سماحة السيّد جعفر علم الهدى دخل ضرار بن ضمرة الليثي على معاوية ، فقال : صِفْ لي عليّاً . فقال : أوَ تعفيني من ذلك ؟ فقال : لا أعفِيك . قال : « کان والله بَعيدُ المَدى ، شَديدُ القِوى ، يقولُ فَصْلاً ، ويحكُمُ عَدلاً ، يتفجَّر العلم من جَوانِبه ، وتنطُقُ الحِكمة من نواحيه ، يستوحِشُ من الدنيا وزهرتها ، ويستأنس باللَّيلِ ووحشته . كانَ واللهِ غزير العَبْرِة ، طَويلُ الفكرة ، يُقلِّبُ كفَّيه ، ويخاطِبُ نفسه ، ويُنَاجِي رَبَّهُ، يُعجِبه من اللِّبَاس ما خَشنَ ، ومِن الطَّعَامِ مَا جَشبَ . كان والله فينا كأحَدِنا ، يُدْنِيِنَا إذَا أتَيْنَاهُ ، ويُجيبُنا إذا سألناه ، كنّا مَع دنوّه منّا وقربنا منه ، لا نكلِّمُه لهَيبته ، ولا نرفع أعيننا إليه لعَظَمته . فإنْ تبسَّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم ، يعظِّم (يقرب) أهل الدين ، ويحبُّ المساكين ، لا يطمع القويُّ في باطله ، ولا يَيْأس الضعيف من عدله . فأشهَدُ بالله ، لقد رأيته في بَعضِ مواقفه وقد أرخى اللَّيلُ سُدولَه ، وغارَتْ نُجومَه ، وهو قائم في مِحرابِه ، قابض على لِحيَته ، يتمَلْمَلُ تَمَلْمُلَ السَّليم ، ويبكي بُكاءَ الحزين . فكأنِّي الآن أسمَعُه وهو يقول : « يَا دُنْيَا يَا دُنْيَا أبِي تَعرَّضْتِ ؟ ، أمْ إليَّ تَشوَّقتِ ؟ هَيْهات ، هَيْهات ، غُرِّي غَيري ، لا حاجة لي فِيكِ ، قَدْ طلقتك ثلاثاً لا رَجْعة لي فِيها ، فَعُمرُكِ قصيرٌ ، وخطرك يسير ، وأملك حَقيرٌ ، آهٍ آهٍ مِن قِلَّة الزَّاد ، وبُعدِ السَّفر ، وَوَحْشَة الطَّريق ، وعظم المورد » . فسالت : (فوكفت) دموع معاوية على لِحيَته ، فنشفها بكمِّه ، واختنق القوم بالبكاء . ثمّ قال : كان والله أبو الحسن كذلك ...» . أقول : « والفضل ما شهدت به الأعداء » . هذه سيرة علي (عليه السلام) مع نفسه ، وخالقه ، ومع الناس ، ومع الدنيا ، وقد سار على نهجه ذرّيته وأولاده وأهل بيته (سلام الله عليهم).
سماحة السيّد جعفر علم الهدى ج 1 ـ بما أنّ الوقت لا يسع لمراجعة الكتب الأصلية ، فنحن نحيل المتتبّع إلى الرجوع إلى المصادر ، والغالب أّنّ هذه الكتب مطبوعة . نعم قد يكون هناك اختلاف في الصفحات أو الأجزاء ، لكن الوصول إلى المطلب يصير سهلاً بعد مراجعة الفهارس . نعم هناك نكتة لابدّ من الإشارة إليها ، وهي أنّ بعض الطبعات الحديثة وقع فيها النقص والاسقاط والحذف بسبب التعصّب الأعمى ، فالمتتبّع إذا كان من أهل الدقّة والتحقيق لابدّ أن يراجع إمّا النسخ الخطّية الموجودة في المكتبات ، أو يراجع الطبعات القديمة لأهل السنّة ، وقد أشار علماؤنا الأعلام إلى هذه النكتة ، وذكروا الكثير من مواردها . ونحن نذكر مورداً من باب المثال : الزمخشري من كبار علماء أهل السنّة ، وله تفسير المسمّى بـ " الكشّاف " ، طبع الطبعة الثانية سنة (1319) هجرية في المطبعة الأميرية الكبرى ببولاق مصر ، بأمر الشيخ مصطفى البابا الحلبي وإخوانه ، وقد ذكر في الجزء الثالث (ص 301) ، شعراً من إنشاء نفسه يذّم فيه جميع المذاهب الأربعة ، لكن يد التزوير والخيانة اسقط هذا الشعر في الطبات الأخيرة مطبعة الاستقامة بالقاهرة سنة (1373) هجرية ، وإليك بعض أبياته : إذا سألوا عن مذهبي لم أبح به و اکتمه کتمانه لي أسلم فإن حنفياً قلت ، قالوا : بأنني أبيح الطلا ، وهو الشراب المحرّم وإن مالکياً قلت ، قالوا : بأنني أبيح لهم أکل الکلاب و هم هم وإن شافعياً قلت قالوا : بأنني أبيح نکاح البنت ، و البنت تحرم وإن حنبليا ًقلت قالوا : بأنني ثقيل حلولي ، بغيض مجسِّم وإن قلت من أهل الحديث و حزبه يقولون تيس ليس يدري و يفهم تعجبت من هذا الزمان و أهله فما أحد من ألسن الناس يسلم وأخرني دهري و قدم معشراً علی أنّهم لا يعلمون و أعلم ومذ أفلح الجهّال أيقنت أنني أنا الميم والأيّام أفلح أعلم ج 2 ـ لقد اجتهد المحقّق الأميني (عليه الرحمة) وقضى عمره الشريف في مراجعة كتب علماء أهل السنّة ، وسافر إلى أكثر البلدان الإسلامية لتحصيل النسخ الأصلية ، أو الطبعات القديمة لكّل كتاب ، ونقل عن هذه المصادر الموثوقة ، فحزاه الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء ، وقد أشار إلى هذه المصادر وطبعاتها وصفاحتها ، ونحن نعتمد على نقله وفحصه أكثر ممّا نعتمد على فحصنا . وعلى كلّ حال فالمتتبّع يتمّكن من الوصول إلى المصادر في هذا العصر الذي يسهل الرجوع إلى أُمهّات الكتب ولو بواسطة المواقع الإسلامية للمكتبات العامّة وغيرها . ج 3 ـ المصادر التي تذكر في مجال العقيدة كثيرة جدّة لا تحصى ولا تعدّ ، وإذا كان مؤلّفوها كلّهم من الشيعة ، فذلك يعني كون أكثر علماء أهل السنّة من الشيعة . مضافاً : إلى أنّ هؤلاء المؤلّفين بعضهم كالبخاري ومسلم وأحمد بن حنبل والترمذي والذهبي والسيوطي وأمثالهم من أساطين وأركان أهل السنّة ، ونحن ننقل عنهم ، كما أنّ مؤلّفي الكتب الأُخرى ممّن يدّعى أنّهم مختلف فيهم يروون عن هذه المصادر غالباً ، أو يكون أسنادهم بعينها نفس أسانيد هذه الكتب . مضافاً : إلى أنّ لهم مؤلّفات أُخرى تكون من مصادر نفس علماء أهل السنّة . نعم ، هناك بعض المتعصّبين من أعداء أهل البيت (عليهم السلام) يرمون بالرفض كلّ مَن قال شعراً ، أو ألّف كتاباً في فضائل علي وأهل بيته (عليهم السلام) ، ولكن لو كان الأمر كذلك لكان جميع أو أكثر أهل السنّة شيعة وروافض ، وهذا يدلّ على حقّانية مذهب التشيّع من جهة أُخرى . ولنذكر بعض علماء أهل السنّة الذين ألّفوا في أهل البيت (عليهم السلام) لترى هل يمكن الالتزام بأنّ جميع هؤلاء من الشيعة . 1- موّدة القربى : للمير سيّد علي الشافعي الهمداني . 2- ينابيع الموّدة : للشيخ سليمان البلخي الحنفي . 3- معراج الوصول في معرفة آل الرسول : للحافظ جمال الزرندي . 4- مناقب وفضائل أهل البيت : للحافظ أبي نعيم الأصبهاني صحاب كتاب حليّة الأولياء. 5- مناقب علي بن أبي طالب : لابن المغازلي الفقيه الشافعي . 6- رشفة الصادي من بحر فضائل بني النبيّ الهادي : للسيّد أبي بكر بن شهاب الدين العلوي . 7- الاتحاف بحبّ الأشراف : للشيخ عبد الله الشبراوي . 8- إحياء الميّت بفضائل أهل البيت : للسيوطي . 9- فرائد السمطين : للشيخ إبراهيم الحميويني . 10- ذخائر العقبى : للمحبّ الطبري . 11- الرياض النضرة : للمحبّ الطبري إمام الحرم الشافعي . 12- الفصول المهمّة : لنور الدين ابن الصبّاغ المالكي . 13- تذكرة خواصّ الأُمّة : للسبط ابن الجوزي . 14- كفاية الطالب : لمحمّد بن يوسف الگنجي الشافعي . 15- مطالب السؤول في مناقب آل الرسول : لمحمّد بن طلحة الشافعي . 16- المناقب : لأخطب خوازرم . 17- جواهر العقدين : للسمهودي . 18- الصواعق المحرقة : لابن حجر . وهذا الكتاب ألّفه لردّ الشيعة ومع ذلك فإنّه يعدّ من المصادر عندنا ، وهل يعقل أن يكون مثل هذا الشخص المتعصّب العنيد شيعيّاً . إلى غير ذلك من كتب علماء أهل السنّة الذين ألّفوا كتباً أُخرى على طبق مذهب أهل السنّة كالسيوطي فإنّ له عشرات الكتب كتفسير الدرّ المنثور والإتقان ، وهذه الكتب كلّها مصادر نستفيد منها ، ونستشهد بها .
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: للمزيد راجع ١١ جزء كتاب الغدير خصوصاً الجزء الأوّل. وعلى الإجمال نقول : حديث الغدير ليس له سبب إلّا إمتثال أمر الله تعالى بتبليغ أهمّ أركان الإسلام وهي الولاية والخلافة حيث إنّ استمرار وبقاء الإسلام يكون متوقّفاً عليها ، ولذا قال الله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) (١) ، حيث يدلّ على أنّ ما أمر الله تعالى نبيّه صلّى الله عليه وآله بتبليغه كان أمراً مهمّاً وخطيراً إلى درجة إن لم يفعل فكأنّما لم يبلّغ الرسالة أصلاً ؛ فما هو هذا الأمر البالغ الأهمّية ؟ هل هو مجرّد بيان بعض الأحكام الشرعيّة كحرمة لحم الميتة ونحو ذلك ؟ أم أنّه أمر يتوقّف عليه مصير الإسلام ، ويكون إمتداد لتبيلغ الرسالة ؟ لذا اتّفق المفسّرون من السنّة والشيعة وتواترت الأخبار من الفريقين أنّ هذه الآية نزلت في غدير خمّ في حجّة الوداع ، حينما رجع النبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله إلى المدينة ؛ فجمع الناس في غدير خم ّوخطب فيهم خطبة شريفة وطويلة ثمّ قال : أيّها الناس من وليكم وأولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا : الله ورسوله ، فقال : مَن كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال مَن والاه وعاد مَن عاداه . (٢) وقد روي ذلك مائة صحابي أو أكثر ، وإذا لاحظنا القضيّة بجميع خصوصيّاتها وظروفها نرى أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله أعلن ولاية علي عليه السلام وخلافته على رؤس الأشهاد ، بل روى الغزالي وغيره أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله أخذ البيعة لعلي عليه السلام بالخلافة حتّى من أمّهات المؤمنين ، وكان فيمَن بايعه أبو بكر وعمر قائلاً : « بخٍّ بخٍّ لك يا علي ، أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة » (٣). والطريف بل الحقّ الحقيق الذي لا يمكن إنكاره أنّ السيوطي وهو من كبار علماء السنّة ذكر في تفسيره الدرّ المنثور في ذيل الآية الكريمة أنّ بعض الصحابة كان يقرأ : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ـ أنّ عليّاً مولى المؤمنين ـ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) . (٤) وقد ورد في التفاسير أنّ الله تعالى بعد ما أعلن رسول الله صلّى الله عليه وآله ولاية علي عليه السلام يوم غدير خمّ أنزل قوله : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ) . واعترف بذلك السيوطي في تفسيره ، إلّا إنّه وصف الرواية بالضعف تعصّباً وعناداً. (٥) ثمّ إنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله صرّح في موارد ومواطن كثيرة بخلافة علي عليه السلام وولايته ، لكنّ الاعلام العام وأخذ البيعة كان في يوم غدير خمّ كما نطقت بذلك الروايات الكثيرة من طرق أهل السنّة ، وليس مجرّد ذكر فضيلة لعلي عليه السلام بل التدبّر فيها يقتضي الجزم بأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله أراد بذلك تعيين الخليفة والوصي من بعده. ثمّ لا يتنافى ذلك أن يقول النبيّ صلّى الله عليه وآله : « مَن كنت أنا وليّه فعليّ وليّه » في موطن آخر ، كما ورد ذلك حينما تنقّصه بعض الصحابة عند رجوعه من اليمن. (٦) ولا يكون ذلك قرينة على أنّ المراد مجرّد المحبّة والموّدة ، بل حتّى في هذا المورد يكون بمعنى الولاية ، والمراد أنّ عليّاً أولى بهم من أنفسهم كما كان النبيّ صلّى الله عليه وآله كذلك. الهوامش ١. المائدة : ٦٧. ٢. الأصول من الكافي / المجلّد : ١ / الصفحة : ٢٣٤ / الناشر : المكتبة الإسلاميّة ـ طهران. الدرّ المنثور في تفسير بالمأثور / المجلّد : ٥ / الصفحة : ٣٨٣ / الناشر : مركز هجر للبحوث والدراسات العربية والإسلامية. ٣. الإرشاد للمفيد / المجلّد : ١ / الصفحة : ١٧٧ / الناشر : مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث. فرائد السمطين / المجلّد : 1 / الصفحة : ٧٧ / الحديث : ٤٤ / الناشر : مؤسسة المحمودي ـ بيروت. ٤. الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور / المجلّد : ٥ / الصفحة : ٣٨٣ / الناشر : مركز هجر للبحوث والدراسات العربية والإسلامية. ٥. الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور / المجلّد : ٥ / الصفحة : ١٨٦ ـ ١٨٧ / الناشر : مركز هجر للبحوث والدراسات العربية والإسلامية. ٦. تاريخ مدينة دمشق / المجلّد : ٤٢ / الصفحة : ١٨٧ / الحديث : ٨٦٣٥ / الناشر : دار الفكر ـ بيروت.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: إنّ القائل ليس من أهل السنّة ، بل هو ناصبي خبيث معاند لأهل البيت عليهم السلام ، ولذا عمد إلى كلّ كتاب ومؤلّف من مؤلّفات أهل السنّة ممّا فيه فضائل أهل البيت عليهم السلام ومناقبهم فذكر أنّ المؤلّف من الرافضة لكي ينكر فضائل أهل البيت عليهم السلام ، ويدعي أنّ هذه الفضائل يرويها الروافض والشيعة ، وليست واردة من طرق أهل السنّة لكي يذعن بها أهل السنّة ، ولكن غاب عنه نقطتان رئيسيتان : الأولى : هل إنّك أنكرت هذه الكتب ، لكن ماذا تصنع بالقرآن الكريم حيث وردت آيات كثيرة في ولاية أهل البيت عليهم السلام ، ووجوب مودّتهم وطاعتهم وعصمتهم ، بل هناك « 300 » آية نزلت في حقّ أهل البيت عليهم السلام. الثانية : إنّ هؤلاء المؤّلفين حتّى لو كانوا من الشيعة ، لكنّهم جمعوا الأحاديث والروايات المتفرّقة في مؤلّفات علماء أهل السنّة ، ويذكرون مصادرها ، وينسبون كلّ رواية إلى الكتاب المعتبر عند أهل السنّة ، والكثير منهم يروي عن الصحاح أهل السنّة أو عن مؤلّفيها في کتبهم الأُخرى. نعم ذنب بعضهم هو أنّه يروي إلى جانب ذلك عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام فصار رافضيّاً ؛ لأنّه روى عن الإمام الصادق عليه السلام ، أو الباقر عليه السلام ، ولم ينحصر روايته عن أبي هريرة وأمثاله ، فلو كان يروي عن عمر بن سعد ، وعمران بن حطّاب الخارجي ، لم يكن به بأس ، لكنّه روى عن العترة الطاهرة ، فصار رافضيّاً خبيثاً ، معروفاً بالكذب ؟ اُنظر : إلى الأنساب كيف يصير مسخاً ، ويخرج عن الإنسانيّة ، لا لمجرّد التعصّب الأعمى والتقليد ، بل للبغض والحقد الدفين تجاه النبيّ صلّى الله عليه وآله وعترته الطاهرة عليهم السلام. بعض التعليقات 1 ـ محمّد بن جرير علماء الشيعة يذعنون بأنّ محمّد بن جرير الطبري مشترك بين السنّي والشيعي ، وقد طرح علماء الرجال بذلك ، وحينما يقصدون محمّد بن جرير الشيعي يعبّرون عنه غالباً بمحمّد بن جرير الإمامي ، وحينما يقصدون السنّي يعبّرون عنه بصاحب التفسير أو صاحب التاريخ ، وإذا كان بعض أهل السنّة لا يفهمون هذا الفرق والتمييز ، فما هو ذنب علماء الشيعة ؟ 2 ـ السدّي عند الشيعة شخصيّتان : ألف ـ إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة من الكوفة : ذكره الشيخ في رجاله من أصحاب علي بن الحسين ، ومن أصحاب الباقر عليهم السلام. قائلاً : « أبو محمّد القرشي المفسّر الكوفي ، وفي أصحاب الصادق عليه السلام ». ب ـ محمّد بن مروان السدّي : ذكره الكشّي في ترجمة محمّد بن مروان البصري قائلاً : « وليس هو الذي روى تفسير الكلبي ذلك يسمّى محمّد بن مروان السدّي ». والمعروف الذي يتبادر إليه « السدّي » في الأحاديث هو الأوّل ، خصوصاً في مجال التفسير. والظاهر أن كلاهما شيعيّان ، أو على الأقلّ يميلان إلى أهل البيت عليهم السلام ، فيكونان رافضيّان عند أهل السنّة. 3 ـ ابن قتيبة : الذي ينقل من كتابه « الإمامة والسياسة » ، ومن كتابه « المعارف » هو الأوّل العالم السنّي ، وكلّ ما ينقل الشيعة موجود في كتابيه ، فليراجع النصوص المنقولة عنهما من الكتابين المطبوعين في مطابع أهل السنّة. 4 ـ ابن بطة : الشيعة حينما ينقلون عن عالم من علماء أهل السنّة يذكرون كتابه ، وينقلون عن كتابه ، والكتب بحمد الله مطبوعة في مطابع أهل السنّة ، وموجودة في الأسواق ، ويمكن مراجعتها ، والتشابه الأسمي على تقدير وجوده لا يؤثّر في صحّة النقل والاسناد ، خصوصاً في هذا العصر الذي يتمكّن فيه المحقّق من مراجعة النسخ الخطيّة الأصلية ، فضلاً عن المطبوعة. 5 ـ ابن أبي الحديد المعتزلي : إذا كان الرفض والتشيّع حبّ أهل البيت عليهم السلام ، فأكثر علماء وفقهاء ورواة أهل السنّة رافضة وشيعة كما قال الشافعي إمام الشافعية : إن كان رفضاً حبّ آل محمّد * فليشهد الثقلان أنّي رافضي أمّا إذا كان الرفض والتشيّع هو الاعتقاد بإمامة الأئمة الاثني عشر ، والتبري من أعدائهم ، ورفض خلافة الغاصبين ، فليس ابن أبي الحديد شيعيّاً ، بل هو من المتهالكين في نصرة مذهب أهل السنّة ، وتشييد أركان خلافتهم ، فراجع « شرح نهج البلاغة » لترى كيف يدافع عن الخلفاء دفاع المستميت ، ويكفي كلامه في أوّل كتابه : « الحمد لله الذي قدّم المفضول على الفاضل » ، الذي هو إشارة إلى شرعية خلافة أبي بكر. 6 ـ القندوزي الحنفي الرافضي : إذا كان كلّ مَن يروي روايات مطابقة لمذهب أهل البيت عليهم السلام رافضيّاً وشيعيّاً ، فجميع علماء أهل السنّة رافضيّون وشيعة حتّى البخاري ومسلم وأصحاب الصحاح ، فإنّهم يروون روايات كثيرة يستفيد منها الشيعة في احتجاجاتهم وأدلّتهم ، فراجع « فضائل الخمسة من الصحاح الستة ». 7 ـ إبراهيم بن محمّد الحمويني الشافعي الرافضي : قد سمّاه علماء أهل السنّة « شيخ الإسلام » ، كما سمّوا ابن تيمية ، والشيعة يعبّرون عن ابن تيمية بـ « شيخ الإسلام » فهل هو رافضي ؟ 8 ـ الكنجي الشافعي : صار شيعيّاً ورافضيّاً ؛ لأنّه ألّف كتاباً جمع فيه مناقب علي ابن أبي طالب من صحاح أهل السنّة وكتبهم المعتبرة ، وإلا فهو يصرّح بعقيدته في الخلفاء ، ولا يعترف بإمامة الأئمة الاثني عشر. وأمّا كلام ابن الأثير فلعلّ المراد غير صاحب كتاب « الكفاية » ، فإنّ الاسماء تتشابه كثيراً ، والعمدة تصريح رجال أهل السنّة وعلماؤهم الخبراء في علم الرجال والتراجم ، وقد صرّحوا بأنّ صاحب كتاب « كفاية الطالب » من أهل السنّة. 9 ـ سبط ابن الجوزي الحنفي الرافضي : إذا كان ذكرالأئمة الاثني عشر عليهم السلام ، خصوصاً ذكر الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف ، والتصريح بحياته موجباً للرفض والتشيّع من دون تصريح باعتقاد إمامتهم ، فابن حجر موّلف الصواعق المحرقة هو من الروافض مع أنّه ألّف هذا الكتاب في ردّ الروافض ، والحال أنّه ينقل في كتابه روايات في فضل الأئمة الاثني عشر عليهم السلام ، ويصّرح بولادة المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف ونسبه ، بل له كتاب آخر في أحاديث الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف.
من سماحة السيّد جعفر علم الهدى خلاصة عن هذه الأباطيل هو أنّ الكفر له معانٍ كثيرة وردت في القرآن الكريم: منها : الكفر في مقابل الإسلام . ومنها : الكفر في مقابل الإيمان ، ويسمّى بكفر الطاعة ، فكلّ مَن يرتكب المعصية يُعدّ كافراً من حيث الطاعة . ومنها : الكفر في مقابل الشكر ، فكلّ مَن لا يشكر نعم الله يجوز توصيفه بالكفر كما قال تعالى : { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا } {الإنسان/3} . والإمامية : متفقون على أنّ كلّ مَن تشهّد الشهادتين ، وآمن بالمعاد ، ولم ينكر ضرورياً من ضروريات الدين كالصلاة والصوم والحجّ والزكاة ، فهو محكوم بالإسلام ، ويجري عليه جميع أحكام الإسلام من طهارة البدن ، وجواز التناكح معه ، واستحقاقه للإرث ، واحترام العرض والمال والنفس ، ووجوب تجهيزه وغسله والصلاة عليه ودفنه ، وغير ذلك من الأحكام. وليس هناك عالم من علماء الشيعة وفقاؤهم مَن يحكم بكفر بعض الصحابة أو بكفر المخالف لهم بهذا المعنى . والروايات ـ على تقدير صحّتها ـ ناظرة إلى الارتداد والكفر بالمعنى الثاني أو الثالث ؛ وذلك لصدور المعاصي والظلم والموبقات منهم . والعجيب أّنّ السائل ينسى ما يذكره علماؤهم ومحدّثوهم في صحاهم بالنسبة للصحابة ، وينسبون ذلك إلى علماء الشيعة ، مع أنّهم لا ذنب لهم إلاّ أنّهم نقلوا ما في صحاح العامّة . ففي صحيح البخاري في كتاب الرقاق في باب الحوض (ج 7 : ص 206 ـ 207) روى بسنده عن عبد الله عن النبيّ (ص) قال : « أنا فرطكم على الحوض ، وليرفعن رجال منكم ، ثمّ ليختلجنّ دوني ، فأقول : ياربّ أصحابي . فيقال : أنّك لا تدري ما أحدوثوا بعدك ». ثمّ روي بسنده عن حذيفة عن النبيّ (ص) ثمّ عن أبي هريرة عن النبيّ (ص) بهذا اللفظ : إنّ رسول الله (ص) قال : « يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي ، فيخلّون عن الحوض . فأقول : ياربّ أصحابي . فيقول : إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى ... ». وروى مسلم في صحيحه بطرق متدّدة عن عبد الله ، وعن حذيفة قال رسول الله (ص) : « أنا فرطكم على الحوض ، ولأنازعنّ أقواماً ، ثمّ لأغلبنّ عليهم ، فأقول : ياربّ أصحابي أصحابي . فيقال : أنّك لا تدري ما أحدوثوا بعدك ». أقول : اُنظر إلى قوله « ولأنازعنّ أقواماً ». والأقوام جمع القوم ، والقوم لا يطلق إلاّ على جماعة كثيرة ، فهؤلاء الجماعات من الصحابة أحدثوا بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وسوف يمنعون من الحوض . وفي صحيح البخاري كتاب الرقاق باب الحوض بسنده عن ابن عبّاس قال رسول الله (ص) : « تحشرون عراة عزلاً ، ثمّ قرأ : { كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ } {الأنبياء/104} . فأوّل مَن يكسى إبراهيم ، ثمّ يؤخذ برجال من أصحابي ذات اليمين وذات الشمال . فأقول : أصحابي . فيقال : إنّهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم . فأقول : كما قال العبد الصالح : { وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } {المائدة/117} ». وفي صحيح البخاري (ج5 : ص191) كتاب التفسير ، باب : { وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا } {المائدة/117} . نظير هذا الحديث . فتكفير بعض الصحابة أو معظمهم ، والحكم بارتدادهم صدر من النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، ونطقت بذلك الصحاح المعتبرة عند أهل السنّة ، فما ذنب الشيعة أن اعتمدوا على مثل هذه الأحاديث الظاهرة في خروجهم عن الإسلام بعد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، لكن الشيعة حملوا أمثال هذه الروايات على أنّ المراد أنّهم أرتدوا عن الإيمان ؛ لارتكابهم المعاصي والموبقات ، لا أنّهم خرجوا عن الإسلام بحيث يحكم بنجاستهم . ثمّ أنّ الصحابة كانوا كثيرين جدّاً حتّى ذكر بعضهم أنّ عدد الصحابة أكثر من مائة ألف صحابي ، وأكثر هؤلاء كانوا مؤمنين ملتزمين ، ولم يحدثوا ، ولم يبدّلوا ، ولم يرتدوا ، والشيعة تقدّس وتعظّم وتحترم هؤلاء ، وتعترف وتذعن بحقّهم العظيم على الإسلام والمسلمين ، فهم السلف الصالح الذين يقتدى بهم الشيعة . والذي يهتّم الشيعة بأنّهم يكفّرون الصحابة أو يحكمون بفسقهم يكون كاذباً مخادعاً ، يريد إيقاع الفتنة والفساد والتفرقة في المجتمع الإسلامي ، ويمهّد الطريق للكفّار لكي يتسلّطوا على رقاب المسلمين ، وكيف يكفّر الشيعة الصحابة وفيهم أمير المؤمنين ، وسيّد الموحدين ، وإمام المتقين ، علي ابن أبي طالب (عليه السلام) ، والحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة (عليهما السلام) ، وفيهم أسد الله وسد رسوله حمزة بن عبد المطّلب ، وجعفر الطيّار ، ومصعب بن عمير ، وزيد بن حارثة ، وحنظلة غسيل الملائكة ، وغيرهم ممّن استشهد في سبيل الله . ولعلّ : هذا القائل لا يرى سلمان ، والمقداد ، وعمّار بن ياسر ، وأبا ذرّ ، وخزيمة بن ثابت ، وابن التيهان ، وسعد بن عبادة ، وقيس بن سعد ، وأبا أيّوب الأنصاري ، وأبا سعيد الخدري ، وأبا سعيد الخدري ، وجابر بن عبد الله ، وأُبيّ بن كعب ، خبّاب بن الأرثّ ، وأبا دُجانة ، وسعد بن معاذ ، والعبّاس ، وعبد الله بن العبّاس ، وعبد الله بن مسعود ، وحجر بن عدي ، وعمرو بن الحمق ، وسهل بن حنيف ، وأمثالهم من صحابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . وقد ذكرنا أنّ عدد الصحابة كانوا يفوق المائة ألف صحابي ، والشيعة تقدّس أكثرهم ، وإنّما تتبرء من الظالمين والغاصبين والذين آذوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في عترته ، والذين بدّلوا وغيّروا . وإليك الروايات وفتاوى علماء الشيعة قديماً وحديثاً في معنى الكافر والمسلم : 1 ـ روى سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : قلت له : أخبرني عن الإسلام والإيمان ، أهما مختلفان ؟ قال (عليه السلام) : « إنّ الإيمان يشارك الإسلام ، والإسلام لا يشارك الإيمان ». فقلت : فصفها لي ؟ فقال : « ا لإسلام شهادة أن لا إله إلاّ الله ، والتصديق برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وبه حقنت الدماء ، وعليه جرت المناكح المواريث ، وعلى ظاهره جماعة من الناس ، والإيمان الهدى ، وما يثبت في القلوب من صفة الإسلام ، وما ظهر من العمل به ، والإيمان أرفع من الإسلام بدرجة ... ». (الكافي 2 : 25). أقول : ويشير إلى هذا الفرق قوله تعالى : { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا } {الحجرات/14} . 2 ـ في الكافي عن الإمام الباقر (عليه السلام) في حديث : « و الإسلام ما ظهر من قول أو فعل ، وهو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلّها ، وبه حقنت الدماء ، وعليه جرت المواريث ، وجاز النكاح ، واجتمعوا على الصلاة والزكاة والحجّ والصوم ، فخرجوا بذلك عن الكفر ، وأُضيفوا إلى الإيمان ». 3 ـ في حديث عن الصادق (عليه السلام) ، رواه الكافي عن عبد الرحيم القصير قال كتبت مع عبد الملك بن أعين إلى أبي عبد الله (عليه السلام) أسأله عن الإيمان ما هو؟ فكتب إليّ مع عبد الملك بن أعين : « سألت ـ رحمك الله ـ عن الإيمان ، والإيمان هو الإقرار باللسان ، وعقد في القلب ، وعمل بالأركان ، والإيمان بعضه من بعض ، وهو دار ، وكذلك الإسلام دار ، والكفر دار ، فقد يكون العبد مسلماً قبل أن يكون مؤمناً ، ولا يكون يكون مؤمناً حتّى يكون مسلماً ، فالإسلام قبل الإيمان ، وهو يشارك الإيمان ، فإذا أتى العبد كبيرة من كبائر المعاصي ، أو صغيرة من صغائر المعاصي التي نهى الله عزّوجلّ عنها كان خارجاً من الإيمان ، ساقطاً عنه اسم الإيمان ، ثابتاً عليه اسم الإسلام ، فإن تاب واستغفر عاد إلى الإيمان ، ولا يخرجه إلى الكفر إلاّ الجحود والاستحلال أن يقول : للحلال هذا حرام ، وللحرام هذا حلال ، ودان بذلك ، فعندها يكون خارجاً عن الإسلام والإيمان ، داخلاً في الكفر ». 4 ـ أبواب مقدمة العبادات من كتاب وسائل الشيعة روى زراة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : « لو أنّ العباد إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا ، لم يكفروا ». 5 ـ روى محمّد بن مسلم قال كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) جالساً عن يساره ، وزرارة عن يمينه ، فدخل أبو بصير فقال يا أبا عبد الله : ما تقول فيمن شكّ في الله ؟ فقال : « كافر ، يا أبا محمّد ». قال : فشكّ في رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟ فقال : « كافر ». ثمّ التفت إلى زرارة فقال : « إنّما يكفر إذا جحد ». 6 ـ رواية سفيان بن السمط سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الإسلام والإيمان ما الفرق بينهما؟ إلى أن قال (عليه السلام) : فقال : « الإسلام هو الظاهر الذي عليه الناس شهادة أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّداً رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وحجّ البيت ، وصيام شهر رمضان ، فهذا الإسلام » . وقال (عليه السلام) : « الإيمان معرفة هذا الأمر مع هذا ، فإن أقرّ بها ، ولم يعرف هذا الأمر كان مسلماً ، وكان ضالاً ». (الوافي باب الأوّل من أبواب تفسير الإيمان والكفر). وبقرينة هذه الروايات نحمل كلّ رواية أو نصّ من العلماء تشمل على كفر المخالف على أنّ المراد هو الكفر في مقابل الإيمان ، فإنّ الروايات تفسّر بعضها البعض الآخر ، ولابدّ من الرجوع في مجملاتها ومتشابهاتها إلى المحكمات والنصوص . نعم لوكان المخالف جاحداً للضروري من الأحكام الإلهية ، ومنكراً لما ثبت عنده بالدليل القطعي أّنّه حكم الله يكون كافراً ، ويخرج بذلك عن الإسلام ، لكن عموم المخالفين لا يجحدون الحقّ ، وإنّما أُخفي عنهم الحقّ ، ولو عرفوه لأذعنوا به. ملاحظة مهمّة : إنّ مَن يحكم على فرقة أو طائفة بأنّ عقيدتهم كذا وكذا ، فلابدّ أن يستند ذلك إلى إجماع علمائهم ، أو على الأقلّ إلى المشهور بينهم ، فلو أراد أن ينسب إلى الشافعية مثلاً : أنّهم قائلون بالجبر ، فليس من الصحيح أن يفحص عن عالم من علمائهم يقول بذلك ، ثمّ ينسب هذا القول إلى مذهبهم ، بل لو كان إجماعهم أو شهرتهم على ذلك الشخص خاصّ أو الأشخاص . فنسبة القول بتكفير أهل السنّة وبعض فرق الشيعة ليست صحيحة لمجرّد الاستناد إلى أقوال بعض العلماء أو بعض الروايات حتّى لو كان المراد بذلك الكفر الحقيقي مع أنّه ليس مرادهم ذلك ، بل مرادهم ـ كما ذكرنا ـ الكفر مقابل للإيمان الذي يجتمع مع الإسلام ، ويجري عليه جميع أحكام الإسلام . فإنّ الروايات المعتبرة الصحيحة صرحت بأنّ الكافر إنّما هو مَن ينكر الشهادتين والمعاد ، أو يجحد حكماً من الأحكام الإلهية بعد ثبوته بالأدلّة القطعية ، وهكذا فتوى الأصحاب على ذلك ، فراجع الكتب الفقهية لعلماء الشيعة.
من سماحة السيّد جعفر علم الهدى أمّا السبّ والشتم : فهو سلاح العاجز الذي ليس له حجّة وبرهان ، ودليل قاطع ، وقد قال أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (عليه السلام) : « أكره لكم أن تكونوا سبّابين » . أمّا الصحابة : فقد كان عددهم كثير لا يمكن احصاؤه . وقد قيل : إنّهم كانوا أكثر من مائة ألف صحابي ، والشيعة تحترم وتعظّم وتقدّس كلّ صحابي آمن بالله ورسوله ، وعمل صالحاً ، ولم يبدلّ ، ولم يغيّر ، ولم ينحرف بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . وترى الشيعة أنّ لهؤلاء الصحابة حقّ العظيم على المسلمين ؛ إذ لولاهم لم يقم الدين الحنيف ، ولم تصل إلينا معالمه ومعارفه وأحكامه . والمشكلة إنّما حصلت بسبب أنّ أهل السنّة وخصوصاً المعاندين منهم يدّعون أنّ الصحابة منحصرين في جماعة يعتقد الشيعة ـ ولهم أدلّة دامغة ـ على أنّهم غصبوا الخلافة ، وأرتكبوا الذنوب والمعاصي ، وأحدثوا بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وغيّروا أحكام القرآن ، وبدّلوا سنّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، وقد ورد في الروايات الصحيحة المتواجدة في صحيح البخاري ومسلم وغيره . قول النبيّ (صلّى الله عليه وآله) : « إني فرط لكم ، ولأنازعنّ أقواماً ، فليذادنّ عنّي ، فأقول : ياربّ أصحابي أصحابي . فيقال : لا تدري ما أحدوثوا بعدك ». والشيعة تتبرأ من أمثال هؤلاء ، ولكن المغرضين يتّهمون الشيعة بأنّهم يسبّون الصحابة ، فكأنّ غير هؤلاء ــ الذين ظلموا وغيّروا ، وبدّلوا وأحدثوا بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وانقلبوا على أعقابهم كما تصرح الآية الكريمة : { أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ } {آل عمران/144} . ــ ليسوا صحابة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، أوليس أمير المؤمنين علي (عليه السلام) ، والحسن (عليه السلام) ، والحسين (عليه السلام) ، وفاطمة الزهراء (عليها السلام) من الصحابة ؟ والحال إنّ الشيعة تقدّسهم وتعظمّهم وتعتقد بعصمتهم بنصّ القرآن الكريم : { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } {الأحزاب/33}. أوليس سلمان ، والمقداد ، وأبو ذرّ ، ، وعمّار بن ياسر ، ، وحمزة سيّد الشهداء ، وجعفر الطيّار ، وزيد بن حارثة ، ومصعب بن عمير ، وعبد الله بن رواحة ، وحنظلة غسيل الملائكة ، وأبو دُجانة الأنصاري ، وأبو أيّوب الأنصاري ، وخزيمة بن ثابت ، وابن التيهان ، وأُبيّ بن كعب ، وعبد الله بن مسعود ، وأبو سعيد الخدري ، وسعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة ، وقيس بن سعد ، وجابر بن عبد الله الأنصاري ، وأمثالهم من الصحابة ؟ نعم الشيعة تحبّ وتعظّم وتقدّس كلّ صحابي مؤمن ملتزم قد عمل الصالحات ، ووفّى لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) بحقّ الصحبة . أمّا مَن تلبّس بالظلم والمعصية والفسق ، فليس له قدّسية الصحابي ، ولا يغني عنه كون صحابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، كما قال الله تعالى : { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ } {التحريم/10}.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: المنام لا يكون حجّة عقلاً ولا يمكن إثبات وجود الله تعالى بما يراه النائم في المنام ، إذ لا يكون موجباً للقطع والجزم ، فإنّ كلّ ما يراه الإنسان في نومه يكون خيالياً وقد لا يكون له واقع أصلاً ، فإذا رأى الإمام مثلاً في المنام أو رأى ملكاً فلا دليل عنده على صحّة ذلك ، فقد لا يكون مَن رآه إماماً أو ملكاً واقعاً كما أنّه حتّى لو كان ملكاً أو إماماً وأمره بأن يعتقد بوجود الله تعالى ، فمن أين يثبت حجّية قوله ؟ مع أنّ الإمام هو مَن نصبه الله تعالى للإمامة وصار قوله حجّة بسبب الإعتقاد بوجود الله ، وكذلك الملك هو مرسَل من قبل الله تعالى فلا بدّ قبل ذلك من الإعتقاد بالله ليحصل الإعتقاد بصحّة قول الإمام أو الملك ، فكيف يثبت وجود الله تعالى بقول الملك أو الإمام ؟ وهل هذا إلّا دور مستحيل ؟!
من سماحة السيّد جعفر علم الهدى للمزيد راجع كتاب نفس المهموم للمحدّث الشيخ عبّاس القمّي ، ونحن نذكر نماذج من كلامهم (عليهم السلام) حول هذه الفاجعة الكبرى ، وبعض ما جرى فيها . 1 ـ قال الإمام الحسين (عليه السلام) : « أنا قتيل العبرة ، قتلت مكروباً ، وحقيق على الله تعالى أن لا يأتيني مكروب إلاّ ردّه الله أو أقلبه إلى أهله مسروراً ». 2 ـ عن الرضا (عليه السلام) في حديث : « إنّ يوم الحسين أقرح جفوننا ، وأسبل دموعنا ، وأذلّ عزيزنا ، وأورثنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء ، فعلى مثل الحسين فليبك الباكون ، فإن البكاء عليه يحط الذنوب العظام » . 3 ـ عن محمّد بن مسلم قال سمعت أبا جعفر وجعفر بن محمّد (عليهما السلام) يقولان : « إنّ الله تعالى عوّض الحسين (عليه السلام) عن قتله أن جعلة الإمامة في ذرّيته ، والشفاء في تربته ، وإجابة الدعاء عند قبره ». 4 ـ عن الرضا (عليه السلام) قال : « يا بن شبيب إن كنت باكياً لشيء فابك للحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، فإنه ذُبح كما يُذبح الكبش ، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً ما لهم شبيهون في الأرض ». 5 ـ عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال : « رحمَ اللهُ عمّيَ العبّاس ، فلقدْ آثرَ وأبلى وفدى أخاهُ بنفسهِ ؛ حتى قُطِعَتْ يداهُ ، فأبدلهُ اللهُ عزّوجلّ بهما جناحَينِ يطيرُ بهما معَ الملائكةِ في الجنّة ؛كما جعل لجعفرِ بنُ أبي طالب ؛ وإنّ للعبّاسِ عندَ اللهِ تباركَ وتعالى منزلةً يغبطهُ بها جميعُ الشّهداءِ يومَ القيامة ». 6 ـ عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : « أصبحت يوماً أُمّ سلمة (رضي الله عنها) تبكي . فقيل لها : مم بكاؤك ؟ فقالت : لقد قتل ابني الحسين الليلة ، وذلك أنني مارأيت رسول الله منذ مضى إلاّ الليلة ، فرأيته شاحباً كئيباً . فقالت : قلت : مالي أراك يا رسول الله شاحباً كئيباً ؟ قال : " مازالت الليلة أحفر القبور للحسين وأصحابه " ». 7 ـ عن الإمام الحسن السبط (عليه السلام) قال للحسين (عليه السلام) : « ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله ، يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل يدّعون أنّهم من أُمّة جدّنا محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، وينتحلون دين الإسلام ، فيجتمعون على قتلك وسفك دمك ، وانتهاك حرمتك ، وسبي ذراريك ونسائك ، وانتهاب ثقلك ، فعندها تحلّ ببني أميّة اللعنة ، تمطر السماء رماداً ودماً ، ويبكي عليك كلّ شيء ، حتّى الوحوش في الفلوات ، والحيتان في البحار ». 8 ـ عن الصادق (عليه السلام) قال في حديث : « ولقد شققن الجيوب الفاطميات ، ولطمن الخدود على الحسين بن علي (عليهما السلام) ، وعلى مثله تلطم الخدود ، وتشقّ الجيوب ». 9 ـ روى البرقي : « إنّه لمّا قتل الحسين بن علي (عليهما السلام) لبس نساء بني هاشم السواد والمسوح ، وكن لا يشتكين من حرّ ولا برد ، وكان علي بن الحسين يعمل لهنّ الطعام للمآتم ». 10 ـ عن الصادق (عليه السلام) قال : « ما اكتحلت هاشمية ، ولا اختضبت ، ولا رؤي في دار هاشمي دخان خمس حجج حتّى قتل عبيد الله بن زياد (لعنه الله تعالى) ».
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: يظهر من الروايات الكثيرة الواردة من طرق الفريقين أنّ حادثة الكساء وقعت مرّات عديدة ، وتكرّر نزول الآية الشريفة : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (١). ولا ما نع من ذلك ، لأنّ الله تعالى أراد أن يهتّم النبيّ صلّى الله عليه وآله بالنسبة لأهل بيته ، وبيّن للناس فضائلهم وعصمتهم كراراً ومراراً ؛ فتارة نزلت الآية حينما جمع رسول الله صلّى الله عليه وآله أهل بيته تحت مرط مرّحل ، والظاهر أنّه كان في بيت عائشة لأنّها هي التي روت ذلك ، وأُخرى نزلت الآية حينما جمع رسول الله صلّى الله عليه وآله أهل البيت عليهم السلام تحت كساء في بيت أمّ سلمة ، وثالثة نزلت الآية في بيت فاطمة عليها السلام كما ورد في دعاء حديث الكساء. ويؤيّده بعض روايات أهل السنّة. وورد أيضاً أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله كان يقف كلّ صباح على باب بيت فاطمة الزهراء عليها السلام إلى ستّة أشهر ، وقيل إلى تسعة أشهر ، وهو يقول : « الصلاة الصلاة ، ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) » (٢) ؛ كلّ ذلك لأجل أن يذكّر الناس بعصمة أهل بيته ، ويشير إلى فضائلهم ومناقبهم ووجوب طاعتهم ومودّتهم. وإليك بعض الروايات : ١ : روى الثعلبي في تفسيره بالاسناد عن أمّ سلمة أنّ النبيّ (ص) كان في بيتها ، فأتته فاطمة ببرمة فيها جرير. فقال لها (ص) : « ادعي زوجك وابنيك » ، فجاء بهم فطعموا ، ثمّ ألقى عليهم كساء خيبريّاً وقال : « اللهم هؤلاء أهل بيتي وعترتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً » . فقلت : يارسول الله وأنا معهم قال إِنك إِلى خير » . ثمّ قالت : فأنزل الله تعالى : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) . (٣) ٢ : قال مجمع : دخلت مع أُمّي على عائشة فسألَتْها أُمّي أرأيت خروجك يوم الجمل قالت إنّه كان قدراً من الله فسألتها عن عليّ عليه السلام فقالت تسأليني عن أحبّ الناس كان إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وزوج أحبّ الناس كان إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم لقد رأيت عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً (ع) قد جمع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم بثوب عليهم ثمّ قال اللّهمَّ هؤلاء أهل بيتي وحامتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً فقلت يا رسول الله [ صلّى الله عليه وآله ] أنا من أهلك قال تنحّي فإنّك إلى خير. (٤) ٣ : في علل الشرائع بسنده عن أبى عبد الله عليه السلام قال : « لما منع أبو بكر فاطمة عليها السلام فدكاً ، وأخرج وكيلها جاء أمير المؤمنين عليه السلام إلى المسجد وأبو بكر جالس وحوله المهاجرون والأنصار فقال : يا أبا بكر لم منعت فاطمة عليها السلام ما جعله رسول الله صلّى الله عليه وآله لها ووكيلها فيه منذ سنين ؟ فقال أبو بكر : هذا فيء للمسلمين فإن أتت بشهد عدول وإلّا فلا حقّ لها فيه قال يا أبا بكر تحكم فينا بخلاف ما تحكم في المسلمين ؟ قال لا قال أخبرني لو كان في يد المسلمين شيء فادعيت أنا فيه ممّن كنت تسأل البيّنة ؟ قال إيّاك كنت أسأل قال فإذا كان في يدي شيء فادّعى فيه المسلمون تسألني فيه البيّنة ؟ قال فسكت أبو بكر ، فقال عمر هذا فيء للمسلمين ولسنا من خصومتك في شيء ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام لأبى بكر يا أبا بكر تقرأ بالقرآن ؟ قال بلى ، قال فأخبرنى عن قول الله عزّ وجلّ : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) . أفينا أو في غيرنا نزلت ؟ قال فيكم ، قال فأخبرنى لو أنّ شاهدين من المسلمين شهدا على فاطمة عليها السلام بفاحشة ما كنت صانعاً ؟ قال كنت أقيم عليها الحدّ كما أقيم على نساء المسلمين ، قال كنت إذاً عند الله من الكافرين قال ولم ؟ قال لأنّك كنت تردّ شهادة الله وتقبل شهادة غيره لأنّ الله عزّ وجلّ قد شهد لها بالطهارة فإذا رددت شهادة الله وقبلت شهادة غيره كنت عند الله من الكافرين ... » . (٥) ويظهر من الروايات أنّ الآية لمّا نزلت لم تكن زينب سلام الله عليها متولّدة ، وإلّا كانت الزهراء عليها السلام تأتي بها تحت الكساء. وعلى كلّ حال فيشهد بعصمة زينب سلام الله عليها أقوال الأئمّة عليهم السلام فيها ، خصوصاً قول الإمام زين العابدين عليه السلام : « يا عمّة ... وأنتِ بحمد الله عالمة غير معلّمة ، فهمة غير مفهّمة » (٦) . فإنّ العصمة من آثار العلم الكامل بعظمة الخالق وقبح المعاصي كما لا يخفى على المتأمّل. الهوامش ١. الأحزاب : ٣٣. ٢. الدرّ المنثور / المجلّد : ١٢ / الصفحة : ٤٤ / الناشر : مركز هجر للبحوث والدراسات العربيّة والإسلاميّة. ٣. مجمع البيان / المجلّد : ٤ / الصفحة : ٣٥٧ / الناشر : منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي ـ قم. الكشف والبيان / المجلّد : ٨ / الصفحة : ٤٢ ـ ٤٣ / الناشر : دار إحياء التراث العربي ـ بيروت. ٤. مجمع البيان / المجلّد : ٤ / الصفحة : 357 / الناشر : منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي ـ قم. ٥. علل الشرايع / الصفحة : ١٩١ / الناشر : مكتبة الحيدريّة ـ نجف. ٦. بحار الأنوار / المجلّد : ٤٥ / الصفحة : ١٦٤ / الناشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: أنّ الآية الكريمة تذمّ أبو بكر لحزنه ومحاولة النبيّ تهدئته ؟ صفة الحزن التي اتّصف بها أبو بكر الصدّيق في الآية لم تذكر في القرآن كلّه إلّا على المؤمنين فقط ، ولم تأتي لمنافق أو كافر ، إليك الأدلّة : قال تعالى : ( وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) [ آل عمران : 139 ] . قال تعالى : ( إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ ... ) [ آل عمران : 153 ] . قال تعالى : ( لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ) [ الحجر : 88 ] . قال تعالى : ( وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ) [ النحل : 127 ] . قال تعالى : ( فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ) [ مريم : 24 ] . قال تعالى : ( إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ ) [ طه : 40 ] . قال تعالى : ( وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ) [ النمل : 70 ] . قال تعالى : ( وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) [ القصص : 7 ] . قال تعالى : ( فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) [ القصص : 13 ] . قال تعالى : ( وَلَمَّا أَن جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ) [ العنكبوت : 33 ] . قال تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) [ فصلت : 30 ] . قال تعالى : ( وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) [ آل عمران : 176 ] . قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ) [ المائدة : 41 ] . قال تعالى : ( وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) [ يونس : 65 ] . قال تعالى : ( يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) [ الأنبياء : 103 ] . قال تعالى : ( وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) [ لقمان : 23 ] . قال تعالى : ( فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ) [ يس : 76 ] . من خلال كلّ هذه الآيات نرى أنّ النهي عن الحزن تأتي في مقام المواساة ، و لا تأتي إلّا للخير. فهي تقال للحزين المؤمن على خير فاته أو يخشى أن يفوته ، وهي تقال للمؤمن فقط ، و لا تقال للكافر أو العاصى. ومن هنا يثبت أنّ الحزن كان خشية أبا بكر على خير يفوته بعثور الكفّار عليهما ، أيّ أنّ الخير الذي يفوته هو الرسول ؛ لأنّنا أثبتنا أنّ الحزن يكون على خير يفوت الإنسان أو يخشى أن يفوته ، ولو كان يخشى على نفسه فقط لسمّي خوف ، ونتحدّى أن تأتوا من كتاب الله العظيم كلّه بآية واحدة في مقام النهي عن الحزن ، وتكون موجّهة إلى كافر بل كلّ النهي عن الحزن في القرآن موجّه للأنبياء والصالحين ، ومنهم سيّدنا محمّد ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ ، فهل نهي الله له في مقام الذمّ ؟! أوّلاً : إنّ خروج صاحبه معه لم يكن لموعد اتّفقا عليه ، بل أكثر المؤرّخين يقولون بأنّه حينما خرج النبيّ صلّى الله عليه وآله لقي أبا بكر في الطريق فخشي أن يدلّ عليه تحت ضغط المشركين ، فأخذه معه ، فكان خروجه صدفة. في الدرّ المنثور في قوله تعالى : ( إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ ... ) وأخرج ابنُ مردويه ، وأبو نعيم في « الدلائل » ، عن ابن عبّاس قال : لمّا خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الليل فلحق بغار ثور ، قال : وتبعه أبو بكر ، فلمّا سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حِسّه خلفَه خاف أن يكونَ الطَّلَبَ ، فلمّا رأى ذلك أبو بكر تنحنَحَ ، فلمّا سمع ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عرفه ، فقام له حتّى تبعه فأتيا الغار ... . (1) وهذا صريح في أنّ أبا بكر صحب النبيّ صلّى الله عليه وآله ـ على تقدير صحّته ـ اتّفاقاً وصدفة ، فما وجه الفضل في ذلك ، خصوصاً إذا كان النبيّ صلّى الله عليه وآله قد أخذه لكي لا يخبر المشركين بموضعه وهجرته. وأمّا قوله تعالى : ( إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ ) (2) ، فلا يدلّ على فضيلة لأبي بكر ؛ لأنّ كثير من الناس لم يخرجوا مع النبيّ صلّى الله عليه وآله ؛ فإنّ المسلمين الباقين في مكّة كانوا كثيرين ، والإمام علي عيله السلام بقي في مكّة ، وبات على فراش النبيّ صلّى الله عليه وآله بأمر من النبيّ صلّى الله عليه وآله ، فمجرّد خروج أبي بكر لم يكن فضيلة ، بل هو كسائر المهاجرين . ثانياً : هناك شكوك حول تواجد أبي بكر بن قحافة مع النبيّ صلّى الله عليه وآله في الغار ، وقد ألّف بعض المحقّقين كتاباً نفى فيه أن يكون صاحب الغار أبا بكر ، فراجعه : « صاحب الغار أبو بكر أم رجل آخر ؟ ». ثالثاً : إنّ المراد من الحزن في الآية الشريفة : « الخوف » كما ذكره المفسّرون ، والخوف قبيح على كلّ حال ، إلّا إذا كان خوفاً على حياة النبيّ صلّى الله عليه وآله ، ولكن هذا الخوف يدلّ على عدم الاعتقاد الكامل بقدرة الله تعالى وحكمته حيث أنّه كان يحتمل أنّ الله تعالى يسلّط أعداءه على نبيّه صلّى الله عليه وآله في ابتداء دعوته ، فيكون ذلك نقضاً للغرض ، ولا يصدر من الحكيم تعالى. ففي تفسير مجمع البيان : ( لَا تَحْزَنْ ) أيّ : لا تخف. (3) وهكذا في تفسير الصافي قال : ( لَا تَحْزَنْ ) لا تخف ، ( إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) بالعصمة والمعونة. (4) وفي الكافي عن الباقر عليه السلام : إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله أقبل يقول لأبي بكر في الغار : اسكن فإنّ الله معنا وقد أخذته الرَّعدة ، وهو لا يسكن فلمّا رأى رسول الله صلّى الله عليه وآله حاله قال له : تريد أن اُريك أصحابي من الأنصار في مجالسهم يتحدَّثون فاُريك جعفراً وأصحابه في البحر يغوصون ؟ قال : نعم ، فمسح رسول الله صلّى الله عليه وآله بيده على وجهه فنظر إلى الأنصار يتحدَّثون ونظر إلى جعفر (ع) وأصحابه في البحر يغوصون فأضمر تلك السّاعة أنّه ساحرٌ. (5) وفي تفسير الميزان : أيّ لا تحزن خوفاً ممّا تشاهده من الوحدة والغربة وفقد الناصر وتظاهر الأعداء. (6) وأمّا الآيات الشريفة فبعضها فيه ذمّ أيضاً حيث إنّ الحزن كان لأجل الخوف ، ولا مانع أن يذمّ الله المسلمين ، بل حتّى المؤمنين ؛ لأنّهم غير المعصومين. فقوله : ( وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) (7) ، صريح في ذمّهم ونهيهم عن الوهن والضعف والخوف من الأعداء ، والآية تدلّ على أنّ من شأن المؤمن أن لا يرى نفسه ضعيفاً ، ولا يحزن خوفاً من العدوّ الكافر. وهكذا قوله تعالى : ( لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ ... ) (8) ، فإنّ ابتلاءهم بغمّ آخر لكي لا يحزنوا يدلّ على أنّ الحزن في المقام أمر مذموم ومبغوض لله تعالى ، خصوصاً أنّ الحزن كان لأجل فوت الغنيمة. ففي تفسير الدرّ المنثور : فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : « مهلاً فإنّما أصابكم الذي أصابكم من أجلِ أنكم عَصيتُموني ». فبينما هم كذلك ، إذ أتاهمُ القومُ وقد أَيِسوا ، وقد أخترطوا سيوفَهم ، ( فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ ) . فكان غمُّ الهزيمةِ وغمُّهم حين أَتَوهم ؛ ( لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ ... ) من الغنيمةِ ، ( وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ) من القتل والجراحة. (9) وأمّا قوله : ( وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ) (10) ، فليس نهياً مولوياً متوجّهاً إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله ، بل بقرينة قوله : ( لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ... ) يظهر أنّ الخطاب متوجّه إلى المسلمين. وأمّا النبيّ صلّى الله عليه وآله فهو معصوم لا يحتمل في حقّه أن يمدّ عينيه إلى أزواج الناس ، وأن يحزن لحسد أو غيره ، فيكون من قبيل قوله تعالى : ( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) . فإنّ كثيراً من خطابات القرآن يكون من قبيل : « إيّاك أعني واسمعي ياجارة ». الهوامش 1. الدر المنثور في التفسير بالمأثور « للسيوطي » / المجلّد : 7 / الصفحة : 365 / الناشر : مركز هجر للبحوث والدراسات العربيّة والإسلاميّة. 2. التوبة : 40. 3. مجمع البيان لعلوم القرآن « للطبرسي » / المجلّد : 5 / الصفحة : 61 / الناشر : رابطة الثقافة والعلاقات الإسلاميّة. 4. تفسير الصافي « للفيض الكاشاني » / المجلّد : 2 / الصفحة : 344 / الناشر : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت / الطبعة : 2. 5. الكافي « للكليني » / المجلّد : 8 / الصفحة : 262 ـ 263 / الناشر : دار الكتبة الإسلاميّة / الطبعة : 4. 6. الميزان في تفسير القرآن « للطباطبائي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 279 / الناشر : مؤسسة مطبوعاتي اسماعيليان ـ قم / الطبعة : 2. 7. آل عمران : 139. 8. آل عمران : 153. 9. الدر المنثور في التفسير بالمأثور « للسيوطي » / المجلّد : 4 / الصفحة : 74 / الناشر : مركز هجر للبحوث والدراسات العربيّة والإسلاميّة. 10. الزمر : 65.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: الجواب ١ : لو كان العالم المادّي يحتوي على وجود الله تعالى ، أو فقل : لو كان الله تعالى موجوداً في السماء أو الأرض لكان موجباً لمحدوديّة الله تعالى ؛ لأنّ ما يشتمل عليه المحدود محدود. لكن وجود الله يختلف عن وجود الممكنات ، وليس لله تعالى مكان ولا زمان ، بل هو خالق المكان والزمان ، وفوق كلّ شيء ، ولا يمكن أن يكون محدوداً بالزمان أو المكان أو بشيء من الجهات والحدود ؛ لأنّ الحدّ نقص ، والله تعالى كامل من جميع الجهات. ولا يوجب التمييز بين الله تعالى ومخلوقاته محدوديّة الله تعالى ؛ لأنّ التمييز بين المحدودات يكون بالحدود ، ولكن التمييز بين الله ومخلوقاته إنّما هو بكونه واجب الوجود ومعطي الوجود ، وسائر المخلوقات تكون ممكنة الوجود ، وهذا المايز لا يستلزم أن يكون الواجب محدوداً ، بل وجوب وجوده يستلزم كماله من جميع الجهات. وبالنتيجة : يستلزم عدم محدويّته ؛ لأنّ المحدوديّة تقتضي سلب الوجود ولو من جهة من الجهات ، والمفروض أنّ واجب الوجود يكون الوجود ضروريّاً له ، ولا يمكن سلب الوجود عنه. الجواب ٢ : تجرّد الروح معناه استغناؤه عن المحلّ في مقابل المادّة التي تحتاج لأجل كثافتها وعد تجرّدها إلى المحلّ ، ولكن الروح مع تجرّدها تكون حادثة ، وتحتاج في وجودها إلى الخالق ، بخلاف واجب الوجود ؛ فإنّه قديم بالذات ، ولا يحتاج إلى موجد ، بل الوجود ذاتي له ، بل ذاته الوجود.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: كان خروج الإمام الحسين عليه السلام من المدينة إلى كربلاء لأجل الإصلاح وحفظ الإسلام وإبقائه ، كما صرّح بذلك حيث قال : « وأنّي لم أخرج أشَراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنَّما خرجت لطلب الاصلاح في اُمّة جدِّي صلّى الله عليه وآله اُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدِّي وأبي عليّ بن أبي طالب » (1). وكان عليه السلام يقرأ هذه الأبيات في طريقه إلى كربلاء : سأمضي وما بالموت عار على الفتى اذا ما نوى حقّاً وجاهد مسلما وواسى الرجال الصالحين بنفسه وفارق مثبوراً وخالف مجرما فان عشت لم اندم وان مت لم الم كفى بك موتاً ان تذل وترغما (2) فالحسين عليه السلام ثار ضدّ الكفر والظلم والفساد والطغيان ، وأعطى للأُمّة الإسلاميّة دروس التضحية والفداء وإباء الظلم والجهاد في سبيل الله عزّ وجلّ. الهوامش 1. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 44 / الصفحة : 329 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. راجع : تسلية المجالس وزينة المجالس « للسيد محمد بن أبي طالب » / المجلّد : 2 / الصفحة : 160 / الناشر : مؤسسة المعارف الإسلامية / الطبعة : 1. مقتل الحسين عليه السلام « لعبد الرزاق المقرم » / الصفحة : 139 / الناشر : مؤسسة الخرسان للمطبوعات. 2. كامل الزيارات « لابن قولويه » / الصفحة : 194 / الناشر : مؤسسة نشر الفقاهة / الطبعة : 1.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: أوّلاً : أغلب ما يذكر بالنسبة لتفسير الأحلام في الكتب ـ سواء كان عن ابن سيرين أو غيره ـ لا يطمأنّ بصحّته بل هي أُمور ذوقيّة تتبع فهم الإنسان للآيات والروايات أو للظروف والحالات والصفات العارضة على الأشياء. وبما أنّ مفسّر الأحلام غير معصوم فاحتمال الخطأ موجود في فهمه وتفسيره ، نعم لو سمعت التفسير للحلم من الإمام المعصوم عليه السلام من غير واسطة كان ذلك حجّة وصحيحاً 100 %. ثانياً : لم يثبت أنّ ابن سيرين من تلامذة الإمام الصادق عليه السلام حيث لم يذكر علماء الرجال أمثال الشيخ الطوسي والنجاشي وغيرهما أنّه من أصحاب الصادق عليه السلام. وعلى فرض كونه من تلامذة الإمام الصادق عليه السلام ليس كلّما يقوله في مجال تفسير الأحلام مأخوذاً ومنسوباً إلى الإمام الصادق عليه السلام. وبعبارة أُخرى ليس تفسيره للأحلام من باب الرواية عن المعصوم بل قد يكون يكون إجتهاداً من نفسه وهو كما يظهر من حاله يعدّ من أهل الخبرة والإطّلاع في هذا الفنّ إلّا أنّ ذلك لا يوجب الجزم بصحّة ما يقول ، لإحتمال طروء الخطأ والإشتباه في فهمه. ثالثاً : الكتاب المنسوب إلى ابن سيرين لم يثبت صدوره منه. رابعاً : لا ينافي في تفسير الحلم بالفقر مثلاً مع كون الله تعالى هو مقسّم الرزق ، لأنّ التفسير يكشف ـ على تقدير صحّته ـ إنّ الله تعالى قدّر له الفقر.
من سماحة السيّد جعفر علم الهدی لا ندري من أين جاءت هذه التسمية مع أنّ اتباع الخلفاء لا يصحّ أن يقال عنهم : أنّهم أهل السنّة ؛ لأنّ إمامهم وخليفتهم كان لا يعترف بالسنّة النبوّية ، وكان ينادي بأعلى صوته : « حسبنا كتاب الله » . وقد أمر الخلفاء بإحراق ما كتبه الصحابة من الأحاديث النبوّية ، ومنعوهم من الحديث ، ولذا ضاعت سنّة النبيّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله) ، واضطر الفقهاء إلى إعمال الاجتهاد والقياس والرأي والاستحسان لأجل استنباط الأحكام الشرعية بعد ضياع الأحاديث النبوّية . بل كان الخلفاء واتباعهم يقدّمون الاجتهاد على النصّ ، ويتركون السنّة النبوّية الشريفة ، ويعملون بالاجتهاد في مقابل النصّ . فراجع كتاب " الاجتهاد والنصّ " للسيّد شرف الدين ، وراجع كتاب " أضواء على السنّة النبوّية " ، وكتاب " وركبت السفينة " . ونذكر بعض النصوص من طرق أهل السنّة : 1 ـ روى البخاري عن ابن عبّاس قال : لمّا حضر النبيّ (ص) (أيّ : أحتضر) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطّاب قال (ص) : « هلّم أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده » . قال عمر : إنّ النبيّ (ص) غلبه الوجع ، وعندكم كتاب الله ، فحسبنا كتاب الله ... . (البخاري ، كتاب العلم ، باب العلم ، ج1 ، ص22) . 2 ـ روى الذهبي أنّ أبا بكر جمع عند وفاة نبيّهم فقال : إنّكم تحدّثون عن رسول الله (ص) أحاديث تختلفون فيها ، والناس بعدكم أشدّ اختلافاً ، فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً ، فمَن سالكم فقولوا : بيننا وبينكم كتاب الله ، فاستحلّوا حلاله ، وحرّموا حرامه . (تذكرة الحفّاظ للذهبي ، ترجمة أبي بكر ، ج1 ، ص 2 ). 3 ـ وروى عن قرظة بن كعب أنّه قال : لمّا سيّرنا عمر إلى العراق ، مشى معنا عمر إلى صرار ، ثمّ قال : أتدرون لم شيّعتكم ؟ قلنا : أردت أن تشيّعنا وتكرمنا . قال : إنّ مع ذلك لحاجة ، إنّكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل ، فلا تصدّوهم بالأحاديث عن رسول الله ، وأنّا شريككم . قال قرظة : فما حدّثت بعده حديثاً عن رسول الله (ص). وفي رواية أُخرى : فلمّا قدم قرظة بن كعب . قالوا : حدّثنا . فقال : نهانا عمر (تذكرة الحفّاظ 1 : 4 ـ 5 ). 4 ـ ورواى الذهبي : إنّ عمر حبس ثلاثة : (ابن مسعود ، وأبا الدرداء ، وأبا مسعود الأنصاري) . فقال : أكثرتم الحديث عن رسول الله (ص) . (تذكرة الحفّاظ للذهبي 1 : 7 ، في ترجمة عمر). 5 ـ قال عثمان وهو على المنبر : لايحلّ لأحد يروي حديثاً لم يسمع به في عهد أبي بكر ، ولا في عهد عمر . (منتخب الكنزل بهامش مسند أحمد 4 : 64 ). 6 ـ في طبقاب ابن سعد : إنّ الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطّاب ، فأنشد الناس أن يأتوه بها ، فلمّا أتوه بها ، أمر بتحريقها . (طبقاب ابن سعد 5 : 140). 7 ـ يظهر من بعض الأحاديث أنّ الحزب القرشي منعوا كتابة حديث الرسول حتّى في زمان صحّة النبيّ (صلّی الله عليه وآله) . قال عبد الله بن عمرو بن العاص : كنت أكتب كلّ شيء أسمعه من رسول الله (ص) ، فنهتني قريش وقالوا : تكتب كلّ شيء سمعته من رسول الله (ص) ، ورسول الله بشر يتكّلم في الغب والرضا ؟! فأمسكت عن الكتابة ، فذكرت ذلك لرسول الله (ص) ، فأومأ بأصبعه إلى فيه ، وقال : « أكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلاّ الحقّ » (سنن الدارمي 1 : 125) . 8 ـ وروى المدائني في كتاب الأحداث وقال : كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عامّ الجماعة أن برئت الذمّة ممّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته ، وكان أشدّ بلا حينئذٍ أهل الكوفة . (رواه ابن أبي الحديد عنه في شرح النهج).