أسماؤه وصفاته وأفعاله سبحانه
مقدّمة
يبيّن البحث أنّ الاختلاف بين المدارس والفرق الإلهية كثيراً ما يرجع إلى اختلافها في فهم أسماء الله وصفاته وأفعاله. وقد ظهر ذلك بوضوح في مختلف الديانات والمذاهب، ومنها الفرق الإسلامية التي اختلفت في مسائل الصفات والأفعال الإلهية، كأهل الحديث والمعتزلة والجبرية والأشاعرة. ولذلك يحتلّ البحث في صفات الله وأفعاله مكانة أساسية في علم العقائد.
الصفات الجمالية والجلالية الذاتية
تنقسم صفات الله تعالى إلى صفات ثبوتية أو جمالية، وهي التي تدل على كمال ثابت في الذات، كالقدرة والعلم والحياة، وصفات سلبية أو جلالية، وهي التي تنفي عنه النقص والحاجة، كنفي الجسمانية والتحيز والحركة والتغير.
وقد ذكر علماء العقائد عدداً معيناً من الصفات الجمالية والجلالية، إلا أنّ البحث يرى أنّه لا ينبغي حصر صفات الله في عدد محدد؛ لأنّ المعيار هو اتصافه بكل كمال وتنزهه عن كل نقص، كما أنّ الأسماء والصفات الواردة في القرآن الكريم أكثر بكثير من الأعداد التي حصرها المتكلمون.
صفات الذات وصفات الفعل
صفات الذات هي الصفات التي يصح وصف الذات بها بمجرد ملاحظة الذات، كالقدرة والعلم والحياة، بينما صفات الفعل هي التي يتوقف إطلاقها على ملاحظة الفعل الإلهي، كالخلق والرزق والمغفرة والرحمة.
ومن الفروق المهمة أنّ صفات الذات لا يصح اتصاف الله بأضدادها ولا يصح خلوه منها، أما صفات الفعل فيصح إثباتها ونفيها بحسب متعلَّقها؛ فيقال: خلق هذا ولم يخلق ذاك، وغفر لهذا ولم يغفر لذاك.
ويرى البحث أنّ الصفات الفعلية، كالخلق والرزق والهداية، ترجع في وجودها إلى القيومية الإلهية، فهي حيثيات وجودية مفاضة منه سبحانه.
الصفات النفسية والصفات الإضافية
يقسّم البحث الصفات أيضاً إلى نفسية وإضافية. فالصفة النفسية هي التي تصف الذات من دون ملاحظة نسبة إلى الخارج، كالحياة، بينما الإضافية هي التي تتضمن نسبة إلى أمر خارج عن الذات، كالعلم بالمعلوم والقدرة على المقدور.
ويشير البحث إلى أنّ بعض الصفات التي تسمى إضافية، كالخالقية والرازقية والعلّية، الأولى أن تسمى صفات انتزاعية، وأن يخصص اصطلاح الصفات الإضافية بما يقابل الصفات النفسية.
الصفات الخبرية وموقف العلماء منها
يقسم أهل الحديث الصفات إلى ذاتية وخبرية. والمقصود بالصفات الخبرية ما ورد في الكتاب من ألفاظ، كالوجه واليدين والأعين والعلو، والتي لو حملت على معانيها الحسية المتبادرة لأدّت إلى التجسيم والتشبيه.
ومن هنا تبرز ضرورة التعامل مع هذه الألفاظ بما يحفظ تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقات.
التنزيه عن التشبيه والمقايسة في معرفة صفات الله
يرى البحث أنّ الإنسان، بسبب اعتياده على العالم المحسوس والزمان والمكان والمادة، يميل بطبيعته إلى تصور الأشياء الغيبية وفق صور حسية ومادية. ولذلك يصعب عليه أحياناً أن يتجرد عن التشبيه والمقايسة عند التفكير في الله تعالى.
وقد أدّى هذا الميل إلى ظهور اتجاهين متقابلين: التشبيه والتجسيم من جهة، والتعطيل من جهة أخرى.
فالمشبّهة حملوا صفات الله على معانٍ جسمانية، فأثبتوا له الجوارح والأعضاء والحركة وسائر خصائص الأجسام، وهو ما يؤدي إلى التجسيم والتشبيه.
وفي المقابل، بالغت طائفة أخرى في تنزيه الله حتى عطّلت العقل عن البحث في صفاته وأفعاله، واكتفت بإثبات ما ورد في الكتاب والسنة من دون بحث في معناه أو دلالته.
أما الاتجاه الثالث فيرى إمكان معرفة صفات الله من خلال العقل والتدبر والاستدلال، بشرط التحرر من الآراء المسبقة والإخلاص للحق، مع تجنب إفراط المشبهة وتفريط المعطلة.
ويستند هذا الاتجاه إلى العقل والكتاب والسنة، وإلى قول الإمام علي عليه السلام: « لم يطلع العقول على تحديد صفته، ولم يحجبها عن واجب معرفته »؛ فالعقل لا يستطيع إدراك كنه الذات الإلهية، لكنه يستطيع التعرف على أسمائه وصفاته بالقدر الممكن للإنسان.
الطرق الصحيحة إلى معرفة الله وصفاته
يؤكد البحث أنّ عدم مشابهة الله للمخلوقات لا يعني استحالة معرفته مطلقاً، بل توجد طرق عقلية ونقلية وروحية للتعرف على العالم الربوبي.
المعرفة عن طريق العقل
يمكن الانطلاق من وجوب الوجود وغنى الله تعالى لإثبات عدد كبير من صفاته الجمالية والجلالية. فكونه واجب الوجود والغني المطلق يستلزم نفي الجسمية والشريك والتركيب والحاجة والتغير وغيرها من النقائص، كما يدل على ثبوت الوجود والملك والكمال والحكمة والقيومية وسائر صفات الكمال.
وبذلك يمكن للعقل أن يفتح نوافذ على عالم الغيب من خلال البحث في أصل الوجود ووجوبه وغناه.
المعرفة من خلال الآفاق والأنفس
يكشف التأمل في الكون ونظامه الدقيق عن علم واسع وقدرة محيطة، ولذلك دعا القرآن إلى النظر في السماوات والأرض واكتشاف آيات الله في الكون.
ومن خلال هذا الطريق يستطيع الإنسان أن يتعرف على قسم من الصفات الجمالية، كما يدل إحكام العالم ونظامه على العلم والقدرة.
المعرفة بالكتاب والسنة الصحيحة
بعد إثبات وجود الله وبعض صفاته وصدق الأنبياء، يمكن الرجوع إلى الوحي للتعرف على أسمائه وصفاته وأفعاله. فالكتاب والسنة يقدمان للإنسان معارف لا يستطيع الوصول إليها بمجرد دراسة العالم المحسوس.
وقد ورد في القرآن عدد كبير من الأسماء والصفات الإلهية، وهي مصدر أساسي لمعرفة ما يتصل بالمبدأ الأعلى.
المعرفة عن طريق الكشف والشهود
يشير البحث إلى طريق خاص يتمثل في المكاشفات والمشاهدات الروحية، حيث يصل بعض أصحاب المجاهدة والتقوى إلى إدراكات قلبية ومعارف لا تحصل بمجرد البرهان والاستدلال.
غير أنّ هذا الطريق ليس متاحاً لجميع الناس، بل هو خاص بمن بلغ درجة معينة من صفاء النفس والتقوى والمعرفة.
موقف الاتجاهات الرافضة للبحث في ما وراء الطبيعة
يعرض البحث عدة اتجاهات تحدّ من قدرة الإنسان على معرفة عالم الغيب:
- الماديون: الذين ينكرون وجود ما وراء العالم الطبيعي ويجعلون الوجود مساوياً للمادة.
- المفرطون في أدوات المعرفة: الذين يثبتون عالم ما وراء الطبيعة، لكنهم يرون أنّ العقل عاجز عن بلوغه.
- مدّعو الكشف والشهود: الذين يحصرون المعرفة الغيبية في الكشف والمشاهدة.
- الحنابلة وبعض الأشاعرة: الذين يجعلون الطريق الوحيد لمعرفة العالم الربوبي هو الأخبار الواردة من السماء، ويمنعون العقل من الحكم في المسائل الإلهية.
ويرى البحث أنّ هذه الاتجاهات لا تنسجم مع ما أكّد عليه القرآن من الدعوة إلى التعقل والتفكر والتدبر والاستدلال، كما أنّ القرآن نفسه عرض براهين عقلية في مسائل التوحيد والعقائد، مما يدل على مشروعية البحث العقلي في الإلهيات.
عودة نظرية أهل الحديث في ثوب جديد
يناقش البحث اتجاهاً حديثاً يرى أنّ البحث في المسائل الإلهية ينبغي أن يعتمد على دراسة الطبيعة والعلوم الحسية وحدها، ويعرض آراء بعض المفكرين الذين شددوا على كفاية الوحي أو الطبيعة في هذا المجال.
ويرى المؤلف أنّ دراسة الطبيعة مفيدة في إثبات وجود صانع عالم وقادر، لكنها لا تكفي وحدها للإجابة عن جميع المسائل التي يطرحها القرآن والعقل، مثل: هل الله واحد أو متعدد؟ وهل هو أزلي أو حادث؟ وما مدى علمه وقدرته؟ وهل هو الأول والآخر والظاهر والباطن؟
فهذه المسائل تتجاوز حدود الدراسة الطبيعية وتحتاج إلى مقدمات عقلية وأصول منطقية.
حدود المعرفة البشرية في مسائل الإلهيات
لا يدّعي البحث قدرة الإنسان على إدراك كنه الذات الإلهية وحقيقتها، فهذا أمر خارج عن مقدرة الإنسان. لكنّ استحالة إدراك الكنه لا تعني استحالة معرفة الأسماء والصفات والأفعال بالقدر الذي تسمح به الطاقة البشرية.
كما أنّ البحث في الإلهيات ليس ميسراً لكل إنسان بالدرجة نفسها؛ فبعض طرق المعرفة عامة، وبعضها يحتاج إلى قدرة فكرية وعلمية وروحية خاصة.
ويضاف إلى ذلك أنّ الإنسان معتاد على المحسوسات، كما أنّ لغته محدودة بألفاظ نشأت أساساً للتعبير عن المعاني المحسوسة، مما يجعل التعبير عن الحقائق الإلهية العليا أمراً بالغ الصعوبة والدقة.
الخلاصة
يؤكد البحث أنّ عدم إمكان إدراك كنه الذات الإلهية لا يعني استحالة معرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله. فالطريق الصحيح ليس في التشبيه والتجسيم، ولا في تعطيل العقل عن المعرفة، وإنما في الجمع بين العقل والوحي، مع الاستفادة من النظر في الكون، والالتزام بالضوابط الصحيحة في الاستدلال.
وتتعدد طرق المعرفة بين العقل، والتأمل في الآفاق والأنفس، والكتاب والسنة الصحيحة، والكشف والشهود، ولكل طريق مجاله وحدوده. أما دراسة الطبيعة وحدها فلا تكفي للإحاطة بجميع المعارف الإلهية التي يطرحها القرآن.
ومن ثمّ يخلص البحث إلى ضرورة دراسة المعارف الإلهية في ضوء العقل والوحي، مع الاعتراف بحدود القدرة البشرية، وتجنب التشبيه والتعطيل معاً، للوصول إلى معرفة صحيحة بأسماء الله وصفاته وأفعاله.
أهم النقاط
- اختلاف الفرق والديانات يرتبط بدرجة كبيرة باختلافها في أسماء الله وصفاته وأفعاله.
- الصفات الإلهية تنقسم إلى جمالية وجلالية، وإلى صفات ذات وصفات فعل.
- لا يصح حصر صفات الله في عدد محدد، لأن معيارها هو الكمال والتنزه عن النقص.
- صفات الذات لا تقبل الأضداد، بخلاف صفات الفعل.
- التشبيه يؤدي إلى التجسيم، والتعطيل يمنع العقل من أداء دوره في المعرفة.
- العقل قادر على معرفة صفات الله في حدود طاقته، وإن كان عاجزاً عن إدراك كنه الذات.
- القرآن يدعو إلى التعقل والتفكر والتدبر والاستدلال.
- النظر في الكون يكشف عن العلم والقدرة، لكنه لا يكفي وحده لمعرفة جميع الصفات الإلهية.
- الوحي مصدر أساسي لمعرفة أسماء الله وصفاته وأفعاله.
- الكشف والشهود طريق خاص لا يتيسر لجميع الناس.
-



