الجواب من الشيخ محمد السند: قد كتب مثلاً العلّامة المجلسي الثاني قدّس سرّه كتابين في ذلك ، أحدهما شرحاً لأسانيد ومتون أحاديث كتاب الكافي للكليني سمّاه بـ [ مرآة العقول ] ، والآخر شرح فيه أسانيد ومتون أحاديث كتاب التهذيب للشيخ الطوسي سمّاه بـ [ مهذب الأخيار ]. وكذلك كتب والده المجلسي الأوّل قدّس سرّه كتاباً شرح فيه أسانيد ومتون أحاديث كتاب من لا يحضره الفقيه للصدوق سمّاه بـ [ روضة المتّقين ]. وكذلك كتب كتاباً آخر باللغة الفارسية ، وقد بيّن في تلك الكتب الطرق الضعيفة من الصحيحة ، والأحاديث المعتبرة من الأحاديث المردودة. وكذلك كتب آخرون كالسيّد نعمة الله الجزائري ، وغيره من العلماء المحدّثون كتباً شرحوا فيها كتب الحديث اسانيداً ومتوناً ، الصحيح منها والضعيف المقبول منها من غيره . ككتاب البحار أيضاً. وأمّا كتب الفقه الاستدلالي لعلماء الإماميّة البالغة الآلاف عدداً ، وكذا كتبهم الكلامية ، فهي مليئة بالتحقيقات في أسانيد الأحاديث ومتونها ، والتمييز بين المعتبر والمقبول منها من غيره ، ناهيك بكتب الرجال وكتب شرح المشيخة المكتوبة خصيصاً للتمييز المزبور.
من سماحة السيّد علي الميلاني أوّلاً : هذا الكتاب طبع في مصر طبعات عديدة وبتحقيق علماء مصريّين من أهل السنة . وثانياً : من هذا الكتاب نسخ مخطوطة قديمة في مكتبات العالم ، منها نسخة في طهران قديمة وثمينة جداً ، وعليها ختم القاضي الأسنوي الفقيه الأصولي المؤرخ ، صاحب كتاب طبقات الشافعيّة . وثالثاً : قد نقل غير واحد من المؤرّخين المشاهير من هذا الكتاب مع نسبته إلى ابن قتيبة منهم : عمر بن فهد المكّي ، العلامة المؤرّخ الكبير ، في كتابه : ( إتحاف الورى بأخبار أم القرى ) ، وولده العلامة الشهير عز الدين عبد العزيز بن عمر بن فهد ، في كتابه : ( غاية المرام بأخبار سلطنة البلد الحرام ) ، والإمام العلامة تقي الدين محمد بن أحمد الفاسي المكي ، في كتابه : ( العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين) . ومن العلماء الأعلام الناقلين عن كتاب ( الإمامة والسياسة ) : أبو الحجاج يوسف بن محمّد البلوي الأندلسي المتوفى سنة 604 ، في كتابه : ( الألف باء ، في المحاظرات ) المذكور في : ( كشف الظنون ) وفي : ( معجم المؤلفين ) . وإليكم نصّ ما جاء في : ( العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين ) ، للإمام تقي الدين الفاسي ، المتوفّى سنة 832 ؛ فقد جاء في الجزء 6 الصفحة 72 : « 2458 ـ مسلمة بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاصي الأُموي : أمير مكة ، ذكر ولايته عليها ابن قتيبة في الإمامة والسياسة ؛ لأنّه قال : ذكروا : « إنّ مسلمة بن عبد الملك كان والياً على أهل مكة ، فبينا هو يخطب على المنبر إذ أقبل خالد بن عبد الله القسري من الشام والياً عليها ، فدخل المسجد ، فلما قضى مسلمة خطبته صعد خالد المنبر ، فلما ارتقى في الدرجة الثالثة تحت مسلمة ، أخرج طوماراً مختوماً ففضّه ، ثمّ قرأه على الناس ، فيه : " بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى أهل مكة ، أمّا بعد فإني ولّيت عليكم خالد بن عبدالله القسري ، فاسمعوا له وأطيعوا ، ولا يجعلن امرؤ على نفسه سبيلاً ، فإنّما هو القتل لا غيره ، وقد برئت الذمة من رجل آوى سعيد بن جبير ، والسلام " » . ثمّ التفت إليهم خالد فقال : « والذي يحلف به ويحجّ إليه ، لا أجده في دار أحد إلا قتلته ...ودعا مسلمة برواحله ولحق بالشام . وذكر باقي خبر سعيد بن جبير وكلاماً قبيحاً لخالد القسري في أمره ». أقول : وهذا النص موجود في الإمامة والسياسة2 / 60 بتحقيق الاستاذ علي شيري . وتلخص : إننّا نحتج على القوم بما في هذا الكتاب ؛ لكونه بشهادة علمائهم من كتب أحد مؤرّخيهم الكبار وهو ابن قتيبة الدينوري ، لكنّ احتجاجنا به لا يعني اعتقادنا بكلّ ما فيه ، كما أنّ مطالبه التي نحتجّ بها غير منحصرة به ، فهي موجودة في غيره من كتب القوم أيضا ً، وقد دأب القوم ـ عند العجز عن الجواب عن احتجاجاتنا ـ على الإنكار والتكذيب ، وعلى الاتّهام والتحريف .
من سماحة الشيخ محمّد السند في مصادر التراجم : إنّ سعد بن عبادة الخزرجي الأنصاري كان يعرف الكتابة في الجاهلية فكان يسمى بالكامل من أجل ذلك ، وكانت له صحيفة ، روى ابنه منها حديثاً . وقيل : هي صحيفة عبدالله بن أبي أوفى بعينها ، وأنّه جمع فيها طائفة من أحاديث الرسول وسننه .. واختلاف النسبة في كتب أصول الحديث ليس بالأمر الغريب ؛ فقد وقع كثيراً في الأصول الروائية ، لا سيما وأنّ الخليفة الأوّل والثاني منعا من تدوين أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسُنّته وسيرته ، ومنعهما معروف مسطور في المصادر . وهل كان المنع منطوٍ على تخوُّف السلطة من أحاديث النبي صلى الله عليه وآله ومصادمتها لمشروعية الحكم ؟ ! وقد خالفهما جمع كبير من الصحابة منهم سعد بن عبادة ، كما قد خالف سعد بيعة السقيفة للأوّل ومن بعده للثاني ، وخرج من المدينة إلى الشام ، وهناك قتل بسهم قيل إنّ الجن رمته به!! فمعهذا التعتيم من السلطة على أحاديث النبيٌ صلى الله عليه وآله وسيرته، كيف لا يقع التردّد في نسبة الأصول الروائية للصحابة ؟ ! وما هو مصير الحديث النبوي طيلة هذه الفترة المتطاولة للمنع التي قاربت القرنين وأي قدر منه حفظ ؟ !
هل هناك كتب معتبرة عند مذهب الإمامي من الدرجة الأولى غير الكتب الأربعة أم لا ؟ السؤال : من المعروف بأنّ كتب الحديث الأربعة : ( الكافي ، من لا يحضره الفقيه ، التهذيب ، والاستبصار ) هي من الكتب الإساسية التي يعتمد عليها علماء الشيعة الإمامية في البحث عن الروايات والأحاديث المروية عن الرسول الأكرم وأهل بيته عليهم أفضل الصلاة و السلام . فإذا اعتبرنا فرضاً بأنّ هذه الكتب الأربعة هي أفضل كتب الحديث ، وأنّها كتب من الدرجة الأُولى ، فهل هناك كتب أحاديث أخرى تعتبر أيضاً من الدرجة الأولى أم لا ؟ فإذا كان هناك كتب أخرى فأرجو أن تذكروا لي أسماء المؤلفين وتواريخ ولادتهم ووفاتهم . الجواب : من سماحة الشيخ محمّد السند من الكتب الأخرى المعتمدة لدى علماء الإمامية : كتاب ( مسائل علي بن جعفر ) ، وهو ابن الإمام الصادق عليه السلام أخ الامام الكاظم عليه السلام . وكتاب محاسن البرقي ، لأحمد بن محمّد بن خالد البرقي الكوفي ، من أصحاب العسكريين . وكتاب بصائر الدرجات ، لمحمّد بن الحسن الصفار ، من أصحاب الإمام العسكري . وكتاب الإمامة والتبصرة المتوفّى في الغيبة الصغرى . وكتاب تفسير القمّي ، لعلي بن إبراهيم القمّي ، المتوفّى في الغيبة الصغرى. وكتاب تفسير العياشي ، المتوفى في الغيبة الصغرى . وكتاب تفسير فرات الكوفي ، المتوفّى في الغيبة الصغرى . وكتاب كفاية الأثر في النصوص على الأئمة ، من أعلام القرن الرابع أيضاً . وغيرها كثير لا يسع المقام استقصاؤها .
من سماحة الشيخ علي الكوراني تعجبتَ لأنّك رأيت الشيعة يستدلون بما روته الصحاح الستة وغيرهما من مصادركم ، وسألت عن رأينا في كتاب الكافي ، واليك معنى المصادر المعتمدة عندنا وعندكم : يختلف معنى المصادر المعتمدة في الحديث والتفسير والتاريخ والفقه عندنا عن معناه عند إخواننا السُنّة ، فروايات مصادرنا المعتمدة وفتاواها جميعاً قابلة للبحث العلمي والاجتهاد عندنا .. ولكل رواية في هذه المصادر أو رأي أو فتوىً ، شخصيتها العلمية المستقلة ، ولا بدّ أن تخضع للبحث العلمي . أمّا إخواننا السنيون فيرون أنّ مصادرهم المعتمدة فوق البحث العلمي ؛ فصحيح البخاري عندهم كتاب معصوم ، كله صحيح من الجلد إلى الجلد ، بل أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى ، ورواياته قطعة واحدة ، فإمّا أن تأخذها وتؤمن بها كلها ، أو تتركها كلها . وبمجرد أن تحكم بضعف رواية واحدة من البخاري فإنّك ضعّفته كله ، وخرجت عن كونك سنياً .. وصرت مخالفاً للبخاري ، ولأهل السنة والجماعة ! وينتج عن هذا الفرق أنّ الباحث الشيعي يمكن أن يبحث جدياً في رواية من كتاب الكافي ، ويتوصل إلى التوقف في سندها ، أو إلى الاعتقاد بضعف سندها ، فلا يفتي بها ، ولا يضر ذلك في إيمانه وتشيعه .. بينما السني محروم من ذلك ، وإن فعل صدرت فيه فتاوى الخروج عن مذاهب أهل السنة ، وقد يتهم بالرفض ومعاداة الصحابة ! وينتج عنه أنّ الباحث إذا وجد رواية في تحريف القرآن مثلاً في البخاري فإنّ من حقّه أن يلزم السني بأنّ الاعتقاد بتحريف القرآن جزء من مذهبه ! بينما إذا وجد رواية مثلها في الكافي لا يستطيع أن يلزم الشيعي بأنّها جزء من مذهبه حتى يسأله : هل تعتقد بصحتها أم لا ؟ أو هل يعتقد مرجع تقليدك بصحتها أم لا ؟ فإن أجابه : نعم ، ألزمه بها ، وإلا فلا .
الجواب من السيّد علي الحسيني الميلاني: نعم ، نعتقد بأنّ الأئمّة عليهم السلام لم تنجّسهم الجاهليّة ، ولم تلبسهم من مدلهمّات ثيابها ، ولكن ما معنى ذلك ؟ إنّ معنى « لم تنجّسهم الجاهليّة » هو أنّه لم يكن في آبائهم مشركٌ بل كانوا كلّهم موحّدين لله عزّ وجلّ ... ، هذا بالنسبة إلى الآباء. وإنّ معنى « لم تلبسهم من مدلهمّات ثيابها » هو أنّه لم يكن في اُمّهاتهم سفاح ، فكلّهنّ كنّ طاهرات منزّهات. وقد ذكر علماؤنا أنّه يشترط في أمّهات الأئمّة كونهنّ مسلمات طاهرات منزّهات حين انعقاد النطفة في أرحامهنّ ... وقد كانت « أم فروة » كذلك ، ومن الواضح أنّ أبابكر جدّ الإمام الصّادق عليه السلام لاُمّه ، فهو ليس من آباء الإمام ، فلا ينافي كونه مشركاً من قبل عقيدتنا المذكورة في الأئمّة عليهم السلام.
الجواب من السيّد علي الحسيني الميلاني: أبوبكر جدّ الإمام الصادق عليه السلام لاُمّه ، وقد اشترط في الأئمّة أن لا يكون في آبائهم مشرك ، وهذا معنى « لم تنجسك الجاهلية بانجاسها » (1). ومعنى « ولم تلبسك المدلهمات من ثيابها » (2) أنّ ليس في أمّهاتهم سفاح ، و « أم فروة » أمّ الإمام الصّادق عليه السلام إمرأة جليلة فاضلة طاهرة منزّهة (3). الهوامش 1. تهذيب الأحكام « الشيخ الطوسي » / المجلّد : 6 / الصفحة : 114 / الناشر : دار الكتب الإسلامية / الطبعة : 4. 2. تهذيب الأحكام « الشيخ الطوسي » / المجلّد : 6 / الصفحة : 114 / الناشر : دار الكتب الإسلامية / الطبعة : 4. 3. الكافي « الشيخ الكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 472 / الناشر : دار الكتب الإسلامية / الطبعة : 5 : قال أبو عبدالله عليه السلام كان سعيد ابن المسيّب والقاسم بن محمّد بن أبي بكر وأبو خالد الكابليّ من ثقات عليِّ بن الحسين عليهما السلام قال : وكانت اُمّي ممّن آمنت واتّفقت وأحسنت والله يحبُّ المحسنين.
الجواب من الشيخ محمد السند: آزر الذي تذكره سورة الأنعام ومريم وغيرهما من السور لم يكن والداً لإبراهيم عليه السلام ، وإن أطلق عليه في حواره معه « يا أبت » ، والقرينة على ذلك : أوّلاً : كما ذكر العلّامة الطباطبائي قدّس سرّه في تفسيره : إنّ إبراهيم عليه السلام في آخر دعائه بمكّة قريب أواخر عمره الشريف أيّ بعدما هاجر إلى الأرض المقدّسة ، وولد له الأولاد ، واسكن إسماعيل وهاجر مكّة قال : ( رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ) (1) ، مع إنّ إبراهيم لما وعد أباه آزر بالمغفرة أيّ الاستغفار تبرّأ منه بعد ذلك ، لما تبين له أنّه عدوّ لله ، فلا يعود ويستغفر له في آخر عمره ، ممّا يدلّ على أنّ الوالد أخصّ من الأب في الاستعمال ، وهو يغاير آزر. (2) ثانياً : قوله تعالى : ( أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) (3) ، فاطلق ولد يعقوب على إسماعيل الأبوة مع أنّه عمّهم. وقد ورد في الحديث : « الآباء ثلاثة : أبٌ ولَّدك ، وأبٌ زوَّجك ، وأبٌ علّمك » . (4) الهوامش 1. إبراهيم : 41. 2. راجع : الميزان في تفسير القرآن « للطباطبائي » / المجلّد : 7 / الصفحة : 155 ـ 169 / الناشر : مؤسسة إسماعيليان / الطبعة : 5. راجع : الميزان في تفسير القرآن « للطباطبائي » / المجلّد : 14 / الصفحة : 57 / الناشر : مؤسسة إسماعيليان / الطبعة : 5. 3. البقرة : 133. 4. الغدير في الكتاب والسنّة والأدب « للأميني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 650 / الناشر : مركز الغدير للدراسات الإسلامية / الطبعة : 1.
الجواب من الشيخ محمد السند: بالنسبة إلى الآية فعمومها عام شامل للأصلاب والأرحام التي انتقلوا فيها ، والتقلب أيّ الانتقال فيها وأنّهم كانوا من الساجدين ، مضافاً إلى ما استفيض في الزيارات والروايات كونهم أنوار في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهّرة لم تنجّسهم الجاهليّة بأنجاسها ، ولم تلبسهم من مدلهمات ثيابها. وأمّا كون أمّهات الأئمّة أمّهات أولاد كنّ في بلاد الشرك ، فلا يستلزم كونهنّ مشركات حين حملهنّ بالأئمّة عليهم السلام ، ولا يخفى أنّ المراد من طهارة الأرحام هو خصوص النساء والأمّهات التي انتقلت نطفهم فيها ، لا آباء الأمّهات.
الجواب من السيّد مرتضى المهري: لم نجد الآية مورداً لاستشهاده عليه السلام في شيء من خطبه في نهج البلاغة ، ولكن خطبه سلام الله عليه لا تنحصر بما في النهج ، وعلى تقدير ورود ذلك في شيء من تلك الموارد ، فهو من باب التنزل والمجاراة مع الخصم ، وإلّا فمن حارب الإمام المنصوب من قبل الله تعالى على لسان نبيّه صلّى الله عليه وآله ، فهو باغٍ خارج عن الدين ، تجب مقاتلته وقتله ، ولا يعد من المسلمين فكيف بالمؤمنين. ثمّ إنّ الآية عامّة تشمل جميع المسلمين ، وللإيمان والإسلام مراتب ؛ فالإسلام بمعنى التسليم الظاهري للمجتمع الإسلامي ، هو أوّل درجة للدخول في الدين الحنيف ، وبه يحقن دمه ، ويعتبر رجلاً كسائر المسلمين ، وهناك إسلام بمعنى خاص يراد به التسليم لأمر الله تعالى . والمؤمن أيضاً ببعض درجاته يشمل كلّ المسلمين ، وهو الظاهر من أكثر الآيات التي ورد فيها هذا التعبير ، وببعض مراتبه لا ينطبق على الجميع ؛ قال تعالى : ( قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَـٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) [ الحجرات : 14 ] . وهناك مراتب عالية منه بعد ذلك . والحاصل : إنّ المراد بالمؤمنين في الآية كلّ المسلمين كما هو ظاهر هذا التعبير في أكثر الآيات المشتملة عليه.
الجواب من الشيخ حسن الجواهري: إنّ الشيعة الإماميّة يذكرون الخمس والزكاة في كتبهم الفقهيّة ورسالاتهم العمليّة على نسق واحد ، فهما واجبان شرعيّان ذكرهما الله سبحانه في كتابه الكريم وقد أكّد على الزكاة كثيراً. ولكنّنا ـ الشيعة الإماميّة ـ تبعاً للرسول الكريم الذي حصر الزكاة في تسعة أصناف : « الذهب ، الفضّة ، الإبل ، البقر ، الغنم ، الحنطة ، الشعير ، التمر ، الزبيب » ، فجعل وجوب الزكاة على هذه الأصناف فقط وجعل الزكاة مستحبّة في غيرها ، لذا فإنّ دائرة وجوب الزكاة ضيّقة عندنا ، لا أنّنا لا نهتمّ ولا نصرّ عليها. نعم ، الخمس دائرته واسعة ، لأنّه في كلّ غنيمة حصل عليها الإنسان من عمله أو حيازته أو تجارته أو غير ذلك. أمّا ابناء السُنّة فليس عندهم الخمس إلّا في غنيمة الحرب خلافاً لإطلاق الآية القرآنيّة : ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّـهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) [ الأنفال : 41 ] . وعندهم الزكاة في كلّ شيء خلافاً لما روي عن الرسول مستفيضاً ، إنّما جعل رسول الله صلّى الله عليه وآله الزكاة في تسعة أصناف « الحنطة ، الشعير ، التمر ، الزبيب ، الذهب ، الفضّة ، الإبل ، البقر ، الغنم » وعفا عمّا سوى ذلك ، فالزكاة دائرتها واسعة عند أهل السُنّة والخمس دائرته ضيقة عند أهل السُنّة ، خلافاً للقرآن والسُنّة. أمّا عند شيعة الإماميّة فالعكس هو الصحيح ، أنّ الزكاة دائرتها ضيّقة والخمس دائرته واسعة تبعاً للنصّ القرآني وسُنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله.
الجواب من الشيخ حسن الجواهري: أمّا الآية الاولى فهي أحد أدلّة وجوب الخمس في كلّ غنيمة ، أيّ من كلّ ما حصل عليه الإنسان سواء كان من أرباح تجارته أو غنيمة الحرب ، فهي عامة لكلّ ربح حصل عليه الإنسان في سنته وزاد عن المؤنة. أمّا الآية الثانية فهي آمرة بأخذ الزكاة الواجبة على الأصناف التسعة « الحنطة والشعير والتمر والزبيب والإبل والبقر والغنم والدينار الذهبي والدرهم الفضّي » ، فإنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قد خصّص الزكاة وهي الصدقة الواجبة بالأصناف التسعة وعفا عمّا سوى ذلك حسب النصوص النبويّة الكثيرة المقيّدة للآية القرآنيّة. إذن الخمس يجب على كلّ الأرباح الزائدة عن مؤنة السنة ، أمّا الزكاة فهي واجبة على الأصناف التسعة فقط بشروط ذكرها الفقهاء مثل كون الذهب والفضّة مجمداً من دون عمل ، وكون الأنعام « الإبل والبقر والغنم » ليست عاملة وترعى من نبات الأرض ، فهي غير داخلة في العمل والصرف عليها من أموال المالك. أمّا الحنطة والشعير والتمر والزبيب فهو إن وصل إلى ما يقارب « 847 » كيلو بالزراعة ففيه الزكاة. إذن ما يجب عليه الخمس غير ما يجب عليه الزكاة فلا نسخ أصلاً. والخمس هو 20 % ، والزكاة في الذهب والفضة 5/2 % ، والزكاة في الغلاّت 10/1 أو نصف العشر ، والزكاة في الأنعام مثلاً كلّ أربعين شاة ، شاة واحدة. وننصحكم بأنّ الحكم الشرعي يُستخرج من الكتاب الكريم والسُنّة النبويّة ، أمّا الاعتماد على الكتاب فقط ـ مع أنّ السنّة النبويّة شارحة للكتاب ومفسّرة له ومخصّصة للكتاب ـ لا يكون صحيحاً دائماً.
من سماحة الشيخ محمّد السند النسخ في الشرائع الإلهية ليس في أصول الدين والمعتقدات بل الأصول الكلية ثابتة ، نعم تزداد المعارف الاعتقادية من شريعة لأخرى ، لا أن يكون هناك حذف ونسخ في الاعتقادات . وأمّا الفروع فأركانها أيضاً ليس فيها نسخ ، وإن تغيرت صورة وأجزاء الفعل من شريعة لأخرى ، فالنسخ يقع في تفاصيل الفروع . هذا من جهة النسخ ، وأمّا من جهة رسالة المسيح عليه السلام فهو وإن كان من اُولي العزم ، إلا أنّ تفسير العزم في الرسل محتمل لعدة معاني : أحدها : أن تكون رسالته عامة كما هو المروي عن أهل البيت عليهم السلام . أو ثانيها : إنّ العزم بمعنى شدة العزيمة على تحمل أعباء الرسالة ، كما روي ذلك أيضاً في عيسى عليه السلام أنّهم عهد اليهم في محمّد والأوصياء من بعده والمهدي وسيرته ، فأجمع عزمهم على الإقرار بذلك . وقد يستظهر ذلك من قوله تعالى : { وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ } (آل عمران/49). وعلى أية حال ففي كلمات علماء الطائفة أنّه صلى الله عليه وآله لم يكن متعبّداً بشريعة من قبله ؛ لأنّه لم يكن تابعاً لهم ، بل هم قد أخذ عليهم المواثيق لخاتم الأنبياء كما في قوله تعالى : {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ} (آل عمران/81). وفي الخطبة القاصعة لأمير المؤمنين ما يوضح ذلك قال عليه السلام يصف النبي صلى الله عليه وآله : « ولقد قرن الله به صلى الله عليه وآله من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ، ليله ونهاره ، ولقد كنت اتبعه اتباع الفصيل أثر اُمّه ، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما ، ويأمرني بالاقتداء به ، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري » . وذيل كلامه ظاهر في ما قبل البعثة والإنذار بدين الإسلام.
الجواب من الشيخ حسن الجواهري: أ ـ ليس أصل تعدّد الزوجات معلّقاً على خوف عدم القسط في اليتامى بل إنّ نكاح النساء غير اليتامى معلق على خوف عدم القسط في نكاح اليتامى ، إذ إنّ الأقوياء من الرجال كانوا يتزوّجون النساء اليتامى طمعاً في أموالهم ، يأكلونها ثمّ لا يعدلون فيهنّ ، وربما يطلقوهن بعد أكل مالهنّ فلا يرغب بهنّ أحد ، وقد نهى القرآن عن هذه الحالة فقال : ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ) [ النساء : 10 ] . فاشفق المسلمون على أنفسهم وخافوا خوفاً شديداً حتّى أخرجوا اليتامى من ديارهم خوفاً من الإبتلاء بأموالهم والتفريط فيها. وقد سأل المسلمون النبي صلّى الله عليه وآله عن هذه الحالة الحرجة فنزلت آية : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ ... ) [ البقرة : 220 ] ، فأجاز لهم أن يؤوهم ويمسكوهم اصلاحاً لشأنهم ، ويخالطوهم فإنّهم إخوانهم ، ففرّج عنهم. إذا اتّضح ما تقدّم ، فإنّ معنى الآية ـ والله أعلم ـ : اتّقوا أمر اليتامى ولا تبدّلوا خبيث أموالكم بطيب أموالهم ، أي لا تعطوهم مالكم الروئ وتأخذوا مالهم الطيّب ، ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم حتّى إنّكم إن خفتم أن لا تقسطوا في اليتيمات ، فانكحوا نساء غيرهن. وأمّا نكاح النساء فهو جائز مثنى وثلاث ورباع سواء كان من اليتيمات مع عدم خوف عدم القسط فيهنّ أو من غيرهنّ مع خوف عدم القسط فيهنّ. ب ـ إنّ آية النساء رقم « 3 » يوجد في ذيلها : ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ) ، ومعنى ذلك أنّ الخوف من عدم العدل بين الزوجات المتعددات يوجب عدم جواز التعدّد وهذا الأمر صحيح ، لأنّ العدل المراد هنا هو إعطاء حقوق الزوجات من مسكن ولباس وطعام حسب ما فرضه الله للزوجات وهذا أمر ممكن ومقدور عليه ، فإن خاف الزوج من عدم هذا العدل بأن لا يوصل إلى الزوجات ما يلزمهنّ من طعام وكساء ومسكن فلا يجوز له تعدّد الزوجات ، وأمّا إذا تمكّن من ذلك ولم يخف من عدم العدل بهذا المعنى فالتعدّد له جائز. وهذا أمّا يسمّى بالعدل التقريبي العملي الذي لا يوجد فيه ظلم للزوجات ولا تقصير في حقوقهنّ ولا يميل كلّ الميل إلى واحدة ويذر الأخريات معلقات. وأمّا الآية القائلة : ( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ... ) [ النساء : 129 ] ، فهي بمعنى أنّ العدل الحقيقي بين النساء وهو اتّخاذ حالة الوسط حقيقة ممّا لا يستطاع للإنسان تحقيقه ولو حرص عليه ، فالمنفي هو العدل الحقيقي في هذه الآية ، خصوصاً تعلّق القلب بالنساء ، فإنّه ليس اختياريّاً فلا يتمكّن أن يحبّ الزوجات بحدّ سواء فهو غير قادر على ذلك ، لأنّه ليس اختياريّاً له. أمّا العدل الممكن الذي اُشير إليه في آية رقم « 3 » وهو ممكن فهو العدل التقريبي ، فإذا أعطى الزوجات حقوقهن الشرعيّة من غير تطرّف فهو قد عدل بينهنّ ، فيجوز له أن يتزوّج الثانية والثالثة والرابعة. والخلاصة : إنّ الآية : ( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ ) لا تنفي مطلق العدل حتّى ينتج بانضمامه إلى قوله تعالى : ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ) إلغاء تعداد الزواج في الإسلام كما قيل ، وذلك لأنّ ذيل الآية يدلّ على أنّ المنفي هو العدل الحقيقي الواقعي بينما المشرّع لجواز تعدّد الزوجات هو العدل التقريبي : « اعطاء حقوق الزوجات من مسكن وطعام ولباس » ، وهو ممكن ، فلا تنافي بين الآيتين أصلاً ، وذيل الآية هو : ( فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ... ) [ النساء : 129 ] ، فإنّ هذا الذيل جاء بعد : ( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ) مباشرة ، فمعنى الآية هو : 1 ـ إنّ العدل الحقيقي بين الزوجات غير ممكن. 2 ـ الواجب في العدل بين الزوجات هو التقريبي ، أيّ عدم الميل كل الميل الى إحدى الزوجات فيذر الأخرى مثل المعلقة ، لا هي ذات زوج فتستفيد من زوجها ولا هي أرملة ، فتتزوّج وتذهب لشأنها. ج ـ إنّ الله لا يحبّ الظلم ، ولكن معنى الظلم هو التعدّي على حقوق الآخرين أو أموالهم. ولكنّ الله سبحانه وهو الأعلم بمصالح العباد هو الذي قرر أنّ الزوج له حقّ أن يتزوّج بأكثر من زوجة بشرط أن يعطي حقّ الزوجة من المأكل والملبس والمسكن ، والمعاشرة بالمعروف ، والمبيت ليلة من أربع ليال عندها ، وغيرها من حقوق الزوجيّة ، ونفترض أنّ الزوج قد قام بهذه الحقوق كاملة ، ولكنّه يحتاج إلى زوجة ثانية ، يقوم بحقوقها أيضاً ًكاملة ، فلا ظلم ولا تعدّي على حقوق الزوجة الأولى ولا الثانية أصلاً. نعم المرأة الأولى قد لا ترضى بزواج الزوج ثانية ، وقد لا ترضى بزواجه ثانية حتّى إذا كانت هي قد ماتت أيضاً ، إلّا إنّ عدم رضاها ليس هو ميزان ظلمها. خذ إليك هذا المثال : إذا كان زيد الأجنبي لا يرضى بزواج عمرو من هند أو لم ترضَ اُخت عمرو بزواج عمرو من هند ، وقد تزوّج عمرو بهند على كتاب الله وسنّة الرسول فهل يكون هذا الزواج ظلماً لزيد ؟!! أو ظلماً للأخت ؟!! طبعاً لا يكون ظلماً ، لأنّه ليس فيه أيّ تعدّي على زيد أو على الاُخت أصلاً ، فكذلك زواج الزوج بزوجة ثانية إذا كان قد أعطى حقوق الزوجة الاُولى فهو ليس ظالماً لها ، وإن لم ترضَ بهذا الزواج الثاني. د ـ إن حكم الشارع بجواز تعدد الزوجات حكم عام ليس مختصّاً بحالة معيّنة. نعم قد تفرق بعض الحالات التي تستوجب الزواج الثاني للرجل ، مثل الحروب التي تقضى على الرجال وتبقى النساء بحاجة إلى زواج مع قلّة الرجال ، وقد يكون الرجل بحاجة إلى زوجة ثانية لقوّة شهوته الجنسيّة بحيث لا تكفيه الواحدة ، إلّا أنّ هذه الحالات هي بعض حكمة الحكم الشرعي. وأمّا علّة الحكم التي بسببها قد شُرّع الحكم فلا يعرفها إلّا الله الذي شرّع الزواج الثاني والثالث والرابع ، لأنّه هو الذي خلق هذا البشر وهو العالم بما يحتاج إليه هذا البشر من أحكام قد شرّعها له وأوجب عليه تطبيقها. هـ ـ نعم المرأة في حالات معيّنة قد تحتاج إلى أكثر من رجل ، وهذا أمر ممكن بوجود زوجها وأولادها وإخوتها وأبيها وأعمامها وأخوالها فليس احتياج أكثر من رجل معناه لا بديّة أنّها تحتاج إلى أكثر من زوج في وقت واحد. ثمّ إنّ احتياجها إلى الزوج ليس معناه أنّ زوجها إذا تزوّج زوجات أخرى ـ أربعة ـ ، فهو ربع رجل بل حتّى وإن تزوّج زوجات أربع ، فهو رجل كامل يجب عليه تلبية احتياجاتها بالمعروف.