلام لا يسجد إلّا على تربة الحسين عليه السلام تذلّلاً لله واستكانة إليه ، ولم تزل الأئمّة من أولاده وأحفاده تحرك العواطف ، وتحفز الهمم ، وتوفر الدواعي إلى السجود عليها ، حتّى التزمت الشيعة الإماميّة بها إلى هذا اليوم. والروايات في فضل تربة الإمام الحسين عليه السلام كثيرة ، وليس طريقها من الشيعة فقط ؛ راجع كتاب الخصائص الكبرى / للسيوطي / طبع حيدر آباد سنة 1320 هـ ـ ، في إخبار النبي صلّى الله عليه وآله : مقتل الحسين عليه السلام ، فقد روى ما يناهز العشرين حديثاً عن أكابر الثقات من علماء السنّة ومشاهيرهم ، كالحاكم والبيهقي وأبي نعيم. ملاحظة : إنّ الشيعة الإماميّة لا يقولون بوجوب السجود على التربة الحسينيّة بل يقولون إنّ السجود على الأرض فريضة ، وعلى التربة الحسينيّة سنّة وفضيلة نتيجة عمل الأئمّة عليهم السلام.
الجواب من الشيخ حسن الجواهري: إنّ السجود يجوز على الأرض أو ما أنبتته الأرض عند جميع المسلمين ، ولكن هذا جعل شرط عند الشيعة الإماميّة خلافاً للعامّة. والمستند في ذلك هو النصوص عن أهل بيت العصمة : فقد ورد في صحيحة هشام بن الحكم أنّه قال للإمام الصادق عليه السلام : أخبرني عما يجوز السجود عليه وعمّا لا يجوز ؟ قال : السجود لا يجوز إلّا على الأرض أو على ما أنبتت الأرض إلّا ما اُكل أو لُبس. فقال له : جعلتُ فداك ! ما العلّة في ذلك ؟ قال : لأنّ السجود خضوع لله عزّ وجلّ ، فلا ينبغي أن يكون على ما يؤكل ويلبس ، لأنّ أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون ، والساجد في سجوده في عبادة لله عزّ وجلّ ، فلا ينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا ، الذين اغترّوا بغرورها وغيرها. راجع وسائل الشيعة / المجلد : 5 / الصفحة : 343 / أبواب ما يسجد عليه باب : 1 الحديث : 1.
الجواب من الشيخ باقر الإيرواني: أنا لا أدري أنّ الأخ الذي أثار السؤال شيعي أو لا ، والذي أظنّه أنّه شيعي ، ولكن على أيّ حال إذا كان الأخ المذكور ليس بشيعي فلا معنى لطرح هذا البحث معه ، إذ هو لا يؤمن من البداية بالسجود على التراب ، بقطع النظر عن كونه تراب قبر الرسول صلّى الله عليه وآله أو تراب قبر الإمام الحسين عليها السلام. وأمّا إذا كان شيعياً ؛ فأنا استغرب منه كيف يطرح هذا التساؤل وهو شيعي ، بعد الإلتفات إلى النقاط الثلاث التالية : 1 ـ إنّ أفضليّة السجود على التربة الحسينيّة قد دلّت عليها روايات معتبرة مذكورة في باب السجود من وسائل الشيعة ، ولا أتصور أنّ شيعيّاً تسمح له نفسه بالتعبير عن روايات أهل البيت عليه السلام بأنّها تلفيقات أو تخريجات أتت لاحقاً. 2 ـ إنّ تربة الإمام الحسين عليه السلام قد تعطّرت بذلك الدم المبارك لأبي عبد الله الحسين ريحانة الرسول صلّى الله عليه وآله والدماء المباركة من أهل بيته وأصحابه الذي لم يقصد من إراقته سوى الحفاظ على الإسلام العزيز وطلب رضا الرب سبحانه ، فأيّ تربةٍ إذاً هي أفضل من تلك التربة المباركة ؟ ! 3 ـ إنّ الرسول الكريم صلّى الله عليه وآله نقطة وفاق بين جميع المسلمين ، والسجود وعدمه على تربته المباركة لا تأثير له بعد كونه نقطة وفاق بين جميع المسلمين ، وهذا بخلافه بالنسبة إلى الإمام الحسين عليه السلام ؛ فإنّه ليس نقطة وفاق كالرسول الكريم صلّى الله عليه وآله ، ومن هنا يكون السجود على تربته المباركة أمراً ضرورياً ؛ لأنّه به يتميّز المحبّون لأهل البيت ـ الذين أمرنا بمودّتهم في قوله تعالى : ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) [ الشورى : 23 ] ـ عن غيرهم.
من سماحة الشيخ محمّد السند لم يستخلف النبي صلى الله عليه وآله أحداً للصلاة جماعة بالناس حينما اشتد مرضه ، إلا أنّ عائشة ابتدرت الموقف لصالح أبيها ، فنسبت إليه طلب صلاة أبي بكر بالناس ، فقام يصلي بالناس ، فوصل نبأ ذلك إلى مسامع النبي صلى الله عليه وآله ، فطلب من علي عليه السلام والفضل بن العباس أن يعيناه على الحركة ، فجاء إلى المسجد متكئاً عليهما ، وأبعد أبا بكر عن المحراب ، وصلّى بالناس جماعة ، ثمّ أخفى أبا بكر نفسه ؛ إذ لم يكن قد أذن له النبي صلى الله عليه وآله بالتخلّف عن جيش اُسامة ، وقد ولّى اُسامة الجيش على أبي بكر وعمر وبقية أصحاب السقيفة ، وكل هذا الحدث تجده في كتاب بحار الأنوار في أحداث وفاة النبي صلى الله عليه وآله ، نقلها عن العديد من المصادر التاريخية والروائية .