العلم الإلهيّ من الصفات الثبوتيّة الذاتيّة

أجمع الإلهيّون على أنّ العلم من صفات الله الذاتيّة الكماليّة، وأنّ العالم من أسمائه العليا. ولتوضيح حقيقة علمه سبحانه، لا بدّ من بيان معنى العلم وأقسامه، ثمّ البحث في علمه بذاته وبالأشياء قبل إيجادها وبعده، وفي علمه بالجزئيّات والشبهات المثارة حوله.

حقيقة العلم وأقسامه

عُرّف العلم بأنّه صورة حاصلة من الشيء في الذهن، أو انعكاس الخارج على الذهن عند اتّصال الإنسان به. غير أنّ هذا التعريف لا يشمل جميع أقسام العلم؛ لأنّ العلم ينقسم إلى حصوليّ وحضوريّ.

أوّلاً: العلم الحصوليّ

عندما يدرك الإنسان الأشياء الخارجيّة، كالشجر والحجر والشمس والقمر، فإنّ إدراكه لها يكون بواسطة صور ذهنيّة تنتزع من الخارج بوسائل المعرفة وتنتقل إلى مراكز الإدراك. فالشيء الخارجي معلوم بالعرض، والصورة الذهنيّة معلومة بالذات؛ لأنّ الخارج لا يُدرك مباشرةً بواقعيّته وصفاته، بل بواسطة الصورة التي تحكي عنه.

فالحرارة الموجودة في النار والرطوبة في الماء والثقل في الحجر والحديد لا تنتقل إلى الذهن بخصائصها الخارجيّة، وإنّما يدرك الإنسان الأشياء بواسطة صورها الذهنيّة.

وعليه، فالعلم الحصولي هو العلم الذي لا تكون فيه الواقعيّة الخارجيّة معلومة بنفسها، بل بواسطة صورة مطابقة لها. وهو علم يقوم على ثلاثة أطراف: العالم، والمعلوم الخارجيّ، والصورة الذهنيّة. ولا يعني ذلك أصالة الصورة وفرعيّة الخارج؛ فالخارج هو الأصل، والصورة منتزعة منه وحاكية عنه، وإنّما الذي يتعامل معه الذهن مباشرةً هو الصورة الحاضرة لديه.

ثانياً: العلم الحضوريّ

العلم الحضوريّ هو حضور المعلوم لدى العالم من دون واسطة. وله قسمان:

الأوّل: حضور المعلوم من دون اتّحاد العالم والمعلوم بالذات.

ومثاله علم الإنسان بالصورة الذهنيّة نفسها؛ فإنّ الخارج يُدرك بواسطة الصورة، أمّا الصورة فهي حاضرة لدى الإنسان بواقعيّتها، ولا تتوسّط بينها وبين إدراكه واسطة أخرى. ولذلك يجتمع عند الإنسان، عند إدراكه شيئاً خارجيّاً، علم حصوليّ بالخارج بواسطة صورته، وعلم حضوريّ بالصورة نفسها.

والفرق الجوهريّ بين العلمين أنّ المعلوم في العلم الحصوليّ لا يحضر بواقعيّته الخارجيّة لدى العالم، بل تحضر صورته، بينما يحضر المعلوم في العلم الحضوريّ بواقعيّته نفسها.

الثاني: حضور المعلوم مع اتّحاد العالم والمعلوم بالذات.

ومثاله علم الإنسان بذاته؛ فإنّ حقيقة الإنسان حاضرة لديه من دون واسطة، فهو العالم والمعلوم في آن واحد. وكذلك أحاسيس الإنسان وأفراحه وآلامه، فإنّها حاضرة لديه بلا توسّط صورة ذهنيّة.

ومن هنا يظهر ضعف الاستدلال بقولهم: « أنا أفكّر إذن أنا موجود »؛ إذ لا يحتاج علم الإنسان بوجود نفسه إلى برهان، كما أنّ المستدلّ قد افترض وجود نفسه في مقدّمة الاستدلال حين قال: « أنا أفكّر »، ثمّ أراد إثبات ما افترضه مسبقاً.

التعريف الجامع لحقيقة العلم

يمكن تعريف العلم مطلقاً بأنّه حضور المعلوم لدى العالم، وهو تعريف يشمل العلم الحصوليّ والحضوريّ؛ ففي الأوّل تحضر الصورة الذهنيّة، وفي الثاني تحضر واقعيّة المعلوم نفسها. وبذلك يكون العلم شاملاً لأنواع العلم في الممكن والواجب.

علم الله سبحانه بذاته

إنّ علم الله سبحانه بذاته علم حضوريّ، بمعنى حضور ذاته لذاته، لا علم حصوليّ يتوقّف على أخذ صورة عن الذات؛ لأنّ هذا القسم لا يصحّ في حقّه تعالى.

ويمكن الاستدلال على علمه بذاته بوجهين:

أوّلاً: إفاضة الكمال دليل اتّصافه به

إنّ الله سبحانه خلق الإنسان عالماً بذاته علماً حضوريّاً، ومفيض الكمال لا يمكن أن يكون فاقداً له؛ إذ لا يعقل أن يكون الموهوب له أشرف من الواهب، والمستفيد أكرم من المفيد. ولما كانت الذوات العالمة بأنفسها مستندةً إليه سبحانه، وجب أن يكون واجداً لهذا الكمال على الوجه الأتمّ والأكمل.

ولا يلزم من ذلك الإحاطة بكيفيّة علمه بذاته، وإنّما نعبّر عنه بحضور ذاته لديه من دون وساطة شيء، وأنّ علمه بذاته ليس أمراً زائداً على ذاته.

ثانياً: تنزّه الذات عن أسباب الغيبة عنها

إنّ الموجود المادّي ذو أبعاد وأجزاء لا تجتمع جميعها في مقام واحد، ولذلك تغيب بعض أجزائه عن بعض، فلا تكون ذاته حاضرةً بكاملها لنفسها. والغيبوبة تنافي حضور الذات، وتمنع تحقّق علمها بنفسها على هذا النحو.

أمّا الموجود المنزّه عن المادّة والجزئيّة والتركيب، فإنّ ذاته حاضرة لديها حضوراً كاملاً؛ لأنّ عوامل الغيبة والتفرّق غير موجودة فيه. وحضور الإنسان لذاته لا يعني حضور أبعاض بدنه، بل حضور الواقعيّة الإنسانيّة التي يعبّر عنها بـ « أنا ».

فإذا كان هذا ممكناً في الموجود المجرّد عن تلك الخصائص المادّيّة، كان علم الله بذاته أتمّ وأكمل؛ لتنزّهه سبحانه عن المادّة والتركيب والتفرّق.

شبهة اشتراط التغاير في العلم بالذات والجواب عنها

ذهب بعضهم إلى أنّ العلم نسبة بين العالم والمعلوم، والنسبة لا تتحقّق إلّا بين شيئين متغايرين، فلا يمكن أن يكون الشيء الواحد عالماً بذاته.

والجواب أنّ التغاير الخارجيّ معتبر في العلم الحصوليّ، حيث تكون الصورة الذهنيّة غير الهويّة الخارجيّة، أمّا العلم الحضوريّ فلا يتوقّف على التغاير الخارجيّ، بل يكفي فيه التعدّد الاعتباريّ.

فالله سبحانه، من حيث إنّ ذاته مكشوفة لديها، تكون معلومة، ومن حيث إنّها واقفة على ذاتها تكون عالمة، ومن حيث انكشافها لذاتها يكون ذلك الانكشاف علماً. فالتغاير هنا بالاعتبار واللحاظ، لا بالذات، وهو كافٍ في تعلّق العلم.

علم الله سبحانه بالأشياء قبل إيجادها

من أهمّ المسائل الكلاميّة إثبات علم الله بالأشياء قبل إيجادها. ويُستدلّ عليه ببرهانين رئيسين.

أوّلاً: العلم بالعلّة يستلزم العلم بالمعلول

إنّ العلم بالسبب من حيث كونه سبباً يستلزم العلم بالمسبّب، والعلم بالعلّة من حيث هي علّة يستلزم العلم بوجود المعلول؛ لأنّ العلّة تشتمل على خصوصيّة تقتضي صدور المعلول عنها.

فالفلكيّ العارف بالقوانين والحسابات الفلكيّة يستطيع التنبّؤ بوقت الكسوف والخسوف، والطبيب العارف بحالات النبض والقلب يستطيع توقّع ما سيصيب المريض، والصيدليّ العارف بخصائص السمّ يستطيع معرفة أثره فيمن يتناوله. وهذه المعارف ناشئة من العلم بالعلل والخصوصيّات التي تقتضي آثارها.

والعالم بأجمعه معلول لله سبحانه، ولا علّة له إلّا ذاته تعالى. فإذا كان الله عالماً بذاته، وكان فعله للأشياء مستنداً إلى ذاته من دون خصوصيّة زائدة عليها، لزم أن يكون عالماً بالجهة التي صدر عنها الكون، ومن ثمّ عالماً بالأشياء التي تصدر عنها.

ويتوقّف هذا البرهان على مقدّمات:

  1. أنّ العالم بجميع أجزائه مستند إلى الله سبحانه، وهو مقتضى التوحيد في الخالقيّة، وأنّه لا خالق إلّا هو.

  2. أنّ العلّيّة تعني اشتمال العلّة على خصوصيّة تقتضي وجود المعلول، بحيث لو انتفت تلك الخصوصيّة لم يتحقّق المعلول؛ وإلّا لتساوت نسبة المعلول إلى علّته وغيرها.

  3. أنّ فاعليّة الله تعالى للأشياء ناشئة من ذاته نفسها، لا من خصوصيّة طارئة أو جهة زائدة عليها، وهو مقتضى بساطة ذاته وغناه.

  4. أنّ العلم بالجهة المقتضية لوجود الشيء علم بذلك الشيء.

وبناءً على هذه المقدّمات، يكون علمه تعالى بذاته علماً بالجهة التي صدر عنها العالم، ويستلزم العلم بالأشياء.

وقد أشار صدر المتألّهين إلى هذا البرهان بقوله:

« إنّ ذاته سبحانه لما كانت علّة للأشياء ـ بحسب وجودها ـ والعلم بالعلّة يستلزم العلم بمعلولها، فتعقّلها من هذه الجهة لا بدّ أن يكون على ترتيب صدورها واحداً بعد واحد ».

وقال الحكيم السبزواريّ في منظومته:

وعالِمٌ بِغَيْرِهِ إِذا اسْتَنَد

 

إليه وهو ذاتَه لقد شَهِد

بالسَّبَبِ العِلْم بما هُوَ السَّبَب

 

عِلْمٌ بِما مُسَبَّبٌ بِهِ وَجَب

ثانياً: إحكام المخلوقات وإتقانها دليل على علم خالقها

إنّ النظر في المصنوعات يدلّ على علم صانعها بما تتطلّبه من قوانين وعلاقات؛ فالجهاز البسيط أو المعقّد يكشف عن معرفة صانعه بوظائف أجزائه، ودائرة المعارف تدلّ على علم مؤلّفيها وجامعيها بما اشتملت عليه.

وكذلك يدلّ ترتيب أجزاء المصنوع بعضها لأجل بعض، وموافقتها للغرض المقصود، على أنّه صدر عن فاعل عالم بخصوصيّاته. فمن أدرك أنّ أساس البيت قد صُنع من أجل الحائط، وأنّ الحائط من أجل السقف، علم أنّ البناء صدر عن عارف بصناعته.

وعلى هذا، فإنّ ما في الكون من إتقان ودقّة ونظام ومقادير مضبوطة، من الذرّة إلى المجرّة، يدلّ على علم خالقه بكلّ ما فيه من أسرار وقوانين. وقد قال سبحانه:

﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾.

وقال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ﴾.

وقال أمير المؤمنين عليه السلام:

« عَلِمَ ما يَمْضِي وما مَضَى، مُبْتَدِعُ الخلائِقِ بِعِلْمِه ومُنْشِؤُوها بِحِكْمَتِه ».

وقال الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام:

« سبحان من خَلَقَ الخَلْقَ بِقُدْرتِه، أتقَنَ ما خَلَق بِحِكْمَتِه وَوَضَعَ كُلَّ شيء موضِعَهُ بِعِلْمِه ».

وقد لخّص المحقّق الطوسيّ هذا الدليل بقوله: « والإحكام دليل العلم ».

وقد يُعترض بأنّ بعض الحيوانات، كالنحل والنمل والطيور، تصدر عنها أفعال متقنة مع أنّها ليست من أهل العلم. والجواب أنّ إتقان الفعل يدلّ على علم الفاعل، وأمّا هذه الحيوانات فتعمل بإلهام خالقها، كما قال سبحانه:

﴿ وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ۝ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾.

ولا ينافي تفسير هذه الأفعال بالغرائز كونها ناشئة عن توجيه الخالق؛ فالغرائز وحدها لا تفسّر إيجاد نظام متقن وموزون من دون قيادة موجّهة.

علم الله سبحانه بالأشياء بعد إيجادها

بعد إثبات علمه بذاته وبالأشياء قبل إيجادها، يُستدلّ على علمه بها بعد إيجادها ببرهانين.

أوّلاً: علمه بمخلوقاته من خلال إحاطته بفعله

إنّ الأشياء الخارجيّة تنتهي في وجودها إلى الله سبحانه، وكلّ معلول حاضر بوجوده العينيّ لدى علّته، فلا يغيب عنها. وحقيقة العلم، كما تقدّم، حضور المعلوم لدى العالم.

وكلّ موجود سوى الله ممكن، سواء أكان جوهراً أم عرضاً، موجوداً خارجيّاً أم ذهنيّاً، ولا بدّ له من الاستناد إلى الله سبحانه. والمعلوليّة تعني قيام وجود المعلول بعلّته قياماً حقيقيّاً؛ إذ ليس للمعلول الممكن استقلال في وجوده.

ولتقريب ذلك، إذا قيل: « سرتُ من البصرة »، كان السير والبصرة معنيين اسميّين، وكان ابتداء السير من البصرة معنى حرفيّاً قائماً بالطرفين، لا يستقلّ عنهما. وكذلك الوجود الإمكانيّ قائم بمفيضه، وليس له استقلال عنه؛ وإلّا لزم أن يكون مستقلاً مع كونه ممكناً.

ولما كان خروج الممكن عن حيطة علّته يستلزم استقلاله عنها، امتنع ذلك، وكانت الموجودات حاضرة لدى الله سبحانه. والحضور هو العلم؛ فيكون العالم كلّه فعله، وفي الوقت نفسه حاضراً لديه ومعلوماً له.

ويمكن تقريب ذلك بالصور الذهنيّة التي تنشئها النفس؛ فهي فعل النفس، وهي في الوقت نفسه معلومة لها، ولا تحتاج النفس إلى إنشاء صور أخرى لكي تعلم بها. وعلى هذا النحو، يكون العالم، بدقيقه وجليله، مخلوقاً لله وقائماً به ومعلوماً لديه.

ثانياً: سعة الوجود الإلهيّ دليل على إحاطته العلميّة

إنّ الله سبحانه منزّه عن الجسم والمادّة والزمان والمكان، فلا يحدّه قيد ولا يحصره إطار. والمحدوديّة من لوازم الموجودات الواقعة ضمن حدود الزمان والمكان، أمّا المنزّه عنهما فلا يغيب عنه شيء، بل يحيط بكلّ شيء.

ولتقريب المعنى، فإنّ الإنسان الناظر إلى شارع من نافذة ضيّقة لا يرى إلّا جزءاً من حركة السيّارات، بينما يستطيع الناظر من أفق مرتفع أن يرى مشهداً أوسع. وكلّما تخلّص الإدراك من القيود المحدودة اتّسعت الإحاطة.

والله سبحانه منزّه عن جميع الحدود والقيود، فلا يحيط به شيء، بل هو المحيط بكلّ الموجودات.

وقد قال الإمام عليّ عليه السلام:

« إِنَّ الله عزَّوجلَّ أيَّن الأيْن فلا أيْنَ له، وجَلَّ أَنْ يحويه مكان، وهو في كلّ مكان، بغير مُماسَّة، ولا مُجاوَرَة. يحيط عِلْماً بما فيها، ولا يخلو شيء منها من تدبيره ».

مراتب العلم الإلهيّ ومظاهره

يتبيّن من البراهين المتقدّمة أنّ لعلم الله سبحانه بالأشياء مرتبتين:

  1. علمه بها قبل إيجادها، في مرتبة الذات.

  2. علمه بها بعد إيجادها، في مرتبة الفعل وخارج مرتبة الذات.

وقد عبّر القرآن الكريم عن مظاهر لعلمه تعالى بأسماء متعدّدة، منها: اللوح المحفوظ، والكتاب المسطور، والكتاب المبين، والكتاب المكنون، والكتاب الحفيظ، والكتاب المؤجّل، والكتاب، والإمام المبين، وأمّ الكتاب، ولوح المحو والإثبات.

قال سبحانه في اللوح المحفوظ:

﴿ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ ۝ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ ﴾.

وقال في الكتاب المسطور:

﴿ وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ ۝ فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ ﴾.

وقال في الكتاب المبين:

﴿ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾.

وقال في الكتاب المكنون:

﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ۝ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ ﴾.

وقال في الكتاب الحفيظ:

﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ﴾.

وقال في الكتاب المؤجّل:

﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّـهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا ﴾.

وقال في الكتاب:

﴿ وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ﴾.

وقال في الإمام المبين:

﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾.

وقال في أمّ الكتاب:

﴿ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾.

وقال في لوح المحو والإثبات:

﴿ يَمْحُو اللَّـهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ﴾.

وقد اختلف المفسّرون في حقيقة هذه الكتب وخصوصيّاتها؛ فمنهم من قال بتجرّدها عن المادّة والمادّيّات، لتكون مظاهر لعلمه غير المتناهي، ومنهم من قال إنّها ألواح وكتب مادّيّة سُطّرت فيها الأشياء وأعمارها وأوقاتها على وجه الرمز. ولا يصحّ الركون إلى أحد القولين من دون دليل، بل يجب الإيمان بها وتحرّي تفسيرها عن طريق الكتاب والسنّة الصحيحة. ويُعدّ القضاء والقدر أيضاً من مظاهر علمه تعالى، ويُبحث عنهما في موضع مستقلّ.

بحثان في حقيقة العلم الإلهيّ

أوّلاً: علم الله حضوريّ لا حصوليّ

إنّ علم الله بذاته حضوريّ؛ لعدم غيبوبة ذاته عن ذاتها. وأمّا علمه بالأشياء، فيتّضح من جهتين:

الأولى: أنّ العلم بالذات علم بالجهة التي تصدر عنها الأشياء، والعلم بتلك الجهة علم بالأشياء؛ فيكون علمه بذاته كشفاً تفصيليّاً عن الأشياء على الوجه اللائق بذاته.

الثانية: أنّ الممكنات قائمة بوجود الله سبحانه حدوثاً وبقاءً، وقيامها به قياماً حقيقيّاً يمنع من تصوّر خروجها عن حيّز إحاطته؛ لأنّ ذلك يستلزم استقلالها عنه. وبما أنّ الموجودات كلّها فعله وإيجاده، فهي حاضرة لديه، وهذا الحضور هو علمه بها.

وعليه، فإنّ علم الله وفعله مفهومان مختلفان، لكنّهما متصادقان في الخارج. أمّا القول بأنّ له تعالى، وراء العلم الحضوريّ، علماً حصوليّاً، فقد ذهب إليه المشّاؤون من الفلاسفة، وسمّوه « الصور المرتسمة »، ويُترك بحثه إلى الكتب المطوّلة.

ثانياً: علم الله بالجزئيّات

أنكر بعض الفلاسفة علم الله بالجزئيّات متأثّرين بشبهات واهية. غير أنّ النظر في كيفيّة الخلق وإفاضة الوجود يوضّح أنّ علمه تعالى يشمل الجزئيّات أيضاً.

فالكون، من الذرّة إلى المجرّة، متجدّد ومتغيّر، لا في عوارضه وصفاته فحسب، بل في جواهره وذواته أيضاً. وما يبدو من الثبات في عالم الطبيعة لا يغيّر حقيقة أنّ المادّة خاضعة للتغيّر والتجدّد في كلّ آن؛ فوجودها التدريجيّ أشبه بعين يتدفّق منها الماء باستمرار.

وإذا كانت إفاضة الوجود على العالم تدريجيّة، وكان المعلول لا يخرج عن حيطة علّته، كان العالم بجميع ذرّاته وأجزائه، في أثناء صدوره من الله سبحانه، معلوماً له. فإفاضة الوجود التدريجيّة وحضور الموجودات لديه يقتضيان علمه بالجزئيّات الخارجيّة.

الشبهات المثارة حول علم الله بالجزئيّات وأجوبتها

الشبهة الأولى: استلزام العلم بالجزئيّات المتغيّرة تغيّر العلم الإلهيّ

قيل إنّ علم الله بالجزئيّات المتغيّرة يستلزم تغيّر علمه بتغيّر المعلوم، وإلّا لم يكن العلم مطابقاً للواقع. وقد نقل العلّامة ابن ميثم البحراني هذه الشبهة بقوله:

« ومنهم من أنكر كونه عالماً بالجزئيّات على الوجه الجزئي المتغيّر، وإنّما يعلمها من حيث هي ماهيّات معقولة. وحجّتهم أنّه لو علم كون زيد جالساً في هذه الدار، فبعد خروجه منها، إن بقي علمه الأوّل، كان جهلاً، وإن زال لزم التغيّر ».

الجواب الأوّل: نقض الإشكال بالقدرة الإلهيّة

إذا كان تعلّق العلم بالجزئيّات المتغيّرة يستلزم تغيّر العلم، للزم أيضاً تغيّر القدرة عند تعلّقها بالجزئيّات، مع أنّ القدرة من الصفات الذاتيّة. فلا بدّ من بيان الفارق بين العلم والقدرة في هذا الحكم، وإلّا جرى الإشكال فيهما معاً.

الجواب الثاني: تنزّه العلم الإلهيّ عن القيود الزمانيّة

علم الإنسان بالحوادث علم مرتبط بالزمان، ولذلك يميّز بين الماضي والحاضر والمستقبل. أمّا الله سبحانه فليس محكوماً بالزمان، ولا تجري عليه هذه التقسيمات؛ لأنّها ناشئة من نسبة الموجود الزمانيّ إلى زمانه.

فالله يعلم جميع الحوادث الجزئيّة دفعة واحدة، لا باعتبار وقوع بعضها في الماضي وبعضها في الحاضر وبعضها في المستقبل، بل بعلم شامل متعالٍ عن القيود الزمانيّة.

وكذلك لا يكون الله محكوماً بالمكان، فلا تختلف نسبة الأشياء إليه من حيث القرب والبعد. فجميع الموجودات من الأزل إلى الأبد معلومة لديه، وليس في علمه « كان » و « كائن » و « سيكون »، بل هي حاضرة لديه بخصوصيّاتها، من دون أن تخضع في علمه للتقدّم والتأخّر الزمانيّين.

ولتقريب ذلك، فإنّ الإنسان الذي ينظر إلى شارع من نافذة ضيّقة يرى السيّارات متعاقبة، فيميّز بين ما مرّ منها وما يمرّ وما لم يمرّ بعد. أمّا الناظر من أفق مرتفع فيرى مجموعها، فلا يكون هذا التقسيم الزمانيّ لازماً في حقّه. وعلى هذا، فإنّ الموجود المنزّه عن قيود الزمان والمكان يحيط بجميع الأشياء من دون أن يستلزم ذلك تغيّر علمه الذاتيّ.

جواب آخر: التغيّر في المتعلّقات لا في الذات الإلهيّة

إنّ الشبهة تفترض أنّ علم الله بالجزئيّات علم حصوليّ قائم على صور مرتسمة في ذاته، وحينئذ يستلزم تغيّر المعلوم تغيّر تلك الصور، فيلزم تغيّر الذات.

أمّا إذا كان علمه بالجزئيّات حضوريّاً، وكانت الهويّات الخارجيّة نفسها فعله وعلمه في مقام الفعل، فلا مانع من تغيّر العلم الفعليّ بتغيّر الموجودات العينيّة؛ لأنّ التغيّر الممتنع هو التغيّر في العلم الذاتيّ، لا في الإضافات والمتعلّقات. وإلى ذلك أشار المحقّق الطوسيّ بقوله: « وتغيّر الإضافات ممكن ».

فالتغيّر يقع في الإضافات المتعلّقة بالفعل، لا في الذات الإلهيّة.

الشبهة الثانية: توقّف إدراك الجزئيّات على الآلات المادّيّة

قيل إنّ إدراك الجزئيّات يتوقّف على الأدوات والآلات الجسمانيّة، والله منزّه عن الجسم ولوازمه.

والجواب أنّ الحاجة إلى الآلات إنّما تنشأ عندما يحصل العلم بانتزاع الصور بواسطة الحواسّ، كما في الإنسان. أمّا علم الله سبحانه فيقوم على إحاطته بالأشياء وقيامها به قياماً حقيقيّاً، فلا يحتاج إلى آلة أو واسطة مادّيّة.

وقد قال الفاضل القوشجيّ في شرح التجريد:

« إن إدراك الجزئيّات إنّما يحتاج إلى آلة جسمانيّة إذا كان العلم بانتزاع الصورة، وأمّا إذا كان إضافة محضة بدون الصورة فلا حاجة إليها ».

الشبهة الثالثة: استلزام العلم بالجزئيّات تعدّد المعلومات في الذات الإلهيّة

قيل إنّ العلم صورة مساوية للمعلوم مرتسمة في العالم، ولمّا كانت صور الأشياء مختلفة، لزم تعدّد المعلومات والصور في الذات الإلهيّة، وهو ينافي وحدتها.

والجواب أنّ هذه الشبهة مبنيّة على افتراض ارتسام صور الأشياء في ذات الله سبحانه، كما ترتسم الصور في النفس الإنسانيّة. وقد تقدّم أنّ علمه بالأشياء ليس من هذا النمط، بل إنّ الهويّات الخارجيّة حاضرة لديه من دون ارتسام صور فيها، وهذا النحو من العلم أقوى من العلم القائم على الصور.

الشبهة الرابعة: استلزام العلم بالحوادث انقلاب الممكن واجباً

قيل إنّ تعلّق العلم الإلهيّ بحادث قبل تجدّده يستلزم وجوبه؛ لأنّه لو جاز عدم وقوعه لانقلب العلم جهلاً. فيلزم أن يكون الحادث ممكناً من جهة وواجباً من جهة أخرى.

والجواب أنّ المحال هو اجتماع الإمكان الذاتيّ والوجوب الذاتيّ، أمّا اجتماع الإمكان الذاتيّ والوجوب بالغير فلا إشكال فيه. فالمعلول عند وجود علّته التامّة يبقى ممكناً بذاته، ويكون واجباً بغيره.

وعليه، فإنّ تعلّق علم الله بوقوع حادث في وقت معيّن لا يخرجه عن الإمكان الذاتيّ، وإنّما يكون وجوده واجباً بالغير عند تحقّق علّته التامّة. فالعالم كلّه ممكن بالذات، وواجب بالغير.

سعة العلم الإلهيّ في القرآن الكريم

يتّضح ممّا تقدّم معنى قوله سبحانه: ﴿ إِنَّ اللَّـهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾؛ فهو عالم بما مضى وما يأتي، وبكلّ ما في الكون من أسرار، ولا يغيب عنه شيء مهما دقّ أو خفي.

قال سبحانه:

﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾.

وقال تعالى:

﴿ قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّـهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾.

وقال سبحانه:

﴿ اللَّـهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ ﴾.

وقال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾.

وقال عزّ من قائل:

﴿ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾.

بلاغة التعبير القرآنيّ عن سعة العلم الإلهيّ

إنّ تصوّر اللامتناهي بحقيقته من أصعب المسائل على الإنسان؛ لأنّه يتعامل في حياته مع أمور محدودة، حتّى إنّ الأعداد الفلكيّة التي توصّلت إليها العلوم الرياضيّة تبقى متناهية مهما عظمت.

ولذلك لم يعبّر القرآن الكريم عن سعة علم الله بالأرقام والأعداد، بل جاء بتعبير يتجاوز المقاييس العدديّة كلّها، فقال سبحانه:

﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾.

إنّ قوله تعالى: ﴿ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّـهِ ﴾ أبلغ في التعبير عن سعة علمه من أيّ عدد، مهما كثرت أصفاره؛ لأنّ جميع الأعداد التي يتصوّرها الإنسان تبقى محدودة. ومن هنا يتّضح معنى قوله سبحانه:

﴿ وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾.

فهو تعبير عن محدوديّة المقاييس البشريّة وقلّة علم الإنسان وضآلة معارفه أمام علم الله غير المتناهي.

من كلمات الإمام عليّ عليه السلام في إحاطة الله بالجزئيّات

قال أمير المؤمنين عليه السلام:

« لا يَعْزُبُ عَنْهُ عَدَدُ قَطْرِ السَّماءِ، ولا نُجُومُها ولا سَوافي الريحِ في الهواء، ولا دَبيبُ النَّملِ على الصَّفا، ولا مَقيلُ الذَّرِّ في الليلةِ الظَّلْماءِ، يَعْلَمُ مساقِطَ الأورَاقِ، وخَفِيَّ الأحداق ».

وقال عليه السلام:

« الحَمْدُ لله الذي يَعْلَمُ عجيجَ الوحوشِ في الفَلَوات، ومعاصي العبادِ في الخَلَوات، واختلافَ النينانِ في البحارِ الغامِرات، وتلاطُمَ الماء بالرياح العاصفات ».

وقال عليه السلام:

« قد عِلِمَ السرائرَ، وخَبَرَ الضمائرَ، له الإِحاطة بكُلّ شَيْء ».

وبذلك يتبيّن أنّ العلم من الصفات الثبوتيّة الذاتيّة لله سبحانه، وأنّه عالم بذاته وبالأشياء قبل إيجادها وبعده، وأنّ علمه يشمل الكلّيّات والجزئيّات، من دون أن يستلزم جهلاً أو نقصاً أو تغيّراً في ذاته تعالى.


 


 

التعليقات

Profile of User
Loading...

محتوى ذو صلة