من سماحة السيّد جعفر علم الهدى استدلّ الفقهاء على جواز التقليد في الأحكام الشرعية بالأدلّة القاطعة من الكتاب والسنّة والعقل . أمّا الكتاب : فبآيات عديدة منها قوله تعالى : { فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } {النحل/43} {الأنبياء/7} . وقوله تعالى : { فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } {التوبة/122} . وأمّا السنّة : فروايات كثيرة وهي بالغة حدّ التواتر الاجمالي : ففي التوقيع بخطّ الإمام الحجّة ( عجّ الله تعالى فرجه الشريف) : « وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا ؛ فإنّهم حجّتي عليكم ، وأنا حجّة الله عليهم » . وقول الإمام الهادي (عليه السلام) : « ا لعمري ثقتي ، فما أدّى إليك فعنّي يؤدّي ، وما قال لك عنّي : فعنّي يقول ، فاسمع له واطع ؛ فإنّه الثقة المامون » . وقول الإمام الصادق (عليه السلام) : لأبان ابن تغلب : « اجلس في مسجد المدينة ، وافت الناس ، فإنّي أُحبّ أن يرى في شيعتي مثلك » . وأمّا العقل : فقد استدلّ بالسيرة العقلائية من رجوع الجاهل إلى العالم في كلّ علم وفنّ وحرفة ومهنة ، وقد أمضى الشارع هذه السيرة حيث لم يردع عنها . وتفصيل الكلام ، وتقريب الاستدلال إنّما هو من شؤون الفقيه المجتهد .
من سماحة السيّد جعفر علم الهدى الأمر الاوّل : الذي ذكره المتكلمون إشارة إلى جواب سؤالك ؛ فإنّ العقاب وإن كان محتملاً أو مظنوناً لكنّه بما أنّ المحتمل مهم جدّاً ، فالعقل يحكم بأنّ هذا الاحتمال لابدّ من الاهتمام به ومراعاته والاحتياط فيه مهما كان ضعيفاً ، أو لم يبلغ مرتبة العلم ، وقد جرت سيرة العقلاء وبناؤهم على ذلك . فالذي يقطع بأنّه مريض لكن لم يكن مرضه مهمّاً قد لا يراجع الطبيب للعلاج مع قطعه فضلاً عن الاحتمال . أمّا من يحتمل أنّه مصاب بالسرطان ولو احتمالاً ظنياً بل شكياً ، فبما أنّ المحتمل مهم عنده ، وفيه خطر الموت ، فلا محالة يراجع الطبيب ، وإذا ترك المراجعة كان عند العقلاء ملوماً ، ويقال له : لماذا لم تدفع هذا الضرر المهم ، وليس له أن يقول : كان الاحتمال ضعيفاً ، ولذلك لم اهتم بالموضوع بل يقال له : إنّك أوقعت نفسك في الهلاك .
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: الزكاة التي ذكرت في القران الكريم والروايات الدالّة على الزكاة التي ذكرت في القران الكريم والروايات الدالّة على أهميّتها تشمل الخمس أيضاً ، لأنّ الخمس كما يظهر من الروايات تعويض للسادة عن الزكاة. وبعبارة أخرى كلّ آية أو رواية تدلّ على فضل الزكاة وأهميّتها وكونها ركن من أركان الإسلام تدلّ أيضاً على أهميّة الخمس ، لأنّه بمنزلة الزكاة حيث إنّ الله تعالى حرّم الزكاة على بني هاشم تكريماً لهم وشرّع لهم الخمس ، فلا فرق بين الخمس والزكاة إلّا من جهة المستحقّين لهما وإلّا فكلاهما واجب مالي لابدّ أن يؤدّيه المكلف قربة لله تعالى ، ويعبّر عنه بالصدقة الواجبه. ففي الوسائل في حديث : « والنصف لليتامى والمساكين وابناء السبيل من آل محمّد عليهم السلام الذين لا تحلّ لهم الصدقة ولا الزكاة وعوضهم الله مكان ذلك بالخمس » . [ تفصيل وسائل الشيعة ، المجلّد : 9 / الصفحة : 515 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / الطبعة : 1 ] وفي الكافي بسنده : عن العبد الصالح ـ الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام ـ في حديث طويل قال : « وإنّما جعل الله هذا الخمس خاصّة لهم دون مساكين الناس وأبناء سبيلهم ، عوضاً لهم من صدقات الناس ، تنزيهاً من الله لهم لقرابتهم برسول الله صلّى الله عليه وآله وكرامة من الله لهم عن أوساخ الناس » . [ الأصول الكافي ، المجلّد : 1 / الصفحة : 540 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة ] وقال : « وجعل للفقراء قرابة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم نصف الخمس فأغناهم به عن صدقات الناس » . [ تفصيل وسائل الشيعة ، المجلّد : 9 / الصفحة : 514 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / الطبعة : 1 ] وفي حديث آخر عن سليم بن قيس الهلالي عن أمير المؤمنين عليه السلام : « ولم يجعل لنا في سهم الصّدقة نصيباً أكرم الله رسوله صلّى الله عليه وآله وأكرمنا أهل البيت أن يطعمنا من أوساخ الناس » . [ الروضة من الكافي ، المجلّد : 8 / الصفحة : 63 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 2 ] والخمس يقسّم على ستّة أقسام : سهم لله ورسوله ومنهم ذوي القربى أيّ الإمام ، وسهم اليتامى وسهم المساكين وسهم أبناء السبيل من بني هاشم. فكان النبيّ صلّى الله عليه وآله في زمانه يأخذ سهم الله ورسوله ويعطي سهم ذوي القربى لعلي وفاطمة ويقسّم الباقي في فقراء بني هاشم ويتاماهم ، وبعد رسول الله يكون سهم الله وسهم رسوله للإمام المعصوم. أمّا في زمن الغيبة فنصف الخمس يكون سهم الإمام لابدّ من إعطائه للمرجع يصرفه في الموارد التي يعلم برضى الإمام الغائب وسهم السادة يعطى للسادة الكرام. وفي الحديث : « كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إذا أتاه المغنم أخذ صفوه وكان ذلك له ثمّ يقسّم ما بقي خمسة أخماس ويأخذ خمسه ، ثمّ يقسّم أربعة أخماس بين الناس الذين قاتلوا عليه ، ثمّ قسّم الخمس الذي أخذه خمسة أخماس ، يأخذ خمس الله عزّ وجلّ لنفسه ، ثمّ يقسّم الأربعة أخماس بين ذوي القربى واليتامى والمساكين وأبناء السبيل ، يعطي كلّ واحد منهم حقّاً ، وكذلك الإمام يأخذ كما أخذ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم » . [ تفصيل وسائل الشيعة ، المجلّد : 9 / الصفحة : 510 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / الطبعة : 1 ] ويظهر من هذه الرواية أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كان لا يأخذ حقّه وسهمه ليتوفّر على سائر المستحقّين ، وإلّا فالخمس يقسّم ستّة أقسام كما في حديث آخر : « فأمّا الخمس فيقسم على ستّة أسهم : سهم لله ، وسهم للرسول ، وسهم لذوي القربى ، وسهم لليتامى ، وسهم للمساكين ، وسهم لأبناء السبيل ، فالذي لله فلرسول الله ، فرسول الله أحقّ به فهو له خاصّة ، والذي للرسول الله هو لذي القربى والحجّة في زمانه ، فالنصف له خاصّة والنصف لليتامى والمساكين وأبناء السبيل من آل محمّد » . [ تفصيل وسائل الشيعة ، المجلّد : 9 / الصفحة : 515 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / الطبعة : 1 ]
من سماحة السيّد جعفر علم الهدى
الجواب من السيّد علي الحائري: هناك أمور ثلاثة لابدّ من الإنتباه إليها كي يتّضح الجواب على السؤال : الأوّل : أنّ الصلاة عبادة ، والعبادات الإسلاميّة بشكل لعامّ توقيفيّة ، بمعنى أنّ الإنسان لا يجوز له شرعاً أن يضيف فيها و يزيد على صيغتها التي وردت في الشريعة بقصد جعل الزائد جزءاً من العبادة ، فإنّ ذلك تشريع محرّم ؛ فالتعبّد و الالتزام الحرفي بنفس الصيغة المشرَّعة من قبل الله تبارك و تعالى شرط أساسي و ممّا لا بدّ منه في العبادة. أمّا تشريع الإنسان من عند نفسه وتقنين صيغة أُخرى للعبادة ـ أزيد من الصيغة الواردة أو أقلّ منها ـ فهو حرام وممنوع شرعاً ومبطل للعبادة ، ومن الواضح أنّ الشهادة الثالثة لعليّ سلام الله عليه بالإمرة والولاية ليست جزءاً مشرّعاً في الصيغه الواردة التشهّد في الصلاة ، فلا يجوز النطق بها التشهّد في الصلاة بقصد جعلها جزءاً من التشهّد ، وإذا فعل بطلت صلاته. الثاني : أنّ من جملة مبطلات الصلاة التكلّم بكلام الآدمي إلّا إذا كان دعاءاً ، فلا يجوز التفوّه في الصلاة إلّا بما هو قرآن أو ذكر لله تعالى أو دعاء ، أمّا الكلام الخارج عن القرآن والذكر والدّعاء فهو ممّا يبطل الصلاة حتّى إذا لم يكن بقصد الجزئيّة. الثالث : أنّ الشهادة الثالثة ليست قرآناً ، ولا هي ذكر لله تعالى ، ولا هي دعاء ، وإنّما هي شهادة وإقرار من الإنسان بحقيقة من حقائق الإسلام ، وهي إمامة عليّ سلام الله عليه ولايته وإمرته ، فهي من الكلام الآدمي المبطل للصلاة حتّي إذا لم يكن بقصد الجزئيّة. وعلى هذا الضوء نعرف حكم الشهادة الثالثة في الأذان ، فلا يجوز الإتيان بها في الأذان بقصد الجزئيّة ؛ لأنّ الأذان أيضاً عبادة ، وقد قلنا : إنّ العبادات توقيفيّة ، لكنّه يجوز الإتيان بها في الأذان لا بوصفها جزءاً من الأذان وفصلاً من فصوله بل بقصد الشهادة بحقيقة من حقائق الإسلام ؛ إذ ليس من مبطلات الأذان التكلّم بكلام الآدمي أثناءه.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: مضافاً إلى أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم كانت له معاجز كثيرة وأهمّها القرآن الكريم ، وهو المعجزة الخالدة إلى يوم القيامة ويكون حجّة ودليلاً على نبوّة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى آخر الدهر ، كان نفس وجود النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم معجزة وحجّة على صدق دعواه ، فقد أودع الله تعالى في شخصيّته الكريمة صفات وكمالات وفضائل ومناقب وأخلاق سامية يؤمن بصدقه وبنبّوته كلّ مَن يراجع سيرته ومنهجه وسلوكه وأقواله ، وقد أعترف جميع علماء التاريخ والآثار وبالخصوص المستشرقون بعظمة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وقدسيّته ونبوغه وسجاياه الأخلاقيّة ، ومن المعلوم أنّ هؤلاء العلماء لا يعتمدون على ما يختلقه الخلفاء ووعاظ السلاطين ، وأنّما يتفحصون عن الحقائق ويعتمدون على الكتب والآثار الثابتة حجّيتها عندهم. ثمّ إنّ المعاجز التي تروى عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم رواها الصحابة الأخيار الذين كان الكثير منهم مخالفاً للخلفاء أو مطروداً من قبلهم لعدم موافقته لهم ، وهكذا المؤرّخون المتأخّرون كانوا يذكروا مثالب الخلفاء ومعايبهم وفي نفس الوقت يروون معاجز النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وسيرته ومواعظه وأفعاله وأقواله ، بل بعض معاجز النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ورد في نفس القرآن الكريم مثل قوله تعالى : ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ ) [ القمر : 1 ] . وقوله تعالى : ( الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ) [ الروم : 1 ـ 3 ] . ونحن نوصيكم بالإمعان في معاجز النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وخصوصاً في وجوه القرآن الكريم بمطالعة كتب التاريخ والحديث والتفسير وبالخصوص تفسير البيان للإمام الخوئي قدسّ سرّه.
من سماحة السيّد جعفر علم الهدى لايمكن الوصول إلى كنه ذات الله تعالى ومعرفته حتّى للأنبياء والرسل والأئمة (عليهم السّلام) ، وقد ورد عن الأئمة (عليهم السّلام) الاعتراف بعجزهم عن ذلك ، ففي دعاء الإمام السجاد (عليه السّلام) : « وَلَمْ تَجْعَلْ لِلْخَلْقِ طَريقاً اِلى مَعْرِفَتِكَ اِلاّ بِالْعَجْزِ عَنْ مَعْرِفَتِكَ » ( مناجاة العارفين ، مفاتيح الجنان ) . وفي دعاء المشلول عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) : « يا مَنْ لا يَعْلَمُ ما هُوَ وَلا كَيْفَ هُوَ وَلا أين هُوَ وَلا حَيْثُ هُوَ اِلاّ هُوَ » (مفاتيح الجنان ). وقال تعالى :{ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } {طه/110}. وقال عليّ (عليه السّلام) : « س بحان من إذا اتناهت العقول في وصفه كانت حائرة دون الوصول إليه ، وتبارك مَن اذا غرقت الفطن في تكيّفه لم يكن لها طريق إليه غير الدلالة عليه » . وكفى قوله تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } {الشورى/11} . نعم يمكن معرفة الله تعالى من آثاره ، وآيات عظمته ، وحكمته وقدرته ، ومظاهر صفاته ، وأسمائه الحسنى ، وبما أنّ المعصومين (عليهم السّلام) أكثر علماً وإحاطة بآيات الله تعالى ومخلوقاته ، فمعرفتهم بالله تعالى أعظم وأكثر من غيرهم ، بل ورد عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) قوله : « ولوكشف لي الغطاء ما ازدت يقيناً » . وقد ورد عن رسول الله (صلّی الله عليه وآله وسلّم) قوله لعليّ : « ياعليّ ماعرف الله إلّا أنا وأنت ، وماعرفني إلّا الله وأنت ، وماعرفك إلّا الله وأنا » . وقال أمير المؤمنين (عليه السّلام) حينما سئل هل رأيت ربّك ؟ قال : « وكيف أعبد ربّاً لم أره , لم تره العيون بمشاهدة العيان ، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان » . ونحن ننصحك بقرأءة توحيد المفضّل لترى ماذكره الإمام الصادق (عليه السّلام) من الآيات والأدلّة والبراهين والحجج والآثار الدالّة على وجود الله تعالى ووحدانيته وقدرته وحكمته ولطيف صنعه ، ومن ذلك تعرف أنّ الأئمة كانوا في أعلى مراتب المعرفة الممكنة للبشر تجاه الخالق العظيم .
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: الدليل على التوحيد الأحدي أيّ عدم تركّب الصانع من جزئين هو أنّ التركّب نقص ومستلزم للاحتياج فإنّ كلّ جزء من أجزائه يحتاج إلى الجزء الآخر ، والمفروض أنّ واجب الوجود غني على الإطلاق ولا يحتاج إلى أيّ شيء. وأمّا الدليل على التوحيد الواحدي أيّ عدم وجود شريك للباري تعالى فهو ما أشارت إليه الآية الكريمة : ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّـهُ لَفَسَدَتَا ) [ الأنبياء : 22 ] ، وقوله تعالى : ( مَا اتَّخَذَ اللَّـهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـٰهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ) [ المؤمنون : 91 ] . ويستفاد من قول الإمام الصادق عليه السلام : « فَلَمّا رَأَيْنَا الْخَلْقَ مُنْتَظِماً وَالْفَلَكَ جارِياً وَالتَّدْبِيرَ واحِداً وَاللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَلَّ صِحَّةُ الْأمْرِ وَالتَّدْبِيرِ وَائْتِلافُ الْأَمْرِ عَلى أنَّ المُدَبِّرَ واحِدٌ » [ الأصول من الكافي / المجلّد : 1 / الصفحة : 81 / الناشر : منشورات المكتبة الإسلاميّة ، بحار الأنوار / المجلّد : 3 / الصفحة : 230 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2 ] ، فلو كان المدبّر لهذا الكون متعدّداً ولكلّ واحد منهما قدرة كاملة لوقع الفساد في الكون ، إذ من المحتمل إرادة كلّ منهما غير ما يريده الآخر ، فيحصل الفساد أو عدم تحقّق شيء. ولعلّ الإستدلال في مورد السؤال يرجع إلى دليل آخر على نفي الشريك للبارى أشار إليه المجلسي في بحار الأنوار كتاب التوحيد وهو : إنّه يلزم من تعدّد الإله وجود الفاصل المائز القديم بينهما ، ثمّ وجود الفصل أيضاً بين الثلاثة فيما بينهما ، وهكذا متسلسلاً والتسلسل باطل ، فيصدق ضد التعدّد وهي الوحدة. وتوضيحه : أنّه لو كان التعدّد موجوداً لكان امتياز أحد الآلهتين عن الآخر بأمر خارج يحتاج إليه في الإمتياز ، فيكون الإلهان محتاجين إلى المائز والاحتياج ليس من شأن الإله ، فإن كلّ محتاج ممكن والله الغني أجلّ من الاحتياج ، فلا يكون له شريك.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: 1. قوله تعالى : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (1). وقد اتّفق جميع المفسّرين والمحدّثين من الشيعة والسنّة على أنّ الآية شاملة للزهراء عليها السّلام. (2) 2. قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : إنّ الله عزَّ وجلَّ يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها . (3) ومن المعلوم أنّ الله تعالى لا يرضى لرضى أحد إلّا إذا كان معصوماً. 3. قال الإمام العسكري عليه السلام : نحن حجج الله على خلقه وجدتنا فاطمة حجة الله علينا . (4) فإذا لم تكن فاطمة عليها السلام معصومة ، فكيف تكون حجّة الله على الأئمّة المعصومين عليهم السلام ؟ 4. قال الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف في توقيعه إلى الشيخ العمري : وفي ابنة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لي أسوة حسنة . (5) 5. وعن الصادق عليه السلام : لولا ان الله خلق أمير المؤمنين عليه السلام لم يكن لفاطمة عليها السلام كفو على ظهر الارض آدم فمن دونه . (6) وفي حديث الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم : ان الله قد أعطى فاطمة في الدنيا ذلك ، فأنا أبوها وما أحد من العالمين مثلي ، وعلي بعلها ولولا علي ما كان لفاطمة كفؤ أبداً ، وأعطاها الحسن والحسين وما للعالمين مثلهما سيدا شباب أسباط الانبياء وسيدا شباب أهل الجنة. (7) 6. عن أبي جعفر الباقر عليه السلام : ولقد كانت صلوات الله عليها طاعتها مفروضة على جميع مَن خلق الله من الجنِّ ، والإِنس ، والطير والبهائم ، والأنبياء والملائكة. (8) فكيف يفرض الله طاعة غير المعصوم على المعصومين ؟ 7. أفضليّتها وسيادتها على نساء الأولين والآخرين ونساء الجنّة حتّى مريم عليها السلام ، وهو يستلزم عصمتها ، وإلّا لم تكن غير المعصومة أفضل من المعصومة. ففي حديث عن الصادق عليه السلام : وان الله عز وجل جعلك سيدة نساء عالمك وعالمها وسيدة نساء الأولين والآخرين . (9) وفي حديث الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم : وابنتي فاطمة سيدة نساء أهل الجنّة من الخلق أجمعين . (10) 8. قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : منّا خمسة معصومون . قيل يا رسول الله ، من هم ؟ قال : أنا ، وعليّ ، وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام . (11) 9. تستفاد العصمة من ألقابها التي صدرت عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم والأئمّة المعصومين عليه السلام ، مثل : الطاهرة ، والمطهّرة ، والحوراء. (12) 10. شأنها العالي ، ومقامها الرفيع حيث جعلها الله محوراً للمعصومين : أبيها وبعلها وبنيها ، كما في حديث الكساء الشريف : وَهُمْ فاطِمَةُ وَأبُوها وَبَعْلُها وَبَنُوها (13). 11. كونها بضعة لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، المقتضي لأن تكون كالأصل معصومة ، بل هي مهجة قلبه وروحه التي بين جنبيه ، كما في الأحاديث الواردة عن الفريقين. قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : وأمّا ابنتي فاطمة فإنّها سيّدة نساء العالمين ، من الاوَّلين والآخرين وهي بضعة منّي ، وهي نور عينيَّ ، وهي ثمرة فؤادي ، وهي روحي الّتي بين جنبيَّ ، وهي الحوراء الإنسيّة. (14) الهوامش 1. الأحزاب : 33. 2. راجع : الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 286 ـ 287 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 3. الأمالي « للشيخ الطوسي » / الصفحة : 248 ـ 249 / الناشر : دار الثقافية / الطبعة : 1. تفسير فرات الكوفي « لعلي بن إبراهيم القمي » / الصفحة : 336 ـ 337 / الناشر : مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي / الطبعة : 1. تفسير القمي « لعلي بن إبراهيم القمي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 193 ـ 194 / الناشر : مؤسسة دار الكتاب / الطبعة : 3. تفسير القرآن العظيم « لابن كثير » / المجلّد : 3 / الصفحة : 494 / الناشر : دار المعرفة. أسباب النزول « لأحمد بن محمد النيسابوري » / الصفحة : 354 / الناشر : دار الإصلاح ـ الدمام / الطبعة : 2. تفسير القرآن العظيم « لابن أبي حاتم الرازي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 3131 / الناشر : دار الفكر. الدر المنثور في التفسير بالمأثور « لجلال الدين السيوطي » / المجلّد : 6 / الصفحة : 604 ـ 605 / الناشر : دار الفكر. 3. شرح احقاق الحق « للسيد المرعشي » / المجلّد : 10 / الصفحة : 116 ـ 117 / الناشر : منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي. راجع : الأمالي « للشيخ الصدوق » / الصفحة : 467 ـ 468 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. عيون أخبار الرضا « للشيخ الصدوق » / المجلّد : 2 / الصفحة : 51 / الناشر : مؤسسة الأعلمي / الطبعة : 1. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 43 / الصفحة : 220 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. 4. أطيب البيان « للسيد عبدالحسين الطيب » / المجلّد : 13 / الصفحة : 225 / الناشر : انتشارات اسلام / الطبعة : 2. 5. الغيبة « للشيخ الطوسي » / الصفحة : 286 / الناشر مؤسسة المعارف الإسلاميّة / الطبعة : 1. 6. تهذيب الأحكام « للشيخ الطوسي » / المجلّد : 7 / الصفحة : 470 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 4. راجع : المناقب « لابن شهر آشوب » / المجلّد : 2 / الصفحة : 181 / الناشر : مؤسسة انتشارات علامة / الطبعة : 1. الوافي « للفيض الكاشاني » / المجلّد : 21 / الصفحة : 315 / الناشر : مكتبة الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام / الطبعة : 1. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 43 / الصفحة : 107 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. 7. شرح إحقاق الحق « للسيد المرعشي » / المجلّد : 19 / الصفحة : 117 / الناشر : منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي. راجع : تفسير القمي « لعلي بن إبراهيم القمي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 338 / الناشر : مطبعة النجف. كشف الغمة « لعلي بن أبي الفتح الإربلي » / المجلّد : 4 / الصفحة : 419 / الناشر : المجمع العالمي لأهل البيت. البرهان في تفسير القرآن « للسيد هاشم البحراني » / المجلّد : 4 / الصفحة : 143 / الناشر : مؤسسة البعثة. 8. دلائل الإمامة « لمحمد بن جرير الطبري » / الصفحة : 106 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. 9. علل الشرائع « للشيخ الصدوق » / الصفحة : 182 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 2. راجع : دلائل الإمامة « لمحمد بن جرير الطبري » / الصفحة : 152 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. التفسير الصافي « للفيض الكاشاني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 336 / الناشر : مكتبة الصدر / الطبعة : 2. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 43 / الصفحة : 78 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. 10. شرح إحقاق الحق « للسيد المرعشي » / المجلّد : 5 / الصفحة : 41 / الناشر : منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي. راجع : الأمالي « للشيخ الصدوق » / الصفحة : 373 ـ 374 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. الأمالي « للشيخ الطوسي » / الصفحة : 84 ـ 85 / الناشر : دار الثقافة / الطبعة : 1. بشارة المصطفى « لمحمد بن أبي القاسم الطبري » / الصفحة : 65 ـ 66 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 36 / الصفحة : 294 ـ 296 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 2. 11. عوالم العلوم والمعارف ـ العوالم ، سيّدة الزهراء سلام الله عليه ـ « للشيخ عبدالله البحراني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 86 / الناشر : مؤسسة الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف / الطبعة : 3. راجع : مناقب الإمام أمير المؤمنين (ع) « لمحمد بن سليمان الكوفي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 153 / الناشر : مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة. 12. راجع : الخصال : « للشيخ الصدوق » / الصفحة : 414 / الناشر : منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلميّة بقم المقدّسة. تفسير فرات الكوفي « لفرات بن إبراهيم الكوفي » / الصفحة : 216 / الناشر : مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي / الطبعة : 1. علل الشرائع « للشيخ الصدوق » / المجلّد : 1 / الصفحة : 183 ـ 184 / الناشر : المكتبة الحيدريّة. 13. عوالم العلوم والمعارف ـ العوالم ، سيّدة الزهراء سلام الله عليه ـ « للشيخ عبدالله البحراني » / المجلّد : 2 / الصفحة : 933 / الناشر : مؤسسة الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف / الطبعة : 3. 14. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 43 / الصفحة : 172 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. راجع : الأمالي « للشيخ الصدوق » / الصفحة : 175 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. بشارة المصطفى « لمحمد بن أبي القاسم الطبري » / الصفحة : 306 ـ 307 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. عوالم العلوم والمعارف ـ العوالم ، سيّدة الزهراء سلام الله عليه ـ « للشيخ عبدالله البحراني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 277 / الناشر : مؤسسة الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف / الطبعة : 3.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: عذاب البرزخ وثوابه حقّ لا ريب فيه ، وقد ورد عن رسول الله صلّى الله عيه وآله وسلّم : « القبر إمّا روضة من رياض الجنّة ، أو حفرة من حفر النيران » . [ بحار الأنوار ، المجلّد : 6 / الصفحة : 275 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2 ] ولكن ليس من الضروري أن يعذّب كلّ أحد في القبر ، لأنّ عذاب القبر بالنسبة للمؤمن تمحيص له عن الذنوب والمعاصي ، وتطهير له ليرد على الله تعالى مستحقّاً لثوابه. وفي الحديث الشريف : « إنّ الله تعالى إذا أحبّ أحداً وصدرت منه المعاصي فإمّا أن يبتليه بمرض في بدنه ليكون تطهيراً له من آثار المعصية ، أو يبتليه في ماله أو في ولده أو يشتدّ عليه النزع وسكرات الموت ، وإذا لم يتحقّق بعض هذه الأمور ، فيبتلي بعذاب البرزخ ليكون كفّارة لذنوبه » . ولذا ورد عن الامام الصادق عليه السّلام : « والله ما أخاف عليكم إِلا البرزخ ، فامّا إِذا صار الأمر إلينا فنحن أولى بكم » . [ بحار الأنوار ، المجلّد : 6 / الصفحة : 214 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2 ] وقد ورد أنّ بعض المعاصي والأخلاق الذميمة توجب عذاب القبر ـ ضغطة القبر ـ ، ومنها سوء خلق الرجل مع زوجته وأهله. وعلى كلّ حال يمكن التخلّص من عذاب القبر بعدم إرتكاب الذنوب والمعاصي ، أو التوبة والإستغفار من الذنوب بالندم على ما صدر منه والعزم على عدم العود ، وإصلاح ما فسد ، والتخلّص عن حقوق الناس وإرضائهم ، والتوسّل بالنبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم والأئمّة المعصومين عليهم السّلام والذهاب لزيارتهم. وقد نقل إنّ إمرأة مؤمنة كانت مداومة لزيارة عاشوراء ، فلمّا توفّيت ودفنت ، جاء الإمام الحسين عليه السّلام لزيارتها ، « أو قلّ لردّ الزيارة » إلى قبرها ، وببركة مجيء الإمام الحسين عليه السّلام ارتفع العذاب ـ عذاب القبر ـ عن جميع المدفونين في تلك المقبرة. فراجع مفاتيح الجنان للشيخ القمّي أعلى الله مقامه بعد زيارة عاشوراء ودعاء علقمة لتجد تفاصيل القصّة هناك. وعلى كلّ حال فرحمة الله واسعة ، والنبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم ، والأئمة عليه السّلام المعصومون ، وفاطمة الزهراء عليها السلام شفعاء مشفّعون ، فلا بدّ أن نرجوا رحمة الله الواسعة ، وشفاعة المعصومين عليهم السّلام ، وفي نفس الوقت نخاف من ذنوبنا وشرور أنفسنا ، فنتداركها بالتوبة والأنابة إلى الله تعالى ، ونجتهد في تحصيل رضى الله تعالى بإتيان الواجبات وترك المحرمات. ففي الحديث الشريف عن النبيّ الأعظم صلّى الله عيه وآله وسلّم : « من مات على حبّ آل محمّد مات شهيداً » . [ بحار الأنوار ، المجلّد : 23 / الصفحة : 233 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2 ] ومن المعلوم أنّ الشهيد لا يعذّب في القبر ، فينبغي أن يكون حبّنا لله ولرسوله ولأهل البيت عليهم السّلام صادقاً بإطاعتهم ، والسير على نهجهم ، والرجوع إلى خطّهم ، كلّما انحرفنا عنه بإغراء الشيطان الرجيم وإغوائه ووسوسته. وقد روي عن الصادق عليه السّلام أنّه قال : تعصي الاله وأنت تظهر حبّه هذا لعمرك في الفعال بديع لو كان حبّك صادقا لأطعته إنّ المحبَّ لمن يحبُّ مطيعُ [ بحار الأنوار ، المجلّد : 47 / الصفحة : 24 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2 ]
من سماحة السيد جعفر علم الهدى لقد كان عيسى بن مريم ( عليه السّلام ) نبيّاً وهو في المهد ، ويظهر من القرآن الكريم أنّه لم يكن فرق بين كونه في المهد وبين كونه رجلاً كبيراً . قال الله تعالى : { إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً } {المائدة/110} . وقال تعالى : { وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا } {مريم/12} . وقال تعالى على لسان عيسى بن مريم ( عليه السّلام ) وهو طفل رضيع مخاطباً لبني إسرائيل : { إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّ ا } {مريم/30} . وكيف ما كان ، فالله أعلم حيث يجعل رسالته و ولايته وإمامته ، فلا استبعاد في أن يجعل الله تعالى طفلاً إماماً وحجّة على الخلق ؛ فإنّ الإمامة عند الشيعة الإمامية منصب إلهي ، وليس للناس اختيار في تعيين الإمام . قال الله تعالى : { قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } {البقرة/124} : أيّ الإمامة عهد يعطيه الله لمَن يختاره . وقال الله تعالى : { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ } {القصص/68}. وقال تعالى : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } {الأحزاب/36} . ففي رواية عن ابن أسباط قال : خرج عليّ أبو جعفر الجواد ( عليه السّلام ) ، فجعلت أنظر إليه وإلى رأسه ورجليه لأصف قامته لأصحابنا بمصر ، فلمّا جلس قال : « ياعليّ إنّ الله احتجّ في الإمامة بمثل ما احتجّ في النبوّة قال الله تعالى : { وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا } {مريم/12} ، قال : ولمّا بلغ أشدّه وبلغ أربعين سنة ، فقد يجوز أن يعطي الحكم صبياً ، ويجوز أن يعطي ، وهو ابن أربعين سنّة » . وفي إرشاد المفيد بسنده الصحيح عن معمّر بن خلاّد قال سمعت الرضا ( عليه السّلام ) وذكرشيئاً فقال : « ما حاجتكم إلى ذلك » ؟ « هذا أبو جعفر قد اجلسته مجلسي ، وصيّرته مكاني » ، وقال : « إنّا أهل بيت يتوارث أصاغرنا أكابرنا القذة بالقذة » . وفي الكافي بسنده عن محمّد بن الحسن بن عمّار قال : كنت عند عليّ بن جعفر بن محمّد جالساً بالمدينة ، وكنت أقمت عنده سنتين أكتب عنه ما سمع من أخيه يعني أبا الحسن موسى بن جعفر ( عليه السّلام ) ، إذ دخل عليه محمّد بن عليّ الرضا المسجد ـ مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ـ فوثب عليّ بن جعفر بلا حذاء ولا رداء فقبّل يده وعظّمه . فقال أبو جعفر ( عليه السّلام ) : « ياعمّ اجلس رحمك الله ». فقال : ياسيّدي كيف أجلس وأنت قائم ؟ فلما رجع عليّ بن جعفر إلى مجلسه جعل أصحابه يوبّخونه ويقولون : أنت عمّ أبيه وأنت تفعل به هذا الفعل ؟ فقال : اسكتوا إذا كان الله عزّوجلّ ـ قبض على لحيته ـ لم يؤهّل هذه الشيبة ، وأهّل هذا الفتى ، ووضعه حيث وضعه أُنكر فضله ؟ نعوذ بالله ممّا تقولون ، بل أنا له عبد .
بعض الأسئلة حول قوله تعالى : { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَة } السؤال : هناك بعض الأسئلة حول قوله تعالى : { إِ نَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } . 1- ما المقصود بالأمانة؟ 2- عندما نعرض أمراً على الغير ونطلب منه القيام بالدور المطلوب لابدّ أن يتوفّر فيه شرطان أساسيان : القابلية الذاتية لتحمل الدور ، والأهلية اللازمة لايفاء التعهد . فاذا افترضنا إنّ إباء السماوات والأرض عن تحمّل الأمانة كانت بسبب عدم وجود القابلية الذاتية : أيّ عدم وجود الملكة ، فيلزم منه أن يكون أصل العرض عليها غير صحيح . واذا افترضنا كانت فيها القابلية ، ولكن مع ذلك أبين عن تحمّل الأمانة كما يستفاد من ظهور { أَبَيْنَ } و{ أَشْفَقْنَ } . فينقدح هذا السؤال هل يحقّ أساساً لهذا الموجود المخلوق أن يأبى عن تحمّل ما عرض عليه خالقه؟ 3- تحمّل هذه الأمانة من قبل الإنسان : إمّا كان باختياره أو بغير اختياره. فان كان باختياره ، فأيضاً عرض هذه الأمانة على من ليس الأهلية بالوفاء قبيح . وهذا من قبيل إعطاء زمام أمور بلد إلى فرد لا أهلية له للقيام بهذا الدور. وإن لم يكن باختياره بل كان تحميلاً عليه ، فهذا أوّلاً : لا يناسب قوله : { عَرَضْنَا } حيث يستفاد منه كون تحمّل الأمانة اختيارياً. وثانياً : لا مقتضي للتعبير: { إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } ؛ لأنّه نظراً لفقدان الأهلية بالوفاء فيه كانت هذه النتيجة متصورة في حقّه من بادئ الأمر. الجواب : من سماحة العلامة السيّد كمال الحيدري المقصود من الأمانة هنا الولاية الإلهية . والمراد من عرض الأمانة وحملها : هو العرض الكوني الوجودي للولاية والخلافة الإلهية , والذي يحمل هذه الأمانة الإلهية لابدّ أن يكون قادراً ومستعداً لحملها , فيكون واسطة الفيض ، وهو الإنسان ، ووصف بالظلوم الجهول للإشارة إلى أنّ الإنسان فيه القدرة على أن يكون ظلوماً جهولاً ، وفيه القدرة على أن يكون عالماً عادلاً ، وإذا لم تكن فيه هذه القدرة والاستعداد - الظلم والجهل - لم يكن فيه تلك القدرة والاستعداد - عالماً عادلاً - . والإباء هنا من قبل السموات والأرض هو إباء إشفاقي لا إستكباري ، فهو إباء الذّلة والضعف ، لا إباء استكبار كما في إبليس : { أَبَى وَاسْتَكْبَرَ } {البقرة/34} . بعبارة أخرى : ا لآية بصدد بيان المقايسة بين الأشياء عند عرض الأمانة الإلهية عليها , فيكون المراد بحملها والإباء عنها هو وجود استعداد وصلاحية التلبس بها وعدمه , وهذا المعنى هو القابل لئن ينطبق على الآية ، فالسماوات والأرض والجبال على ما فيها من العظمة والشدة والقوة فاقد لاستعداد حصولها فيها ، وهو المراد بإبائهنّ عن حملها وأشفاقهنّ منها , لكن الإنسان الظلوم الجهول لم يأب ولم يشفق من ثقلها وعظم خطرها فحملها على ما بها من الثقل وعظم الخطر ، فتعقب ذلك أن أنقسم الإنسان من جهة حفظ الأمانة وعدمه بالخيانة إلى : منافق ومشرك ومؤمن بخلاف السماوات والأرض والجبال فما منها إلّا مؤمن مطيع .
بعض الأسئلة حول قوله تعالى : { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَة } السؤال : هناك بعض الأسئلة حول قوله تعالى : { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } {الأحزاب/72}. 1- ما المقصود بالأمانة؟ 2- عندما نعرض أمراً على الغير ونطلب منه القيام بالدور المطلوب لابدّ أن يتوفّر فيه شرطان أساسيان : القابلية الذاتية لتحمل الدور ، والأهلية اللازمة لايفاء التعهد . فاذا افترضنا إنّ إباء السماوات والأرض عن تحمّل الأمانة كانت بسبب عدم وجود القابلية الذاتية : أيّ عدم وجود الملكة ، فيلزم منه أن يكون أصل العرض عليها غير صحيح . واذا افترضنا كانت فيها القابلية ، ولكن مع ذلك أبين عن تحمّل الأمانة كما يستفاد من ظهور { أَبَيْنَ } و{ أَشْفَقْنَ } . فينقدح هذا السؤال هل يحقّ أساساً لهذا الموجود المخلوق أن يأبى عن تحمّل ما عرض عليه خالقه؟ 3- تحمّل هذه الأمانة من قبل الإنسان : إمّا كان باختياره أو بغير اختياره. فان كان باختياره ، فأيضاً عرض هذه الأمانة على من ليس الأهلية بالوفاء قبيح . وهذا من قبيل إعطاء زمام أمور بلد إلى فرد لا أهلية له للقيام بهذا الدور. وإن لم يكن باختياره بل كان تحميلاً عليه ، فهذا : أوّلاً : لا يناسب قوله : { عَرَضْنَا } حيث يستفاد منه كون تحمّل الأمانة اختيارياً. وثانياً : لا مقتضي للتعبير: { إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } ؛ لأنّه نظراً لفقدان الأهلية بالوفاء فيه كانت هذه النتيجة متصورة في حقّه من بادئ الأمر. الجواب : من سماحة السيّد جعفر علم الهدى ج1- قيل : إنّ المراد : { الْأَمَانَةَ }بالأمانة التكّليف ، والمراد بعرضها على السماوات والأرض هو ملاحظة استعدادهنّ للتكليف ، والمراد بإبائهنّ هو الإباء الطبيعي وعدم الاستعداد واللياقة ، والمراد بحمل الإنسان هو قابليته واستعداده للتكّليف ، والمراد بكونه : { ظَلُومًا جَهُولًا } غلبة القوة الشهوية والغضبية عليه وهو وصف بلحاظ الأغلب . ويؤيد هذا المعنى : ما ورد أنّ عليّاً (عليه السّلام) إذا حضر وقت الصلاة كان يتململ ويتزلزل ، ويتغّير لونه. فيقال له مالك : يا أمير المؤمنين ؟ فيقول : { جاء وقت الصلاة ، وقت أمانة عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملها وأشفقن منها }. وفي تفسير القمّي : « الأمانة هي الإمامة والأمر والنهي » . وفي عيون أخبار الرضا (عليه السّلام) ، ومعاني الأخبار للصدوق (قدسّ سرّه) عن الإمام الرضا (عليه السّلام) في هذه الآية قال : « الأمانة الولاية من أدعاها بغير حقّ فقد كفر » . وفي الكافي عن الصادق (عليه السّلام) : « هي ولاية أمير المؤمنين (عليه السّلام) ». وفي البصائر عن الباقر(عليه السّلام) : « هي الولاية أبين أن يحملنها كفراً بها وعناداً ، وحملها الإنسان ، والإنسان الذي حملها أبو فلان ». يعني إنّ الولاية عرضت على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها كذباً وزوراً بأن يدعين الولاية ، ولا يؤمن بها باطناً ، ولكن أبو فلان حملها ظاهراً ، وكفّر بها باطناً . ج2- ظهر جوابه : وهو أنّ المراد من عرضها (الأمانة والتكاليف والولاية) على السماوات والأرض النظر إلى قابليتها ولياقتها بحسب استعدادها الوجودي ، والمراد من الإباء الإباء الطبيعي ، أيّ تبين عدم لياقتها ، أو أنّ الأمانة هي الولاية وعرضت على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها على وجه الكفر والجحود والنفاق ، ولاينافي إنهنّ حملن الولاية على نحو التسليم والانقياد . أمّا الانسان - والمراد به أبو فلان وأتباعه - فحملها على نحو النفاق والكفر لجهله وعناده وتكبّره . ج3- العرض : كان لأجل اللياقة والاستعداد كما أنّ التحمّل اختيارياً ، لكن أغلب الناس لم يقم بوظيفته تجاه تلك الأمانة ، ولذا صار جهولاً ظلوماً . قال في تفسير الصافي : « إنّ المراد بالأمانة التكليف بالعبودية لله على وجهها ، والتقرب بها إلى الله سبحانه كما ينبغي لكلّ عبد بحسب استعداده لها ، وأعظمها الخلافة الإلهية لأهلها ، ثمّ تسليم مَن لم يكن من أهلها لأهلها ، وعدم ادعاء منزلتها لنفسه ، ثمّ سائر التكاليف . ثمّ المراد بعرضها على السماوات والأرض والجبال : النظر إلى استعدادهنّ لذلك. وبإبائهن : الإباء الطبيعي الذي هو عبارة عن عدم اللياقة لها ، وبحمل الإنسان إياها تحمّله لها من غير استحقاق تكبّراً على أهلها ، ومع تقصيره بحسب وسعه في أدائها . وبكونه ظلوماً جهولاً : ما غلب عليه من القوّة الغضبية والشهوية ، وهو وصف للجنس باعتبار الأغلب . فهذه الحقائق معان كلّية - وكلّ ما ورد في تأويلها في مقام التخصيص يرجع إلى هذه الحقائق ... » .
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: لم تفهم للأسف معنى الشفاعة ، وخصوصيّات الشفيع والمشفّع له ، كما لم تراجع الأحاديث الواردة حتّى من طرق علماء أهل السنّة التي تصرح بثبوت الشفاعة للنبي الأعظم صلّى الله عليه وآله. فالله تعالى وان كان أرحم الراحمين ، ورحمته وسعت كلّ شيء ، لكنّه في نفس الوقت أراد أن يعرف الناس مقام ومنزلة رسوله العظيم وأهل بيته وأوليائه ؛ فأمر الناس بالتوجّه إليه لا إلى غيره ، لكن مع الاستشفاع والتوسّل بالنبي الأعظم صلّى الله عليه وآله وأوليائه. ففي صحيح البخاري ، ان عمر بن الخطاب توسّل بالعبّاس عمّ النبي صلّى الله عليه وآله في الاستسقاء ، وطلب المطر من الله تعالى ، قائلاً : « اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيّنَا فَتسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمَّ نَبيِّنَا فَاسْقِنَا ، قالَ فَيُسْقَوْنَ ». (1) قل لعمر بن الخطاب لماذا تترك الطلب من الله تعالى ، وهو أرحم بكم وتستشفع بعمّ النبي ، أيّهما أرحم ، الله أو العبّاس ؟ أيّهم يستجيب الداعي إذا دعاه ؟ والجواب انّك لم تعلم معنى الشفاعة والتوسّل ؛ فانّك لا تطلب من الشفيع حاجتك ، بل تطلب من الله تعالى ، وانّما تقدّم الشفيع بينك وبين الله تعالى ، حتّى يستجيب الله دعائك اكراماً للشفيع ، وببركة الاستشفاع به. فراجع كتب الحديث والتفسير لكي ترى الآيات والروايات الدالّة على الشفاعة ، منها قوله تعالى : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّـهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّـهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ) (2). أقول : مع كون الله تعالى توّاباً رحيماً ؛ فلماذا تأمر الآية المجيء الى رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وطلب الاستغفار لهم منه ، فليستغفر كلّ أحد لوحده وفي بيته. ومنها قوله : ( يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ) (3) ، فاستشفع أولاد يعقوب بأبيهم ، وطلبوا منه الاستغفار ، مع انّ الله تعالى يقبل التوبة عن عباده ؛ فلماذا لم يردهم يعقوب النبي عليه السلام ، ولم يقل لهم : توبوا الى الله بأنفسكم ، بل قرّرهم على الاستشفاع والتوسّل به ، وقال : ( سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ ) (4). ومنها قوله : ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ ) (5) ، وقد فسّر في الروايات بالشفاعة. وقد ورد عن رسول الله في قوله : « ادّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من اُمّتي » (6) . الهوامش 1. صحيح البخاري / المجلّد : 2 / الصفحة : 34. صحيح البخاري / المجلّد : 5 / الصفحة : 25. 2. النساء : 64. 3. يوسف : 97. 4. يوسف : 98. 5. الضحى : 5. 6. بحار الأنوار « للمجلسي » / المجلّد : 8 / الصفحة : 30 / الناشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت / الطبعة : 2.