الجواب من الشيخ محمد السند: حيث انّ أهل البيت عليهم السلام هم الثقل الثاني وعدل الكتاب الكريم الذي هو الثقل الأوّل ، وقد استفيض وتواتر بين الفريقين عن النبي صلّى الله عليه وآله الأمر بالتمسّك بهما (1) ، فأهل البيت والقرآن الكريم وجهان لشيء واحد ، وعلى ضوء ذلك. فإنّ سيرة أئمّة أهل البيت عليهم السلام ومنهم سيّد الشهداء عليه السلام سيرته قرآن متجسّد ، فكما أنّ القرآن مهما قام الباحثون المتخصّصون من علماء التفسير وغيرهم من العلوم الأخرى بتفسيره ؛ فإنّ ذلك لا يمثّل كلّ آفاق القرآن ، ولا كلّ ما فيه من عيون المعرفة والعلم ؛ فيظلّ القرآن يرفد البشريّة على مختلف طبقاتها وافهامها نميراً عذباً كلّ يغرف منه بحسب سعته ووعائه ، فهكذا سيرة الحسين عليه السلام من المدينة الى مكّة الى كربلاء الى يوم العاشر ؛ فإنّها مليئة بالوقائع والمشاهد التي ينهل منها علماء الفقه والقانون ، وعلماء الكلام والفلسفة ، وعلماء الأخلاق والعرفان ، وعلماء الاجتماع والعلوم الانسانيّة كلّ حسب تخصّصه وبعده الذي يسير فيه ، والعامّة تحتفظ بهذا التجسّد القرآني الجمعي المجموع بنحو الادراك الاجمالي الفطري ، فتنصهر في أجواء مدرسة سيرته عليه السلام لا سيّما وأنّ سيد الشهداء كما قال الرضا عليه السلام ما معناه : كلّنا أبواب هدىً وسفن نجاة ، ولكن باب الحسين أوسع وسفينته في لجج البحار أسرع (2). الهوامش 1. راجع : الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 294 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 5 : إنّي تارك فيكم أمرين إن أخذتم بهما لن تضلّوا : كتاب الله عزّ وجلَّ وأهل بيتي عترتي ، أيّها الناس اسمعوا وقد بلّغت ، إنّكم ستردون عليَّ الحوض فأسألكم ممّا فعلتم في الثقلين والثقلان : كتاب الله جلَّ ذكره وأهل بيتي ، فلا تسبقوهم فتهلكوا ، ولا تعلّموهم فانّهم أعلم منكم. بصائر الدرجات « لمحمد بن الحسن بن فروخ » / الصفحة : 456 / الناشر : منشورات الأعلمي / الطبعة : 1 : قال أبو جعفر عليه السلام دعا رسول الله أصحابه بمنى فقال : يا أيّها الناس إني تارك فيكم الثقلين أما إن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض. صحيح مسلم / المجلّد : 7 / الصفحة : 123 / الناشر : دار الفكر : وَاَنَا تاركُ فيكُمْ ثَقَلَيْنِ اَوَّلُهُما كِتابُ اللهِ فيهِ الْهُدى وَالنُّورُ فَخُذُوا بكِتابِ اللهِ واسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلى كِتابِ اللهِ وَرَغَّبَ فيهِ ثُمَّ قالَ وَاَهْلُ بَيتي اُذَكِّرُكُمُ اللهَ في اَهْلِ بَيْتي اُذَكِّرُكُمُ اللهَ في اَهْلِ بَيْتي اُذَكِّرُكُمُ اللهَ في اَهْلِ بَيْتي. الحدائق الناضرة « للمحقق البحراني » / المجلّد : 9 / الصفحة : 360 / الناشر : مؤسسة النشر الإسلامي : ثم انه مما يزيد ما ذكرناه تأييداً ويعلى مناره تشييداً ما استفاض بل تواتر معنى بين الخاصة والعامة من قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم « اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن تضلوا ما ان تمسكتم بهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض » وهو مروي بطرق عديدة ومتون متقاربه. 2. هذا الكلام : « كلّنا سفن النّجاة لكن سفينة جدّي الحسين أوسع وأسرع » ، ليس حديثاً من الأحاديث التي تروى عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام ؛ اذ خلت منه جميع مصادر الشيعة الإماميّة ، فضلاً عن مصادر العامّة. وبعد التدقيق والتتبع تبيّن أنّ هذا الكلام هو قول للعالم الجليل الشيخ جعفر التستري رضوان الله عليه ، وهذا هو نصّ كلامه في هذا الصّدد : الخصائص الحسينيّة « لجعفر بن الحسين التستري » / الصفحة : 14 / الناشر : دار السرور : فرايت في الحسين عليه السلام خصوصية في الوسيلة الى الله اتّصف بسببها بانه بالخصوص ؛ باب من أبواب الجنة وسفينة للنجاة ومصباح للهدى ، فالنبي والائمة عليهم السلام كلّهم أبواب الجنان ؛ لكن باب الحسين أوسع ، وكلّهم سفن النجاة ؛ لكن سفينة الحسين مجراها في اللجج الغامرة أسرع ، ومرساها على السواحل المنجية أيسر ، وكلّهم مصابيح الهدى ؛ لكن الاستضاءة بنور الحسين اكثر واوسع ، وكلهم كهوف حصينة ؛ لكن منهاج كهف الحسين أسمح وأسهل.
الجواب من الشيخ محمد السند: سبب كثرة ذكر الشيعة لسيّد الشهداء عليه السلام هو أمر النبي صلّى الله عليه وآله والأئمّة عليهم السلام بذلك في الروايات المستفيضة بل المتواترة ، فقد أكّدوا بإقامة العزاء على مصيبته التي هي من أفجع وأقرح المصائب التي تعتضّ الوجدان وتنغّص العيش (1) ، فالبشاعة الشرسة التي انتهكت بها حرمة رسول الله صلّى الله عليه وآله في سبطه وريحانته من الدنيا وسيّد شباب أهل الجنّة ، فمصيبة الحسين عليه السلام مصيبة رسول الله صلّى الله عليه وآله ، ومصيبة أمير المؤمنين وسيّدة النساء والحسن المجتبى. ففي قتل الحسين عليه السلام وولده وأهل بيته وأصحابه وسبي نسائه انتهكت حرمة القرآن الذي جعل من الحسين عليه السلام حجّة لحقّانية دين الإسلام ، وصدق النبوّة إلى يوم القيامة في قوله تعالى : ( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (2) ، فقد أمر الله تعالى نبيّه بالاحتجاج بمباهلة الحسين عليه السلام وأصحاب الكساء دون الصحابة ودون زوجات النبي صلّى الله عليه وآله ، مع أنّ الحسين حين المباهلة لم يتجاوز بضع سنين من نشأته المباركة ، فجعل الله تعالى الحسين يتحمّل مسؤوليّة اقامة الحجّة على حقّانيّة الدين وصدق النبوّة ، وكذلك آية التطهير (3) ، وكذلك سورة هل أتى (4) ، وغيرها من السور. فمثل هذه الشخصيّة في الدين التي يرسم مقامه القرآن الكريم وكلام الله الحكيم ، انتهاك حرمته انتهاك لحرمة الله تعالى ولحرمة القرآن ولحرمة الرسول صلّى الله عليه وآله ؛ إذ قال صلّى الله عليه وآله : حسين مني وانا من حسين (5). الحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا (6). ابناي هذانِ إِمامانِ قاما أو قعدا (7). الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة (8). وغيرها من الأحاديث العظيمة النبويّة التي توضح موقعيّة الحسين في الدين. وسبي نساء الحسين عليه السلام وهنّ بنات النبي صلّى الله عليه وآله ، فتصوّر ـ بالله عليك ـ ممّن يدّعون الانتماء إلى دين النبي كيف يرتكبون العظائم في حقّ سيّد الرسل صلّى الله عليه وآله ، فذكر مصيبة الحسين ذكر مصيبة النبي وجميع أهل بيته. هذا مضافاً إلى أنّ واقعة كربلاء واستشهاده عليه السلام قد كشفت القناع عن زيغ السقيفة التي أدّت إلى تسلّط بني اُميّة على رقاب المسلمين ، وإلى لعب مثل يزيد الفسق والمجون بمقدرات الدين والمسلمين ، فالشعائر الحسينيّة نبراس لحقّ أهل البيت في الإمامة ، وإحياء للتمسّك بالثقلين المأمور بهما. الهوامش 1. راجع كامل الزيارات « لابن قولويه » الصفحة : 201 ـ 212 / الناشر : مؤسسة نشر الفقاهة / الطبعة : 1. 2. آل عمران : 61. 3. الأحزاب : 33 : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 4. سورة الإنسان 5. كامل الزيارات « لابن قولويه القمي » / الصفحة : 116 / الناشر : مكتبة الصدوق. 6. أسد الغابة « لابن الأثير » / المجلّد : 1 / الصفحة : 497 / الناشر : دار الفكر / الطبعة : 1. 7. الإرشاد « للشيخ المفيد » / المجلّد : 2 / الصفحة : 30 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / الطبعة : 1. 8. من لا يحضره الفقيه « للشيخ الصدوق » / المجلّد : 4 / الصفحة : 179 / الناشر : مؤسسة النشر الاسلامي / الطبعة : 2.
كيف نسي موسى ع السؤال : في سورة الكهف الشريفة وردت قصة موسى مع العبد الصالح ، وفيه أمران مستغربان نرجو توضيحه . أ ـ نسيان وصي موسى عليه السلام وقيل أنّه يوشع بن نون وهو نبي ، ونسبته إلى الشيطان ، وكيف تلتئم هذه النسبة مع { عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ }؟ ب ـ قول موسى عليه السلام للخضر :{ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ } (الكهف/73). وإن كان هذا النسيان لا يقدح بعصمته عن الذنوب وما أشبه ، ولكنه منفّر ، خصوصاً أنّه كان من قريب عهد ؟ الجواب سماحة الشيخ محمّد السند أ ـ مقتضى سياق القصة بحسب الآيات والروايات أن العلامة المنصوبة منه تعالى لموسى عليه السلام لملاقاة العبد الصالح الخضر هو الأمر الذي حصل في شأن الحوت كما هو مفاد قوله : ( ذلك ما كنا نبغ ) ، غاية الأمر أن اسناد النسيان الى الشيطان ليس فيه اثبات تصرف للشيطان في محيط نفس يوشع ، بل في ما هو خارج ذاته ، وهو ضياع الحوت أو فراره ( اتخذ سبيله في البحر عجبا ). ولا مانع من معاوقة الشيطان أفعال الأنبياء ، كما في قوله :{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ } (الحج/52 ـ 54). إذ أنّ المراد من إلقاء الشيطان ومعاوقته ليس في محيط نفس الرسل وإلا لما اختصت الفتنة بالذين في قلوبهم مرض بل لعمّت الجميع ، بل المراد معاوقة الشيطان برامج نهضة الرسل ، وإلقاء الموانع عن وصولها إلى الغايات التي يتمناها أنبياء الله ورسله ، وكذلك النسيان جعل متعلقه الحوت وهذا المقدار من تصرف الشيطان في ما هو خارج نفوس الأنبياء لا دليل على منعه ، كما هو في قوله : { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ } (سورة ص/41). أي مس بدنه. وبعبارة أخرى : إنّ الشيطان لا سلطان له على غواية الأنبياء ، والتي تقع في نفوسهم دون بقية التصرفات الأخرى كبقية اعدائهم . ب ـ وأمّا ما يتعلق بقول موسى عليه السلام فالمفسرين وإن جعلوا متعلق النسيان عهده للخضر بالصبر والمتابعة ، ولكن الآية السابقة عليها تفيد سياقاً آخر : { قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي ...} ( الكهف/72 ـ 73). ومتعلق الصبر هو الذي لم يحط موسى عليه السلام به خُبْرا كما ذكر الخضر ذلك له في أوّل اللقاء ، ومع عدم العلم بوجهة الفعل ينتفي التسليم به ، فالنسيان ههنا ليس منشأه غياب شيء من الذاكرة والحافظة بسبب قصور في القوى النفسية أو حجب الشيطان وتصرفه في الإدراك ، بل هو راجع إلى عدم العلم وعدم الإحاطة بعلم الخضر الذي يقدم ويأتي بمثل هذه الأفعال . فالمعنى : لا تؤاخذني بما لم اُحِطْ به خُبرا ، وإلا فالفعل المزبور بحسب الموازين في الشريعة الظاهرة للنبي موسى عليه السلام يقتضي أن يعترض على فعل الخضر.
من سماحة الشيخ هادي العسكري يونس بن متّى ما كان منهياً عن الخروج من المدينة ، ولم يصدر منه مخالفة أو عصياناً حتى يكون ما جرى له تأديباً وعقاباً ، بل حيث ظن أنّ البلاء يعم من يبقى في المدينة والخارج منها يسلم من البلاء ، وينجو من الابتلاء ، وكان يعلم أنّه لا يستحق العقاب ولا يصيبه العذاب . وما كان يعلم أنّه لن يسلم من الابتلاء ، وغافلاً أنّ الابتلاء إن كان مقدراً له ، فسيصيبه حتى مع الخروج ، وإن لم يكن مقدراً له ، فلن يصيبه حتى مع كونه في وسط المدينة وفي محتشد الاُمّة ، وفي الواقع وفي علم الله كان مقدراً عليه الضيق والابتلاء ، وهو ما كان يعلم بهذا التضييق ، وهذا التقدير . وهذا معنى : { فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ } (الأنبياء/87) ؛ بدليل قوله عز اسمه :{ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ} آية 7 سورة طلاق . وكذا بشهادة قوله تبارك وتعالى : {وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ }16سورة الفجر. وفي كلتا الآيتين التقدير يكون بمعنى : التضييق والتقتير ولا يعني القوة والقدرة حتى لا يناسب مقام النبي يونس الظن بعدمها ، فوقوع المساهمة باسمه ، وبلع الحوت له كان ابتلاء واختباراً له لا تأديباً وعقاباً ؛ ويشهد لهذا أيضاً قوله عز اسمه: فـ{ َنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} (الأنبياء/88). من الغم أيضاً عند ذكرهم :{ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ} (الأنبياء/87). لا أنّه رفع العقاب عنه ، ويرفع العذاب عنهم ، ويتوب عليهم عند ذكرهم ذكر اليونسية وهذا واضح . ولم يكن من موسى على نبيينا وآله عليه السلام قتل نفس مؤمنة محترمة بل كان قتل نفس كافرة مجرمة ولم يأخذ عليه أحد في قتله . هذا والآية تصرح بمنع هارون عن عبادة العجل ودعوتهم لاتباع أمره وإطاعته وإجابتهم :{ لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى}(طه/91). واعتذاره لأخيه : {إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي } (الأعراف/150). فكيف تقول : لم يمنعهم عن عبادة العجل ، مإذا يصنع مع استضعافه ومغلوبيته سوى انتظار أخيه ومجيئه ، واعتضاده به ، ثمّ اتباع أمره فيهم ، والظلم هو : وضع الشيء في غير موضعه ، ويصح إطلاقه في كل مورد يخسر الإنسان نجاحه ، ويقدم على عمل كان الفوز له أن يتركه ، أو يترك أمراً كان صلاحه أن يفعله ، ولا يختص بصدور الذنب والاستغفار عنه .
من سماحة الشيخ حسن الجواهري أقول : إنّ السائل يسأل عن معنى قول الله تعالى لنبيّه الكريم :{ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ }(غافر/55). وعن معنى قول الله تعالى : { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ...}(محمّد/19). وعن معنى غضب الله على نبي الله يونس الذي غضب لله على الاُمّة الكافرة حيث دعا عليهم ، فسجنه الله في بطن الحوت ، وثمّ قال تعالى :{ فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } (الصافات/143 ـ 144). وعن معنى بكاء الإمام أمير المؤمنين عليه السلام على ذنوبه وبثه شكواه وقوله : « الهي أفكر في علوك فتهون عليّ خطيئتي ، ثمّ أذكر العظيم من أخذك فتعظم عليّ بليتي ...». وعن معنى قول الإمام زين العابدين عليه السلام : « ويلي كلما طال عمري كثرت خطاياي ولم أبك ، أمّا آن لي أن استحي من ربي ... » . وعن معنى قول الإمام الكاظم عليه السلام : « عظم الذنب من عبدك فليحسن العفو من عندك » . وكان يقول : « اللهم إنّي اسألك الرحمة عند الموت والعفو عند الحساب » . وعن معنى قول الإمام الحسين عليه السلام في يوم عرفه : « ... أنا الذي أسأت ، وأنا الذي أخطأت ، أنا الذي هممت ، أنا الذي جهلت ... أنا الذي اعترفت بنعمتك عليّ وعندي ، وأبوء بذنوبي فاغفرها لي ... ». إنّ الأعمال التي يقوم بها الرسول صلى الله عليه وآله والأئمة سلام الله عليهم هي أعمال صالحة حسنة ، ولكن بعض أعمالهم الصالحة والحسنة يوجد أحسن وأصلح منها ، وهم سلام الله عليهم يعدّون فعل الصالح مع ترك الأصلح سيئة وذنباً ، فالشريعة التي اُمرنا بها هي الأمر الصالح . ويوجد روح بهذه الشريعة وهو الأصلح والأحسن الذي لم يمكن أمر الناس به ، وهذا الأصلح والأحسن قد لا يعمله النبي أو الإمام في بعض الاحيان فيعدّ الإمام أو النبي ذلك ذنباً قد ارتكبه فيستغفر الله سبحانه وتعالى . وعلى هذا نستفيد قانوناً عاماً ألا وهو : « حسناتُ الأبرار سيئات المقربين » أي إنّ الأبرار من بني البشر الذين يعملون الحسنات تكون هذه الحسنات عند المقربين سيئة ؛ لأنّ الصالح يكون له أصلح ، فإن عمل المعصوم الصالح وترك الأصلح ، فهو سيئة وإن فعل الحسن وترك الأحسن فهو سيئة . وبهذا اتضح إنّ الأفعال التي نهي عنها الأنبياء إمّا مستحبة أو مباحة يوجد أفضل منها ، ولهذا يتضح إنّ ما أمرنا به الله تعالى هو القانون العام على جميع البشر ، إلا أنّ هناك مضماراً وسباقاً للصالحين يتسابقون في الوصول إلى الله ، فبعض يصل إلى بعض درجاته ، وبعض يصل إلى درجاته العليا ، فمن يصل إلى درجات القرب إلى الله يرى نفسه مقصّراً في عدم الوصول إلى الدرجات العليا من الطاعة والاتصال بالله والفناء فيه . فالمعصومون حينما يرتقون في صفاء نفوسهم من مرتبة إلى مرتبة عالية يستغفرون ربهم عن المرتبة السابقة الدنيا ، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال : « انه ليهان على قلبي حتى استغفر الله تعالى في اليوم والليلة سبعين مرة » . وقد قيل في تفسيره : إنّ النبي صلى الله عليه وآله لما كان قلبه أتم القلوب صفاءً ، وأكثرها ضيّاءً ، وكان مع ذلك مبيّناً لشرائع الإسلام ، ومؤسساً لسُنة الدين ، ميسّراً غير معسّر ، فلم يكن له بدّ من النزول إلى بعض الرخص ، والالتفات إلى حضّ النفس البشرية ، فكان إذا تعاطى شيئاً من ذلك أسرعت كدورة ما إلى قلبه لكمال رقته ونورانيته ، فكان صلى الله عليه وآله إذا أحسّ بذلك عدّه على النفس ذنباً فاستغفر منه . وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله قد صدر منه الإذن عن الحرب لبعض المسلمين الضعيفي الإيمان ؛ لأجل جلبهم إلى الإسلام وعدم تنفيرهم من الإسلام ، وهذا هو مصلحة للدين ، ولكن كان هناك مصلحة أكبر وهي امتحان المسلمين الضعيفي الإيمان ، لمعرفة من هو مؤمن حقاً من الكاذب ، وقد كان الرسول قد ترك هذه المصلحة الأكبر فعاتبه الله تعالى ؛ إذ قال له : {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} (التوبة/43). وهذا العمل من الرسول صلى الله عليه وآله يعدّ ذنباً فيستغفر الله فيه « لا أنّه ذنب كذنوبنا ، ومعصية من معاصينا » . وكذلك يونس عندما غضب على قومه لله فتركهم لعدم إيمانهم به وبالخالق ؛ فقد غضب الله عليه مع أنّه لم يفعل إلا ما هو حسن حيث غضب لله ، ولكن الله تعالى يقول له : هناك طريق آخر وهو الصبر وتحمل الأذى قد تركه يونس ، فسجنه الله في بطن الحوت ، ثمّ أنجاه ؛ لأنّه كان من المسبّحين. وهكذا الفرق : إنّ الذنب والاستغفار الذي يحصل من الأنبياء ، أو الأئمة إنّما هو لأجل ترك الأحسن والأصلح والأولى ، لا من باب المعصية التي نقترفها نحن العاصون . كل هذا واضح لعصمة الأنبياء والأئمة الذّين جعلهم الله مبلغين للرسالة الإسلامية ، فلو كان النبي أو الإمام يخطأ ويعصي لما حصل الغرض من إرسالهم أنبياء وأئمة ، ولما تبعهم الناس في أعمالهم ، ولما كان يمكن لله تعالى أن يقول في كتابه : { أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ } (النساء/59). ولما تمكن الله سبحانه أن يقول : { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا }( الأحزاب/33). فعصمة الأئمة والأنبياء الواضحة بالعقل والنص والسيرة الواضحة والنصوص المتقدمة كلها تؤكد أن استغفار الأئمة والرسول كله من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين .
من سماحة الشيخ محمّد السند لا يخفى إنّ الامتحان والتكليف والأمر والنهي الإلهي التشريعي مختص بالنشأة الدنياوية للبشر ، كما هو مفاد قوله تعالى : {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}(البقرة/38 ـ 39). فالتشريع الهادي المنجز ثوابه على طاعته ، وعقابه على مخالفته ، هو في الهبوط إلى الأرض والنشأة الدنياوية، فما كان من نهي منه تعالى في الجنة قبل الدنيا لم يكن مولودياً تشريعياً بالمعنى الذي نعهده بل إرشاد وإشفاق نصيحة منه تعالى لآدم وحواء، ويطلق العصيان على مخالفة الأمر الذي من صنف الإرشاد ، مثل أنّ الأخ يخالف أخاه الذي ينصحه فيقول له : عصيت أمري . لا سيما إذا كان الآمر يفوق المأمور في المنزلة. فلم يكن من آدم عليه السلام معصية حقيقية بالمعنى الذي يتبادر إلى الذهن من معنىً معهود كي يخلّ بعصمته، وهو ما عبّر عنه علماء الإمامية بترك الأوْلى ، أي كون الموافقة بنحو الأولوية في حكم العقل لا اللزوم، وسرّ التعبير بذلك في الآية هو أنّ المقرّب يُتوقع منه ما لا يتوقع من الأباعد ومن هنا قيل : « حسنات الأبرار سيئات المقربين» ، أي أنّ الفعل الذي يعدّ حسنات الأبرار لو أتى به المقرّب على درجة الكيفية التي أتى بها الأبرار لعدّه المولى مستهينا به ، كما في مثال الملك يتوقع من وزيره من الاحترام والتعظيم والتبعية ما لا يتوقع من سائر الرعيّة ، لا بمعنى أنّ النقصان الذي يقع في فعل الوزير معصية بالمعنى المعهود المصطلح في التكاليف العامة، بل بمعنى تركه للأولى الذي هو في شأن الوزير جفوة في مقام القرب والمقربين، فتكون غواية . وأمّا وسوسة الشيطان فليس بمعنى تسلّطه على قلب النبي وعقله، فإنّه قد يتسلّط على بدن النبي كما في أيوب ، أو على اتباعه كما في إلقاء الشيطان في أمنية الأنبياء أي الكمال في الخارج المحيطي الذي يتمنى الأنبياء صلاحه ، فيكون ما يلقى الشيطان فتنة للاتباع، لكنه لا يتسلّط على مركز النبوة ، وهو قلب وعقل النبي اللذين يتلقيان الوحي ، وكان الشيطان قد قاسمهما ، أي أقسم بالله تعالى أن نهيه تعالى لم يتعلق بالشجرة المخصوصة ، بناءً على جعل الاستثناء في الآية منقطعاً لا متصلاً ، فكان ذلك نحو من الخداع لا التسويل ، لا سيما وانّ الدار لم تكن دار تكليف .
الجواب من الشيخ علي الكوراني: روى الصدوق أعلى الله مقامه في [ كتاب معاني الأخبار / 132 ] ، بسنده عن حسين الأشقر ، قال : قلت لهشام بن الحكم : ما معنى قولكم إنّ الإمام لا يكون إلّا معصوماً ؟ فقال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن ذلك فقال : « المعصوم هو الممتنع بالله من جميع محارم الله ، قال الله تبارك وتعالى : ( وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّـهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) [ آل عمران : 101 ] » . انتهى. وهذا الإمتناع بالله تعالى يكون بألطافه وعناياته وتوجيهه عزّ وجلّ بحيث يختار المعصوم الطاعة دائماً ولا يقع في المعصية ، وليس ذلك إجباراً من الله للمعصوم ، لأنّ قدرته على المعصية موجودة لكنّه لا يختارها أبداً .. ولتقريب المعنى نقول : إنّ كل إنسان « معصوم نسبياً » عن عدد من الاُمور بحيث يعلم كلّ من يعرفه أنّه لا يرتكبها ، ولو جاءهم شخص وأخبرهم أنّه رآه يعمل كذا أو يقول كذا .. لقالوا له : هذا لا يكون ولا يصدر منه .. مع أنّه يقدر على ذلك. فالعصمة الإلهيّة للأنبياء والأوصياء عليهم السلام لا تعني سلبهم القدرة على معصيته ومخالفته ، بل تعني وصولهم إلى درجة كمال لا يرتكبون معها المعصية. أمّا قولك إنّ الله تعالى لو جعل أيّ شخص معصوماً لكان مثلهم تماماً ، فهو صحيح ، ولكن الله تعالى لا يعطي العصمة إلّا باستحقاق ، ولا يعصم إلّا من يعلم أنّه لو لم يعصمه ، لكان في درجة يستحقّ معها العصمة. وحتّى الذين عصمهم من صغرهم ، فإنّ هذا يكشف أنّه لو لم يعصمهم من الصغر لبلغوا بطاعتهم مرتبة يستحقّون معها العصمة في الكبر .. ( إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ) [ الإسراء : 30 ] ، كما أنّ نبوّة عيسى ويحيى صلّى الله عليه وآله أعطاها الله لهما بإستحقاق ، لعلمه بأنّهما لو يعطيها لاستحقاها. وهو شبيه بأن تعطى النتيجة للطالب النابغة المستقيم للثقة الكاملة به قبل أن يكمل الجامعة.
من سماحة الشيخ هادي العسكري ذكرنا في جواب سابق براءة آدم من الذنب وعصمته والوجه في مخالفته. واكرر هنا وأقول : العصيان هو المخالفة وترك النصيحة ، ولا اختصاص باستعماله لإرتكاب الذنب والخطيئة ، وعندما صدر منه الأكل من الشجرة لم يكن هناك عالم تكليف وكلفة ، كانت دار غير هذه الدنيا الدنية ، كان قبل هبوطه إلى الأرض ، وقبل جعله خليفة ، فلا أمر ولا نهي ولا وجوب ولا حرمه ، وليس الغرض من منعه من تلك الأكلة إلا التنبيه على آثارها الوضعية ونتيجتها الطبيعية ، وهي الخروج من الجنة ، التي فيه ترك لذيذ العيش ، والصفاء ، ومجانبة الراحة والهناء ، وبالخروج معانقة الكدر ، والعناء ومصاحبة التعب والشقاء. وليس الهدف من النهي هناك إلا إعلام جاهل وتنبيه غافل ، وكإرشاد طبيب لعلاج مريض ، أو إشارة منه لسالم وصحيح لشربة ، أو أكلة وآثارها السيئة التي تذهب بالصحة وتوجب الألم والشدة وتديم العلة ، فإذا هنا وقعت المخالفة وترك النصيحة لم يكن ذنب منه ، ولا عقاب له سوى ما خسر من السلامة والصحة ، وما يقع فيه من البلاء والمشقّة ، ويدل على ما ذكرنا آيات من سورة طه بصراحة ، والغواية هي الانقياد للهوى ومتابعة الميل والرغبة في ما فيه السقوط والردى ، وهو الذي حصل لآدم بالفعل من الجوع والضمأ والتعب والعراء ، والخروج من جنة المأوى ، ولم يكن له تبعة غير هذا ، والله الهادي وهو العاصم من البلاء والحمد لله .
من سماحة الشيخ علي الكوراني عقيدتنا أنّ نبي الله إبراهيم ، وجميع الأنبياء عليهم السلام معصومون عن الذنوب والمعاصي ، وقول إبراهيم : { فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ } (الأنبياء/63). ليس كذباً ، وإن ثبت أنّه كذب ، فهو مستثنى من التحريم ، كما يستثنى الكذب في الإصلاح بين اثنين عندما تقول لأحدهما إن فلاناً يحبك ويذكرك بالخير ، لتصلح بذلك بينهما وترفع عداوتهما .. فهذا جائز لك .
من سماحة الشيخ علي الكوراني استغفار الأنبياء والأئمة عليهم السلام وتوبتهم ، إنّما هي من ذنوبهم التي هي بمستواهم ، وليست مثل معاصينا وذنوبنا .. مثلاً ، لو نام أحدنا عن صلاة الليل فليس هذا ذنباً ، ولكن المعصوم يعتبره ذنباً ، ويستغفر منه ، ويبكي عليه ، وعندما يتحدث أحدنا إلى جماعة ، وينظر إلى بعضهم فقط ولا يوزع نظره عليهم جميعاً ، فهذا ليس ذنباً بالنسبة لنا ، ولكنه ذنب بالنسبة إلى المعصوم عليه السلام .. وهكذا
الجواب من الشيخ محمّد هادي آل راضي: المستفاد من الروايات المرويّة عن أهل البيت عليهم السلام ، إنّ الجفر عبارة عن اهاب « جلد » ماعز أو كبش يحوي كتباً وصحفاً ويسمّى بالجفر الأبيض ، وإنّ الأئمّة عليهم السلام يتوارثون ذلك عن رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وإنّ فيه علم الأوّلين والآخرين أو جميع العلوم. فقد روى في الكافي بسنده عن الإمام الصادق عليه السلام إنّه قال : « وانّ عندنا الجفر ، وما يدريهم ما الجفر ؟ قال : قلت : وما الجفر ؟ قال : وعاء من أدم فيه علم النبيين والوصيين وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل ».
الجواب من الشيخ محمّد هادي آل راضي: هناك خلاف بين متكلّمي الإماميّة في أنّ علم الإمام عليه السلام هل هو حضوري أو إرادي ؟ والمراد بالحضوري هو العلم الفعلي بالأشياء غير المعلّق على الإرادة ، والمراد بالإرادي هو العلم المعلّق على الإرادة والمشيئة ، فعلى الثاني فالإمام يعلم بالأشياء متى أراد وشاء وليس له علم فعلي بالأشياء بخلافه على الأوّل. إلّا أنّه على كلا التقديرين فعلمه عليه السلام ليس ذاتيّاً بل هو موهوب وممنوح من الله سبحانه وتعالى بطريقة من الطرق المذكورة في محلّها كمناشئ لعلم الإمام كالالهام والنقر في الاسماع والتعليم من الرسول صلّى الله عليه وآله وغير ذلك ، فالحضور عندهم يعني انكشاف المعلومات لديهم فعلاً في مقابل انكشافها لديهم إذا أرادوا ، ومن الواضح أنّ هذا المعنى للعلم الحضوري لا ينافي كونه مستمداً من الله سبحانه وتعالى وممنوحاً منه ، فلا تنافي بينه وبين الروايات التي أشرت إليها. ومنه يظهر الفرق بينهم عليهم السلام وبين غيرهم من البشر ، فإنّ علم غيرهم ينحصر بالإكتساب والتحصيل بالطرق المتعارفة من الأمارات والحواس الظاهريّة والدرس ونحو ذلك ـ وهذا معنى العلم الإكتسابي في المقام ـ بخلاف الأئمّة عليهم السلام ، فإنّ لهم طرقاً اُخرى غير هذه الطرق الإكتسابيّة يعلمون بواسطتها الأشياء.
من سماحة الشيخ باقر الإيرواني قال تعالى : { وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ ... وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } (البقرة/255). وقال : { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ } (الجن/26 ـ 27). وقال : { وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } (النمل/75). وقال : { إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ } (الواقعة/77 ـ 80). وقال : { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ } (النحل/89). وقال : { بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ } (العنكبوت/49). فهو تعالى يظهر علمه لمن شاء ولمن ارتضى من رسول وللمطهرين أهل آية التطهير ، ويمسس كتابه المحيط بغائبة السماء والأرض يمسسه المطهرين ، ويودعه في صدور الذين اوتوا العلم من هذه الأمة ، وهم المطهرون. أمّا الفوارق بين علم الله تعالى وتعليمه للرسول ، فإنّ علمه تعالى أزلي ذاتي ، واستعلام واطلاع النبي صلى الله عليه وآله مخلوق للباري ، وأنّ علمه تعالى محيط ، وما يعلمه النبي صلى الله عليه وآله محاط من قبله تعالى ، فإنّ لله اسما مستأثراً لم يخرج منه إلى غيره ، كما وردت به الروايات ، وأنّ الله عالم بذاته المقدسة ولايكتنه مخلوق ذات الباري وغيرها من فوارق صفات الخالق عن صفات المخلوق . أمّا الآية فمورد نزولها كما قيل إنّ أهل مكة قالوا : يا محمّد ! ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل ان يغلو ، فتشتريه فتربح فيه ، وبالأرض التي تريد أن تجدب ، فترتحل منها إلى أرض قد أخصبت ؟ ! فأنزل الله هذه الآية : { قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (الأعراف/188). فواضح من سياق النزول أنّ أهل مكة كان سؤالهم اقتراحاً مادياً يرتبط بالمعيشة والرفاه حسب مشتهيات الغرائز للرغد والبطر ، وعلم الغيب لايستخدم لمثل هذا ، ولا يوظف في مثل هذه الاغراض ، وليس من هدف إرسال الرسول هو نعيم الماديات بل الغرض هو هداية البشر إلى السعادة الأخروية ، ونجاتهم من الشقاء الأبدي . هذا غرض الرسالة في الدرجة الأولى ، فالباري تعالى لم يطلع نبيه على الغيب لكي يستجيب للمقترحات المادية والمشتهيات الغرائزية بل لينذر الناس من عذاب الآخرة إن عصوا ، ويبشرهم بالجنة إن اطاعوا ، فتبين أنّ الآية ليست في سياق نفي اطلاع الرسول على تعليم الله تعالى له من علم الغيب ، وإنّما هي في صدد نفي توظيف علم الغيب للمنافع والمضار المادية الدنيوية ، ألا ترى أنّ النذارة والبشارة بتفاصيل عالم البرزخ والآخرة ، وصفات البارئ ، والقرآن كلها من علم الغيب ، ولكن من علم الغيب الذي يهدف للهداية والسعادة الأخروية ، ويسوق نظام الحياة الدنيوية للخلاص الأخروي ، لا للخلود في الدنيا . ونظير هذه الآيات بقية الآيات التي يتوهم أنّ ظاهرها نفي اطلاع الرسول على ما علمه البارئ من علم الغيب ، ولكن المراد منها هو ما ذكرناه في هذه الآية .
من سماحة الشيخ هادي العسكري وأمّا الإجابة على السؤال: فهي أنّ الثابت لدينا والوارد في رواياتنا قولهم عليهم السلام: « ما منا إلا مسموم أو مقتول » ، وهذه الجملة بنفسها لا تكفي للاستدلال بها على علمهم بكيفية الشهادة ، وخصوصياتها ، ووقتها ، والإحاطة بكل جوانبها ، وهذا واضح . نعم المقطوع عندنا واعتقادنا أنّهم يعلمون الغيب ، والعلم بالغيب على قسمين: قسم حصولي : ومعناه أنّهم متى شاؤا وأرادوا معرفة شيء تنكشف لهم ويعرفوه ، فعلمهم به يكون بعد إرادتهم واختيارهم العلم بذلك المجهول ، وبناءً على هذا القسم من الغيب ليس عندنا دليل قاطع على علمهم بالخصوصية والكيفية أيضاً ماعدا عليٍ أمير المؤمنين وابنه الشهيد الحسين صلى الله عليه وآله. والقسم الثاني : من الغيب العلم الحضوري : ومعناه إنّ الأشياء بنفسها وبذاتها بطبعها تكون معلومة ومعروفة لديهم ، ولا حاجة إلى إرادة واختيار وطلب منهم ، وهذا هو الذي نعتقده فيهم ، لكن فيه تدرجاً طبعاً ، وكثرة وزيادة ، وقابل للاستزادة قال الحكيم : {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا}(طه/114). ثمّ إنّ الحوادث الواقعة المستقبلية والوقائع الحادثة الآتية قسمان ، قسم محتوم مختوم مقدر كائن لا تغيير فيه ولا تبديل ، وقسم خاضع للتغيير والتبديل ، وقابل للمحو والإثبات ، ومعلق على أمر وموقوف ، فإذا كان علمهم بالشهادة في مورد من القسم الثاني ، ونحن نعلم كما هم علمونا أنّهم يؤمنون ويعتقدون بالبداء ، واحتمال تبدل القضاء ، ودفع المضار والأسواء ، وتغييره بالدعاء وسائر أسباب دفع الأسى والبلاء ، وبما يمحو الله به ويثبت ما يشاء ، فلهم أن يعملوا به سلام الله عليهم ، ويدفعوا عن أنفسهم الأذى ، ولهم أن يصبروا ويسلموا الأمر إلى الله ويختاروا ما هو يختار وما به يرضى ، أليس يمتدح بصبر أيوب ، وابتلاء يعقوب ، فمإذا قال إبراهيم الخليل عندما أضرم له النار الجحيم ، وأتاه جبرائيل الأمين ، وسئله عن حاجته ، وأجاب علمه بحالي يكفي عن مقالي ولم يزد ، فذكره الله ومدحه بأنّه الأواه الحليم ، فالتسليم والرضى بما قدر وقضى ، يكون من أفضل ما يقرب العبد إلى المولى . وهل ينكر على إبراهيم الخليل بتلٌه ابنه للجنين ، ورضاه بذبح ولده بيده ، امتثالاً لرب العالمين ، أو يؤخذ عليه بأنّه قتل نفس محترمة لا يجوز صدروه من نبي من للأنبياء المرسلين ، كلا ثمّ كلا ، فرضا المحبوب غاية مراد المحبين ، والتسليم لأمره ورضاه ، نهاية آمال المخبتين ، فلا فرق بين نار نمرود ، وسيف المرادي ، وقتل الشهيد وأسر العليل ، وسجن هارون وسم المأمون ، بل يا ترى لو نوافق على نظرة البسطاء ، ونقول كان على الإمام الرضا أن يمتنع عن السم في المرة الاُولى ؟ قل لي بربك فهل كان يترك أبداً ، أو كان يتكرر عليه بدفعة بل بدفعات اُخرى ؟ وهل ترضى أنت أن يمتنع الإمام بنفسه ، فيمسك ويحبس ويوجر في فمه ويعامل بأشد وأقسى ؟ أو ليس هكذا يكون عادة المجرمين الطغاة الأشقياء ؟ وبعد هذا هل كان يسلم من ألسُن الملامة من المحبين فضلا عن الأعداء مع أنّه كان بإجبار وبغير اختيار من المرة الاُولى ؟ فما صدر منهم إلا ما هو في غاية الحكمة ومدح الحكماء فعلهم ، صلوات الله وملائكته وجميع الخلق عليهم إلى يوم الجزاء ، ولعنة الله على أعدائهم ما دامت الأرض والسماء . هذا وذكر ابن هشام في سيرته إنّ الرسول صلى الله عليه وآله كان يشكو في مرض موته من سّم دس إليه في غزوة خيبر. هذا كله في القسم الثاني من العلم بالغيب . وأمّا القسم الأوّل ، أعني : المحتوم المختوم ، فالعلم منهم بما يحدث ويقع يكون كالعلم بما تحقق ووقع ؛ فلنفرض أنّ مولوداً من لحظة ولادته صحبته شاشة التصوير وآلة التسجيل ، فالتقطت وسجلت كل حركاته وسكناته ، وتابعته متابعة الظل ، وصاحبته مصاحبة الروح معه ، ثمّ رأينا ونظرنا كلّ ما حدث وصدر منه مطلوباً ومحبوباً لنا ، أوغير مرضي ومرغوب لنا ، فهل علمنا به يغيّر ما وقع ، أم الواقع لا يتغير عما وقع ؟ ! فكذلك علمهم سلام الله عليهم بالغيب والمستقبل الذي يرونه من شاشة عالم الملكوت ، وفي هذا القسم ، بل لا يزيد على علم الله بما يقع ، فإنّ علمه عز اسمه لا يغير ولا يبدل ، ولا تأثير له في ما يحدث ؛ فإنّ الحوادث تحدث بأسبابها وعللها ، وموجبات حدوثها ، وعوامل وجودها ، والعلم بها لا يكون له أي تأثير فيها. نعم إرادة الله وحدها تغير وتبدل ، لكن كلامنا في علمه ، لا في إرادته ، والأئمة سلام الله عليهم هم سلم لما أراد وقدر وقضى ، ولا يحبون إلا ما يحب ويرضى ، فليس لقائلٍ أن يقول عمّا ومإذا ، ولمإذا هذا ؟ ! والحمد لله رب العالمين .