المـــؤمل

الرئيسية بحوث حول المؤمل غيبة الإمام المهدي عج عن لسان اهل البيت عليهم السلام اخبارموسى بن جعفر الکاظم من وقوع الغیبه بالقاْْئم (عج)


اخبارموسى بن جعفر الکاظم من وقوع الغیبه بالقاْْئم (عج)

٣٤

( باب )

* (ما روى عن أبي الحسن موسى بن جعفر في النص) *

* (على القائم عليه السلام وغيبته ، وإنّه الثاني عشر [ من الائمة ] ) *

١ ـ حدّثنا أبي ، ومحمّد بن الحسن رضي الله عنهما قالا : حدَّثنا سعد بن عبد الله ، عن الحسن بن عيسى بن محمّد بن عليِّ بن جعفر ، عن أبيه ، عن جدِّه محمّد بن عليٍّ ، عن عليِّ بن جعفر ، عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال : إذا فقد الخامس من ولد السابع فالله الله في أديانكم لا يزيلنّكم أحد عنها ، يا بنيَّ (1) : إنَّه لابدّ لصاحب هذا الامر من غيبة حتّى يرجع عن هذا الامر من كان يقول به ، إنّما هي محنة من الله عزَّ وجلَّ امتحن بها خلقه ، ولو علم آباؤكم وأجدادكم ديناً أصحّ من هذه لاتبعوه. فقلت : يا سيّدي وما الخامس من ولد السابع؟ فقال : يا بنيَّ عقولكم تضعف عن ذلك وأحلامكم تضيق عن حمله ولكن أن تعيشوا فسوف تدركونه.

٢ ـ حدّثنا أبي رضي‌الله‌عنه قال : حدَّثنا سعد بن عبد الله قال : حدَّثنا الحسن ابن موسى الخشّاب ، عن العبّاس بن عامر القصبانيِّ (2) قال : سمعت أبا الحسن موسى ابن جعفر عليهما السلام يقول : صاحب هذا الامر من يقول النّاس : لم يولد بعد (3).

٣ ـ حدّثنا أبي رضي‌الله‌عنه قال : حدّثنا سعد بن عبد الله قال : حدّثنا أحمد ابن محمّد بن عيسى ، عن موسى بن القاسم ، عن معاوية بن وهب البجليِّ ؛ وأبي قتادة عليِّ ابن محمّد بن حفص ، عن عليِّ بن جعفر ، عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال : قلت : ما تأويل قول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ قُلْ أَرَ‌أَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرً‌ا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ(4) فقال : إذا فقدتم إمامكم فلم تروه فماذا تصنعون.

٤ ـ حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمدانيُّ رضي‌الله‌عنه قال : حدّثنا عليُّ ابن إبراهيم بن هاشم ، عن أبيه ، عن محمّد بن خالد البرقيُّ ، عن عليِّ بن حسّان ، عن داود بن كثير الرّقّي قال : سألت أبا الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام عن صاحب هذا الامر قال : هو الطريد الوحيد الغريب الغائب عن أهله ، الموتور بأبيه عليه‌ السلام.

٥ ـ حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمدانيُّ رضي‌الله‌عنه قال : حدّثنا عليُّ ابن إبراهيم بن هاشم ، عن أبيه ، عن صالح بن السنديِّ ، عن يونس بن عبد الرَّحمن قال : دخلت على موسى بن جعفر عليهما السلام فقلت له : يا ابن رسول الله أنت القائم بالحق؟ فقال : أنا القائم بالحقِّ ولكن القائم الّذي يطهّر الأرض من أعداء الله عزَّ وجلَّ ويملأها عدلاً كما ملئت جوراً وظلما هو الخامس من ولدي له غيبة يطول أمدها خوفاً على نفسه ، يرتد فيها أقوام ويثبت فيها آخرون.

ثمَّ قال : طوبى لشيعتنا ، المتمسّكين بحبلنا في غيبة قائمنا ، الثابتين على موالاتنا والبراءة من أعدائنا ، أولئك منا ونحن منهم ، قد رضوا بنا أئمّة ، ورضينا بهم شيعة ، فطوبى لهم ، ثمَّ طوبى لهم ، وهم والله معنا في درجاتنا يوم القيامة.

قال مصنّف هذا الكتاب رضي‌الله‌عنه : إحدى العلل الّتي من أجلها وقعت الغيبة الخوف كما ذكر في هذا الحديث ، وقد كان موسى بن جعفر عليهما السلام في ظهوره كاتماً لأمره وكان شيعته لا تختلف إليه ولا تجترون (5) على الاشارة خوفاً من طاغية زمانه ، حتّى أنَّ هشام بن الحكم لمّا سئل في مجلس يحيى بن خالد عن الدّلالة على الامام أخبر بها ، فلمّا قيل له : « من هذا الموصوف »؟ قال : صاحب القصر أمير المؤمنين هارون الرَّشيد ، وكان هو خلف الستر قد سمع كلامه ، فقال : أعطانا والله من جراب النورة (6) فلمّا علم هشام أنَّه قد أتى هرب وطلب فلم يقدر عليه وخرج إلى الكوفة ومات بها عند بعض الشيعة ، فلم يكفِّ الطلب عنه حتّى وضع ميتاً بالكناسة وكتبت رقعة ووضعت معه : « هشام بن الحكم الّذي يطلبه أمير المومنين » حتّى نظر إليه القاضي والعدول وصاحب المعونة والعامل ، فحينئذ كفّ الطاغية عن الطلب عنه (7).

* (ذكر كلام هشام بن الحكم رضي‌الله‌عنه في هذا) *

* (المجلس وما آل إليه أمره) *

 حدَّثنا أحمد بن زياد الهمدانيُّ ، والحسين بن إبراهيم بن ناتانه رضي الله عنهما قالا : حدّثنا عليُّ بن إبراهيم بن هاشم ، عن أبيه ، عن محمّد ابن أبي عمير قال : أخبرني عليٌّ الاسواريُّ قال : كان ليحيى بن خالد مجلس في داره يحضره المتكلّمون من كلِّ فرقة وملة يوم الأحد ، فيتناظرون في أديانهم ، يحتجُّ بعضهم على بعض ، فبلغ ذلك الرَّشيد ، فقال ليحيى بن خالد : يا عباسي ما هذا المجلس الّذي بلغني في منزلك يحضره المتكلّمون؟ قال : يا أمير المؤمنين ما شيء ممّا رفعني به أمير المؤمنين وبلغ بي من الكرامة والرَّفعة أحسن موقعاً عندي من هذا المجلس ، فانّه يحضره كلُّ قوم مع اختلاف مذاهبهم ، فيحتجُّ بعضهم على بعض ويعرف المحقُّ منهم ، ويتبيّن لنا فساد كلِّ مذهب من مذاهبهم.

فقال له الرَّشيد : أنا اُحبُّ أن أحضر هذا المجلس وأسمع كلامهم على أن لا يعلموا بحضوري فيحتشموني ولا يظهروا مذاهبهم ، قال : ذلك إلى أمير المؤمنين متى شاء ، قال : فضع يدك على رأسي أن لا تُعلمهم بحضوري ، ففعل [ ذلك ] وبلغ الخبر المعتزلة ، فتشاوروا بينهم وعزموا على أن لا يكلّموا هشاماً إلّا في الامامة لعلمهم بمذهب الرَّشيد وإنكاره على من قال بالامامة. قال : فحضروا ، وحضر هشام ، وحضر عبد الله بن يزيد الاباضيُّ وكان من أصدق النّاس (8) لهشام بن الحكم ، وكان يشاركه في التجارة (9) ، فلمّا دخل هشام سلّم على عبد الله بن يزيد من بينهم ، فقال يحيى بن خالد لعبد الله بن يزيد : يا عبد الله كلّم هشاماً فيما اختلفتم فيه من الامامة.

فقال هشام : أيّها الوزير ليس لهم علينا جوابٌ ولا مسألة إنَّ هؤلاء قوم كانوا مجتمعين معنا على إمامة رجل ، ثمَّ فارقونا بلا علم ولا معرفة ، فلا حين كانوا معنا عرفوا الحقَّ ، ولا حين فارقونا علموا على ما فارقونا ، فليس لهم علينا مسألة ولا جواب.

فقال بيان (10) ـ وكان من الحرورية ـ : أنا أسألك يا هشام ، أخبرني عن أصحاب عليٍّ يوم حكّموا الحكمين أكانوا مؤمنين أم كافرين؟ قال هشام : كانوا ثلاثة أصناف : صنفٌ مؤمنون ، وصنفٌ مشركون ، وصنفٌ ضلال ، فأمّا المؤمنون فمن قال مثل قولي : إنَّ عليّاً عليه السلام إمام من عند الله عزوجل. ومعاوية لا يصلح لها ، فآمنوا بما قال الله عزَّ وجلَّ في عليّ عليه السلام وأقرُّوا به.

وأما المشركون فقوم قالوا : علىٌّ إمام ، ومعاوية يصلح لها ، فأشركوا إذ أدخلوا معاوية مع عليٍّ عليه‌السلام.

وأما الضلّال : فقوم خرجوا على الحميّة والعصبيّة للقبائل والعشائر [ فـ ]ـلم يعرفوا شيئاً من هذا وهم جهّال. قال : فأصحاب معاوية ما كانوا؟ قال : كانوا ثلاثة أصناف : صنفٌ كافرون ، وصنفٌ مشركون ، وصنف ضلّال.

فأمّا الكافرون : فالذين قالوا : إنَّ معاوية إمام ، وعليٌّ لا يصلح لها ، فكفروا من جهتين إذ جحدوا إماماً من الله عزَّ وجلَّ ، ونصبوا إماماً ليس من الله.

وأمّا المشركون : فقوم قالوا : معاوية إمامٌ ، وعليٌّ يصلح لها ، فأشركوا معاوية مع عليٍّ عليه‌السلام.

وأمّا الضّلال : فعلى سبيل اولئك خرجوا للحميّة والعصبيّة للقبائل والعشائر. فانقطع بيان عند ذلك.

فقال ضرار : وأنا أسألك يا هشام في هذا؟ فقال هشام : أخطأت قال : ولم؟ قال : لانكم كلكم مجتمعون على دفع إمامة صاحبي ، وقد سألني هذا عن مسألة وليس لكم أن تثنوا بالمسألة عليَّ حتّى أسألك يا ضرار عن مذهبك في هذا الباب؟ قال ضرار : فسل ، قال : أتقول : إنَّ الله عزَّ وجلَّ عدلٌ لا يجور؟ قال : نعم هو عدل لا يجور تبارك وتعالى ، قال : فلو كلّف الله المقعد المشي إلى المساجد والجهاد في سبيل الله ، وكلّف الاعمى قراءة المصاحف والكتب أتراه كان يكون عادلاً أم جائراً؟ قال ضرار : ما كان الله ليفعل ذلك ، قال هشام : قد علمتُ أنَّ الله لا يفعل ذلك ولكن ذلك على سبيل الجدل والخصومة ، أنَّ لو فعل ذلك أليس كان في فعله جائراً إذ كلّفه تكليفاً لا يكون له السبيل إلى إقامته وأدائه؟ قال : لو فعل ذلك لكان جائزاً.

قال : فأخبرني عن الله عزَّ وجلَّ كلّف العباد ديناً واحداً لا اختلاف فيه لا يقبل منهم إلّا أن يأتوا به كما كلفهم؟ قال : بلى ، قال : فجعل لهم دليلاً على وجود ذلك الدِّين ، أو كلّفهم مالا دليل لهم على وجوده فيكون بمنزلة من كلّف الأعمى قراءة الكتب والمعقد المشي إلى المساجد والجهاد ؟ قال : فسكت ضرار ساعة ، ثمَّ قال : لابدّ من دليل وليس بصاحبك ، قال :    

فتبسّم هشام وقال : تشيّع شطرك (11) وصرت إلى الحقِّ ضرورة ولا خلاف بيني وبينك إلّا في التسمية ، قال ضرار : فإنّي أرجع القول عليك في هذا ، قال : هات ، قال ضرار لهشام : كيف تعقد الامامة؟ قال هشام : كما عقد الله عزَّ وجلَّ النبوَّة ، قال : فهو إذا نبيٌّ ، قال هشام : لا لأنّ النبوَّة يعقدها أهل السّماء ، والامامة يعقدها أهل الأرض ، فعقد النبوَّة بالملائكة ، وعقد الامامة بالنبيِّ (12) والعقدان جميعاً بأمر الله جلَّ جلاله ، قال : فما الدّليل على ذلك؟ قال هشام : الاضطرار في هذا ، قال ضرار : وكيف ذلك؟ قال هشام : لا يخلو الكلام في هذا من أحد ثلاثة وجوه : إمّا أن يكون الله عزَّ وجلَّ رفع التكليف عن الخلق بعد الرَّسول صلى الله عليه وآله ، فلم يكلفهم ولم يأمرهم ولم ينههم فصاروا بمنزلة السباع والبهائم الّتي لا تكليف عليها ، أفتقول هذا يا ضرار إنَّ التكليف عن النّاس مرفوعٌ بعد الرَّسول صلى الله عليه وآله ؟ قال : لا أقول هذا ، قال هشام : فالوجه الثاني ينبغي أن يكون النّاس المكلفون (13) قد استحالوا بعد الرَّسول صلى الله عليه وآله علماء في مثل حدِّ الرَّسول في العلم حتّى لا يحتاج أحدٌ إلى أحد ، فيكونوا كلّهم قد استغنوا بأنفسهم ، وأصابوا الحق الّذي لا اختلاف فيه ، أفتقول هذا إنَّ النّاس استحالوا علماء حتّى صاروا في مثل حدِّ الرَّسول في العلم بالدين حتّى لا يحتاج أحدٌ إلي أحد مستغنين بأنفسهم عن غيرهم في إصابة الحقِّ؟ قال : لا أقول هذا ولكنهم يحتاجون إلى غيرهم.

قال : فبقي الوجه الثالث وهو أنَّه لابدّ لهم من عالم يقيمه الرسول لهم لا يسهو ولا يغلط ولا يحيف ، معصوم من الذُّنوب ، مبرَّءٌ ، من الخطايا ، يحتاج [ النّاس ] إليه ولا يحتاج إلى أحد ، قال : فما الدّليل عليه؟ قال هشام : ثمان دلالات أربع في نعت نسبه ، وأربع في نعت نفسه.

فأمّا الاربع الّتي في نعت نسبه : فإنّه يكون معروف الجنس ، معروف القبيلة ، معروف البيت ، وأن يكون من صالب الملّة والدَّعوة إليه إشارة ، فلم ير جنس من هذا الخلق أشهر من جنس العرب الّذين منهم صاحب الملّة والدعوة الّذي ينادى باسمه في كلّ يوم خمس مرَّات على الصوامع « أشهد أنَّ لا إله إلّا الله ، وأنَّ محمداً رسول الله » فتصل دعوته إلى كلِّ برٍّ وفاجر وعالم وجاهل ، مقرّ ومنكر ، في شرق الأرض وغربها ولو جاز أن تكون الحجّة من الله على هذا الخلق في غير هذا الجنس لاتى على الطالب المرتاد دهرٌ من عصره لا يجده ، ولجاز أن يطلبه في أجناس من هذا الخلق من العجم وغيرهم ، ولكان من حيث أراد الله عزَّ وجلَّ أن يكون صلاح يكون فساد ولا يجوز هذا في حكمة الله جلَّ وجلاله وعدله أن يفرض على النّاس فريضة لا توجد ، فلمّا لم يجز ذلك لم يجز أن يكون إلّا في هذا الجنس لا تصاليه بصاحب الملة والدعوة ، فلم يجز أن يكون من هذا الجنس إلّا في هذه القبيلة لقرب نسبها من صاحب الملّة وهي قريش ، ولمّا لم يجز أن يكون من هذا الجنس إلّا في هذه القبيلة لم يجز أن يكون من هذه القبيلة إلّا في هذا البيت لقرب نسبه من صاحب الملّة والدَّعوة ، ولمّا كثر أهل هذا البيت وتشاجروا في الامامة لعلوِّها وشرفها ادَّعاها كلُّ واحد منهم فلم يجز إلّا أن يكون من صاحب الملّة والدَّعوة إشارة إليه بعينه واسمه ونسبه كيلا يطمع فيها غيره.

وأما الاربع الّتي في نعت نفسه : فإنَّ يكون أعلم النّاس كلّهم بفرائض الله وسننه وأحكامه حتّى لا يخفى عليه منها دقيق ولا جليل ، وأن يكون معصوماً من الذُّنوب كلّها ، وأن يكون أشجع النّاس ، وأن يكون أسخى النَّاس.

فقال عبد الله بن يزيد الاباضيُّ : من أين قلت : إنَّه أعلم النّاس؟ قال : لأنّه إن لم يكن عالماً بجميع حدود الله وأحكامه وشرائعه وسننه لم يؤمن عليه أن يقلب الحدود ، فمن وجب عليه القطع حدَّه ، ومن وجب عليه الحد قطعه ، فلا يقيم لله عزَّ وجلَّ حدّاً على ما أمر به فيكون من حيث أراد الله صلاحاً يقع فساداً.

قال : فمن أين قلت : إنَّه معصوم من الذنوب؟ قال لأنّه إن لم يكن معصوماً من الذُّنوب دخل في الخطأ ، فلا يؤمن أن يكتم على نفسه ويكتم على حميمه وقريبه ، ولا يحتجُّ الله بمثل هذا على خلقه.

قال : فمن أين قلت : إنَّه أشجع النّاس ؛ قال : لأنّه فئة للمسلمين الّذي يرجعون إليه في الحروب ، وقال الله عزَّ وجلَّ : ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَ‌هُ إِلَّا مُتَحَرِّ‌فًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّـهِ(14) فإن لم يكن شجاعاً فر فيبوء بغضب من الله ، ولا يجوز أن يكون من يبوء بغضب من الله عزَّ وجلَّ حجّة الله على خلقه.

قال : [ ف‍ـ ] من أين قلت أنَّه أسخى النّاس؟ قال : لأنّه خازن المسلمين فإنَّ لم يكن سخيا تاقت نفسه إلى أموالهم (15) فأخذها فكان خائناً ، ولا يجوز أن يحتجَّ الله على خلقه بخائن.

فعند ذلك قال ضرار : فمن هذا بهذه الصفة في هذا الوقت؟ فقال : صاحب القصر أمير المؤمنين. وكان هارون الرَّشيد قد سمع الكلام كلّه ، فقال عند ذلك : أعطانا والله من جراب النورة ، ويحك يا جعفر ـ وكان جعفر بن يحيى جالساً معه في الستر ـ من يعني بهذا؟ فقال : يا أمير المؤمنين يعني به موسى بن جفعر ، قال : ما عنى بها غير أهلها (16) ، ثمَّ عضَّ على شفتيه وقال : مثل هذا حيٌّ ويبقى لي ملكي ساعة واحدة؟! فو الله للسان هذا أبلغ في قلوب النّاس من مائة ألف سيف ، وعلم يحيى أنَّ هشاما قد إنّي (17) فدخل الستر فقال : يا عبّاسيُّ ويحك من هذا الرَّجل فقال : يا أمير المؤمنين حسبك تُكفى تُكفى ، ثمَّ خرج إلى هشام فغمزه ، فلم هشام أنَّه قد اتي فقام يريهم أنَّه يبول أو يقضي حاجة فلبس نعليه وانسلَّ ومر ببيته وأمرهم بالتواري وهرب ومرَّ من فوره نحو الكوفة فوافى الكوفة ونزل على بشير النبّال ـ وكان من حملة الحديث من أصحاب أبي عبد الله عليه السلام ـ فأخبره الخبر ، ثمَّ اعتلَّ علّة شديدة فقال له البشير : آتيك بطبيب؟ قال : لا أنا ميت ، فلمّا حضره الموت قال لبشير : إذا فرغت من جهازي فاحملني في جوف اللّيل وضعني بالكناسة واكتب رقعة وقل : هذا هشام بن الحكم الّذي يطلبه أمير المؤمنين ، مات حتف أنفه.

وكان هارون قد بعث إلى إخوانه وأصحابه فأخذ الخلق به ، فلمّا أصبح أهل الكوفة رأوه ، وحضر القاضي وصاحب المعونة والعامل والمعدلون بالكوفة ، وكتب إلى الرَّشيد بذلك ، فقال : الحمد لله الّذي كفانا أمره فخلّى عمّن كان اُخذ به.

٦ ـ حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمدانيُّ رضي‌الله‌عنه قال : حدّثنا عليُّ ابن إبراهيم بن هاشم ، عن أبيه ، عن أبي أحمد محمّد بن زياد الازديِّ قال : سألت سيدي موسى بن جعفر عليهما السلام عن قول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَ‌ةً وَبَاطِنَةً(18) فقال عليه السلام : النعمة الظاهرة الامام الظاهر ، والباطنة الامام الغائب ، فقلت له : ويكون في الائمّة من يغيب؟ قال : نعم يغيب عن أبصار النّاس شخصه ، ولا يغيب عن قلوب المؤمنين ذكره ، وهو الثاني عشر منّا ، يسهّل الله له كلِّ عسير ، ويذلّل له كلِّ صعب ، ويظهر له كنوز الأرض ، ويقرِّب له كلَّ بعيد ، ويبير به كلَّ جبّار عنيد (19) ويهلك على يده كلَّ شيطان مريد ، ذلك ابن سيّدة الاماء الّذي تخفى على النّاس ولادته ، ولا يحلُّ لهم تسميته حتّى يظهره الله عزَّ وجلَّ فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً (20).

قال مصنف هذا الكتاب رضي‌الله‌عنه : لم أسمع هذا الحديث إلّا من أحمد بن زياد ابن جعفر الهمدانيُّ رضي‌الله‌عنه بهمدان عند منصر في من حَجَّ بيت الله الحرام ، وكان رجلاً ثقة ديناً فاضلاً رحمة الله عليه ورضوانه.

الهوامش :

(1) كذا في نسخ الكتاب وعلل الشرايع وغيبة الطوسي وغيبة النعماني رحمهما الله وكفاية الاثر ، والخطاب لاخيه عليّ بن جعفر ولعله من باب اللطف والشفقة ، أو يكون في الأصل « عليّ بن جعفر قال : حدّثنا موسى بن جعفر عليهما السلام ـ الخ » وقوله : « يا بني » بصيغة الجمع من باب الشفقة أيضاً.

(2) عبّاس بن عامر بن رباح أبو الفضل الثقفي القصبانى عنونه الشيخ في رجاله تارة من أصحاب الكاظم عليه السلام واخرى في باب من لم يرو عنهم عليه السلام ، وعنونه العلاقة في القسم الاوَّل وقال : الشيخ الصدوق الثقة انتهى. والقصباني نسبة إلى بيع القصب كما في اللباب وهو خلاف القياس

(3) اعلم أنَّ الخبر يأتي أيضاً في باب ما روى عن الهادي عليه السلام في النص على القائم وغيبته عن سعد عن الخشاب عن اسحاق بن محمّد بن أيّوب ، عن الهادي (ع) ص ٣٨٢.

(4) الملك : ٣٠.

(5) في بعض النسخ « لا تجسرون ».

(6) مثل بين العرب والاصل فيه أنَّه سأل محتاج أميراً قسي القلب شيئاً فعلق على رأسه جراباً من النورة (الكلس) عند فمه وأنفه ، وكلما تنفس دخل في أنفه شيء فصار مثلاً.

(7) في بعض النسخ « كف الطلب عنه ».

(8) من الصداقة. والاباض ـ بكسر الهمزة ـ ومنه الاباضية فرقة من الخوارج أصحاب عبد الله بن اباض التميمي. (الصحاح).

(9) في بعض النسخ « في المحاورة ».

(10) في بعض النسخ « بنان » وكذا فيما يأتي.

(11) أي بعضك ، ولعل المراد به لسانه حيث أقر بوجود الدليل.

(12) في بعض النسخ « إلّا أنَّ النبوَّة تعقد بالملائكة والامامة تعقد بالنبي ».

(13) صفة للناس. و « استحالوا » أي تحولوا علماء لا يحتاجون إلى علمه صلى الله عليه وآله بعد أن يكون في زمان الرَّسول يحتاجون إليه في دينهم.

(14) الانفال : ١٦.

(15) أي اشتاقت ونازعت نفسه إليه.

(16) أي ما عني بقوله « أمير المؤمنين » إلّا من هو أمير المؤمنين عنده.

(17) يعني وقع في الهلكة.

(18) لقمان : ٢٠.

(19) اباره الله : أهلكه. وفي بعض النسخ « يتبر » والتبر : الكسر والاهلاك كالتتبير وفى بعض النسخ « يفنى به ».

(20) في هامش بعض النسخ المخطوطة هكذا : « الّذي ادعاه المصنف فيما تقدَّم من النهي عن ذكر اسمه عليه السلام يقويه ويؤيده هذا الحديث ولا فالروايات الّتى ذكرها في هذه الابواب عن الائمّة : في النهي عن ذكر اسمه عليه السلام يمكن أن يحمل النهي فيها على قبل الغيبة في زمان العباسية دون عصرنا هذا لأنّ التقيّة كانت في ذلك الزَّمان أشد من هذا العصر. وإنّما قلنا « يمكن أن يحمل النهى على قبل غيبته عليه السلام » لأنّ النهى لا يخلو من وجهين اما خوفا على الامام وهو مفقود في هذا العصر اذلا يقدر احد أن يظفر به ، وأمّا خوفاً على القائل الذاكر باسمه وهذا أيضاً منتف إذ لا يتصور الضرر من مخالفي هذا العصر ولا التعرض به لأنّه لو كان أحد ينادي في الاسواق باعلى صوته يا محمّد بن الحسن لا يرى أحد من المخالفين أنَّه سمع اسمه ويعرفه حتّى يؤذي قائله وإذا كان كذلك فلم لا يجوز للمؤمنين أن يسموه ويتبركوا ويتشرفوا بذكر اسمه (ع). وأمّا قبل غيبته الكبرى كان الضرر متصوراً ، لكن هذه الرواية تأبى ذلك والله أعلم ».

ضمن كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة

الرئيسية بحوث حول المؤمل غيبة الإمام المهدي عج عن لسان اهل البيت عليهم السلام اخبارموسى بن جعفر الکاظم من وقوع الغیبه بالقاْْئم (عج)