من سماحة الشيخ علي الكوراني اعتقادنا أنّ الأنبياء عليهم السلام معصومون عن المعاصي الكبائر والصغائر ، قبل البعثة وبعدها ، وأنّ ذنوبهم التي يستغفرون الله تعالى منها ، ذنوب من مستواهم لا من نوع ذنوبنا ومعاصينا .. مثلاً إذا نام أحدهم عن صلاة الليل اعتبرذلك ذنباً ، وإن غفل عن ذكر الله تعالى فترة من الزمن ولو قصيرة ، اعتبره ذنباً .. وهكذا . وقد ورد في الحديث الشريف : « حسنات الأبرار سيئات المقربين » ، فلو أنّ أحدنا مثلاً قهقه في ضحكه لما كان ذلك حراماً ، لكن ذلك من المعصوم ذنب يستغفر الله منه ، ولو أنّ أحداً تصدق لمشروع ، أو على شخص علناً مفتخراً بذلك ، لما فعل حراماً ، وربما كان له ثواب بذلك ، لكن ذلك من المعصوم ذنب يستغفر الله عليه . وهذا ما نلاحظه في حياتنا ، فإنّ الشخص العادي لو أكل وهو ماشٍ في الشارع ، أو ركب دراجة ، لما كان ذلك عيباً ، لكن لو فعله عالم أو شخصية محترمة ، لكان عيبا وذنباً عرفياً ، وهكذا كل ذنوب الأنبياء عليهم السلام المذكورة في الآيات والروايات فهي من هذا النوع ، وليس فيها معصية لله تعالى توجب غضبه .
من سماحة الشيخ علي الكوراني عقيدتنا في الأنبياء صلوات الله على نبينا وآله وعليهم جميعاً أنّهم معصومون في تبليغ الرسالة ، وفي كل سلوكهم من المعاصي الصغائر والكبائر ، قبل البعثة وبعدها .. وأنّ كل ما صدر منهم فهو خلاف الأوْلى وليس معصية.. وأنّ قريشاً والمنافقين اتهموا نبينا صلى الله عليه وآله بأنواع التهم ، وتبنّت أكثرها الحكومات لتبرر مخالفات الحكام.. ويكفينا للدلالة على عصمته صلى الله عليه وآله قول الله تعالى : {وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}(النجم/3 ـ 4)!! ولو تفكرت في هذه الصفة العظيمة لعرفت أنّه معصوم في جميع منطقه ، في رضاه وغضبه ، وكل حالاته ، وأنّه لا يمكن تحقق العصمة في كلامه ، إلا بالعصمة في عمله .. وأنّ الذين ينفون عصمته في عمل ما ، فهم ينفون عصمته في كلامه ، ويكذبون الله تعالى في شهادته هذه لنبيه ، وتأييده له في كل حالاته!!! ولو فكرت في الارتباط بين العصمة في الكلام والعصمة في العمل ، لعرفت أنّ العصمة في الكلام درجة أعظم من العصمة في العمل ، فمن كان معصوماً في كل حرف من منطقه ، فهو لاشك معصوم في كل فعل من أفعاله صلى الله عليه وآله ؟
من سماحة الشيخ محمّد السند روى في البحار : 52/193 ، عن كتاب إكمال الدين للصدوق/490 ، عن الأصبغ بن نباتة أنّه ، قال : يا أمير المؤمنين ! من الدجّال ؟ فقال عليه السلام : « ألا أنّ الدجال صائد بن الصيد » . وفي نسخة أخرى للرواية : « صائد بن الصائد » . وروى هذه الرواية : الهندي في كنزالعمال ، عن الأصبغ ، عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال : « صافي بن صائد . نعم » ، في روايات أهل سُنّة الجماعة أنّ اسمه : عبدالله بن صياد ، وفي روايات أخرى لهم أنّه : « صائف بن صائد اليهودي ». وروى الصدوق في إكمال الدين/209 : « إنّ الدجال ، ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله بالمدينة ، وأنّ النبي صلى الله عليه وآله قد زاره مع جمع من أصحابه » . وقال المجلسي في البحار : « اختلفت العامة في أنّ ابن الصياد هل هو الدجال أو غيره ؛ فذهب جماعة منهم إلى أنّه غيره ، لما روي أنّه تاب عن ذلك ومات بالمدينة ، وكشفوا عن وجهه حتى رآه الناس ميتاً ، ورووا عن أبي سعيد الخدري أيضاً ، وذهب جماعة إلى أنّه الدجال ، ورووه عن ابن عمر وجابر الأنصاري » . وقال الصدوق بعد روايته ذلك الخبر : « إنّ العامة يصدّقون بولادة الدجال ، والخبر الوارد فيه ، ويروونه في الدجال وغيبته وطول بقائه المدة الطويلة وبخروجه في آخرالزمان ، ولا يصدّقون بحياة القائم ( عج ) وطول بقائه في الغيبة » ، ثمّ احتج عليهم الصدوق بما رووه عن النبي صلى الله عليه وآله انّه قال : « كل ما كان في الأمم السالفة يكون في هذه الأمة مثله حذو النعل بالنعل ، والقذة بالقذة » ، وأنّه كان في الأمم السالفة حجج لله تعالى معمّرون ، وكيف أنّهم يصدّقون الأخبار الواردة لديهم عن وهب بن منبه ، وكعب الأحبار في المجالات التي لا يصح منها شيء ، ولا يصدقون بما يرد عن النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته الأئمة ( عليهم السلام ) في القائم وغيبته ؟ !
من سماحة الشيخ محمّد السند روى الطوسي في الغيبة ص271 عن الصادق عليه السلام إنّه قال : « ليس بين قيام القائم وبين قتل النفس الزكية إلاّ خمسة عشرة ليلة » . وفي ص279 : « النفس الزكية غلام من آل محمّد ( أي صغير السن شاب ) اسمه : محمّد بن الحسن ، يقتل بلا جرم ولا ذنب ، فإذا قتلوه لم يبق لهم في السماء عاذر ، ولا في الأرض ناصر ، فعند ذلك يبعث الله قائم آل محمّد ». وفي ص278 : عن عمار بن ياسر : « يقتل النفس الزكية وأخوه بمكة ضيعة ، فينادي منادٍ من السماء : أيّها الناس ! إن أميركم فلان ، وذلك هو المهدي ... » . وفي روايات عديدة أنّه من علامات الظهور القريبة له ، وفي بعضها أنّه تقتل نفس زكية تظهر في سبعين من الصالحين .
من سماحة الشيخ هادي العسكري سئل الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام ، الذي هو بالحق ناطق : كيف ينتفع بالإمام الغائب ؟ قال : « كانتفاعكم بالشمس حين تستر بالسحاب » . قديماً قالوا : كلام الملوك ملوك الكلام ، وأقول : لو كان كلام دون كلام الخالق ، وفوق كلام المخلوق ، فهذا أحدها الذي لا يعرف أحد مغزاه ، ولا يحيط بتمام معناه ، وكامل تفسيره إلا من قاله ونطق به ، والدليل على ذلك : إننا لا نستطيع أن نعرف حقيقة الشمس وجوهرها ، ونعلم كل آثارها ، وكمية أخذ كل موجود من الموجودات ، واكتساب كل المخلوقات جميعها من الحيوان والنبات والجماد على هذه الكرة الأرضية من نورها وحرارتها واثرها وتأثيرها ، واستمدادها في وجودها ، وتكوينها واحيائها هذا ما في البراري والقفار ، ويبقى ما في البحار وعجائب المخلوقات فيها بل يبقى ما في سائر السياراة وما يتبعها من الانجم والمجرات ، فمن الذي يعلم ويمكنه أن يحيط بكل أسرارها وآثارها ، وفعلها وانفعال غيرها بها ، فكل واحد من الفلكي والرياضي والطبيعي و ... و ... وإنّما يعرف موضوع علمه وموضع عمله وموضعة خبرته ، ولو فرضنا أنّ كل هؤلاء العلماء علموا جمعاء كل اثارها إلى هذا الحين ، واكتشفوا كل اسرارها ، فمن الذي يضمن أنّهم لم يكتشفوا في المستقبل القريب والبعيد والعصور الآتية اضعاف ما علموا ويظهر لهم كثير ما جهلوا . ثمّ لنفرض أنّها لو وقفت عن الحركة ساعة مإذا يحدث في الكون من خلال وقفتها ، ومإذا يحصل في نظام العالم من سكونها ، ومدى ما تؤدي من نقص وخلل من فرارها ووهن واختلاف من استقرارها ، فليس في وسع العلم أن يدعى الاحاطة بمعرفتها ، ثمّ يأخذ بعد وجود السحاب وآثارها ، ويعلن مقدار كمها وكيفها ، ونتيجة الانتفاع بها معها ، ويقيس نسبة وجود السحاب وعدمها ، ويعطي خلاصة الحساب ، ودرجة الانتفاع بها لنا ، فليس لنا أن تدعى معرفة هذا الكلام بكاملها بل نذكر ونعطى مقدار معرفتنا لها فنقول : اتفق المسلمون على قول الرسول صلى الله عليه وآله أنّه قال: « من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية» ، فبدلالة هذه الصحيحة الثابة ، فنفس عرفان الإمام ، ومجرد الاعتقاد والإيمان بوجوده ، وليس مع شرط الحضور والوصول إليه يوجب الابتعاد عن الهلاك والنيران ، والسلامة عن الكفر والطغيان ، والقبض على مفاتيح الجنان هذا أوّلاً . وبعده العمل بأقواله ، ومتابعة ارائه ، والسير على منهاجه ، وعدم الانحراف عن طريقته ، والالتزام بقيادته هذا ثانياً . ولا تغفل عن آثار حالة الانتظار ، والتألم والتأثر بها ، وما ورد من الأجر فيها ، وطول الابتلاء والامتحان بها ، والابتلاء والاختبار بها سنة الله في عباده ، والاشتياق إلى اللقاء ، والتشوق إلى فرجه الملتقى وهذا ثالثاً . وبعده أثر الامل ، والرجاء في سكون النفس ، وراحة الروح ، وسلامة الإنسان ، وهل يُعلم من مرارة العيش ما في اليأس والاًسى ، وهل يخفى ما في الامال والرجاء من حلاوة الحياة ، وحصول الطيب والسعادة والهناء وهذا رابعاً . وبعده خامساً : ما في الدعاء بتعجيل الفرج نعم الدعاء ، وما أدراك ما الدعاء الذي هو مخ العبادة ، ولب الطاعة ، وحقيقة الاطاعة التي تظهر عند الطلب والإنابة ، والتضرع والتذلل والإستغاثة ، وبالاخص عندما لا يكون الدعاء لنفسه خاصة بل يكون للعموم ، وللمؤمنين عامة الذي ورد الاًمر به ، والجفاء بدونه ، ووعد الإجابة حتماً في ضمنه . وبعده سادساً : الاستشفاع به والتوسل بدعائه سلام الله عليه ؛ فإنّه مالك النهي في الحياة وصاحب الأمر ، ومن تتنزل عليه الملائكة والروح في ليلة القدر لكل قضاء وقدر ، وبإذن ربهم من كل أمر ، ولكل أمن وسلام هي حتى مطلع الفجر بظهوره وكشف السحاب ، ورفع الحجاب بطلوع شمس وجوده ، وإقامة الحق ، والقسط والعدل ، وابادة الظلم والجور والبغي بباتر سيفه ، وصارم بيانه ، وعسى الله أن يكون قريباً . وبعده سادبعاً : وهو الذي يكون السموات السبع ومن الأرض مثلهن وما بينهن متنعّم بفضل وجوده وبركاة جوده ، وهل يحصر أو يعدّ أم هو خارج عن الحساب والحدّ فكم وكم وكم ، وهل يحصر بالعدّ وبالكم الناجي والناجح بدعائه ، والمفلح المنجح ببركة جاهه ، فمن يعلم يومياً كم من مستغيث به يغاث ، ومستجير به يجار، وملهوف ومكروب به مُستغاث ، ومريض يشفى ، وعليل يعافا ، وسجين وأسير يطلق ، وبه أبواب ظلم وجور يغلق ، وضعيف ينحد ، وشقي يسعد بل بوجوده يمسك السماء ، وبفيض جوده رزق الورى ، وبه يندفع الاسواء ، وينكشف الغطاء ، ويرتفع البلاء ، ويدفع المحن والاذى ، فكم وجدنا ، وكم رأينا ، وكم سمعنا ، وكم قرأنا ، أليس الصحف والطوامير منها ملاءا ، وهي بمسمع ومنظر منا ، ومرئى في أناس نالوا بكرامته ، وفازوا بعنايته ، ونجحوا بشفاعته ، وسعدوا بهدايته بل انا اتحدى لم يكن أحد منا لم يجد ويشاهد في حياته بنفسه عناية منه حتى يكون عن نقل غيره مستغنياً وفي غنى . وبعدها ثامناً : من الواضح المستحيل أن يغمّ الغمام ، ويعم السحاب ولو يوماً واحداً كل العالم وجميع أقطار الدنيا ، فيعلم بالقطع واليقين بل يتجاوز حتى عن عين اليقين إلى حق اليقين ، أنّ هناك كل يوم قوم لا يحجبهم عنه حجاب ، ولا يمنعهم عنه سحاب ، فيستضيئون بنور وجوده ، ويدركون فيض حضوره ، وينعّمون بنعمة لقائه ، ويشرّفون بشرف زيارته ، فهنيأ لهم الف هناء ، وهذا الذي شبه به الإمام لم يكن أحسن منه في الكلام ، فهل يمكن إذا الشمس كورت وانهارت وانعدمت ، فهل يبقى لهذا الكون بعدها باقية كلا ، كلا ، فكذلك يعلم لا يمكن ومن المحال أن يبقى العالم من غير إمام . ومن وجه آخر حاجة كل المخلوقات ونظام الكون إلى الشمس واستغنائها عنها يثبت حاجتنا في البقاء إلى الإمام ، وعدم حاجته إلينا ، ولهذا خلق الله الخليفة في الكون قبل الخليقة ، بل هل يمكن تصور الإمام المقتدى به متأخّراً عن المأموم ؟ ! فوجوده أيضاً قبل وجود المأموم ، ومقدم عليه ، فمن المستحيل وجود المخلوف المأموم من غير وجود الإمام . هذا ما أنا عرفته من هذه الآية القيمة ، وما أنا الا ذرّة بل أقل من الذرّة ، ما شأني ومعرفة هذه الآية ؟ بل على غيري من أكابر العلماء والمحققين الأذكياء أن يكشفوا ويشرحوا هذه الجوهرة الثمينة بل الدرة اليتيمة ، وأسئل لي ولهم من الله التوفيق والسداد ، إنّه هو العليم الخبير بالرشاد ، والولي القدير بالإرشاد ، ومنه سلام الله عليه الشفاعة هنا ويوم المعاد.
من سماحة الشيخ محمّد السند في بعض الأدعية التي رواها الشيخ الطوسي والسيد ابن طاووس وغيرهم ـ التي ذكر بعضها الشيخ عباس القمّي في كتابه مفاتيح الجنان عن كتبهم ـ إشارة إلى الدعاء إلى أولاده ( عليه السلام ) ، كما أنّ السيد ابن طاووس ذكر في كتاب المهجة وغيره من كتبه أنّه ( عجل الله تعالى فرجه الشريف ) يتزوج ، وذكر ذلك أيضاً العلامة الطريحي صاحب مجمع البحرين في كتاب أنّه ( عجل الله تعالى فرجه الشريف ) متزوج وأنّ له نسلاً . والغريب أنّ كثيراً من أشراف بلاد مصر يدّعون أنّهم من نسل الحجة بن الحسن ( عجل الله تعالى فرجه الشريف ) ، وكثير منهم من مشاهير دكاترة مصر ، ويقول بعض علماء النسب أنّ نسب أولئك الاشراف وإن كان صحيحاً عالياً إلا أنّهم ينتسبون إلى عم الحجّة ( عجل الله تعالى فرجه الشريف ) أخي الإمام الحسن العسكري ، وحصل الاشتباه من جهة نسخة الاسم .
الجواب: من سماحة الشيخ محمّد السند إنّما اعتقدنا بعصمة أئمة أهل البيت عليهم السلام لدلالة الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على ذلك ، فذكر بعضاً منها هنا ـ كنماذج ـ والبقية تطلب من الكتب الكلامية : 1 ـ منها قوله تعالى:{ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}( سورة الأحزاب/33). ومفاد الآية هو : أنّ إرادة الباري تعالى تعلقت بإبعاد الرجس عنهم وتطهيرهم ، وليست هذه الإرادة تشريعية أي بمعنى الإرادة التي في الأوامر الشرعية والأحكام التشريعية . بل هي نظير قوله تعالى في عصمة النبي يوسف (ع) : { كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}( سورة يوسف/24). فإنّ متعلق الإرادة في كل من الآيتين هو إبعاد الرجس عنهم لا إبعادهم عن الرجس ، أي : إنّ التصرف في الرجس وعدم السماح له بالاقتراب منهم . ممّا يدلل على طهارة ذواتهم ، وقال تعالى في سورة الواقعة: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ}(الواقعة/75 ـ 81). فأخبر بوجود المطهّرون في هذه الأمّة أمّة القرآن الكريم ، وأنّهم الذين ينالون بعلمهم وادراكهم حقيقة القرآن المكنونة في الغيب ، ولا يقتصرون في علمهم على التنزيل الذي بين الدفتين ، فهذه الطهارة في ذواتهم هي التي أهّلتهم لدرك غيب القرآن ، ومن البيّن أنّ هذه الطهارة هي طهارة من جميع الذنوب العملية ومن الذنوب القلبية ، كالشك والريب ، وهذه هي المناسبة لهذا الفضل العظيم من الله تعالى ، وهذه هي العصمة . ومن ثمّ لم يتأهّل إلى هذا الفضل الأبرار وأهل التقوى ، لعدم تكاملهم إلى درجة الطهارة بمرتبة العصمة. 2 ـ وهذه الآية من سورة الواقعة هي بمفردها دليل ثانٍ على عصمتهم في العلم. 3 ـ ومنها : ما في سورة الحمد وفاتحة الكتاب ؛ إذ اشتملت في نصفها الأوّل على بيان التوحيد والصفات والمعاد والنبوة التشريعية بحصر العبادة به والاستعانة به ، ثمّ في النصف الثاني من السورة تؤكد على لزوم الاهتداء والاقتداء بصراط مستقيم لثلة من هذه الأمّة موصوفين بثلاث صفات : الأولى : إنّهم منعم عليهم بنعمة خاصة إلهية ، وتخصيص النعمة بهم يفيد اصطفائهم ، كما في لسان بقية الآيات والسور الواردة في الإنعام على المصطفين من عباده . الثانية : إنّهم غير مغضوب عليهم قط ، اي : معصومون في الجانب العملي ، وإلا لَما استحقوا أن يُهتدى بهم ويُقتدى بهم . الثالثة:{وَلاَ الضَّالِّينَ }(الفاتحة/7). فلا يضلّوا أبدا قط ، اي : لهم العصمة من الله تعالى لدنية في العلم ، فلا تنتابهم الضلالة في مورد ، وإلا لما استحقوا أن يدعوا كل المسلمين يومياً عشر مرات في كل زمن إلى يوم القيامة أن يقتدوا ويهتدوا بصراطهم المستقيم . فسورة الحمد الفاتحة تؤكد على وجود ثلة في هذه الاُمّة معصومة في العمل والعلم ، قد أنعم الله عليها بالاصطفاء والاجتباء ، وقد اشارت آية التطهير إلى تخصيص أهل البيت بذلك. 4 ـ ومنها : آية المودة:{ قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى }(الشورى/23) . فإنّ افتراض مودتهم بهذه الدرجة من الفريضة بحيث تُجعل أجراً على جهد تبليغ التوحيد والمعاد ومعرفة النبوة ، لا يتناسب مع كون هؤلاء المودودين ، وهم : علي وفاطمة وابناهما الحسن والحسين ، كما ورد عنه صلى الله عليه وآله في روايات الفريقين ، لا آل جعفر ولا آل عقيل ولا آل العباس وغيرهم من القربى ، لا تتناسب هذه الاهمية من الفريضة الكبرى مع كون المودودين غير معصومين يصحّ أن يضلّوا أو أن يزيغوا في العمل. 5 ـ ومنها : آية الفئ في سورة الحشر:{مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ }(الحشر/7) ؛ فإنّ الفئ كما هو مقرر في الفقه هو غالب الأموال العامة ، والمنابع المالية في دولة وبلاد المسلمين ، وقد خصصت ولايته للّه وللرسول ولذي القربى ، فتكررت اللام في الله والرسول وذي القربى دون الثلاثة الأواخر للدلالة في اللام على الاختصاص والولاية ، وعللّ جعل هذه الولاية كي لا تكون الأموال العامة متداولة في لعبة واستئثار الأغنياء على حساب الفقراء ، أي ولاية الله ورسوله وذي القربى على الأموال العامة هي الكفيلة بإقامة وتحقق العدالة المالية ، وهذا التعليل لا يتم إلا إذا كان ذوو القربى معصومون في العلم والعمل ، كما قال يوسف ( ع ) لعزيز مصر : {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}(يوسف/55) ؛ فإنّ التدبير العادل في الأموال العامة لا يتم إلا بالعلم النافذ بالبرامج والقوانين والأحكام الشرعية الكفيلة بنظام مالي اقتصادي عادل لا يخطأ في إصابة العدل لكافة أفراد الأمّة في كافة الأزمنة والاحوال المختلفة ، ومن البيّن أنّ لتوفّر مثل هذا لا بُدّ أن يكون بتوسط تسديد إلهي متصل ، أي يكون العلم لدنياً من قبله تعالى ، وهو العصمة في العلم ، كما أن ذلك لا يتم إلا بالاستقامة في العمل والأمانة البالغة حدّ العصمة في العمل ؛ إذ لولا ذلك لتنازعت الوالي نزعات مختلفة من الهوى أوالعصبية أو غيرها من النزوات . وهذه الآية من سورة الحشر تنبئ عن ملحمة مستقبلية ، وهي من الملاحم القرآنية الخالدة ، وهي أنّ العدالة المالية لن تقام في الأمّة الإسلامية إلا بتولّي ذوي القربي ، وهم علي وولده زمام الأمور ، وهذا ما قد حصل ؛ فإنّ التفرقة في عطاء بيت المال ، وتوزيع مراكز القدرة قد ساد في العهود التي سبقت خلافة علي عليه السلام ، وكذلك في ظل عهد بني أمية وبني العباس وإلى يومنا هذا . ونكتفي بهذا القدر من الآيات ، ولنذكر واحد من الأحاديث النبوية المتواترة في أهل البيت الدالة على عصمتهم ممّا يتفطن به اإلى دلالة البقية. منها : حديث الثقلين : « إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي » كما في عدة من الصحاح عدا البخاري .. فإنّ مقتضى العدلية ، وكون أهل البيت أعدال الكتاب هو : اتصافهم بأوصاف الكتاب ، وإلا لما كان للمعية ، وأنّهما : لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ، معنىً مُحصّل ، وأحد أهم أوصاف الكتاب ، هو الحجية الناشيءة من : {لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ}(فصلت/42) ، أي عصمته العلمية ، فكذلك هم عليهم السلام ، ولا بُدّ ان يكونوا كذلك في العمل ، وإلا لحصل الافتراق ، كما أنّه مقتضى عموم التمسك بهم عليه السلام هو العصمة في العلم والعمل ، وإلا لما صح التمسك بهم على نحو العموم .
حول بعض فقرات زيارة أمّ القائم ع السؤال : ورد في زيارة أمّ القائم (عليه السّلام) في مفاتيح الجنان : « اَلسَّلامُ عَلَيْكِ اَيَّتُهَا الرَّضِيَّةُ الْمَرْضِيَّةُ، اَلسَّلامُ عَلَيْكِ اَيَّتُهَا اْلمَنْعُوتَةُ فِي الاِْنْجيلِ الَْمخْطُوبَةُ مِنْ رُوحِ اللهِ الاَْمينِ، وَمَنْ رَغِبَ في وُصْلَتِها مُحَمَّدٌ سَيِّدُ الْمُرْسَلينَ » . ما معنى هذه العبارات ؟ ولمإذا رغب الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) في وصلتها (عليه السّلام) ؟ ا لجواب : من سماحة الشيخ محمّد السند لا يخفى أنّ نرجس خاتون عليها السلام هي من نسل وصي النبيّ عيسى (عليه السّلام) ، وقد قام النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بخطبتها في عالم البرزخ والأرواح من وصي النبيّ عيسى (عليه السّلام) بتوسط النبيّ عيسى (عليه السّلام) في قصة يطول سردها ، ذكرها الشيخ الطوسي والنعماني في كتابيهما الغيبة ، والشيخ الصدوق في إكمال الدين . « رُوحِ اللهِ » : إشارة إلى النبيّ عيسى (عليه السّلام) ، واستيداعها أسرار رب العالمين هو : حملها للإمام المنتظر ، الموعود به في كل الكتب السماوية ، والذي يُظْهِر الله به الدين كله على أرجاء تمام الأرض ولو كره المشركون . ولا يخفى أنّ أمهات الأئمة (صلّى الله عليه) وآله كلهنّ مطهرات مصطفيات لحمل نطفهم (صلّى الله عليه وآله) .
من سماحة الشيخ محمّد السند قد ختم بالنبي محمّد صلى الله عليه وآله النبوة والرسالة:{ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ }(الأحزاب/40). وتدليلا على كون شريعته صلى الله عليه وآله مهيمنة على كل الشرائع ، وكتابه صلى الله عليه وآله مهيمنا على كل الكتب السماوية ، دلالة على سؤدده صلى الله عليه وآله على جميع الأنبياء والمرسلين والمعصومين وأشرفيته صلى الله عليه وآله عليهم كيف لا يكون ذلك وقد قال تعالى:{ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى }(النجم/9). وقال:{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ }(الأنبياء/107) . { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ }(سبأ/28). { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ }(القلم/4). { مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى }(الضحى/3). { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ }(الشرح/1). وقال تعالى في تفضيله على جميع الأنبياء والمرسلين { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ }(آل عمران/81). وفي زيارته صلى الله عليه وآله : « السلام عليك يا رسول الله أمين الله على وحيه ، وعزائم أمره ، الخاتم لما سبق ، والفاتح لما استُقبل ».
الجواب من الشيخ حسن الجواهري: إنّ المؤكّد لدى الشيعة والسنّة ورود الروايات الكثيرة والمتواترة في نصب علي « أمير المؤمنين » عليه السلام خليفة على المسلمين يوم غدير خم في آخر عمر رسول الله في حجّة الوداع ؛ إذ قال القولة المتواترة : « ألست أوْلى بكم من أنفسكم ؟! » ، فقالوا : بلى يا رسول الله ، فقال : « من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، وادر معه الحقّ حيث دار » . كما إنّ من المؤكّد ما ورد لدى الطرفين من حديث الثقلين الذي قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : « انّي مخلّف فيكم الثقلين ـ أحدهما أكبر من الآخر ـ : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا ... » . وقد وردت الروايات المتواترة معنىً في نصب علي خليفة كما في حديث الإنذار في قوله تعالى : ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) [ الشعراء : 214 ] ؛ فقد ذكر الطبري والبغوي أنّ النبي صلّى الله عليه وآله جمع بني عبد المطلب فانذرهم ، ثمّ قال : « فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيّ وخليفتي فيكم ؟ قال عليّ فأحجم القوم عنها وقلت : أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه ، فأخذ برقبتي ثمّ قال : إنّ هذا أخي ووصيّ وخليفتي فيكم فأسمعوا له واطيعوا ». انظر تفسير الطبري عند هذه الآية ، والحديث اينهما في تاريخ الطبري 2 / 217 . والكامل في التاريخ 2 / 62 ـ 64 ، وابن أبي الحديد 13 / 21 والسيرة الحلبية 1 / 461. وهكذا نفهم إنّ الرسول صلّى الله عليه وآله قد عمل منذ تسلّمه أمر الدعوة إلى الدين على التمهيد لعليّ عليه السلام في الخلافة من بعده ، وحتّى وهو على فراش الموت أراد أن يكتب هذا الذي مهد له بالأقوال المتواترة ، فقال : « إئتوني بدواة وكتف لأكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً » . فمنع من ذلك عمر وقال : إنّ الرجل ليهجر ! وتنازع القوم في ايصال الدواة والكتف إليه ، إلّا أنّ النبي صلى الله عليه وآله بعد أن أفاق هجرهم وطردهم وقال ـ بعد أن قالوا له : أنأتي بالدواة والكتف ـ : « أو بعد الذي قلتم ، اخرجوا لاينبغي عند نبي نزاع » . وعلى كلّ حال فقد عرف عمر إنّ النبي يريد أن يثبّت حديث الثقلين ، الذي فيه : « ما إن تمسكتم بهما ـ أي الثقلان ـ لن تضلّوا أبداً » ، فمنع من ذلك ، وإلّا فلماذا يمنع من كتاب النبي صلّى الله عليه وآله كتاباً يكون التمسّك به مانعاً من ضلال الاُمّة ؟!!. إذا المؤكّد الذي لا ريب فيه إنّ الرسول : ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) [ النجم : 3 ـ 4 ] . قال في موارد متعدّدة بأنّ : عليّاً خليفة رسول الله ، وتوجّتها يوم غدير خم وهذا باتّفاق الجميع. إلّا أنّ أبا بكر وعمر سارا بسيرة اُخرى مخالفة لإرادة الرسول صلّى الله عليه وآله في مقولاته المتعدّدة وحصلت السقيفة ، وبعد التنازع في الخلافة بين بعض المهاجرين وبعض الأنصار ، نصب أبو بكر خليفة من دون نصّ عليه بل النصّ على عليّ عليه السلام ، واستلموا أمر الحكومة وعليّ عليه السلام وبنو هاشم وبعض الصحابة مشغولون في أمر تجهيز النبي صلّى الله عليه وآله وبعد لم يقبر في قبره ، وهذا أمر مسلّم عند الجميع. فما يقوله الشيعة هو إنّ الله على لسان رسوله أراد أن يكون عليّاً عليه السلام هو خليفة النبي صلّى الله عليه وآله من بعده كتشريع من السماء ولكن القوم خالفوا ذلك ، وهذا واضح من الأمر الأوّل والثاني لا شائبة فيه ، فالشيعة الإماميّة ليس لهم عداء مع شخص ، ولا يقولون شيئاً من دون دليل ، وهذه أدلّتنا ونحن نتمسّك بها أمام الله تعالى في صحّة مقولتنا بأنّ الخلافة قد أرادها الرسول وأمر بها لعليّ ولكن القوم خالفوا ذلك.
خالد بن وليد سفك دماء الكثيرين من دون حق ، لماذا يُقم عليه الحدّ؟ السؤال : خالد بن الوليد سفك دماء كثيرة دون وجه حق .. كقتله في بني جذيمة عندما أرسل لهم ، وكقتله من الرجال في يوم الفتح ثأراً لعمّيه ( مخالفاً بذلك نهي النبي صلى الله عليه وآله عن القتل في ذلك اليوم ) ، ومع ذلك فإنّ النبي صلى الله عليه وآله لم يُقم الحدّ عليه ( مع أنّه قال صلى الله عليه وآله بأنّه يبرأ إلى الله ممّا فعل خالد ) فلمإذا ؟ وكذلك كان في عهد أبي بكر حيث رفض أن يقيم الحد على خالد بعدما قتل من قتل وسبى وسلب في قبيلة مالك بن نويرة .. ناهيك عن زواجه من زوجته في نفس اليوم ( وبلا عدّة ) مع أنّ عمر طالب بالحد على خالد ؟ الجواب : من سماحة الشيخ محمّد السند الموجود في كتب السير والتاريخ تعلل خالد بن الوليد في قتل بني جذيمة ـ في بعض النقل 30 رجلاً منهم ـ أن ذلك أخذاً بحقه ويشير إلى ما ارتكبته بنو جذيمه من قتل الفاكه بن المغيرة ونسوة من بني المغيرة في أيام الجاهلية ، وتعلّل أيضاً بأنّه لم يطمئن من إسلامهم ؛ لأنّهم لم يلقوا السلاح ، حيث كانوا قد خشوا منه الاقتصاص منهم ، وهذا التعلل الثاني نظير ما وقع فيه اُسامة بن زيد عندما قتل من أظهر له الإسلام في القصة المعروفة ، مع أنّ بني جذيمة كانوا قد بنوا المساجد وأظهروا الأذان وإقامة الصلاة ، وكان النبي صلى الله عليه وآله قد أمر خالداً أن يدعوهم إلى الإسلام ، ولا يبدأهم بقتال لكنه خالف الأمر واقتصّ منهم ثأر الجاهلية ، فلما استخبر النبي صلى الله عليه وآله بذلك تبرأ إلى الله تعالى ممّا قد فعل خالد ، ثمّ أرسل أمير المؤمنين عليه السلام فودّى لهم ، أي اعطاهم الدية للقتلى ولكل ما تلف منهم ، وقال صلى الله عليه وآله له عليه السلام بأن يجعل كل ما كان في الجاهلية تحت قدميه . فيظهر من مجموع ذلك أنّ سبب عدم اقتصاصه صلى الله عليه وآله لبني جذيمة من خالد بن الوليد هو عدم فقه خالد بأنّ كل دم ووتر في الجاهلية فهو ساقط بالإسلام ، وإنّ الإسلام يجبّ ما قبله ، وإنّ كان خالد بن الوليد قد عصى أمر النبي صلى الله عليه وآله في ما رسمه له من الدعوة إلى الإسلام ، وقد كذّب عدة من الصحابة تأوّل خالد باسترابته في إسلام بني جذيمة ممّن كانوا معه ، بل أكثر الأنصار لم يشاركوا في قتل الأسرى ، وامتنعوا من ذلك إلا أن العمدة لسقوط القصاص هو جهالة خالد بجبّ الإسلام حكم الجاهلية . وهذا بخلاف ما فعله خالد بن الوليد بمالك بن نويرة ؛ فإنّه قد رأى صلاته وصلاة قومه ، وقد صلى خالد وراءه ، وعرف أن امتناع مالك من اعطاء الزكاة ، لا لإرتداده بل لامتناعه من بيعة أبي بكر ، وبقائه على ولاية وبيعة علي بن أبي طالب عليه السلام أمير المؤمنين ، فبين الواقعتين فرق واضح بيّن . مضافاً إلى تبرّئ واستنكار النبي صلى الله عليه وآله لما فعله خالد ، بينما لم يستنكر أبوبكر ما فعله خالد ، وقد اعطى النبي صلى الله عليه وآله الدية لأهالي القتلى واسترضاهم علياً عليه السلام حتى رضوا عن النبي صلى الله عليه وآله وأعاد حرمتهم ، بينما أبوبكر لم يصلح ما أفسده خالد وعزله عن استحلال زوجة مالك بن نويرة ، وهي في عدة وفاته ، ولا أعطى الدية لقبيلته ، ولا أعاد حرمتهم ، بل أقرّ خالداً على قيادة الجيش ، وفسح المجال له بالعمل كما يشتهي ويهوى ، وتصبوا إليه نزوته كما في موارد أخرى بعد الواقعة المزبورة ، كما هو مذكور في كتب السير والمغازي والتاريخ .
من سماحة الشيخ محمّد السند روي أنّه كان يشرب الخمر ومات في الخمر ، وأنّه لمّا أسلم قال له النبي صلى الله عليه وآله : « أوحشي ؟ قال : نعم . قال : أخبرني كيف قتلت عمي ؟ فاخبره ، فبكى ، وقال : غيّب وجهك عني» . وفي رواية عن الصادق عليه السلام : « في تفسير قوله تعالى:{وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ ِلأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ }(التوبة/106).المرجون لأمر الله : قوم كانوا مشركين ، قتلوا حمزة وجعفراً واشباههما من المؤمنين ، ثمّ دخلوا بعده في الإسلام ، فوحدوا الله وتركوا الشرك ، ولم يعرفوا الإيمان بقلوبهم ، فيكونوا مؤمنين ، فيجب لهم الجنة ، ولم يكونوا على جحودهم ، فيجب لهم النار ، فهم على تلك الحالة مرجون لأمر الله إمّا يعذبهم ، وأمّا يتوب عليهم ». أقول : لا يظهر من هذه الرواية عدم سوء عاقبته ، وأنّ عاقبته معلّقة ؛ لأنّ كلامه عليه السلام في صدد التمثيل ؛ اذ قاتل جعفر لم يعرف أنّه اسلم ـ حسب الظاهر ـ وقد حكم بعض علماء الرجال من الإمامية بجهالة حاله .
جابر بن عبدالله الأنصاري كيف رأى الإمام الباقر ع السؤال : كيف رأى الصحابي الجليل جابر بن عبدالله الأنصاري الإمام الباقر وهو كفيف العين ؟ نرجو توضيح الأمر تاريخياً . ومتى كان الصحابي الجليل كفيفاً ؟ ومتى وأين رأى الامام ؟ علما أن هناك من يستدل بالرواية التي قال فيها جابر بن عبدالله الأنصاري للإمام : « أقبل فأقبل وأدبر فأدبر » وهل هذه الرواية صحيحة ؟ علما أنّ بعض الخطباء أو بعض الكتب تقول أنّ جابراً كان كفيفاً ؟ الجواب سماحة الشيخ محمّد السند الذي يظهر من الروايات الواردة أنّه كان يبصر حين لقى الباقر عليه السلام وأبلغه سلام النبي صلى الله عليه وآله ، وأمّا ما يروى من أنّ جابر أمر عطية العوفي أن يأخذ بيده ، ويلمسه قبر الحسين عليه السلام بعد استشهاده عليه السلام ، وكان أوّل زائر للحسين عليه السلام ، فلا تدل على كونه كفيف البصر ؛ إذ لعل ذلك لشدة بكائه وجزعه بدرجة كان لا يفتح عينيه كما هو المشاهد عند شدة البكاء .
من سماحة الشيخ محمّد السند مالك بن نويرة التميمي اليربوعي : من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ، وقد استعمله صلى الله عليه وآله على صدقات بني تميم ، كان مختصاً بالولاء لعلي عليه السلام ، ولم يبايع أبا بكر ، وأنكر عليه أشد الإنكار ، وعاتبه بقوله : « أرْبِعْ على ضلعك ، والزم قعر بيتك ، واستغفر لذنبك ، ورّد الحق إلى أهله ، أما تستحي أن تقوم في مقام أقام الله ورسوله فيه غيرك ؟ ! وما ترك يوم الغدير لأحد حجة ولا معذرة ... » . فأمر ابو بكر خالد بن الوليد ، فقتلَهُ وأسر نسائه ، وتزوج بزوجته ليلة قتله . وروي في مالك : « إنّ النبي صلى الله عليه وآله قال فيه : من أراد ان ينظر إلى رجل من أهل الجنة ، فلينظر إلى هذا الرجل . فطلب أبو بكر وعمر الاستغفار منه ، فقال : لا غفر الله لكما ، تخلّون رسول الله صلى الله عليه وآله ، وتجيئون عندي تطلبون مني الشفاعة والاستغفار » . كما في كتاب المجالس . وفي شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ : « أنّه لما رجع خالد دخل المسجد وعليه ثياب قد صديت من الحديد ، وفي عمامته ثلاثة أسهم ، فلما رآه عمر قال : أرياءً يا عدو الله ؟ ! عدوت على رجل من المسلمين فقتلته ، ونكحت امرأته ، أما والله إن أمكنني الله منك لأرجمنّك . ثمّ تناول الأسهم من عمامته فكسرها ، وخالد ساكت لا يرد عليه لُمنا أن ذلك عن أمر أبي بكر ورأيه ، فلما دخل على أبي بكر وحدّثه ، صدّقه في ما حكاه وقبل عذره ، فكان عمر يحرّض أبا بكر على خالد ، ويشير عليه أن يقتصّ منه بدم مالك ، فقال أبوبكر : إيهاً يا عمر ! ما هو بأوّل من أخطأ ، فارفع لسانك عنه » . ولكن أبا بكر لم يضمن ما فعله خالد من القتل والنهب والأسر بعد ما أدّعى الخطأ !! وعمر لم يقتص من خالد في خلافته !!! ولم يبرّ قسمه بل أمّره على العساكر ، وجعله والياً على المدن . موقف أمير المؤمنين عليه السلام من الخلفاء ـ الخطبة الشقشقية وغيرها.