الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: المذهب الشيعي هو الإسلام الحقيقي ، وما عداه من المذاهب يوجد فيها الإنحراف عن خطّ الإسلام الصحيح ، فالإسلام هو التشيّع والتشيّع هو الإسلام. والسبب في ذلك انّ المذهب الشيعي يرجع في جميع أحكامه وتشريعاته واعتقاداته وقوانينه وعلومه ومعارفه إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام والأئمّة المعصومين من ذريّته الذين هم عترة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم وأهل بيته. وقد صرّح النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في أحاديث كثيرة رواها الفريات ـ الشيعة والسنّة ـ وقال : « أنا مدينة العلم وعلي بابها » . وقال : « الحقّ مع علي وعلي مع الحقّ » . وقال : « علي مع القرآن والقرآن مع علي » . وقال : حينما نزل قوله تعالى : ( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) [ الرعد : 7 ] : « أنا منذر وعلي الهادي » . وفي حديث « أنا المنذر وأنت يا علي الهادي » . وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم في الحديث الشريف المتفق عليه : « مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجى ومن تركها غرق وهوى ». وقال في حديث الثقلين المتواتر لدى الفريقين : « إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض » . وهذا الحديث يدلّ على اُمور غفل عنها أهل السنّة أو تغافلوا : الأوّل : انّ العترة الطاهرة من أهل البيت النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يجب إطاعتهم كما يجب إطاعة القرآن الكريم. الثاني : انّ العترة الطاهرة معصومون من الخطأ كما انّ القرآن الكريم معصوم. الثالث : انّه لا يكفي في تحصيل الهداية مجرّد التمسّك بالقرآن الكريم ، ومن قال : « حسبنا كتاب الله » ، فقد أخطأ خطأ عظيماً بل يجب التمسّك بالعترة الطاهرة كما يجب التمسّك بالقرآن لأجل تحصيل الهداية ، فالإسلام الصحيح بعقائده وعلومه وأحكامه وتشريعاته وانظمية ومعارفه وعباداته ومعاملاته وسياساته إنما يمكن معرفته بالتمسّك بالقرآن الكريم والعترة الطاهرة ولا يغني أحدهما عن الآخر وكيف يكفي القرآن الكريم وقد صرّح بأنّ فيه ( آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ... ) [ آل عمران : 7 ] ، وقال الله تعالى : ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) [ الحشر : 7 ] . الرابع : يجب أن يكون في كلّ عصر وزمان إلى يوم القيامة إمام معصوم من العترة الطاهرة ليتمسّك به الناس كما يتمسّكون بالقرآن الكريم ولو لا ذلك لحصل الإفتراق بين القرآن الكريم والعترة ، مع انّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قد صرّح بأنّهما لن يفترقا حتّى يدرا عليّ الحوض ، فمن هو إمام أهل السنّة في هذا العصر ؟ وإذا كان لهم إمام فلا يفيدهم لأنّه لابدّ أن يكون الإمام المقترن طاعته بطاعته القرآن الكريم من أهل البيت ومن العترة الطاهرة ومن ذريّة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم حسب هذا الحديث الشريف. وقد روى أهل السنّة ـ وكذلك الشيعة ـ قول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة » ، فكلّ مسلم لابد أن يعرف الإمام الذي هو منصوب من قبل الله ورسوله للإمامة في عصره وزمانه ، ومن المعلوم ان هذا الإمام لابدّ ان يكون معصوماً إذ لا يعقل أن يموت شخص ميتة جاهليّة لمجرّد انّه يعرف قائداً وأميراً أو ملكاً ظالماً عاصياً ، فمن الإمام الذي يجب معرفته في هذا العصر والزمان ؟ فالشيعة اُخذوا عقائدهم وعلومهم من أئمّة أهل البيت عليهم السلام الذين أمر الله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم بالتمسّك بهم وفرض طاعتهم وولايتهم والإسلام الصحيح متجسّد في أقوالهم وأفعالهم. ولنعم ما قال الشاعر : إذا شئت ان تبغي لنفسك مذهباً ينجيك يوم الحشر من لهب النار فدع عنك قول الشافعي ومالك وأحمد والمنقول عن كعب أحبار ووال اناساً قولهم وحديثهم روى جدّنا عن جبرئيل عن الباري
الجواب من الشيخ محمد السند: الجواب 1 : قد فسرت الأمانة في الآية في روايات أهل البيت عليهم السلام بولاية محمّد وآل محمّد صلوات الله عليهم أو بولاية علي عليه السلام ، وفسرت بالإختيار وبالتكليف وبالعقل والإيمان والتوحيد ونحو ذلك ، وكلّ هذه المعاني تشير إلى مركز واحد وهو قابليّة التكليف الإلهي وأبرزه اصول الإعتقادات في الشريعة. الجواب 2 : المراد من الإباء والرفض ليس المخالفة للأمر المولوي الإلهي بل العجز في قابليّتها عن تحمّل عطاء الأمانة. الجواب 3 : وحملها الإنسان لقابليّته وامتيازه بين المخلوقات باستعداده للتكامل إلى أعلى عليين ، وللتسافل إلى أسفل السافلين وقعر جهنّم ، وأنزل الدركات الدرك الأسفل. الجواب 4 : إطلاق الظلوم الجهول على الإنسان كما تكون عبارة مدح وثناء على الإنسان تكون عبارة ذمّ وهجاء للإنسان ، وذلك بلحاظين واعتبارين ، فإن وصل إلى الجنّة والكمال العلوي فهو الأوّل ، وإن انتهى إلى الجحيم والدركات فهو الثاني. فمن ثمّ فسر في الروايات هذا الذيل من الآية بأبرز مصاديق المعاندين الجاحدين كذمّ ، وفسّر أيضاً بأنّ الإنسان ظلوم لنفسه يروّضها على المشقّة ويهذّبها على الفضائل جهول لكلّ شيء غير الله تعالى ، أيّ يخلص نيّته وتوجّهه إليه تعالى متجاهلاً لكلّ شيء غير الله تعالى ، فوصف الظلوم الجهول تابع لتفسيرالأمانة الإلهيّة وكيفيّة تحمّلها.
الجواب من السيّد مرتضى المهري: يقول جمع من المفسّرين واللغويين إنّ الظنّ يستعمل تارة في الإعتقاد الراجح ، واُخرى في العلم ، وذكروا لكلّ منهما شواهد في الشعر العربي. ويقول بعض الباحثين عن أصول اللغة ، أنّ الظنّ يُطلق على كلّ اعتقاد ناشئ من أمارة ، فقد يكون علماً وقد يكون اعتقاداً راجحاً بل حتّى غير الراجح ، فالظنّ يقابل العلم الناشئ من الإحساس والإدراك والوصول إلى حقيقة الشيء ولمسه. فالظنّ في الآيات المذكورة وإن لم يكن في موارده احتمال للخلاف إلّا أنّه ليس علماً ناشئاً من لمس الحقيقة بالوجدان أو بالحواس الظاهرة ، وإنّما هو علم نشأ من ترتيب مقدّمات أو تصديق الأنبياء أو نحو ذلك إن كان يبلغ في بعض الناس ـ كالمعصومين وبعض أهل الكمال ـ إلى درجة اليقين ، ولكنّه في أكثر المؤمنين لا يتجاوز ذلك بل ربما يكون أقلّ منه ، ومع ذلك فهم يُعدّون من المؤمنين ، فلعلّ الوجه في اختيار هذا التعبير « الإيعاز إلى قبول الإيمان من المؤمنين بدرجاته المتفاوتة » ، إذ لا شكّ أنّ إيماننا مهما يكن قويّاً لا يبلغ حد إيمان من قال : « لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً » ، وهو أمير المؤمنين سلام الله عليه.
الجواب من الشيخ محمد السند: طريقة التعرّف على صحّة الحديث تكون بمراجعة أهل التخصّص في علم الرجال والحديث. فمثلاً كتاب « مرآة العقول » للعلّامة المجلسي قدّس سرّه ـ صاحب كتاب البحار ـ ، قد أشار في كتابه المزبور ـ الذي هو شرح لكتاب « أصول وفروع الكافي » للكليني ـ في ذيل كلّ حديث إلى درجة اعتبار الحديث على رأي المشهور ، وكذلك في كتابه : « ملاذ الأخيار » الذي هو شرح كتاب « التهذيب » للشيخ الطوسي قدّس سرّه ، وكذلك كتب علم الرجال . ولا بُدّ من الالتفات إلى أنّ بين أهل الاختصاص يقع الاختلاف في رأي في تصحيح الأحاديث وتضعيفها ، فليس من الضروري اتّفاقهم.
الجواب من الشيخ محمد السند: ذكر السيّد المرعشي قدّس الله سره في تعاليق إحقاق الحقّ وملحقاته ، المجلّد 26 / 283 و 281 ، والمجلد 10 / 713 ـ 716 ، عدّة مصادر لهذا الحديث. وقد عقد البخاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق أبواباً لفضائل علي عليه السلام والصدّيقة الطاهرة والحسنين صلى الله عليه وآله. وكذلك مسلم في صحيحه ، إلا أنّه زاد على البخاري العديد من الأخبار النبويّة المسندة من فضائلهم التي ترك روايتها البخاري. وكذلك أحمد بن حنبل في مسنده وهو متقدّم زمناً على البخاري ، فمسنده أجدر بالاعتبار من صحيح البخاري مضافاً إلى أنّ ابن حنبل أكثر وجاهة واعتماداً عند محدّثي وفقهاء أهل السُنّة في زمانه من البخاري ، وقد نقل ابن حنبل في مسنده أضعاف ما نقله كلّ من البخاري ومسلم من فضائل أهل البيت صلّى الله عليه وآله ممّا قد ترك روايته البخاري ومسلم.
الجواب من الشيخ حسن الجواهري: إنّ ثقة الإسلام الكليني جمع في كتابه الروايات التي كانت موجودة قبل عصره في الأصول الأربعمائة التي وقعت في يده حفظاً لها من الضياع ، وهذه الروايات قد يكون فيها ما هو ضعيف السند ، ولكن ضعف السند لا يمنع من نقله مع الروايات الصحيحة والمعتمدة ، وإنّما تكون الروايات الضعيفة مؤيّدة للروايات الصحيحة والمعتمدة إذا وافقتها في المضمون. نعم هناك روايات ضعيفة من ناحية المضمون بمعنى أن يكون المضمون مخالفاً للكتاب والسُنّة أو للعقل ، وهذه الروايات وإن نقلها ثقة الإسلام في كتابه الكافي إلّا أنّه نقل أيضاً الروايات القائلة : « إنّ ما خالف القرآن والسنّة زخرف باطل يضرب به عرض الجدار » ، فنقل الروايات ذات المضمون الباطل مع ذكر الميزان في قبول الرواية لا يضر بنيّة الكليني واخلاصه. بالإضافة إلى أنّ الروايات المخالفة في المضمون عند شخص قد لا تكون مخالفة عند شخص آخر ، وعلى تفسير آخر ، فذكرها خوفاً من الضياع بدافع أن يوجد لها عند المتأخّرين من المحقّقين تفسيراً آخر ينسجم مع المضامين الصحيحة ، أمر جيّد وممتاز. وأتمكّن أن اضرب لك مثالاً في ذلك : خذ إليك الروايات القائلة : « بأنّ في آخر الزمان تخرج النساء كاسيات عاريات » ، أو « أنّ في آخر الزمان إذا تكلم الرجل في المشرق سمعه ورأه في المغرب » ، وأمثالها ، فإنّ هذه الروايات في زمن صدورها قد يقال بأنّها خرافة ولكن أثبت الزمان لنا صحّة هذه الروايات في هذه الأيام ـ كما هو واضح ـ ، ويكون الفضل لمن أثبتها في كتابه ، وإن كانت في ذلك الزمان غير معقولة ، فليكن الكليني قد ذكر الروايات المخالفة للعقل عند صدورها لأجل أن يوجد لها تفسير عند أحد العلماء المحقّقين. أمّا بالنسبة إلى ما قاله شرف الدين : فإنّه قال في المراجعة « 110 » : « إنّ الكتب الأربعة ونسبتها إلى أصحابها متواترة » ، لا أنّ الروايات التي فيها متواترة ، وفرق واضح بين كون الكتاب ونسبته إلى صاحبه متواترة أو أنّ الروايات التي فيها متواترة ، فهو أثبت نسبة الكتاب إلى صاحبه وقال إنّها متواترة ولم يقل إنّ جميع ما في الكتب الأربعة متواترة. نعم هناك قول بصحّة كلّ ما في الكتب الأربعة وهذا قول أثبت السيّد الخوئي وقبله علماء الإماميّة المحقّقين بطلانه ـ راجع مقدّمة معجم رجال الحديث للسيّد الخوئي ـ. وحينئذ لو كان هذا القول وهو صحّة كلّ ما في الكتب الأربعة هو قول الإماميّة بأجمعهم ، فهو مضرّ بالمذهب ، ولكن يوجد هناك القول الآخر الذي هو الصحيح الذي يقول : أنّ ما في الكتب الأربعة من الأحاديث يخضع لفحص السند والمتن ، فمنه ما هو صحيح السند وصحيح المتن ، ومنه ما هو صحيح السند غير مقبول المتن ، ومنه ما هو مقبول المتن وإن كان ضعيف السند ، وتخضع كلّ الروايات التي في الكتب الأربعة إلى موازين علم الرجال في قبول الرواية وضعفها. ومع وجود هذا القول الثاني فلا يكون القول الأوّل الضعيف مضرّاً بالمذهب بل هو مضرّ بصاحبه الذي اختاره إذا كان التحقيق خلافه. أمّا الفرق بين الإخباريين والأصوليين ، فإنّ المدرسة الأصولية هي التي التزمت واعتمدت أصول الفقه العقلي في الاستنباط ، وأصول الفقه العقلي هي الأصول المستقاة من مبادئ العقل ومعطياته. أمّا المدرسة الإخبارية فهي التي التزمت واعتمدت أصول الفقه النقلي في الاستنباط ، وأصول الفقه النقلي هي الأصول المستقاة من أقوال أهل البيت ، والمأثور عنهم المنقول عن النبي صلّى الله عليه وآله. وعلى هذا فيمكن تحديد الفروق بين المدرستين بما يلي : 1. في مصادر التشريع ؛ فإنّها عند المدرسة الأصوليّة أربعة ، هي : الكتاب والسُنّة والإجماع والعقل ، أمّا عند المدرسة الإخباريّة فهي : الكتاب والسُنّة فقط. 2. في الشبهة الحكميّة التحريميّة ؛ فإنّ الأخباريين يرجعون فيها إلى قاعدة الإحتياط ، أمّا الأصوليين فيرجعون فيها إلى قاعدة البراءة. وقد تكون هناك فروق أخرى بين المدرستين إلّا أنّها ترجع إلى هذين الفرقين المهميّن.
الجواب من الشيخ محمد السند: لا بدّ من الانتباه إلى أنّ معنى الرواية الضعيفة بلحاظ طريق نقلها ليس بمعنى أنّها مختلقة ومكذوبة بل أنّ رواتها ربّما لم يوثقوا أو لجهالة حالهم ، وهذا لا يعنى بالضرورة كونهم غير عدول في أنفسهم ، وإنّما نحن نجهل حالهم ، وهذا وأن أوجب عدم إحرازنا وعدم استكشافنا لحجيّة الرواية إلّا أنّه لا يعنى ولا يستلزم كون الرواية مجعولة ومختلقة ، فهذه كتب السنّة التي اطلقت جنابك عليها اسم الصحاح وهي الستة أو التسعة كالبخاري وكتاب مسلم مملوّة بالضعاف كما رصد قائمة من الضعاف العلّامة السيّد عبد الحسين شرف الدين في كتاب « المراجعات » ، وذكر مجموعة منهم في الصحاح العلّامة الأميني في كتاب « الغدير » ، وذكر مجموعة أخرى من الضعاف في الصحاح العلّامة المحقّق الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء في كتابه « عين الميزان » ، والعلّامة المحقّق الشيخ محمّد حسن المظفر في كتابه « دلائل الصدق » المجلّد الأوّل ، وقد ذكر السيّد محمّد بن عقيل اليمني في كتابه « العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل » أنّ جملة من علماء أهل السنّة من الذين كتبوا في علم الرجال والحديث يستوثقون الراوي إذا كان ناصبيّاً أيّ ممّن ينصب العداوة لأهل البيت آل محمّد عليهم السلام بل كلّما ازداد عداوة لهم كلّما ازداد وثوقاً عندهم ، وكلّما كان محبّاً لأهل بيت النبوّة كان ضعيفاً عندهم ، وقد أحصى موارد عديدة اتبعوا فيها هذا المسلك وبنوا تعديلهم وجرحهم لرجال الرواية عندهم على ذلك ، فكم من ينصب العداوة لأهل البيت رووا عنه في صحاحهم واعتمدوا عليه ، وكلّما كان للرواي حبّ وهوى في آل محمّد صلى الله عليه وآله اجتنبوا الرواية عنه وجرحوا فيه ، ومسلكهم هذا اتباعاً لقوله تعالى : ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) [ الشورى : 23 ] . ثمّ من الغريب ظنّك أنّ الكليني صاحب كتاب « الكافي » لم يحرص على التدقيق في الحديث ، مع أنّ الكليني يصرّح في مقدمة كتابه « الكافي » أنّه أمضى مدّة مديدة من السنين ذكروا أنّها تبلغ العشرين عاماً في تنقيح ما وصل إليه من الحديث ، مع أنّ الكليني كان معاصراً للنوّاب الأربعة وفي عصر الغيبة الصغرى ، مع أنّ ما في كتابه من الروايات الضعيفة لا تعدل شيئاً أمام الروايات المعتبرة في الكتاب . ثمّ أنّ الروايات الضعيفة لا يودعها المحدّث من علماء الإماميّة إلّا بعد أن يأمن أنّها غير مختلقة قد أخذها من مصادر موثوقة ، وإن كان بعض رجال الطريق فيها ممّن لم يوثقوا ، بل أنّ علماء الدراية من الفريقين لا يستحلون ردّ الرواية الضعيفة ـ وإن لم تكن حجّة بمفردها ـ وإن كان الراوي موصوفاً بالكذب ؛ إذ ليس كلّ ما يخبر به الكاذب يكون بالضرورة كذباً ، وإن لم يكن حجّة في نفسه ، ألا ترى أنّك يحصل لديك اليقين والاطمئنان بخبر مجموعة كبيرة جدّاً من مجهولي الحال والكذّابين ممّن لا يعرف بعضهم بعضاً أيّ يقطع بعدم تواطئهم على الكذب وعدم توافقهم على الخبر ، وهذا معنى تكوّن الخبر المتواتر والمستفيض من الأخبار الضعاف ، وقد برهن على حصول التواتر والاستفاضة بعض العلماء المحقّقين بنظريّة رياضيّة من قاعدة حساب الاحتمالات من جهة العدد الكمّي لطرق الخبر ، ومن جهة ظروف النقل الكيفية لتلك الطرق للخبر ، فإنّ العامل الكمّي والكيفي إذا تصاعد وتضاءل احتمال الكذب والصدفة ، وصل الاحتمال لصدور الخبر إلى درجة الاطمئنان واليقين ، وهذا الطريق الرياضي طريق فطري عقلي لدى البشر ، ومن ثمّ حرص المحدّثون بعد تنقيح الروايات والحديث عن المدسوس والمختلق ، حرصوا على نقل الروايات المعتبرة والضعيفة معاً لكونها مادة لتكون التواتر ، وهل يسوغ طرح الخبر المتواتر والمستفيض ؟ وبالتالي هل يسوغ طرح ما هو مادة للخبر المتواتر والمستفيض ؟ فضلاً عن أن ردّ الرواية الضعيفة المروية المسندة لأهل البيت عليهم السلام قد تكون صادرة عنهم عليهم السلام ، ويكون ردّها رداً عليهم ـ والعياذ بالله ـ والردّ عليهم ردّ على الرسول صلّى الله عليه وآله ؛ لأنّه أمر في الحديث المتواتر بين الفريقين بالتمسّك بالكتاب والعترة ، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليه الحوض ، وعدم ردّ الخبر الضعيف وإن لم يعني الحجيّة كما ذكرت لك ، ولكن يكون مادة لحصول التواتر أو الاستفاضة بنحو الانضمام الكمّي والكيفي بالبرهان الرياضي.
الجواب من الشيخ باقر الإيرواني: ما ذكرتموه من التساؤل يتمّ بناءً على كون المراد من كلمة « راكعاً » في الآية الكريمة الهيئة الخاصّة المقابلة للسجود ، ولكنّه ليس الأمر كذلك ، فإنّ الركوع لغة عبارة عن مطلق الإنحناء الصادق على السجود أيضاً. قال الراغب في مفرداته : « الركوع : الإنحناء ، فتارة يستعمل في الهيئة المخصوصة في الصلاة كما هي وتارة في التواضع والتذلل ».
الجواب من الشيخ محمد السند: قد اختلفت أقوال المفسّرين في تفسير سجود إخوة يوسف عليه السلام وأبواه له ، وكذا في سجود الملائكة لآدم عليه السلام. فقيل : إنّ السجود عندهم يجري مجرى التحيّة. وروي عن الصادق عليه السلام : « أنّه قرأ وخرّوا لله ساجدين ». وكذا في سجود الملائكة لآدم ، فبما أنّه كان بأمر الله تعالى فكان سجوداً لله تعالى في الحقيقة وطاعة له. وقيل : أنّه سجود لله تعالى وجعل آدم قبلة لسجودهم ، كما في جعل بيت موسى وهارون عليها السلام في مصر قبلة لصلاة بني إسرائيل. وعلى أيّ تقدير فلا يجوز في شريعة الإسلام السجود لغيره تعالى ، لكن لو فعله شخص لآخر بقصد التحيّة والإحترام لكان عاصياً لا أنّه يستحق صفة الكفر أو الردة ؛ وذلك لأنّ الأفعال حكمها إنّما هو بحسب المقصود : « إنّما الأعمال بالنيّات ». فبمجرّد إتيان هيئة السجود لا يعني هو القيام بالعبادة الخاصّة المصطلحة كي يكون الشخص المزبور عابداً لغيره تعالى ، كما هو الحال في من ينحني لتناول شيئاً من الأرض فإنّه لا يطلق عليه أنّه راكع عابد لذلك الشيء.
من سماحة الشيخ علي الكوراني
الجواب من الشيخ محمد السند: ( قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) . فلماذا كان الطلب : ( إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) ، و ( إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) . فهل هناك فرق بين التوقيتين ؟ نعم هناك فرق بين ( يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) (1) و ( يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) (2) كما يدل عليه ظاهر الآية ، وما ورد من روايات أهل البيت عليهم السلام (3) ، فإن يوم البعث هو يوم القيامة ، ومغايرة اللفظين تقتضي تقدّم ( يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) على يوم القيامة ؛ لأنّ ساعة نفخ الصور يُصعق من في السماوات ومن في الأرض ويموت كل كائن ذي روح. مضافاً إلى أنّ الوقت والزمان هو في النشأة الدنيويّة ، فاليوم الذي أُقّت لإبليس هو يوم موقت لأمر معلوم مشهود حافل بأمر ما ، كما يفيده دلالة لفظه المعرّف باللام ، والموصوف بـ ( الْمَعْلُومِ ) . وفي روايات أهل البيت عليهم السلام هو في أيّام رجعتهم إلى الدنيا مرّة اُخرى قبل يوم القيامة ، يوم رجوع رسول الله صلّى الله عليه وآله إلى دار الدنيا ، فيقتل فيها إبليس بحربة من النور (4) ، وهو تأويل آية : ( نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ) (5) ، وهو قول إبليس لجنوده عندما يتراءى له رسول الله صلى الله عليه وآله بحربة من نور يطعنه بها فيقتله ، وهو تأويل آية : ( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ ) (6) ، أي الرجوع للدنيا. الهوامش 1. ص : 79. 2. ص 81. 3. راجع : تفسير العياشي / المجلّد : 2 / الصفحة : 242 / الناشر : المكتبة العلميّة الإسلامية / الطبعة : 5. تفسير القمي / المجلّد : 2 / الصفحة : 245 / الناشر : مطبعة النجف. البرهان في تفسير القرآن « للسيد هاشم البحراني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 448 / الناشر : مؤسسة البعثة. 4. راجع : تفسير القمي / المجلّد : 2 / الصفحة : 245 / الناشر : مطبعة النجف. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 30 / الصفحة : 244 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. البرهان في تفسير القرآن « للسيّد هاشم البحراني » / المجلّد : 4 / الصفحة : 292 / الناشر : مؤسسة البعثة. 5. الأنفال : 48. 6. القصص : 85.
الجواب من السيد علي الميلاني: إنّ السرّ في إقامة ذكرى عاشوراء ومراسم العزاء على الإمام السبط الشهيد عليه السلام يكمن في أسباب استشهاده ونتائجه. أمّا الأسباب فالخلاصة : هي أنّ الإمام لم يبايع يزيد ، لأنّه رأى أنّ البيعة معه إعطاء الشرعيّة لحكومته وتصرّفاته ، ويزيد رجل فاسق فاجر شارب للخمر ، ناكحٌ للمحارم منتهك للحرمات ، يريد القضاء على الدين من الأساس والعودة إلى الجاهلية الأولى (1) ، فضحّى الإمام عليه السلام بنفسه الشريفة ، وبأولاده وأصحابه من أجل بقاء الدين. وأمّا النتائج فالخلاصة : هي فضيحة بني اُميّة ، وكشف الأستار عن واقع حالهم ، وحال المتقدّمين عليهم في الحكم ، وعن دسائسهم ضدّ هذا الدين والنبي وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام. فالحسين خدم ديننا وضحّى من أجله ، ولأن نكون مسلمين مؤمنين فله هذا الحق العظيم ، فلا بدّ من إحياء ذكره وإبقاء قضيّته أداءً لحقّه ووفاءً لعهده ، وهذا أقلّ ما يمكننا القيام به. وشأننا في هذا ، شأن سائر أبناء المذاهب والشعوب تجاه من خدمها وضحّى من أجلها ، وهذه سنّة إنسانيّة وإسلاميّة دلّ عليها الكتاب والسنّة والسيرة النبويّة ، وعمل الصالحين من الاُمّة على مدى القرون والأعصار. والسلام عليكم. الهوامش 1. راجع : اللهوف في قتلى الطفوف « للسيد ابن طاووس » / الصفحة : 17 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 1 : ثم أقبل ـ الحسين عليه السلام ـ على الوليد فقال : أيها الأمير إنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة بنا فتح الله وبنا ختم الله ويزيد رجل فاسق ، شارب الخمر ، قاتل النفس المحرمة ، معلن بالفسق ، ومثلي لا يبايع مثله. الطبقات الكبرى « لابن سعد » / المجلّد : 49 / الصفحة : 49 / الناشر : دار الكتب العلمية / الطبعة : 1 : لما وثب أهل المدينة ليالي الحَرّة فأخرجوا بني أميّة عن المدينة وأظهروا عيب يزيد بن معاوية وخلافه أجمعوا على عبدالله بن حنظلة فأسندوا أمرهم إليه فبايعهم على الموت وقال : يا قوم اتّقوا الله وحده لا شريك له ، فوالله ما خرجنا على يزيد حتى خِفْنا أن نُرْمى بالحجارة من السماء ، إنّ رجلاً ينكح الأمّهات والبنات والأخوات ويشرب الخمر ويدع الصلاة والله لو لم يكن معي أحمد من الناس لأبليتُ لله فيه بلاءً حسناً.
من سماحة الشيخ محمّد السند حاجة كل عصر من واقعة الطف هو أن يستلهموا منها ما يجيب على اسئلتهم المعاشة في عصرهم من تضارب الأفكار والرؤى وتعدد وجهات النظر ، والذي تحتاجه عاشورا ـ وفي الحقيقة هي الأخرى حاجتنا نحن إلى عاشوراء أيضاً ـ وهي أن نحييي الواقعة في وجداننا ومشاعرنا وذاكرتنا وتفكيرنا كي نعيش الجو التربوي الذي يجب أن نتكامل به وفيه ، ولا بدّ في الشعائر الحسينية كما في الروايات المتواتر عنهم عليهم السلام أن تكون حماسية جياشة ، وأن تكون مفعمة بالحزن والتفجع والجزع ، وأن تكون متضمنة للمعاني والمثل التي نشدها سيد الشهداء عليه السلام من الغيرة والحمية للدين والنبل ، والإباء للباطل ، والنهي عن المنكر ، وإقامة العدل وغيرها ممّا جاء في خطبه وكلماته المأثورة .