الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: الخوف من الموت قد يكون بسبب إرتكاب الذنوب والمعاصي ؛ فيخاف من عذاب الله تعالى ، وهذا العذاب يبدأ من عالم القبر والبرزخ ، فإنّ القبر إمّا روضة من رياض الجنّة أو حفرة من حفر النار. وفي الحديث : « إنّما والله ما أخاف عليكم إلا البرزخ فأمّا إذا صار الأمر إلينا فنحن أولى بكم » . [ بحار الأنوار / المجلّد : 6 / الصفحة : 214 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2 ] وقد يكون السبب هو الركون إلى الدنيا وزخارفها ونسيان الآخرة التي هي دار الخلد ، وفي الحديث أنّه سئل الإمام الحسن عليه السلام : يابن رسول الله ما بالنا نكره الموت ، ولا نحبّه ؟ فقال الإمام الحسن عليه السلام : « إنّكم أخربتم آخرتكم وعمّرتم دنياكم ، فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب » . [ بحار الأنوار / المجلّد : 6 / الصفحة : 129 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2 ] وقد يكون السبب هو عدم المعرفة بحقيقة الموت ، والحال أنّ الموت راحة للمؤمن ، ففي الحديث قيل للصادق عليه السلام : صف لنا الموت. قال : « للمؤمن كأطيب ريح يشمّه ، فينعس لطيبه ، وينقطع التعب ، والألم كلّه عنه ؛ وللكافر كلسع الأفاعيّ ولدغ العقارب أو أشدّ » . [ بحار الأنوار / المجلّد : 6 / الصفحة : 152 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2 ] قيل لعلي بن الحسين عليه السلام : ما الموت ؟ قال : « للمؤمن كنزع ثياب وسخة قملة ، وفكّ قيود وأغلال ثقيلة ، والاستبدال بأفخر الثياب وأطيبها روائح ، وأوطئ المراكب ، وآنس المنازل ؛ وللكافر كخلع ثياب فاخرة ، والنقل عن منازل أنيسة ، والاستبدال بأوسخ الثياب وأخشنها ، وأوحش المنازل وأعظم العذاب » . [ بحار الأنوار / المجلّد : 6 / الصفحة : 55 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2 ] بل حتّى المؤمن الذي يشتدّ عليه سكرات الموت يكون ذلك خيراً له ، إذ يكون كفّارة لذنوبه لكي يلقى الله تعالى طاهراً من المعاصي ومستحقّاً لشفاعة النبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم وأهل بيته المعصومين عليهم السّلام. ففي الحديث عن أبي محمّد العسكري عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال : دخل موسى بن جعفر عليه السلام على رجل قد غرق في سكرات الموت وهو لا يجيب داعياً فقالوا له : يابن رسول الله ، وددنا لو عرفنا كيف الموت ، وكيف حال صاحبنا ؟ فقال ـ عليه السلام ـ : « الموت هو المصفاة تصفّي المؤمنين من ذنوبهم ، فيكون آخر ألم يصيبهم كفّارة آخر وزر بقي عليهم ... وأمّا صاحبكم هذا فقد نخل من الذنوب نخلاً وصفّي من الآثام تصفيةً ، وخُلّص حتّى نقي كما ينقى الثوب من الوسخ ، وصلح لمعاشرتنا أهل البيت في دارنا دار الأبد » . [ بحار الأنوار / المجلّد : 6 / الصفحة : 55 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2 ] فالمؤمن إذا إلتفت إلى ذلك لا يخاف الموت ، بل يحبّه ويشتاق إليه ، كما في الحديث عن الإمام الجواد عليه السّلام : « أما إنّهم لو عرفوا ما يؤدّي إليه الموت من النعيم لاستدعوه وأحبّوه أشدّ ما يستدعي العاقل الحازم الدواء لدفع الآفات واجتلاب السلامة » . [ بحار الأنوار / المجلّد : 6 / الصفحة : 56 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2 ] وفي حديث آخر : دخل علي بن محمّد عليه السلام على مريض من أصحابه ، وهو يبكي ، ويجزع من الموت ، فقال له : « يا عبد الله تخاف من الموت ؛ لأنّك لا تعرفه ... فذلك الموت هو الحمام ، وهو آخر ما عليك من تمحيص ذنوبك ، وتنقيتك من سيائتك ... » . [ بحار الأنوار / المجلّد : 6 / الصفحة : 56 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2 ]
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: إنّ الله تعالى هو الذي خلق الأشياء كلّها ، وهو قادر على إفناءها وإزالتها بل كلّ موجود كما يحتاج في حدوثه إلى موجد وصانع وخالق ، فكذلك يحتاج في بقائها إلى الخالق والمبقي.
من سماحة السيّد جعفر علم الهدى الجواب المقنع لهؤلاء أنّكم لوكنتم تعتقدون بصحّة القران الكريم ، وأنّه كتاب سماوي نزّل على النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من قبل الله تعالى بواسطة روح القدس ، فلماذا غفلتم عن الآيات التي تصرّح بأنّ عيسى بن مريم (عليه السّلام) نبيّ من الأنبياء ، وليس إلهاً ، ولا ابن الله ، وأنّ بعض النصارى اختاروا الكفر والشرك بقولهم إنّ الله تعالى ثالث ثلاثة ، وقد أكّد القران الكريم على أنّ عيسى بن مريم (عليه السلام) بشر كسائر البشر قال تعالى : { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } {آل عمران/59} ، ومخلوق من مخلوقات الله ، ويستحيل أن يكون إلهاً ، أو ابن الله ، ويكفي في ذلك سورة الإخلاص : { هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } {الإخلاص/1ـ 4}. وأمّا الحروف المقطعة : فقد ورد فيها أنّها رموز وأسرار بين الله تعالى ورسوله وأوليائه الأئمة المعصومين (عليه السّلام) ، لايصل إلى هذه الأسرار غيرهم . نعم قال بعض أهل المعرفة : إنّها بعد تركيبها وإسقاط المتكرر تكون : ( صراط عليّ حقّ نمسكه ) . وأمّا إنّ الحروف المتقطعة : لها أعداد ورقوم فهو صحيح ، لكن تطبيق مجموع هذه الأعداد على كلمات أُخرى فهو غير معلوم مثلاً : ( كهيعص) بحسب الحروف الأبجدية يكون مجموعها (195) ؛ لأنّ الكاف (20 ) ، والهاء ( 5 ) ، والياء (10 ) ، والعين ( 70 ) ، والصاد (90 ) ، وهذا ينطبق على كلمات كثيرة مركّبة من حروف تكون مجموعها ( 195) ، فالمسلم يتمكّن أن يركّب منها كلمة تؤيّد معتقده ، كما أنّ المسيحي يتمكّن أن يركّب منها كلمة تؤيّد معتقده ، فمَن الذي يكون كلامه حقّاً ؟ وأمّا الآيات الصريحة الدّالة على أنّ عيسى لم يكن إله أو ربّ فهي : 1ـ : { وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ } { المائدة/116} . 2 ـ : { لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ } { المائدة/ 17،72 } . 3 ـ : { لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ } {النساء/172} . 4 ـ : { وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ } { المائدة/72} . 5 ـ { مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ } { المائدة/75} . 6 ـ { وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ } {التوبة/30}. 7 ـ { اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ } {التوبة/31}. 8 ـ { لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ } {المائدة/73} . إلى غير ذلك من الآيات المصرّحة بكفر مَن اعتقد أنّ المسيح هو الله ، أو ابن الله ، فمع هذه الآيات يكون التمسكّ بالحروف المقطعة ممّا يضحك الثكلى ، بل هو مثل تشبث الغريق بكلّ حشيش .
من سماحة السيّد جعفر علم الهدى بعد ما ثبت عصمة الأنبياء بالأدّلة القطعية خصوصاً عصمة نبيّنا محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فلا بدّ من تأويل وتفسير كلّ آية يظهر فيها خلاف ذلك بما لايتنافى مع عصمة الأنبياء مثل قوله تعالى : { وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى } {طه/121} ، أو قوله تعالى بالنسبة لداود النبيّ (عليه السّلام) : { فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ } ، ومثل هذه الأية : { لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } {الفتح/2} ، بل في سياق نفس الآية قرينة على أنّ المراد من الغفران شيء آخر ؛ لأنّ قوله تعالى : { لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ... } مترتب على قوله تعالى : { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا } {الفتح/1} . ولو كان المراد من المغفرة العفو عن المعاصي التي ارتكبها النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ـ والعياذ بالله ـ وهو المنزّه من ذلك ، فلاربط لذلك بالفتح ، ولا يترتب عليه ، وليس من آثاره كما لايخفى ، فالآية تشير إلى أنّ المشركين كانوا ينسبون إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم ) النقائص والعيوب ، والذنوب والمعاصي ، كالسحر والكهانة ، والكذب وقول الزور ، والافتراء على الله ؛ لأنّه لم يكن له سلطة وقدرة على منعهم ، لكن بعد فتح مكّة المكرّمة ، وتسلط النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم ) عليهم بسلطة كاملة تركوا تنقيصهم النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وذكر معايبه ، ونسبة الذنوب والمعاصي إليه لخوفهم من سلطانه ، فكان نتيجة الفتح أنّ الله تعالى منعهم من نسبة الذنوب إلى رسول الله ، فكأنّه غفرتلك الذنوب التي كانوا ينسبونها ، أو أرادوا أن ينسبونها إليه في المستقبل . ويدلّ على ذلك ما رواه في عيون الأخبار عن الإمام الرضا (عليه السّلام) أنّه سئل عن هذه الآية فقال : « لم يكن أحد عند مشركي أهل مكّة أعظم ذنباً من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ؛ لأنّهم كانوا يعبدون من دون الله 360 صنماً ، فلمّا جائهم بالدعوة إلى كلمة الإخلاص كبر ذلك عليهم وعظم ، وقالوا : { أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ } { ص/5 ـ 7 } ، فلمّا فتح الله على نبيّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم ) مكّة قال تعالى يا محمّد : { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } {الفتح/ 2ـ 1} عند مشركي أهل مكّة بدعائك إلى توحيد الله فيما تقدّم وماتأخّر ؛ فأنّ مشركي مكّة أسلم بعضهم ، وخرج بعضهم عن مكّة ، ومَن بقي منهم لم يقدر على إنكار التوحيد عليه ؛ إذ دعا الناس إليه ، فصار ذنبه عندهم مغفوراً بظهوره عليهم » . وفي رواية ابن طاووس عنهم أنّ المراد : « { لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ... } عند أهل مكّة وقريش . يعني ما تقدّم قبل الهجرة ، وبعدها ، فأنّك إذا فتحت مكّة بغير قتل لهم ، ولا استئصال ، ولا أخذهم بما قدّموه من العداوة والقتال ، غفروا ما كانوا يعتقدونه ذنباً لك عندهم ... » . وهناك وجوه أخرى لتفسير الآية . 1- في مجمع البيان عن الإمام الصادق (عليه السّلام) أنّه سئل عن هذه الآية فقال : « والله ما كان له ذنب ، ولكن الله سبحانه ضمن له أن يغفر ذنوب شيعة عليّ (عليه السّلام) ماتقدّم من ذنبهم وما تأخّر » . وعن الصادق (عليه السّلام ) أيضا أنّه سئل عن هذه الآية فقال : « ماكان له ذنب ، ولاهمّ بذنب ، ولكن الله حمّله ذنوب شيعته ، ثمّ غفرها له » . 2- قال بعض أهل المعرفة : قد ثبتت عصمته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، فليس له ذنب فلم يبق لاضافة الذنب إليه معنى إلّا أن يكون هو المخاطب في الظاهر ، والمراد أمّته كما قيل : « إ ياك أعني واسمعي يا جارة » .
من سماحة السيّد جعفر علم الهدى كما يستفاد من الروايات : 1- أنّه منسوب إلى مكّة ، وهي أمّ القرى . 2- لم يتعلّم القراءة والكتابة عند أحد ، وأنّه لم يدرس عند معلّم ، ولا ينافي ذلك أن يكون قد تعلّم القرائة والكتابة بتعليم من الله تعالى . 3- إنّه لم يكن يقرأ أو يكتب فعلاً مع قدرته على ذلك كما قال ذلك في آخر لحظاته : « أئتوني بدواة وكتف أكتب لكم لن تضلوا بعدي أبداً » . فقد طلب منهم أن يكتب لهم كتاباً بيده الشريفة ، ولو لم يكن يعرف الكتابة فكيف يقول مثل هذا الكلام ؟ وقد ورد عن الإمام الجواد (عليه السّلام) أنّه قال : « لعن مَن يقول ويعتقد أنّ النبيّ كان لايحسن القرائة والكتابة ، بل كان يقرأ ويكتب بسبعين لغة » .
من سماحة السيّد جعفر علم الهدى في علل الشرائع عن عليّ (عليه السّلام) في حديث طويل قال : « وإذا سمعتم نباح الكلب ، ونهيق الحمير ، فتعوّذوا بالله من الشيطان الرجيم ؛ فإنّهن يرون ولا ترون ، فأفعلوا ما تؤمرون ». وأمّا بالنسبة للديك فقد ورد عن الصادق (عليه السّلام) : « إذا سمعت صراخ الديك فقل : " سبّوح قدّوس ربّ الملائكة والروح ، سبقت رحمتك غضبك ، لا إله إالّا أنت سبحانك وبحمدك ، عملت سوء ، وظلمت نفسي ، أنّه لا يغفر الذنوب إلّا أنت " ». وفي فقه الرضا (عليه السّلام) : « وإذا سمعت صراخ الديك فقل : " سبّوح قدّوس ربّ الملائكة والروح .....إلى قوله لا إله إلّا أنت " » . وأمّا الرواية التي وردت في السؤال فلم نجدها في الكتب المعتبرة .
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: كلّ الأديان الإلهيّة تدعوا إلى التوحيد الذي يؤمن به الشيعة الإماميّة ، وقد أرسل جميع الأنبياء والرسل للدعوة إلى معرفة الله تعالى ووحدانيّته وصفاته الكماليّة والجماليّة والجلاليّة ، لكنّ وقع التحريف والتغيير في أكثر الأديان بعد أن توفّي الأنبياء والرسل أو حتّى في زمانهم حيث خالف بعض الأُمم أنبيائهم بل قتلوهم وغيّروا دينهم وانحرفوا حينما تركوا الحجج الإلهيّة ، وهكذا بعض الفرق الإسلاميّة وقع عندهم الانحراف والظلال لأنّهم لم يسيروا على نهج الإسلام الصحيح ، فأن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم الأعظم أمرنا بالتمسكّ بالقرآن الكريم والعترة الطاهرة من أهل بيته ، ولكن قال بعض المسلمين : « حسبنا كتاب الله » وأضطرّوا إلى تفسير القرآن الكريم بآرائهم الباطلة ولم يأخذوا معارف دينهم من أهل البيت عليه السلام الذين هم أدرى بما في البيت ، ومن أهل الذكر الذين نزل فيهم الذكر والقرآن في بيوتهم. ولذا نرى جمعاً من المسلمين يعتقدون بأنّ الله تعالى جسم لقوله تعالى : ( الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ ) [ طه : 5 ] ، ولروايات موضوعة. ومنها إنّ الله تعالى يأتي بصورة شاب جميل إلى سطوح البيوت ليالي الجمعة. ومنها إنّ الله تعالى يجعل رجله في نار جهنّم فتقول : « قط قط ». وغاب عنهم الأدلّة العقليّة والنقليّة من الكتاب والسنّة على بطلان مثل هذه الدعاوى. وعلى كلّ حال فالتوحيد الذي دعا إليه الأنبياء والرسل والأئمّة الطاهرين شيء واحد ويتلخّص في توحيد الذات والصفات والأفعال والعبادة.
الجواب: من سماحة السيّد جعفر علم الهدى دعوى النبوّة والرسالة لا تقبل إلّا إذا كانت مقترنة بمعجزة تدلّ على صحّة هذه الدعوى. والمعجزة هي أمر خارق للعادة التي يعجز الإنسان العادي من الإتيان بمثله ، فيدّل ذلك على أنّ الله تعالى ـ القادر على كلّ شيء ـ هو الذي يدعم هذا النبيّ ، وإلّا لما تمكّن من الإتيان بما يعجز عنه البشر . وللنبيّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) معاجز كثيرة أهمّها القرآن الكريم ، وليس أعجاز القرآن منحصراً في الفصاحة والبلاغة ليقال : إنّ من المحتمل إنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إستعان بالشعراء والفصحاء في تأليف القرآن الكريم ، وإن كان هذا الاحتمال باطلاً ؛ لأنّ شعراء العرب وبلغائهم في عصر النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كانوا معروفين ومشهورين ، وكان أكثرهم من المشركين المناوئين لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، وقد كان العرب يتفاخرون بالفصاحة والبلاغة ، وجودة الشعر ، واختاروا المعلّقات السبع من بين المئات من القصائد والأشعار ؛ لكونها في أعلى مراتب الفصاحة والبلاغة ، وعلّقوها على الكعبة لعظمتها وجودتها ، ومع ذلك حينما نزل القران الكريم وقرأ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعض السور أذعن أقطاب الأدب والفصاحة والبلاغة بأنّ القران الكريم معجزة في الفصاحة والبلاغة ، ولا يقاس به شيء من أشعارهم وقصائدهم ، ولذا رفعوا المعلّقات السبع عن الكعبة المشرّفة ، ولم يفتخروا بها بعد نزرل القران الكريم . وبما أنّهم لم يريدوا الاعتراف بنبوّة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قالوا : إنّ القرآن الكريم سحر ، وليس بكلام الآدمي ؛ اذ لا يتمكن البشر من الإتيان بمثله . ثمّ إنّ القرآن الكريم تحدّى جميع البلغاء و الفصحاء على أن يأتوا بمثل القرآن الكريم بل بمثل سورة بل بمثل آية من القرآن ، وكان جميع المشركين منهم من البلغاء والفصحاء يريدون القضاء على الإسلام ، وتكذيب دعوى النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، لكنّهم لم يتمكّنوا منى معارضة آية من آيات القرآن الكريم ، وهذا ممّا يدلّ على إعجاز القران في الأدب والفصاحة والبلاغة ، ولكنّ مع ذلك كما قلنا : لا ينحصر إعجاز القران في جهة الفصاحة والبلاغة بل هناك وجوه كثيرة لإعجاز القرآن . مضافاً : إلى المعاجز الأُخرى الصادرة على يدّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الأمور التكوينية ، وقد تواتر نقلها بحيث نعلم بصدورها بعضها قطعاً . وأمّا وجوه إعجاز القران فنذكر عناوينها وللمزيد راجع كتب التفسير . 1 ـ الفصاحة والبلاغة . 2 ـ أشتماله على العلوم والمعارف والاعتقادات التي تتوافق مع العقل ، وفطرة الإنسان. 3 ـ عدم وجود الاختلاف والتناقض فيه . 4 ـ اشتماله على قصص وتواريخ الأنبياء وأممهم وبعض الملوك والحكماء . والمفروض إنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي جاء بالقرآن لم يتعلّم هذه العلوم والتواريخ من أحد ؛ إذ كان أمّياً ، ولم يدرس عند أحد ، ولم يأخذ من معلّم ، فلا محالة يكون ذلك بتعليم من الله تعالى العالم بجميع الحقائق . 5 ـ الإخبار بالأمور الغيبية ، ووقوعها في الخارج كقوله : { بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ } {الروم/1 ـ 4} . وقوله : { لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ } {الفتح/27} . وقوله : { وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ } {الأنفال/7} . 6 ـ اشتمال القرآن على التشريعات والأحكام ، والنظم والقوانين التي تتكفّل جميع حاجات الإنسان الفردية والاجتماعية ، والروحية والجسمية ، والدنيوية والأُخروية . 7 ـ اشتمال القرآن الكريم على أسرار الخلقة حيث أخبر القرآن عمّا يتعلّق بسنن الكون ، ونواميس الطبيعة ، وأسرارالخلقة وغيرها ممّا لاسبيل إلى العلم به في بدء الإسلام إلّا من ناحية الوحي الإلهي كقوله : { وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ } {الحجر/19} ، فدلّ على أنّ كلّ ما ينبت في الأرض له وزن خاص (المعبّر عنه بالوزن النوعي ) . وقوله : { وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ } {الحجر/22}. وقوله : { رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ } {الرحمن/17} ، الذي يدلّ على أنّ هناك قارة أُخرى تكون على السطح الآخر للأرض يلازم لشروق الشمس عليها غروبها عنّا ، وقد يكون إشارة إلى كروية الأرض .
من سماحة السيّد جعفر علم الهدى الطواف حول المراقد المشرّفة من شؤون الزيارة ، وقد ورد في الزيارات جوازه وإستحبابه كما نقرأ في زيارة الجامعة لأئمة المؤمنين (عليه السّلام) : « يا مواليّ إنّا لا نملك إلّا أن نطوف حول مشاهدكم ، ونعزي أرواحكم على هذه المصائب العظيمة الحالة بفنائكم ». والطّواف يدلّ على المودّة والمحبّة كما قال الشاعر : أطوف على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وماحبّ الديار شغفن نفسي ولكم حب من سكن الديار ا وليس هناك زائر يطوف حول المشاهد الشريفة ، ويقصد بذلك طواف الحجّ ؛ لأنّ طواف الحجّ والعمرة يختص بالطّواف حول الكعبة ، وهو لايتحققّ إلّا في مكّة المكرّمة ، وفي المسجد الحرام . فتوهّم بأنّ الزائرين حينما يطوفون بالمراقد المشرّفة يقصدون طواف الحجّ أو العمرة في غاية السفاهة ، وهو إفتراء محضّ ، وإنّما الطواف حول المشاهد هو من آداب الزيارة ، ومبرز للحبّ ، كما تطوف الأُمّ حول ولدها المحبوب ، وكما يدور العاشق حول البيت الذي يسكن فيه المحبوب.
ما حكم من اعتقد بقدرة المعصوم على معرفة الغيب؟ السؤال : ما حكم من اعتقد بقدرة المعصوم على معرفة الغيب ومشيئة الخلق والرزق؟ وبارك الله بكم وجزاكم الخير كله. الجواب : من سماحة السيّد جعفر علم الهدى إذا كان يعتقد بأنّ المعصوم (عليه السّلام) يعلم الغيب بتعليم من الله تعالى ، فهو صحيح بل هو صريح القران الكريم حيث يقول : { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ } {الجن/26 ـ 27} ، فعلم الغيب على نحو الاستقلال منحصر بالله تعالى ، ولا يعلم الغيب بالذات إلّا الله تعالى ، لكنّ الله قد يطلع أنبيائه وأوليائه على العلوم الغيبية ، بل لابدّ من ذلك ليتمّ الحجّة على عباده ، ولذلك نرى أنّ الأنبياء والأولياء أخبروا بالأمور الغيبية ، وليس ذلك إلّا ؛ لأنّ الله تعالى علّمهم ، وهكذا بالنسبة للرزق والخلق في الجملة حيث إنّ الله تعالى أعطى ويعطي القدرة لأوليائه على ذلك ، ويرزقون أو يخلقون بأذنه .
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: هو جائز قطعاً قال الله تعالى : ( وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) (1). وقال : ( وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ ) (2). وقال على لسان أولاد يعقوب عليه السلام : ( يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ) (3) ، فأجابهم يعقوب وهو نبيّ من أنبياء الله : ( سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ) (4) ، ولم يردعهم ، ولم يقل لماذا تطلبون منّي الإستغفار لكم وقضاء حاجتكم ، بل اطلبوا من الله مباشرة. الهوامش 1. المائدة : 35. 2. الأنبياء : 28. 3. يوسف : 97. 4. يوسف : 98.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: لا بأس أن يقصد بتوجّهه إلى المعصوم أن يقضي حاجته بإذن الله تعالى وبالقدرة التي يفيضها الله عليه ، فانّ الله تعالى كما أعطى للدواء خاصيّة الشفاء وجعله سبباً وعلّة لعلاج المرض كذلك أعطى القدرة لأوليائه على التصرّف في الكون ، ويعبّر عنه بالولاية التكوينيّة. ولكنّ المعصوم عليه السّلام لا يتصرّف بحوله وقدرته بل يحتاج في كلّ آن إلى الله تعالى ليفيض عليه القدرة ، فالفاعل والسبب في الحقيقة هو الله تعالى والمعصوم واسطة في الفيض الربّاني كما هو الحال في الأسباب التكوينيّة ، فانّ مسبّب الأسباب هو الله تعالى والدواء إنّما يؤثّر بإرادة الله ومشيئته. والآيات القرآنيّة تدلّ بوضوح على هذا الأمر قال الله تعالى : ( فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ) (1) ، بعد أن قال في آية أُخرى الله يدبّر ذلك ( يُدَبِّرُ الأَمْرَ ) (2). وقال تعالى مخاطباً عيسى بن مريم عليه السّلام : ( وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي ) (3) ، ولم يقل وأبرء الأكمه بدعائك يا عيسى ، وإنّما نسب الإبراء والإخراج إلى عيسى لكن بإذن الله وقدرته التي أعطاها لعيسى بن مريم. وقال تعالى : ( وَمَا نَقَمُواْ إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ) (4). الهوامش 1. النازعات : 5. 2. السجدة : 5. 3. المائدة : 110. 4. التوبة : 74.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: في الحديث عن الإمام الصادق عليه السّلام قال سألته عن الخنّاس قال : « إنّ إبليس يلتقم القلب فإذا ذكر الله خنس فلذلك سمّي بالخناس » . فالطريق الوحيد للتخلّص من وسوسة الشيطان هو عدم الإعتناء بوسوسته والاشتغال بذكر الله تعالى بالقلب واللسان والرجوع إلى المتعارف في أمر الطهارة والصلاة ، وقد وردت روايات كثيرة تؤكّد على أنّ الشيطان يريد أن يمنع المؤمن من الصلاة وسائر العبادات فيوسوس إليه ويوهم بطلان عمله ويأمره بالإعادة والقضاء وإبطال الصلاة إلى أن يقع في الحرج الشديد ويصعب عليه العبادات فيتركها رأساً وقد ينتهي أمره إلى الكفر فيفرح الشيطان فرحاً شديداً. فعلى المؤمن العاقل منع الشيطان من الوصول إلى غرضه وذلك بأنّ يتعوّذ منه بالله تعالى ولا يعتني بوسوسته ويبني على صحّة عمله وعبادته ويستمّر في صلاته وإن حصل له اليقين ببطلانها ، لأنّ ذلك من وسوسة الشيطان. وأمّا بالنسبة للعقائد فلا يشغل تفكيره منها أن يقع في التعب الفكري الشديد. نعم لا بأس بأن يقرأ بعض الكتب العقائديّة البسيطة مثل : عقائد الإماميّة ، أصول الدين ، أصل الشيعة وأصولها. وليكثر من قول « لا اله إلّا الله » و « لا حول ولا قوّة إلّا بالله العلي العظيم ». وعن أمير المؤمنين عليه السّلام : « إذا وسوس الشيطان إلى أحدكم فليتعوّذ بالله وليقل آمنت بالله وبرسوله مخلصاً له الدين » . وروي إذا وجدت الشكّ في صدرك فقل : « هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن وهو بكلّ شيء عليم » . وليقرأ هذا الدعاء : « توكّلت على الحيّ الذي لا يموت والحمد لله الذي لم يتّخذ ولداّ ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له وليّ من الذلّ وكبّره تكبيراً ». فأنّه مفيد لأداء الدين ، ودفع وساوس الصدر ، وسعة الرزق. وفي الحديث إنّ ذكر أهل البيت عليهم السّلام شفاء من وسواس الريب. وفي فقه الرضا عليه السّلام : « إذا خطر ببالك في عظمته وجبروته أو بعض صفاته شيء من الأشياء فقل : لا إله إلّا الله محمّد رسول الله عليّ أمير المؤمنين ، فإذا قلت ذلك عدت إلى محض الإيمان » . وعن الصادق عليه السّلام : « مَن غسل رأسه بورق السدر صرف الله عنه وسوسة الشيطان سبعين يوماً » . وعن الصادق عليه السلام أيضاً قال : « عليكم بالسواك فإنّه يذهب وسوسة الصدر» . وفي الحديث : قال أمير المؤمنين عليه السلام : « يا كميل إذا وسوس الشيطان في صدرك فقل : أعوذ بالله القويّ من الشيطان الغوي وأعوذ بمحمّد صلى الله عليه وآله الرضي من شرّ ما قدر وقضي وأعوذ باله الناس من شرّ الجنّة والناس أجمعين » .
من سماحة السيّد جعفر علم الهدى