الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: قل لأهل السنّة لماذا يلتزمون بالفصل بين الصلاتين مع أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قد رخّص في الجمع بين الصلاتين بل كان يجمع بينهما حتّى في الحضر ومن دون عذر ولا خوف ، والروايات من أهل السنّة تدلّ على ذلك صريحاً ، لكنّهم لا يتدبّرون الحديث كما لا يتدبّرون القرآن الكريم قال الله تعالى : ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ) [ محمّد : 24 ]. ونحن نقول لهم أفلا يتدبّرون أحاديث رسول الله صلّى الله عليه وآله حيث رخّص في الجمع والله تعالى يحبّ أن يؤخذ برُخَصِه كما يجب أن يؤخذ بعزائمه. وفي الحقيقة أنّ أهل السنّة ـ علماءهم وجهّالهم ـ لا يميّزون غالباً بين الواجب والمستحبّ أو فقل لا يميّزون بين السنّة الواجبة وبين السنّة المستحبّه لكنّنا نحن الشيعة ببركة أئمّة أهل البيت عليهم السلام نفرّق بين الواجب والمستحب حتّى لو كان مؤكّداً مثل صلاة الجماعة فنقول الصلاة اليوميّة واجبة لكن لا يجب أن يكون بنحو الجماعة بنحو الجماعة. نعم الجماعة مستحبّة استحباباً مؤكّداً لكن أهل السنّة ـ أغلبهم ـ يعتقدون وجوب بين الصلاتين وقبل ذلك نتعرّض لآراء بعض المذاهب. قالت الحنفيّة : يجوز الجمع بين صلاة الظهر والعصر وبين الصلاة المغرب والعشاء في عرفة ومزدلفة ولا يجوز في غيرها. أمّا الحنابله والمالكيّة والشافعيّة فقد أضافوا على ذلك الجمع بين الصلاتين في حال السفر أيضاً ، وقال بعضهم بجواز الجمع في حال الضرورة كالمطر والمرض أو الخوف ؛ فراجع « الفقه على مذاهب الأربعة كتاب الصلاة : الجمع بين الصلاتين تقديماً و تأخيراً ». [ كتاب الفقه على المذاهب الأربعة / المجلّد : 1 / الصفحة : 342 / الناشر : دار الكتاب العلميّة ـ بيروت ] وأمّا الروايات الواردة من طرق أهل السنّة فهي تصرح بأنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم جمع بين الصلاتين من غير عذر ولا سفر وهذه الروايات مطلقه تشمل الجمع بينهما في آخر وقت الظهر وهكذا بالنسبة للعشائين ، لكنّ أهل السنّة حملوا الروايات على الجمع في آخر وقت الظهر والمغرب ، لكن يردّهم أوّلاً انّ الروايات مطلقه ، وثانياً بعض الروايات يستفاد منها الجمع في أوّل وقت الظهر والمغرب وإليك بعض الروايات : 1 .ـ روى مالك ـ إمام مالكيّة ـ في الموطأ : صلّى رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً. في غير خوف ولا سفر. [ الموطأ / المجلّد : 1 / الصفحة : 144 / الناشر : دار إحياء التراث العربي ] [ صحيح مسلم ج 2 ص 151 باب الجمع بين الصلاتين في الحضر ] . 2 ـ روى مالك بن أنس عن معاذ بن جبل : فكان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء. والعارف بأساليب الكلام يستفيد من هذا الحديث انّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يفعل ذلك ، أيّ يجمع بين الصلاتين بصورة مستمرّة لا أنّه جمع بينها في مورد أو موردين. 3 ـ روى مالك بن أنس عن علي بن الحسين عليه السلام : « كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إذا أراد أن يسير يومه جمع بين الظهر والعصر وإذا أراد أن يسير ليلة جمع بين المغرب والعشاء ». ومن المعلوم انّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يجمع بين المغرب والعشاء في أوّل وقت المغرب ليتمكّن من السير في ليله ، لا أنّه كان يسير ثمّ يصلّي صلاة المغرب آخر وقتها ويجمع بينهما وبين العشاء ثمّ يسير بعد ذلك ، لأنّ ذلك كان خلاف غرضه حيث كان يريد السير في اليل مستمرّاً ومتّصلاً. [ موطأ مالك كتاب الصلاة ح 181 ] . 4 ـ روى الزرقاني عن الطبراني عن ابن مسعود : جمع النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء فقيل له في ذلك فقال : صنعت هذا لئلّا تحرج اُمّتي. ومن معلوم أنّ العلّة عامّة تشمل الجمع بين الصلاتين « شرح الزرقاني على موطأ مالك ج 1 / الجمع بين الصلاتين ص 294 » في أوّل الظهر أو المغرب كما تشمل الجمع بينهما في آخر الظهر والمغرب فانّ الجرح يرتفع بكلّ منها كما هو واضح. 5 ـ في صحيح ج 2 / 151 روى عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس : صلّى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ الظهر والعصر والمغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا سفر. 6 ـ وفي صحيح مسلم فى ذيل الحديث السابق عن ابن عبّاس : جمع رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر. 7 ـ مالك بن أنس في الموطأ : عن ابن شهاب انّه يسأل سالم بن عبد الله هل يجمع بين الظهر والعصر في السفر فقال لا بأس بذلك ألم تر إلى صلاة الناس بعرفة. وهذا الحديث يفسّر معنى الجمع بين الصلاتين حيث انّ الناس يجمعون بين الظهر والعصر في عرفة أوّل وقت الظهر لكي يتفرّغوا للدعاء إلى المغرب فالمراد من الروايات الدالّة على أنّ النبي صلى الله عليه وآله جمع بين الظهر والعصر هو الجمع بينها أوّل الظهر لا أنّه كان يؤخّر الظهر إلى آخر وقتها ثمّ يجمع بينها وبين العصر في أوّل وقت العصر ، فما يصنعه الشيعه هو عين ما كان رسول الله صلّى الله عليه وآله يصنعه ، ويشهد لذلك ما رواه في كنز العمّال عن ابن عبّاس : جمع رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في المدينة في غير سفر ولا مطر ، قال قلت لابن عبّاس : لم تراه فعل ذلك ؟ قال : أراد التوسعة على اُمّته. ومن المعلوم أنّ التوسعة على الاُمّة انّما تحصل بالجمع بين الصلاتين في أوّل وقت الظهر أو أوّل وقت المغرب ، امّا إذا كان اللازم تأخير الظهر إلى أوّل العصر لكي يجمع بينها لكان ذلك حرجاً على الاُمّة أيضاً كالفصل بينهما.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: هل صحيح انّ بعض علمائنا مثل المجلسي وغيره اقرّو بتحريف القرآن وما موقف علمائنا من كتاب « فصل الخطاب » لنور الطربلسي الذي يتكلم بشكل واضح جداً انّ القرآن حرف ؟ المحققون من علماء الشيعة يصرّحون بأنّه لم يقع في القرآن الكريم زيادة ولا نقصان ، لكنّ هناك روايات كثيرة من طرق الشيعة والسنّة ـ يظهر منها وقوع النقصية في بعض الآيات وقد حملها علماءنا على إرادة سقوط التفسير والتأويل وأسباب النزول وذكر المصاديق ونحو ذلك ممّا لا يرتبط بنفس الآيات والكلمات القرآنية ، ولعلّ المجلسي وأمثاله ذكروا هذه الروايات من غير تعليق عليها فنسب إليهم القول بوقوع النقصية في القرآن الكريم خصوصاً. وانّ المجلسي قدّس سرّه ألّف موسوعة عظيمة وسمّاه بحار الأنوار جمع فيه أكثر الروايات الواردة من طرق الشيعة ليكون بمنزلته دائرة المعارف الدينيّة ولم يكن بصدد تمحيص الروايات من حيث السند أو الدلالة. وأمّا كتاب فصل الخطاب فالظاهر كما صرّح به تلميذ المؤلّف الشيخ آقا بزرك الطهراني في كتابه القيّم [ الذريعة إلى تصانيف الشيعة ] انّ المحدّث النوري كان بصدد ذكر الروايات الواردة الدالّة على النقيصته ، ثمّ الجواب عنها وتمحيصها ونقل عنه : أنّه كان الأولى تسمية كتابه باسم فصل الخطاب في عدم تحريف كتاب ربّ الأرباب ولعلّه جعل كتابه في مجلّدين أحدهما في ذكر ما يدلّ على وقوع النقيصة في القرآن ، والثاني في الجواب عن ذلك لكنّ من المؤسف انّ المجلّد الأوّل طبع ولم يطبع المجلّد الثاني وضاع كما ضاع كثير من المخطوطات والله العالم. وعلى كلّ حال فإذا كان هناك عالم يقول بوقوع النقصية في القرآن فهو رأي شخصي له ولا يحسب على المذهب ، لأنّ أكثر علماءنا يصرّحون بعدم وقوع التحريف في القرآن الكريم لا بالزيادة ولا بالنقيصة ، والروايات الدالّة على وقوع النقيصة محمولة على سقوط ما يربط بالآيات من الشرح والتفسير الصحيح. ومن جدير بالذكر أنّ اوّل من صرّح بوقوع النقيصة في القرآن الكريم هو عمر بن الخطاب حيث أتى بآية رجم الشيخ والشيخة الزانية وطلب من أبي بكر إثباتها في القرآن الكريم ، لكنّ لم يقبل منه. فبإعتقاد عمر بن الخطاب أنّ هذه الآية سقطت من القرآن الأصلي ولا يمكن حمل دعواه على إرادة التفسير الشرح بل ادّعى انّ هذه الآية جزء من القرآن المنزل على رسول الله صلّى الله عليه وآله ، والحال أنّنا لا نجد في القرآن الموجود بأيدى المسلمين مثل هذه الآية. وهكذا صرحت عائشة بوقوع التحريف في القرآن الكريم حيث قالت : « انّ سورة الأحزاب كانت مائتي آية على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله ، فلمّا جمع عثمان المصاحف لم نقدر الاّ على هذا المقدار الموجود ». وروي عن أبي بن كعب : « انّ سورة الأحزاب كانت لتضاهي سورة البقرة أو أكثر منها ». والحال انّ سورة الأحزاب في القرآن الكريم ليست أكثر من سبعين آية. فبإعتقاد عائشة وأبي كعب ـ الذي هو من قرّآء الصحابة ـ وقوع النقيصة في القرآن الكريم فراجع الإتقان للسيوطي لترى الروايات الكثيرة التى يرويها أهل السنّة الدالّة على تحريف القرآن الكريم. ومن الطريف انّ السيوطي في الدرّ المنثور يروي عن بعض الصحابة أنّ قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) نزل هكذا : « يا ايها النبي بلغ ما انزل اليك من ربك ان علياًَ مولى المؤمنين وان لم تفعل فما بلغت رسالته » فراجع تفسير الدرّ المنثور في ذيل الآية من سورة المائدة. ويروي أيضاً في قوله : ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) عن ابن عباس انّ الآية نزلت هكذا : « فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهنّ اجورهنّ » ما هكذا في كثيرة من الآيات بل ذكر في آخر تفسير سورتان « سورة الوفد وسورة الخلع ». نعم ذكر بعض علماء أهل السنّة أنّ هاتين وقع فيهما نسخ التلاوة ولكن هذا الكلام نفس القول بالتحريف والالتزام بوقوع النقيصة في القرآن المنزل النبي صلّى الله عليه وآله وذلك لما ذكره المرجع السيّد الخوئي قدس سره في كتابه [ البيان في تفسير القرآن ] من أنّ النسخ المدعى ان كان في زمان النبي صلّى الله عليه وآله هو الذي نسخ تلاوة ذلك فالنسخ لا يثبت بغير القطع واليقين ولا يثبت بخبر الواحد ، وإذا كان بعد زمان النبي صلّى الله عليه وآله فهو عين الالتزام بالتحريف.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: ما معنى قول مولانا أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام : « العُمرُ الذي أعذَرَ الله فيهِ إلى أبن آدمَ ستّونَ سنةً » ؟ المراد انّ الإنسان مادام شاباً يقع تحت تأثير الشهوات النفسانيّة والتمايلات الغريزيّة ، فقد يدعوه ذلك إلى ارتكاب المعصية ومخالفة أوامر الله تعالى ونواهيه لا سيّما مع عدم وجود تجارب مسبّقة وعدم ابتلائه بالآثار السيّئة والعواقب المترتّبة على الذنوب والمعاصي ، فإذا ارتكب المعصية قد يكون معذوراً ويقبل الله عذره ان اعتذر بأنّ الدواعي النفسانيّة والشهوة والهوى وعدم وجود التجربة هي التي أوقعته في المعاصي فإذا ندم وتاب واعتذر بذلك يعذره الله ويقبل عذره ، وإلى ذلك يشير ما ورد في دعاء الحزين : « فيا غوثاه ثمّ واغوثاه بك يا الله من هوى قد غلبني ومن عدو قد استكلب علي ومن دنيا قد تزيّنت لي ومن نفس امارة بالسوء الاّ ما رحم ربّي » . وما ورد في دعاء ابي حمزة الثمالي : « الهي لم اعصك حين عصيتك وأنا بربوبيّتك جاحد ولا بأمرك مستخفّ ولا لعقوبتك متعرّض ولا لوعيدك متهاون بل خطيئة عرضت لي وسوّلت لي نفسي وغلبني هواي واعانفي عليها شقوتي » . لكن القوى الشهويّة والتمايلات النفسيّة والغرائز تضعف حينما يشيب الانسان إلى عمر الستّين سنة فليس هناك علل وأسباب قويّة لارتكاب المعصية بحيث لا يتمكّن الانسان من مقاومتها أو يصعب عليه ذلك فإذا ارتكب الإنسان المعاصي وهو في هذا العمر ( الستّين سنه فما بعد ) لا يمكنه أن يعتذر بأنّ القوّة الشهويّة والهوى النفساني دفعته إلى ارتكاب المعصية ، بل يكون مخالفته وعصيانه ناشئاً من سوء سريرته وخبث طينته وعدم اهتمامه واعتنائه بالمحرّمات الإلهيّة وعدم خوفه من الله تعالى وعدم اكتراثه بالعقوبة الالهية فلا يكون معذوراً عند الله تعالى ولا يمكنه أن يقول : « وما عصيتك إذ عصيتك وأنا جاحد بربوبيتك ولا بأمرك مستخف » بل صدرت المعصية منه لعدم اعتقاده بعظمة الله تعالى وكبريائه وعدم اهتمامه بمخالفة الله تعالى واستخفافه بأوامره ونواهيه ، فقبول توبته والعفو عنه يحتاج إلى مؤونة زائدة بأن يكثر من الاستغفار وإظهار الندم ويعمل الأعمال الصالحة ويتقرّب إلى الله تعالى بالإصرار والالحاح في الدعاء والاستغفار.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: إذا كان الله تعالى عادل فلماذا نجد بعض المعوّقين فاقدي بعض الحوائج ـ من فاقدي البصر وغيرها ـ اليتنافر هذا مع العدل الإلهي ؟ لا يتنافي ذلك مع العدل الالهي ، لأنّ الله تعالى جرت حكمته على أن يتحكم في الكون قانون العليّة المعلوليّة كما اشتهر : ( أبى الله ان يجري الامور الاّ باسبابها ) ، فالشخص الذي حصل له عاهة أو عيب أو فقد عضو أو فقد حاسّة من الحواس لم يحصل ذلك بلا سبب ولا علّة ، بل هناك علل وأسباب طبيعيّة لهذه الاُمور فالمسئول عن وقوع هذه العيوب والنقائص هي تلك الأسباب الطبيعيّة التي اقتضت حكمة الله تعالى وعدله أن تؤثّر في نتائجها ومعولاتها ، فمن احترق بسبب النار التي أوقدها وحصل به عاهة لا يمكنه أن يعترض على الله تعالى ويقول لماذا جعل الله النار محرقة حتى تحرقني ، وذلك لأنّ نظام الكون يتوقّف على وجود النار وعلى تسبيبها الحرارة والاحتراق ، وهكذا لو ولدا الولد أعمى بسبب عدم مراعاة الوالدين بعض الجهات الصحيّة أو العلل الطبيعيّة فليس للولدان يعترض على الله تعالى لماذا أخلقتني أعمى ؟ بل له ان يعترض على والديه لعدم مراعاتهما الجهات الصحيّة ونحوها. نعم إذا صبر الانسان على النقص أو العيب فالله تعالى يعطيه الأجر والثواب في الآخرة عوضاً عمّا لحق به من المكروه في الدنيا أو يكون ذلك كفّارة لبعض ذنوبه ، بل قد يكون ابتلاؤه بالعاهات والنقائص بسبب ما ارتكبه من الذنوب والمعاصي التي هي في الحقيقة علل طبيعيّة لتلك العاهات لكن لا يعلم بذلك المقدّم عليها. ثم انه ينبغي ان يعلم انّ الاُمور التكوينيّة التي تجري في العالم على قسمين : أحدهما يكون السبب فيه عمل الإنسان كما قال سبحانه وتعالى : ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) [ الروم : 41 ] والعذاب النازل على الاُمم السابقة يندرج في هذا الإطار وخروج الأولاد المعاقين كثيراً ما يكون لأجل فعل الوالدين ومن المعلوم انّ الطفل لا يتحمّل وزر أبويه قال الله سبحانه : ( وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ) [ الأنعام : 164 ] ولكن بعض الأفعال القبيحة تكون كالنار في إحراقها ، فلو ألقى أحد طفلاً في النار فهو يحترق جزماً وليس في ذلك ظلم من الله سبحانه عليه بل الظالم من ألقاه في النار ، وخروج الأطفال معاقين في معظم الأحيان لأجل سوء عمل الأبوبين عند المواقعة أو لشرب بعض الأدوية أو غيرها من الأسباب ، وليس في ذلك ظلم على أحد. القسم الثاني : الحوادث التي تحدث في العالم قد قدرت ونظّمت ورتّبت طبق اقتضاء الحكمة البالغة ، وتلك الحكمة هي التي تتحكّم بأن يولد لأحد ولد وللآخر البنت ، والأعمار تتقدّر تحت هذه الحكمة الالهيّة وهكذا بعض الأمراض والبلايا وقد يدخل في هذا القسم وجود معاقين من صلب أبوين الشريفين ملتزمين بجميع نصائح النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وأوامر الشريعة الغراء ويكو في هذا البلاء امتحان للمعاق ولغيره. انّ المقادير تجري كما قدّرها الله سبحانه ولا راد لقضائه ولا مبدّل لحكمة ولا تدرك عقولنا مغري الحكمة وليس يدخل ذلك في الظلم ، لأنّ الظلم وضع شيء في غير محلّه والله لا يفعل ذلك والصابر على قضاء الله مأجور. قال الإمام الحسين عليه السلام : « خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة من جيد الفتاة ، رضى الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين » . روي الشيخ الصدوق لسنده عن جابر بن يزيد الجعفي قال : « قلت لأبي جعفر محمّد بن علي الباقر عليهم السلام : يابن رسول الله إنّا نرى من الأطفال من يولد ميّتاً ومنهم من يموت في ساعته إذا سقط على الأرض ومنهم من يبقي إلى الإحتلام ومنهم من يعمر حتى يصير شيخاً فكيف ذلك وما وجهه ؟ فقال عليه السلام : انّ الله تبارك وتعالى أولى بما يدبّره من أمر خلقه منهم وهو الخالق والمالك لهم فمن منعه التعمير فانما منعه ما ليس له ومن عمّره فانّما أعطاه ما ليس له وهو المتفضّل ما أعطاه وعادل فيما منع ولا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون. قال جابر فقلت يا ابن رسول الله وكيف لا يسأل عمّا يفعل ؟ قال لأنّه لا يفعل الاّ ما كان حكمة وصواباً وهو المتكبّر الجبّار والواحد القهّار فمن وجد حرجاً في شيء ممّا قضى الله فقد كفر ومن أنكر شيئاً من أفعاله حجد » . والمراد انّ معرفة الله تعالى بصفاته الكماليّة التي من أهمّها الخالقيّة والمدبريّة والعلم والحكمة والرحمة العدل تقتضي أن لا نعترض على الله فيما يفعله ويقدّره ، إذ نعلم إجمالا بأنّه حكيم يضع الأشياء في مواضعها وان لم نعلم وجه الحكمة في ذلك.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: ما حقيقة الدجال ؟ أكثر روايات الدجال وخروجه واردة من طرق أهل السنّة. وقد ورد في رواياتهم انّ الدجال كان على عهد النبي صلّى الله عليه وآله وهو باق إلى زمان المهدي عجل الله فرجه الشريف ، والعجيب أنهم يعتقدون بطول حياة الدجال وأنّه يستمر حياته من زمان النبي صلّى الله عليه وآله إلى ظهور المهدي عجّل الله تعالى فرجه ولكنّهم يستبعدون ولادة المهدي عليه السلام ويقولون انّه سوف يولد في آخر الزمان. اذ من البعيد أن يكون له هذا العمر الطويل ومعذلك يلتزمون بطول عمر الدجال ؟!. وعلى كل حال فقد ورد في رواياتنا انّ خروج الدجال من علامات الظهور وأنّه يظهر الكفر والزندقه بل يدعى الالوهية ويبيح المنكرات ويقتل المؤمنين ثم يقتله المهدي عجّل الله تعالى فرجه ويعينه على ذلك عيسى بن مريم عليه السلام. ففي تفسير فرات بسنده عن أبي جعفر عليه السلام « سيأتي على الناس زمان لا يعرفون الله ما هو التوحيد حتى يكون خروج الدجال وحتى ينزل عيسى بن مريم من السماء ويقتل الله الدجال على يده ويصلّي بهم رجل منّا أهل البيت الا ترى انّ عيسى يصلّي خلفنا وهو نبي ، ألا ونحن أفضل منه » . وفي كمال الدين للصدوق بسنده عن المفضل بن عمر ، قال الصادق عليه السلام : « انّ الله تبارك وتعالى خلق أربعة عشر نوراً قبل خلق الخلق بأربعة عشر ألف عام ، فهي أرواحنا. فقيل له : يابن رسول الله ومن الأربعة عشر ؟ فقال محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة من ولد الحسين آخرهم قائمهم الذي يقوم بعد غيبته فيقتل الدجال ويطهر الأرض من كل جور وظلم » . وفي بحار الأنوار عن معلّى بن خنيس قال : « دخلت على الصادق جعفر بن محمد عليه السلام يوم النيروز ... إلى ان قال : وهذا اليوم الذي يظهر فيه فائمنا وولاة الأمر وهو اليوم الذي يظفر فيه قائمنا بالدجال فيصلبه على كناسة الكوفة وما من يوم نيروز الا ونحن نتوقع فيه الفرج » . وفي حديث أن صعصقه بن صوحان سئل أمير المؤمنين عليه السلام : « متى يخرج الدجال ؟ فقال عليه السلام : في ضمن كلام له : الا انّ الدجال صائد بن صيد فالشقي من صدقه والسعيد من كذبه يخرج من بلدة يقال لها اصبهان من قرية تعرف باليهودية ، عينه اليمنى ممسوحة والأخرى في جبهته تضيء كأنها كوكب الصبح فيها علقة كأنها ممزوجة بالدم ، بين عينيته مكتوب كافر يقرؤه كل كاتب وامّي ... » . [ بحار الأنوار ج 52 / 193 ] . وفي حديث عن المفضل بن عمر ، عن الصادق ، عن أمير المؤمنين عليه السلام ، عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ذكر فيه خروج الدجال وقرية يخرج منها وبعض أوصافه انّه يدعى الالوهية وانه يبتعه في اوّل يوم من خروجه سبعون ألفاً من اليهود وأولاد الزنا ومدمنوا الخمر وأصحاب اللهو والأعراب. قال في آخره : « فيبيح الزنا واللواط وسائر المناهي ، حتى يباشر الرجال ، النساء والغلمان في اطراف الشوارع عرياناً وعلانيه ويفرط أصحابه في أكل لحم الخنزير وشرب الخمور وارتكاب أنواع الفسق والفجور ويسخّر آفاق الأرض الاّ مكه والمدينة ومراقد الأئمة عليهم السلام ، فإذا بلغ في طغيانه وملأ الأرض من جوره وجور أعوانه يقتله من يصلّي خلفه عيسى بن مريم عليه السلام » . [ منتخب الأثر 480 الطبعة القديمة ] . وفي حديث رواه فضل بن شاذان بسنده عن عبد الله بن سنان قال : « سأل أبي عن أبا عبد الله ، عن السلطان العادل قال : هو من افترض الله طاعته بعد الأنبياء والمرسلين على الجن والانس أجمعين وهو سلطان بعد سلطان إلى ان ينتهي إلى السلطان الثاني عشر ، فقال : له رجل من أصحابه صف لنا من هم يا ابن رسول الله ؟ قال هم الذين قال الله تعالى فيهم ( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ) [ النساء : 59 ] ، والذين خاتمهم ، الذي ينزل فى زمن دولته عيسى بن مريم عليه السلام ويصلّي خلفه ، وهو الذي يقتل الدجّال ، ويفتح الله على يديه مشارق الأرض ومغاربها ، ويمتدّ سلطانه الى يوم القيامة » [ منتخب الأثر الطبعة الجديدة ج 2 الصفحة 299 ] .
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: ما تفسير حديث : « خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم وزائلوهم » ؟ الإسلام يدعوا إلى المعاشرة بالمعروف والتودّد إلى الناس حتّى بالنسبة للكفّار إذا لم يقدّموا على الحرب والقتال قال الله تعالى : ( ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) [ النحل : 125 ]. وفي الحديث أيضاً عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم : « التودد إلى الناس نصف العقل ». وفي الحديث أيضاً عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم : « يا بني عبد المطلب انّكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن سعوهم بحسن أخلاقكم ». وعن المعصومين عليهم السلام : « كونوا دعاة لنا بأعمالكم لا بأقوالكم ». فالحديث ـ على تقدير صحة سنده ـ يدعو المؤمنين إلى التودد والتآلف مع الناس من دون أن يتأثر المؤمن بافكارهم وعقائدهم وأعمالهم القبيحة. وعن الصادق عليه السلام : « حسن المعاشرة مع خلق الله تعالى فى غير معصيته ـ من مزيد فضل الله عزوجل عند عبده ومن كان خاضعاً فى السّر كان حسن المعارشرة في العلانية ، فعاشر الخلق لله ولا تعاشرهم ليضيبك في الدنيا ولطلب الجاه والرياء والسمعة إلى أن قال وكن رفيقاً فى أمرك بالمعروف شفيقاً في نهيك عن المنكر ولا تدع النصيحة على كل حال ، قال الله عزوجل : ( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ) ». وعن الباقر عليه السلام : « صلاح شأن الناس التعايش والتعاشر ملء مكيال ثلثاه فظن وثلث تغافل ». وعن الرضا عليه السلام : « اصحب السلطان بالحذر والصديق بالتواضع والعقد وبالتحرز والعامة بالبشر ». وعن أمير المؤمنين عليه السلام : « البشاشة حبالة المودّة ». وعن أبي جعفر عليه السلام قال : « صانع المنافق بلسانك واخلص ودك للمؤمن ، وان جالسك يهودي فأحسن مجالسته ».
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: هل القرآن الكريم من الله جل جلاله أو هو فلسفة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم الخاصّة باعتقاده انّه من الله بمعنى ان لم يتحقّق كون جبريل عليه السلام هو الذي كان يخاطب الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ؟ بعد افتراض انّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلم كان معصوماً من الكذب والخطأ وبعد قبول انّ القرآن هو معجزة النبي الخالدة ويشتمل على وجوه عديدة من أنواع الإعجاز ، لا يمكن التشكيك فى انّ القرآن هو الكتاب الّذي أنزله الله تعالى على نبيّه محمّد صلّى الله عليه وآله وسلم بواسطة جبرئيل ، الذي عبّر عنه القرآن الكريم بروح الأمين. والظاهر من القرآن أنّه منزل من قبل الله تعالى بألفاظه ومعانيه ، قال الله تعالى ، ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) [ القدر : 1 ] ، وقال تعالى : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) [ الحجر : 9 ] ، وقال تعالى : ( وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ) [ طه : 14 ]. فلو كانت المعاني أو الألفاظ من النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فلا معنى لهذا الكلام. فالعمدة إثبات نبوّة محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم إثبات كون القرآن معجزة الخالدة. فراجع الكتب الإعتقادية مثل ( اُصول الدين ) والعقائد.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: ما هو دليل عصمه الإمام علي بن الحسين وغيرهم من الأئمة عليهم السلام الذين لم يكونوا مع النبي صلّى الله عليه وآله تحت الكساء ؟ أوّلاً هم داخلون في أهل البيت عليهم السلام فانّ الآية لا تكون مختصّه بمورد نزولها بل تشمل كلّ من صدق عليه ( أهل البيت ) ومن الواضح أنّ الإمام علي بن الحسين عليه السلام ومن بعده من الأئمّة عليهم السلام أهل البيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعترته وذريته. ثانياً : حينما صرّح رسول الله صلّى الله عليه وآله بإمامة الأئمّة الاثنى عشر ، وهكذا أمير المؤمنين والإمام الحسن والإمام الحسين وفاطمة الزهراء عليهم السلام ـ كما فى لوح جابر بن عبدالله الأنصاري ـ فهذا التصريح منهم يدلّ على عصمة الأئمّة عليهم السلام لأنّ الإمام الذي فرض الله تعالى طاعته على العباد لابد أن يكون معصوماً ، إذ لا يعقل أن يأمر الله تعالى بإطاعة أحد في كلّ ما يأمر وينهى مع أنّه لا يؤمن عليه من الكذب والخطاء والمعصية.
الجواب من السيد جعفر مرتضى العاملي: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد .. أمّا بالنسبة للسؤال الأوّل ، فنقول : إنّ الله سبحانه حينما أفاض الوجود على تلك الأرواح النورانيّة ، أعني أرواح الأنبياء والأوصياء عليهم السلام ، فإنّها بمجرّد أن وجدت ألهمها فجورها وتقواها ، فبدأت تسعى نحو تحصيل فيوضات أسمى ، وأرقى ، من خلال معرفتها بخالقها ، وخضوعها لإرادته ، والتزام تأدية فروض الشكر له .. فهي إذن قد وجدت عابدة له سبحانه ، لا تفتر عن التسبيح ، والتحميد ، والتمجيد ، وهذا يدعو إلى أن تشملها عناياته تعالى ، وأن يعود عليها بمنحه وعطاياه ، وبألطافه وهداياه .. وهذا يعني : أنّ استحقاقها لتلك العنايات كان قد بدأ منذ أن خلقها الله تعالى .. فإنّها حين وجدت ، إنّما وجدت على صفة الطهر ، والخلوص لله سبحانه ، وكان نفس وجودها وجود انقياد ، وخضوع ، وتسليم ، وتعظيم ، وتكريم ، وتسبيح ، وعبادة ، وعبوديّة له تعالى. فبذلك استحقّت منازل الكرامة منذ تلك اللحظة .. أمّا الوجود الإبليسي ، فقد وجد متمرّداً على الله منذ اللحظة الأولى لوجوده ، فاستحقّ الطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى ، منذ تلك اللحظة بالذات أيضاً. ولتوضيح هذه الإجابة ، ثمّ الإجابة على السؤال الثاني ، نقول : إنّ الله سبحانه ، قد أوجد هذا الكون ، وحدّد له مسيرته وفق نظام ، وقرّر أن تحكمه ، وتستبدّ به ، وتهيمن على مختلف حالاته وشؤونه سنن إلهيّة ، وضوابط واقعيّة ، تعطي لمن يريد أن يستفيد من كوامن هذا الكون القدرة على التخطيط ، وتجعل سعيه منتظماً وواعياً ، وبعيداً عن العفويّة ، والارتجال ، والعشوائيّة. ثمّ إنّ من الواضح : أنّ في هذا الكون حقائق ، وأنواعاً ومستويات مختلفة ومتفاوتة في اقتضاءاتها ، وفي تأثيراتها : المعنويّة والماديّة .. بل إن كل ذرّة من ذرّاته تميل إلى ما يسانخ واقعها وتتطلب وتسعى للتمازج ، أو الاندماج فيه وذلك معناه : أن لكلّ جسد وطينة ، استحقاقه الاستعدادي لجوهر مجرّد بخصوصه ، يدبّره ، ويتعلّق به ، ويتصرّف فيه ، ويهيمن عليه .. ومن الواضح أيضاً : أنّ لهذا الإنسان في امتداد مسيره إلى الله ، تدرج ، وانتقال من حال إلى حال ، في ضمن نشآت لها نظم وأحكام ، وله فيها حالات ودرجات. فإذا نظرنا ـ على سبيل المثال ـ إلى نشأته في الحياة الدنيا فإنّه يتدرّج فيها من النطفة إلى العلقة إلى المضغة .. وهكذا .. إلى أن ينتهي الأمر بولادته من أبويه ، ثمّ تحوّله من حال إلى حال إلى أن ينتهي إلى الحياة البرزخيّة ، ثمّ إلى الحياة الآخرة ، ثمّ إنّه له قبل ذلك كلّه نشآت أيضاً وتحوّلات ، سنتحدّث عنها. ونشأته في هذه الحياة الدنيا ، إنّما تبدأ من حين بداية ظهور التمايز بين الأفراد في الأحوال والأعمال ، مقترنة بالزمان ، وموزّعة على قطعاته .. وفيها يكون التكليف والطلب ، والأمر والنهي .. وتكون فيها الطاعات والمعاصي .. وأمّا بالنسبة للنشأة التي تسبق ذلك كلّه .. فهي تلك التي تكون في عالم الملكوت ، وهي تعني حضور حقائق الأشياء بين يدي الله تعالى ، حضوراً مختاراً مدركاًً لألوهيّته والحاجة إليه سبحانه ، وهو حضور لديه تعالى حيث خزائن الحقائق ( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ) (1) .. إنّه واقعي فعلي مجرّد عن الزمان. قال العلامة الطباطبائي : فالإنسان في أيّ منزل من منازل الإنسانيّة نزل .. يشاهد من نفسه أنّ له ربّاً يملكه ويدبّره. وكيف لا يشاهد ربّه وهو يشاهد حاجته الذاتيّة ، وكيف يتصوّر وقوع الشعور بالحاجة من غير شعور بالذي يحتاج إليه ، وهذه المعرفة فطريّة تنطبع في النفس انطباعاً أوليّاً ، ثمّ يتفرّع عليها الفروع (2) .. ففي عالم الملكوت ، تدرك حقيقة الألوهيّة ، ولوازمها وما يرتبط بها ، وحين الخروج من هذا العالم إلى عالم الكينونة ، فإنّ الله سبحانه يفيض على تلك الحقائق من خزائنه ، وفقاً لاقتضاء ذواتها ، في النشآت التالية ، وفق السنن التي أراد الله لها أن تحكم حركة الموجودات فإذا أخذنا الحقيقة الإنسانيّة الخارجة من عالم الملكوت كنموذج ، فإنّنا نجد أن الروايات تقول : إن عالم الظلال ـ إن صحّ التعبير ـ هو الذي يحتضن تلك الحقائق الوافدة ، ويؤخذ ميثاق العبوديّة ، والطاعة منها. إذ يصبحون مطالبين بالخضوع والخشوع والطاعة لله ، وطاعة أنبيائه وأوليائه ، وغير ذلك ، فمنهم من يسرع في الإجابة ، ومنهم من يبطئ بها .. ومنهم من يأباها ويمتنع عنها ، كلّ ذلك باختيار وبإرادة منهم تتناسب مع واقع وجودهم .. وقد أشار الله تعالى إلى هذه الحقيقة ، وأن الله يأخذ في عالم الذر ميثاق الخلائق ، ( .. وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ) (3) .. فالإشهاد دليل الإدراك ، والاختيار ، كما قلنا .. وقد دلّت الأحاديث الشريفة أيضاً على أن الله تعالى قد ميّز في عالم الذرّ ، الرسل ، والأنبياء ، والأوصياء ، وأمر الخلق بطاعتهم ، فأقرّوا بذلك في الميثاق (4) .. وفي بعض الروايات ، عن أبي عبد الله عليه السلام : أنّ الله أخذ على العباد ميثاقهم ، وهم أظلّة قبل الميلاد. وثمة روايات أخرى تشير إلى عالم الظلال أيضاً ، فراجع (5). وتحدّثت روايات أخرى أيضاً ، عن أن رسول الله صلّى الله عليه وآله قد قال للإمام علي عليه السلام : أنت الذي احتجّ الله بك في ابتداء الخلق ، حيث أقامهم أشباحاً ، فقال لهم : ألست بربّكم ؟ قالوا : بلى. قال : ومحمّد رسولي ؟ قالوا : بلى. قال : وعلي أمير المؤمنين ؟ (6) .. وهناك رواية صحيحة السند ، رواها زرارة ، عن الإمام الباقر عليه السلام ، تفيد أنّ الله سبحانه كلّفهم في عالم الذرّ بدخول النار ، فدخلها أصحاب اليمين ، وأبى ذلك أصحاب الشمال (7). والظاهر : أنّ المراد بهذه الروايات هو أن حضور الحقائق لدى العزة الإلهيّة ، فعل مجرّد عن الزمان .. فهو تعالى يبعثها في ظلال أو أشباح تناسب ما تنتهي إليه حين تتنزل في نشأتها الزمانيّة المختلفة فيكلّفها بالطاعة لأنبيائه ، وأوليائه ، وأصفيائه ، ويكلّفها بدخول النار ونحو ذلك. هذا .. وقد ورد في دعاء الندبة : اللهمّ لك الحمد على ما جرى فيه قضاؤك في أوليائك الذين استخلصتهم لنفسك ودينك ، إذ اخترت لهم جزيل ما عندك من النعيم المقيم ، الذي لا زوال له ولا اضمحلال بعد أن شرطت لهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنيّة ، وزخرفها وزبرجها ، فشرطوا لك ذلك ، وعلمت منهم الوفاء به ، فقبلتهم ، وقربتهم ، وقدمت لهم الذكر العلي ، والثناء الجلي ، وأهبطت عليهم ملائكتك ، وكرمتهم بوحيك ، ورفدتهم بعلمك ، وجعلتهم الذريعة إليك والوسيلة إلى رضوانك .. وعلى كلّ حال ، فإن كلّ ذلك يدلّ على أن لدى المخلوقات في تلك النشآت ، إدراكاً واختياراً يتناسب مع طبيعة تلك النشآت ، وسنذكر بعض الآيات التي تثبت ذلك بصورة قاطعة .. وحين لا بد من اقتران تلك الحقائق بالزمان وإفراغها في وعائه ، في عالم الكينونة ، وفق سنة التدرج في الوجود ، حيث تلحقها الفيوضات الإلهيّة بصورة تتناسب مع ما هي عليه من هذا الاقتران .. فإن هذه النشآت تأتي متوافقة مع ما كان في عالم الذر ، أو فقل : مع ما كان حين أخذ الميثاق ، حين كانت الظلال ، أو الأشباح حسبما تقدم. وطبيعي أن يأتي ما يختاره هذا الكائن هنا متوافقاً مع ما كان منه هناك ، ويصبح هذا الواقع انعكاساً لتلك الصورة التي ظهر بها في تلك النشآت .. فيستمرّ المطيع الخاضع لله تعالى على خطّ الخضوع والطاعة له تعالى ، ويواصل العاصي والمتمرّد تمرّده وعصيانه .. ويبقى المذبذب المتردد يعيش حالة التذبذب والتمرّد ، فيطيع تارة ويعصي أخرى .. والله سبحانه الوهّاب الكريم ، يواصل فيضه على هؤلاء وهؤلاء ، بحسب ما تتطلبه ذواتهم ، وتميل إليه طبائعهم ، وتنشده حقائقهم. وهو سبحانه الذي ( أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ) (8) .. ( كُلًّا نُّمِدُّ هَـٰؤُلَاءِ وَهَـٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ) (9) .. ولكن الله سبحانه ، وهو الرؤوف الرحيم ، والكريم الحكيم .. لم يزل ولا يزال منذ أن بدأ خلق الإنسان وفي كلّ نشآته ، وجميع تحوّلاته .. يدعو من يعرف أنّه يميل إلى سلوك طريق الشرّ ، إلى الابتعاد عن ذلك الطريق ، مع مزيد من التحذير منه ، والترغيب بطريق الخير .. كما أنّه لم يزل يرغِّب سالك طريق الخير ، بالثبات عليه والالتزام به ويحذره من التخلّي عنه ، كما أنّه تعالى قد هيأ لهم كلّ أسباب الهداية والصلاح ، ولكن بصورة تحفظ لهم اختيارهم ، وحريّتهم ، ( وَمَا اللَّـهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ ) (10) حيث إنّه لم يزل يساعدهم في جميع النشآت بالأمر والنهي .. وبالفعل ، وباللطف بهم والتوفيق لهم ـ يساعدهم ـ على الإنابة إليه ، والتخلّص من الكدورات التي عرضت على فطرتهم بسوء اختيارهم ويفتح لهم أبواب رحمته لجلاء تلك النفوس ممّا علق بها ، وإعادة الرونق والصفاء والطهر لها .. وقد فتح الله تعالى هذا الباب وأبقاه مفتوحاً ، والمجال مفسوحاً منذ النشأة الأولى ، وإلى أن تقوم الساعة .. ويبقى القرار بيد من له الاختيار ، وهو هذا الكائن بالذات ، وهذا ما يفسّر لنا ما نشاهده من أن ثمة من يعيش حالة الطهر والإيمان طيلة حياته ، ثمّ هو يكفر في آخر يوم منها .. وقد نجد من يعيش حالة الكفر والعناد عمره كلّه ، ثمّ ينتقل إلى الإيمان في اللحظات الأخيرة منه ، ويكون له بذلك الفوز والنجاة .. ولكي لا يبقى أيّ غموض ، فيما نرمي إليه ، في حديثنا عن تعاقب النشآت المختلفة مع امتلاك عنصر الإدراك في جميعها ، نقدم مثالاً تقريبيّاً للقارئ الكريم ، وهو : أن الانتقال من نشأة إلى نشأة ، ومن حال إلى حال لا بدّ أن يتمّ وفق نظم وسنن إلهيّة ، فقطرة الماء في البحر تسعى للتمازج مع تلك الروح الملائكيّة الطاهرة، ولكن لا بدّ لقطرة الماء ـ مثلاً ـ من أن يحملها السحاب ، لتصبح مطراً ، يتلقاه مؤمن ، فيتوضّأ به ، فتكون تلك القطرة بعض ذلك الوضوء ، فيكون منها ملك يستغفر لذلك المؤمن .. وذرّة التراب تختزن في داخلها مبدأ تكوين الأبدان التي تحلّ فيها الأرواح الملائمة لها ، تحتاج إلى الماء ليثير الأرض ، ولينبت الزرع ، فتكون في جملة عناصره ، ثمّ يكون طعاماً لولي من أولياء الله ، فيصبح جزءاً من كيانه ، دماً ، ثمّ نطفة ، تستقرّ تلك النطفة في رحم يحتضنها ، لتمرّ في مراحل نشوء مختلفة ، لتصبح قادرة على استقبال تلك الروح الملائمة لها. وتتنامى معها في ظلّ التربية والرعاية الإلهيّة ، وتكون الولادة ، فالنشأة ، واكتساب الملكات ، والتحلي بالميزات التي تجعل هذا الكائن من الأبرار والأخيار ، وربّما من الأصفياء والأنبياء الأطهار. وخلاصة القول : إن عالم الملكوت يعني حضور الحقائق كلّها لدى مقام العزّة الإلهيّة .. غير مضافة إلى الزمان ، إذ إن الزمان إنّما يقاس بالنسبة إلينا ، في خارج دائرة ذلك العالم ، وذلك بسبب محدوديّتنا به .. وفي هذا العالم وفي جميع العوالم التالية ، تدرك تلك الحقائق ربوبيّته سبحانه ، وحاجتها إليه ، وما يرتبط بذلك من خصوصيّات ولوازم ، وهي بكامل اختيارها أيضاً .. ويأتي بعد عالم الملكوت ، العالم الذي أخذ الله فيه الميثاق على الخلائق فيما يرتبط بالاعتراف بالأنبياء ، والأولياء ، وطاعتهم ، وغير ذلك .. وقد أشارت بعض الروايات إلى أن هذا هو عالم الظلال أو الأشباح. وفيه كان أمر ونهي وتكليف ومسؤوليّة .. ثمّ هناك عالم النشوء للأرواح ، ثمّ تلاقيها وتمازجها مع الأبدان ، حيث تشدّ إلى ما يلائمها ويسانخها منها ، وتطلب منه تعالى أن يفيض بحسب استعدادات مناشئها .. وهي مدركة لما تطلب ، ومختارة له .. فيعطيها الله سبحانه وفق ما أودعه الله في هذا الوجود من سنن .. ثمّ تتابع مسيرتها باختيارها أيضاً ، ويبقى لطف الله سبحانه شاملاً لها من حيث أنّه يبقي أمامها الفرصة متاحة لاختيار طريق الخير والفلاح والصلاح .. ويهيّء لها جميع ما يساعدها على اختيار هذا الطريق ، من أوامر وزواجر ، ومحفزات ومرغبات ، ودوافع للهدى ، ومن منفرات وروادع عن الشرّ والردى .. وكلّ ذرّة في هذا الوجود لها سعيها وانشدادها لما يلائمها ، وقد روي : أنّ أبدان المؤمنين من طينة الجنّة (11) .. ومن نور الله عزّ وجلّ (12) .. فهي إذن أبدان طاهرة وصافية ، لا بدّ أن تتطلب باستحقاقها الاستعدادي جوهراً على درجة من الطهر والصفاء ، فيدبّرها ، ويهيمن عليها ، ولا يستجيب لكلّ الإغراءات التي تُلْحِقُ بذلك الجسد تلوّثات من شأنها إحداث التشويه والكدورة في تلك الروح .. وإذا كانت الطينة غاية في الرداءة ، فإنّها سوف تتطلب وتسعى إلى ما يلائمها من أرواح رديئة : شيطانيّة ، وفرعونيّة ، وما إلى ذلك .. فتجتذبها إليها ، لتتعلّق بها ، وتهيمن عليها .. ثمّ هي تختار من موقع الإدراك ، الممانعة والرفض لكلّ دواعي الخير ، ومحاولة خنقها وقهرها ، وإبعادها عن دائرة التأثير في الموقف والحركة والسلوك ، رغم توفّر القدرة على الاستجابة لها ، والتفاعل معها ، ورغم الدعوة الإلهيّة ، ورغم كلّ ألطافه ، وكلّ المناخات المساعدة على ذلك والتي هيّأها الله سبحانه من خلال التوفيقات ، ومن خلال الأوامر والزواجر ، وغير ذلك حسبما أوضحناه. فاتّضح ممّا تقدّم : أنّ أرواح الأبرار من أوّل ما خلقها الله ، هي موجودات كريمة ، تتطلب الخير ، والهدى وتسعى إليه ، وقد لبَّت بمجرّد أن شعرت بوجودها ، وبوجود خالقها ، نداء ربّها وأطاعت ، وخشعت له ، فلا غرو أن يوفقها الله لما طلبته ، وأن ينيلها ما سعت إليه .. لتستحق بذلك منازل الكرامة والاصطفاء .. وقد ورد في بعض الأخبار : أنّها أشدّ اتّصالاً بالله سبحانه من شعاع الشمس بها .. فهي لم تزل في غمرات الرحمات الإلهيّة ، حيث يفيض الله عليها آناً فآناً ، الهدايات والبركات ، والعلم ، والحكمة ، والكمالات .. أمّا أرواح الأشرار ، فإنّها موجودات شيطانيّة رديئة مظلمة ، لا تنسجم مع عالم الأنوار ، بل هي تستحقّ الطرد ، والإبعاد ، من أوّل ما وجدت ، لأنّها بمجرّد أن شعرت بذاتها ، تمرّدت وطغت ، ورفضت الخضوع ، ونأت بنفسها عن عبادة خالقها .. والخلاصة : أن كلّ ما في هذا الوجود ، من هياكل وأبدان ، منذ أن خلقها الله تعالى ، له أدراك واختيار ، للطاعة وللمعصية .. ولذلك فإنّها وهي تمرّ بمراحل الخلق والتكوين ، إنّما تكون تعلّقاتها بالجواهر المجرّدة الملائمة لها ، وتنشد وتسعى إليها ، وإن كانت لا تستطيع التمازج معها إلّا بعد صيرورتها نطفة ، تستقرّ في الأرحام ، وتتدرج في مراحل التكوين ، إلى أن ينشئها الله خلقاً آخر ببعث الروح فيها .. وممّا يدلّ على حقيقة : أن كلّ ما في الوجود له طاعة ، وانقياد ، وتمرّد ، وابتعاد ، هو قوله تعالى : ( ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) (13) .. وقد ذكر الله في كتابه الكريم تسبيح الجبال ، والطير ، والرعد ، والسماوات والأرض ، ومن فيهنّ : ( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) (14) .. وذكر أيضاً : سجود النجم ، والشجر ، والشمس ، والقمر ، والجبال ، والدوابّ ، ومن في السماوات والأرض (15) .. وذكر أيضاً : أنّ الجبال يعتريها الخشوع والخشية ، وتصاب بالتصدع بسبب تلك الخشية (16) .. ثمّ هو تعالى قد ذكر إشفاق الجبال ، والسماوات والأرض من حمل الأمانة (17) .. غير أنّه برغم ذلك كلّه ، فإن هذا الطهر والخلوص والصفاء في النفس والروح ، وفي الأبدان أيضاً ، لا يجعل الإنسان مجبراً على الطاعات ، ولا عاجزاً عن ارتكاب المعاصي .. ولذلك تجد أن الكافر قد يؤمن ، وأن المؤمن قد يكفر ، حسبما أوضحناه. ومن جهة أخرى ، فإن من الممكن أن تكون النطفة جزءاً من حقيقة الحامل لها ، ومسانخة له في الطهارات المادية والمعنويّة ، فيكون طهراً طاهراً مطهراً ، من طهر طاهر مطهر .. وفق ما أشير إليه في الزيارة : أشهد أنّك كنت نوراً في الأصلاب الشامخة ، والأرحام المطهّرة .. ومن الممكن أن يكون الحامل لها ، مجرّد مستودع لنطفة خبيثة ، كما كان الحال بالنسبة لابن النبي نوح عليه السلام ، وبعض أولاد الأئمّة ، مثل جعفر ابن الإمام الهادي عليه السلام ، وغيره .. كما أن ممّا لا شكّ فيه : أن تعلّقات الأرواح بالأبدان تجعل من الاتّصال بالأجساد سبباً في الاتّصال بالروح المهيمنة على الجسد والمدبّرة له .. فما يؤذيه يؤذيها وما يؤذيها يؤذيه .. وما يصلحه يصلحها وكذلك العكس ولذلك نجد : أنّ ارتكاب ، أو فعل بعض المعاصي ، أو الخيرات يترك آثاراً على النطفة أو الجنين ، تتناسب مع ذلك الذي صدر منه ، أو حدث له .. وربّما يكون في ذلك بعض الإعداد إلى اختيار هذا الطريق أو ذاك بمحض إرادته ، ولكنّنا قد قلنا : إنّه برغم ذلك كلّه ، فإنّ الله تعالى قد أبقى الفرصة متاحة أمام أهل الزيغ ، ليصلحوا شأنهم ، وليبادروا إلى تزكية نفوسهم ، وتصفية أرواحهم .. فمن قصَّر في ذلك ، فيكون قد قصّر في حقّ نفسه : ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) (18) .. والحمد لله رب العالمين .. الهوامش 1. سورة الحجر ، الآية 21. 2. تفسير الميزان ج 8 ص 307. 3. سورة الأعراف ، الآية 172. 4. راجع : تفسير الميزان ج 8 ص 324 عن العيّاشي وخصائص السيّد الرضي. 5. البحار ج 65 ص 206 وراجع : ج 58 ص 139 و 140 ، وراجع : ج 64 ص 98 و 99 عن بصائر الدرجات ص 80 وعن علل الشرائع ج 2 ص 80 وراجع الكافي ج 2 ص 10 وتفسير الميزان ج 9 ص 326. 6. البحار ج 64 ص 127 وفي هامشه عن بشارة المصطفى ص 144. 7. راجع تفسير الميزان ج 8 ص 325. 8. سورة طه ، الآية 50. 9. سورة الإسراء ، الآية 20. 10. سورة غافر ، الآية 31. 11. راجع البحار ج 58 ص 147. 12. راجع البحار ج 58 ص 145. 13. سورة فصلت ، الآية 11. 14. ورد ذلك في سورة ص ، الآيتان 18 و 19 وسورة الرعد ، الآية 13 وسورة الإسراء ، الآية 5 وسورة النور ، الآية 41 وسورة الأنبياء ، الآية 41 و 81 و 82. 15. سورة الحج ، الآية 18 وسورة الرحمن ، الآية 6. 16. سورة الحشر ، الآية 21. 17. سورة الأحزاب ، الآية 72. 18. سورة الزلزلة ، الآيتان 7 / 8.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: 1 : التفكّر في عظمة الله تعالى وقدرته وإحاطته بالمخلوقات حيث يحصل بذلك حالة التوكّل على الله والإنقطاع عن غيره ، فلا يعمل العمل لطمع أو خوف من الناس. 2 : التفكّر في نعم الله تعالى وإحسانه وكرمه حيث يتحقّق بذلك حبّه لله تعالى وتعلّقه به دون سواه ، فيعمل العمل حبّاً لله ولوجه الله تعالى. 3 : ان يفكر في ثواب الله أو عذابه فانّه لو اخلص العمل لله تعالى يستحق الثواب من الله تعالى والأجر العظيم الذي لا يمكن لأحد أن يمنّ عليه بمثله ، وإذا لم يخلص العمل لله يستحق العذاب الأليم الذي لا يتمكّن أحد من دفع ذلك. 4 : ان يفكّر في فوائد الإخلاص ومنافعه وآثاره. قال الصادق عليه السلام : الاخلاص بجميع فواضل الأعمال وهو معنى افتتاحه القبول وتوقيعه الرضاء ، فمن تقبّل الله منه ويرضى عنه فهو المخلص ، وإن قلّ عمله ومن لم يتقبّل منه فليس بمخلص وإن كثر عمله اعتباراً بآدم عليه السلام وإبليس عليه اللعنة ، وعلامة القبول وجود الاستقامة ببذل كل محاب مع إصابة علم كل حركة وسكون ، والمخلص ذائب روحه باذل مهجته في تقويم ما به ، العلم والأعمال والعامل والمعمول بالعمل لأنه إذا أدرك ذلك فقد أدرك الكل ، وإذا فاته ذلك فاته الكل ... (1) 5 : ان يفكر في مفاسده الرياء والعمل لغير الله تعالى ، وما ورد في ذمّ الرياء ومضارّه وعواقبه السيّئة. وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ « إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر » قالوا : وما الشرك الاصغر ؟ قال : « الرياء ، يقول الله عز وجل يوم القيامة للمرائين إذا جازى العباد باعمالهم : اذهبوا الى اللذين كنتم تراؤن لهم في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء » . (2) وقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : « لا يقبل الله تعالى عملاً فيه مثقال ذرة من رياء » . (3) وقال ـ صلى الله عليه وآله ـ : « إنّ المرائي ينادى عليه يوم القيامة يا فاجر يا غادر يا مرائي ضل عملك وحبط اجرك اذهب فخذ اجرك ممن كنت تعمل له » . (4) وعن الصادق عليه السلام : يقول الله عزّ وجلّ : أنا خير شريك ، فمن عمل لي ولغيري فهو لمن عمله غيري . (5) وقال الصادق عليه السلام : قال الله تعالى : أنا أغنى الأغنياء عن الشريك ، فمن أشرك معي غيري في عمل لم أقبله إلا ما كان لي خالصاً . (6) الهوامش 1. مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة / الصفحة : 36 / الناشر : مؤسسة الأعلمي / الطبعة : 1. 2. جامع السعادات « لملا محمد مهدي النراقي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 387 / الناشر : مؤسسة الأعلمي. 3. جامع السعادات « لملا محمد مهدي النراقي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 387 / الناشر : مؤسسة الأعلمي. 4. جامع السعادات « لملا محمد مهدي النراقي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 387 / الناشر : مؤسسة الأعلمي. 5. المحاسن « لأحمد بن محمد البرقي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 252 / الناشر : دار الكتب الإسلامية. 6. وسائل الشيعة « للشيخ الحرّ العاملي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 73 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / الطبعة : 2.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: هل أصل خلقة العقول واحدة أو مختلفة ، فإذا قلنا مختلفة يعني الله غير عادل لانّه عصم أو جعل محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم معصوم وغيره لا ؟ أوّلاً : العدل هو أن يجعل كل شيء في موضعه المناسب ويعطى كل ذي حقّ ، حقّه. وليس العدل هو المساواة بين الناس في كلّ شيء. والمجتمع البشرى بما انّه متكاثف ومترابط أن يكون فيه الاختلاف في القوّة العاقلة والعاملة ، وإلا اختلّ النظام وتبدّد المجتمع البشري ، فلو فرضنا انّ جميع أفراد المجتمع البشري أغنياء ولم يكن هناك فقيراً أصلاً ، لم يتمكّن هؤلاء الأغنياء من المعيشة ، إذ لا يتمكّن أيّ أحد من تسخير غيره والاستعانة منه في أمور معاشه. وهكذا لو كان الجميع متساويين من حيث القوّة العاقلة فكلّ واحد منهم يرى نفسه أعقل العقلاء وليس بحاجة إلى إرشاد غيره وتصحيح أخطائه وبرامجه وسلوكه ، فلا يستفيد من عقول الآخرين وعلومهم وتجربياتهم. ثانياً : العصمة ليست بالاجبار بل هي من الأمور الاختياريّه تابعة للكمال النفساني والروحي الحاصل من العلم الكامل والمعرفة التامة بعظمة الله تعالى ، وحكمته وقدرته والاذعان بقبح المعاصي والذنوب بل إدراك ومشاهدة العواقب السيّئة المترتّبة على المعاصي. نعم يحتاج ذلك إلى توفيق من الله تعالى لشديد وتأييد منه هذا يحصل بسبب الاخلاص فى العبادة والتوجه الكامل إلى المعبود والتقرّب إلى الله تعالى بالطاعات والعبادات.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: هل جملة « صدق الله العلي العظيم » بعد السور القرآنيّة من القرآن الكريم ؟ ليست هذه الجملة من القرآن الكريم بل هي مصطادة الآيات المختلفة فالله يقول ( قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ) ويقول في آية الكرسي وكذلك فى سورة الشورى ( وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) فصدها متخذ من الآية الأولى وذيلها متخذ من الآيتين الاخيرتين.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: لماذا في زيارة عاشوراء عند ذكر السلام 100 مرّة ، ليس هناك سلام مخصوص لأبي الفضل العباس عليه السلام ، كما لعلي الأكبر عليه السلام ؟ ولعلّ عدم ذكره بالخصوص إشارة إلى انّ جهاد العباس وشخصيّته وتفانيه فى سبيل الإمام الحسين عليه السلام لم يكن لأجل القرابة أو العصبيّة النسبيّة ، بل كان يرى نفسه من أصحاب الإمام الحسين عليه السلام ، الذين جاهدوا في سبيل الله ونصروا الحسين عليه السلام ، لانّه الإمام المفترض الطاعة والحجّة من الله تعالى على الخلق. وامّا ذكر علي الأكبر مع انّه أيضاً جاهد في سبيل الله تعالى ولم يكن جهاده لمجرّد القرابة فلعلّه للإشارة إلى انّه أوّل شهيد من شهداء أهل البيت عليهم السلام في واقعة الطف كما نقرأ فى زيارة : « السلام على أوّل قتيل من نسل خير سليل » .
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: لماذا لم يطلب علي رضي الله عنه حقه في الخلافة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان على حقّ ؟ أولاً : طالب علي عليه السلام بحقّه واجتمع على القوم وناشدهم وأظهر غضبه وسخطه على غصب الخلافة ، بل في بعض الروايات إنّ عليّاً عليه السلام كان يأخذ فاطمة والحسن والحسين عليهما السلام أربعين ليلة إلى بيوت الأنصار يطلب منهم النصرة للوصول إلى حقّه الشرعي في الخلافة. وقد دافعت الزهراء عليها السلام عن علي عليه السلام وطالبت بحقّه ولكنّهم ضربوها وآذوها حتى ماتت وهي واجدة عليهم وأوصت أن تدفن ليلاً ولا يشترك في تشييعها وتجهيزها من غصب الخلافة وأتباعهم. ثانياً : انّما لم يقم علي عليه السلام بمحاربة القوم ومطالبة حقّه بالقوّة والكفاح المسلّح مخالفة أن يرتدّ الناس عن الإسلام ، فانهم كانوا حديثي عهد بالإسلام ولم يتمكّن الإسلام في قلوب أغلبهم. وقد كان لدى القوم أحفاد وضغائن ضدّ علي عليه السلام حيث قتل آبائهم وإخوانهم وأبناء عشيرتهم في الغزوات دفاعاً عن الاسلام والنبي الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم كما أشارت الزهراء عليها السلام في خطبتها « ومانقموا من أبي الحسن نقموا والله نكير سيفه وقلّة مبالاته بحتفه وشدّة تنمره في ذات الله » . وفي الحديث عن ربعي عن زرارة قال : « قلت لأبي عبدالله عليه السلام ما منع أمير المؤمنين عليه السلام أن يدعوا الناس إلى نفسه ؟ قال : خوفاً أن يرتدوا ( ولايشهدوا أنّ محمّداً رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ». وعن أبي جعفر عليه السلام قال : « انّ عليّاً لم يمنعه من ان يدعوا الناس إلى نفسه إلا انّهم ان يكونوا ضلالاًَ لا يرجعون عن الاسلام أحبّ إليه من أن يدعوهم فيأبوا عليه فيصيرون كفاراً كلّهم » . وعن بعض أصحابنا قال : « قلت لأبي عبد الله عليه السلام لم كفّ علي عليه السلام عن القوم ؟ قال : مخالفته ان يرجعوا كفاراً ». ثالثاً : ورد في الأخبار انّ علياً عليه السلام انما لم يقاتل القوم فيقتلهم ـ وكان قادراً على ذلك ـ لوجود ودائع مؤمنين في أصلاب قوم منافقين فلم يقتل علي عليه السلام الآباء لأجل الأولاد والذريّة المؤمنة. ففي الحديث عن إبراهيم الكرخى قال : « قلت لأبى عبد الله عليه السلام أصلحك الله ألم يكن علي عليه السلام قويّاً في دين الله عزّ وجلّ ؟ قال : بلى . قال : فكيف ظهر عليه القوم وكيف لم يدفعهم وما منعه من ذلك ؟ قال : آية في كتاب الله عزوجل منعته . قلت : وأيّ آية ؟ قال : قوله تعالى : ( لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) [ الفتح : 25 ] ، انّه كان الله عزّ وجلّ ودائع مؤمنين في أصلاب قوم كافرين ومنافقين فلم يكن علي عليه السلام ليقتل الآباء حتى تخرج الودائع ، فلمّا خرج الودائع ظهر علي عليه السلام من ظهر فقاتله وكذلك قائم أهل البيت لن يظهر أبداً حتى تظهر ودائع الله عزّ وجلّ ، فإذا ظهرت على من ظهر فقتله ». والمراد أنّ الامام علي عليه السلام بسبب عدم وجود الأعوان والأنصار كان يدور أمره بين ان يقاتل القوم فيقتلهم عن آخرهم فلا يبقى للإسلام اسم ورسم ، لانّه كان يبقى وحده مع جماعة قليلين من أهل بيته وأصحابه ، فيموت الإسلام بموتهم وامّا ان يصبر ولا يقاتل القوم وانما يحتج عليهم ويثبت حقانيته بالأدلّة والبراهين والحجج الدامغة لكي يبقى الاسلام ببقاء القوم وذريّتهم ونسلهم خصوصاً مع وجود أولاد وذريّة مؤمنين في أصلابهم. وأحسن مثال لذلك محمد بن أبى بكر فانّه كان مؤمناً معتقداً بإمامة علي عليه السلام ، بل هو من المخلصين والموالين لعلي علي السلام وقد تولّد من صلب أبى بكر الذي غصب الخلافة. وقد قال محمد مخاطباً لأبيه : يا ابانا قد وجدنا ما صلح * خاب من كنت أبــاه وافتضح انما اخرجنى منك الذي * اخرج الدرّ من المــاء الملــح