الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: أوّلاً : الآية الكريمة لا تدلّ على نفي نبوّة آدم عليه السلام ، فان اثبات بعث النبيين بعد قوله كان الناس أمّة واحدة لا يقتضي عدم وجود نبي قبل ذلك ، بل لا بدّ من وجوده ليكون الناس أمّة واحدة قد أخذوا بتعاليمه ، وإلّا لو لم يكن نبي لاختلفوا ولم يكونوا أمّة واحدة. ثانياً : هناك أدلّة كثيرة على نبوّة آدم عليه السلام ، منها : أ. في خبر أبي ذر عن النبي صلّى الله عليه وآله : انّ أربعة من الأنبياء سريانيّون آدم وشيث وإدريس ونوح. ب. قال المأمون للإمام الرضا عليه السلام : يابن رسول الله أليس من قولك : انّ الأنبياء معصومون ؟ قال : بلى. قال : فما معنى قول الله : ( وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ) ؟ فأجاب الإمام عليه السلام بجواب تفصيلي ، وفيه : وكان ذلك من آدم قبل النبوّة ، ولم يكن ذلك بذنب كبير استحقّ به دخول النار ، وانّما كان من الصغائر الموهوبة التي تجوز على الأنبياء قبل نزول الوحي عليهم. [ بحار الأنوار / المجلّد : 11 / الصفحة : 164 ] أقول : مراده من الصغائر ترك الأولى لا المعصية والذنب. ج. الروايات الدالّة على انّ آدم أوصى إلى شيث وأعطاه ما استودعه ربّه من علم الأنبياء بأمر من الله تعالى : ففي حديث زرارة من الإمام الصادق عليه السلام ـ والحديث طويل ـ : فلم يلبث آدم بعد ذلك إلّا يسيرا حتّى مرض ، فدعا شيئاً وقال : يا بنيّ أن أجلي قد حضر وأنا مريض ، وانّ ربّي قد أنزل من سلطانه ما قد ترى ، وقد عهد إليّ فيما عهد ان اجعلك وصيّي وخازن ما استودعني ، وهذا كتاب الوصيّة تحت رأسي وفيه أثر العلم واسم الله الأكبر ... [ بحار الأنوار ج 11 / 262 ] وفي حديث طويل عن الباقر عليه السلام : ... فلمّا انقضت نبوّة آدم عليه السلام واستكمل أيّامه ، أوحى الله تبارك وتعالى إليه أنّ يا آدم قد انقضت نبوّتك واستكملت أيّامك ، فاجعل العلم الذي عندك والإيمان والاسم الأكبر وميراث العلم وآثار النبوّة في العقب من ذريّتك عند ابنك هبة الله ... ، وهبة الله هو شيث بن آدم. [ بحار الأنوار / المجلّد : 11 / الصفحة : 44 ] وأمّا الآية الشريفة : فالمراد منها بيان علّة بعث الأنبياء والرسل وإنزال الكتب والشرائع. وتدلّ على انّ الناس كانوا على الفطرة التي تدعو الى معرفة الله تعالى ووحدانيّته ، ولكنّهم اختلفوا بسبب الأهواء والشهوات ، ولأجل رفع هذا الاختلاف أرسل الله الأنبياء والرسل والكتب السماويّة والأديان الإلهيّة ومعذلك اختلفوا أيضاً في الكتاب وتفسيره وتأويله ، ولأجل ذلك احتاج كلّ نبي ورسول إلى وصيّ وخليفة وإمام من بعده يبيّن للناس ما اختلفوا فيه ؛ فالآية تدلّ على حكمة بعث الرسل والأنبياء وحكمة تعيين الأوصياء والأئمّة وحجج الله على الخلق بعد الأنبياء ولا ربط للآية المباركة بزمان بعث الأنبياء ، ولا تنفي نبوّة الأنبياء قبل نوح عليه السلام. وقد ورد أنّ الأنبياء على أقسام : قسم منهم يكون نبيّاً لأهله وقومه ، وقسم يكون نبيّاً ورسولاً الى عدّة أمم ، وبعض يكون نبيّاً ورسولاً لجميع أهل العالم. ففي تفسير العيّاشي عن الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : كان ما بين آدم ونوح من الأنبياء مشخصين ، ولذلك خفي ذكرهم في القرآن ، فلم يسمّوا كما سمّي من استعلن منهم. وروى الصدوق في الخصال والمعاني عن الرضا عن آبائه عن النبي صلّى الله عليه وآله ، وعن زيد عن آبائه عن أمير المؤمنين عليه السلام : انّ أبا ذر سأل النبي صلّى الله عليه وآله : كم النبيّون ؟ قال : مائة وأربعة وعشرون ألف : نبي. قلت : كم المرسلون منهم ؟ قال : ثلاثمائة وثلاثة عشر جمّاً غفيراً. قلت : من كان أوّل الأنبياء ؟ قال : آدم. قلت : وكان من الأنبياء مرسلاً ؟ قال : نعم ، خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه. ثمّ قال : يا أبا ذر أربعة من الأنبياء سريانيّون آدم وشيث واخنوخ وهو إدريس وهو أوّل من خطّ بالقلم ونوح ، وأربعة من العرب هود وصالح وشعيب ونبيّك محمّد صلّى الله عليه وآله. [ تفسير الميزان / المجلّد : 2 / الصفحة : 144 ]
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: قال السيّد رضي الدين علي بن طاووس رحمه الله : ذكر بعض أصحابنا قال : قال محمّد بن علي بن أبي قرة ، نقلت من كتاب محمّد بن الحسين بن سفيان البزروفي رضي الله عنه دعاء الندبة ، وذكر انّه الدعاء لصاحب الزمان صلوات الله عليه ، ويستحب ان يدعى به في الأعياد الأربعة ، وهو « الحمد لله ربّ العالمين ... ». وفي آخر الدعاء قال : ثمّ صلّ صلاة الزيارة وقد تقدّم وصفها ، ثمّ تدعو بما أحببت فانّك تجاب ان شاء الله تعالى. [ مصباح الزائر / الصفحة : 230 ـ 234 ] قال المجلسي : أقول قال محمّد بن المشهدي في المزار الكبير ، قال محمّد بن علي بن أبي قرّة ، نقلت من كتاب أبي جعفر محمّد بن الحسين بن سفيان البزروفي ... وقوله : « وذكر انّه الدعاء لصاحب الزمان » ، يظهر من انّ الدعاء صادر من الناحية المقدّسة ، وانّه علّم شيعته كيف يزار وكيف يدعى له ؛ فالدعاء وارد عن لسان المعصوم عليه السلام ، غاية الأمر السند مرسل لكن لا مانع من الاتيان به رجاءً للثواب والآثار الوضعيّة المترتّبة على قراءته. فقد ورد في عدّة أحاديث بعضها معتبرة : من بلغه عن رسول الله ثواب على عمل فعمله التماس ذلك الثواب أوتيه وان كان رسول الله لم يقله. وقد فهم بعض الفقهاء استحباب العمل من هذه الأحاديث ، ولذا قال السيّد : يستحب ان يدعى به في الأعياد الأربعة. لكن على أقلّ تقدير يثبت نفس الثواب على اتيان ذلك العمل ـ من صلاة أو زيارة أو دعاء أو صوم ـ ولو من باب الانقياد. كما انّه يظهر من قوله في الأخير : « ثمّ صلّ صلاة الزيارة » ، وقد تقدّم وصفها انّ الدعاء مروي عن المعصومين عليهم السلام ، وله صلاة خاصّة ولو لم يكن مأثوراً لما صحّ أن يذكر بعده صلاة خاصّة بعنوان الزيارة ولو كانت زيارة غير مأثورة ، وقلنا يستحب صلاة الزيارة بعد كلّ زيارة حتّى لو لم تكن مأثورة لكان يكفي صلاة ركعتين ، امّا الكيفيّته الخاصّة في الصلاة فهي مختصّة بالزيارات المأثورة ، ولا يجوز إثبات صلاة بكيفيّة خاصّة بعد كلّ زيارة ، لأنّها تصير بدعة.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: الدعاء والتوسّل وطلب البركة من مجالس أهل البيت عليهم السلام لا ينافي مع مراعات الاحتياطات والجهات الطبيّة والوقائيّة ، بل وهكذا مراعات جميع الأسباب والعلل التكوينيّة ، فانّ الله تعالى أبى ان يجري الأمور إلّا بأسبابها ، والدعاء أو التوسّل انّما هو لتحصيل هذه الأسباب الطبيعيّة أو لضمان تأثيرها. نعم ، قد يؤثر التوسّل والدعاء وإقامة مجالس العزاء بعد اليأس عن الأسباب الظاهريّة بنحو غيبي وبإعجاز النبي والإمام المعصوم عليهما السلام ، لكن ليس لذلك ضمان قطعي ، إذ هو تابع لإرادة المعصوم عليه السلام وإعمال قدرته بإذن الله تعالى. فالنبي عيسى عليه السلام أحيى الموتى وأبرء الأكمه والأبرص بإذن الله تعالى (1) ، لكن لم يحيى جميع الموتى كما لم يبرء جميع المرضى. والله تعالى وعد باستجابة الدعاء فقال : ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) (2) ، ولكن معذلك أمرنا ان نتبع في حياتنا الأسباب الطبيعيّة بمعنى تحصيل ما نريده بالعلل التكوينيّة ، ولذا ورد انّ الله تعالى لا يستجيب لمن يدعو للرزق مع قدرته على العمل والكسب ، ولكنّه يترك ذلك ويدعو الله ان يرزقه ؛ فانّ الله يقول له ألم أعطك القدرة على الكسب ، فلماذا تترك ذلك وتدعو للرزق ؟ نعم الذي يشتغل بالكسب والعمل لأجل الرزق يمكن ان يدعو لنجاح عمله وكسبه وحصول البركة في رزقه. وكذلك ورد انّ نبيّاً من الأنبياء مرض فصار يدعو الله لشفائه ، وقال في نفسه لا أراجع الطبيب حتّى يشفيني الله تعالى ، فأوحى الله إليه لا أعافيك إلّا بعد ان تراجع الطبيب. (3) فنحن نعتقد ان المجالس الحسينيّة والزيارة والدعاء والتوسّل لها آثار وبركات وكرامات واعجازات ، بل تربة الإمام الحسين عليه السلام شفاء من كلّ داء (4) ، والاستغاثة والتمسح بالمراقد الشريفة توجب الشفاء والعافية ، لكن معذلك نوصي المؤمنين بمراعات الوقاية والاحتياطات والمعالجات الطبيّة ، وهذه وصيّة الأئمّة عليهم السلام أنفسهم. فإن العلل الطبيعيّة ومنها الفيروسات والمكروبات تؤثر في انحراف صحّة الانسان ، فالذي ابتلي بذلك يمكنه ان يطلب الشفاء من الله تعالى أو الإمام المعصوم عليهم السلام بإذن الله بعد استعمال الأدوية لتؤثر تلك الأدوية في العلاج ، وكذلك مع اليأس عن العلاج بالأدوية إذ يصل حينئذ دور الإعجاز والشفاء بالتوسّل والتبرّك والدعاء. لكن لا ضمان لمن يلقى نفسه في معرض الإصابة بالأمراض ان يستجيب الله تعالى دعائه بالشفاء ، أو ان لا يؤثر فيه أسباب المرض ، كما لا ضمان ان يشفيه النبي أو الإمام عليه السلام بالإعجاز وان كان المأمول منهم ذلك ، لكن الكلام في الضمان وعدم الابتلاء قطعاً. وممّا يدلّ على ما ذكرناه انّ اغلب عليهم السلام استشهدوا بالسموم التي دسّت اليهم من قبل الظالمين ، وهذا يعني انّ السم قد أثّر في جسم الإمام المعصوم عليه السلام مع انّه كان له القدرة على ان يمنع من تأثير السمّ ، كما حصل للإمام الحسن عليه السلام ذلك مرّات عديدة (5) ، لكنّهم لا يشاؤون إلّا ان يشاء الله ولا يسبقونه بالقول ويعملون ما يؤمرون. وكذلك نرى الأئمّة عليهم السلام يعالجون أنفسهم (6) ، ويأمرون شيعتهم بعلاجات يصفونها (7) لهم مع قدرتهم على تحصيل الشفاء لهم ولشيعتهم بالإعجاز والكرامة. وقد ورد عنهم الأمر بالوقاية ، كقولهم عليهم السلام : الحمية رأس كلّ دواء (8). الهوامش 1. آل عمران : 49 : أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ 2. غافر : 60. 3. راجع : جامع السعادات « للنراقي » / المجلّد : 3 / الصفحة : 183 / الناشر : دار النعمان للطباعة والنشر. 4. الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 4 / الصفحة : 588 / الناشر : دار الكتب الإسلامية / الطبعة : 5 : أحمد بن محمّد ، عن الحسن بن عليّ ، عن يونس بن الرَّبيع ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : إنَّ عند راس الحسين عليه السلام لتربة حمراء فيها شفاء من كلِّ داء إلّا السّام ، قال : فأتينا القبر بعد ما سمعنا هذا الحديث فاحتفرنا عند رأس القبر فلمّا حفرنا قدر ذراع ابتدرت علينا رأس القبر مثل السّهلة حمراء قدر الدِّرهم فحملناها إلى الكوفة فمزَّجناه وأقبلنا نعطي النّاس يتداوون بها. 5. المستدرك على الصحيحين « للحاكم النيسابوري » / المجلّد : 3 / الصفحة : 173 / الناشر : دار المعرفة : عن امّ بكر بنت المسورة قالت : كان الحسن بن علي سم مرارا كل ذلك يفلت حتى كانت المرة الاخيرة التي مات فيها ... 6. بحار الأنوار « للعلامة المجلسي » / المجلّد : 42 / الصفحة : 234 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2 : قال أبو الفرج : ثمَّ جمع له أطبّاء الكوفة ، فلم يكن منهم أعلم بجرحه من أثير بن عمرو بن هاني السّلوليّ وكان مطبّباً صاحب الكرسيّ يعالج الجراحات ، وكان من الأربعين غلاماً الّذين كان ابن الوليد أصابهم في عن التمر فسباهم ، فلمّا نظر أثير إلى جرح أمير المؤمنين عليه السلام دعا برية شاة حارّة ، فاستخرج منها عرقاً ثمّ نفخه ثمَّ استخرجه وإذا عليه بياض الدماغ فقال : يا أمير المؤمنين اعهد عهدك فإنّ عدوّ الله قد وصلت ضربته إلى اُمِّ رأسك. 7. بحار الأنوار « للعلامة المجلسي » / المجلّد : 59 / الصفحة : 72 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2 : وروي في سبب هذا الحديث أنّ رجلاً جرح على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فقال : ادعوا له الطبيب ، فقالوا : يا رسول الله ، وهل يغني الطبيب من شيء ؟ فقال : نعم ، ما أنزل الله من داء إلّا أنزل له شفاءً. وفائدة الحديث الحثُّ على التداوي والتشفّي بالمعالجة ومراجعة الطّبّ وأهل العلم بذلك والممارسة، وراوي الحديث هلال بن يساف. 8. بحار الأنوار « للعلامة المجلسي » / المجلّد : 59 / الصفحة : 290 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: في الحديث عن الصادق عليه السلام ـ وهو حديث طويل في أجوبة أمير المؤمنين عليه السلام عن مسائل اليهودي ـ ، قال اليهودي : وأين يسكن نبيّكم من الجنّة ؟ قال عليه السلام : في أعلاها درجة وأشرفها مكاناً في جنّات عدن. قال : صدقت والله انّه لخط هارون وإملاء موسى. [ بحار الأنوار / المجلّد : 8 / الصفحة : 195 ] وفي إكمال الدين عن أبي الطفيل عن علي عليه السلام ، في أجوبته عن مسائل اليهودي ـ إلى أن قال ـ : وأمّا منزل محمّد صلّى الله عليه وآله من الجنّة في جنّة عدن وهي وسط الجنان وأقربها إلى عرش الرحمن جلّ جلاله ، والذين يسكنون معه في الجنّة هؤلاء الأئمّة الإثنى عشر. [ بحار الأنوار / المجلّد : 8 / الصفحة : 189 ] أمّا ذريّة النبي صلّى الله عليه وآله ، فانّ الله تعالى يمنّ عليهم ويرفعهم إلى درجة النبي صلّى الله عليه وآله والأئمّة عليهم السلام ، لقوله تعالى : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) [ الطور : 21 ]. وأمّا الشيعة فمن الممكن أن يصلوا إلى المراتب العالية ، بل حتّى إلى مرتبة النبي صلّى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام إن أراد النبي صلّى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام ذلك ، فلا حاجة لكي ينزل النبي صلّى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام من درجتهم ، بل يرفع الله شيعتهم إلى الأعلى. روى سلمان رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وآله انّه قال : يا علي انّ شيعتك ليؤذن لهم في الدخول عليكم كلّ جمعة ، وانّهم لينظرون اليكم من منازلهم يوم الجمعة ، كما ينظر أهل الدنيا إلى النجم في السماء ، وانّكم لفي أعلى عليّين في غرفة ليس فوقها درجة أحد من خلقه. [ بحار الأنوار / المجلّد : 8 / الصفحة : 174 ] والمراد من قوله : « وانّهم لينظرون إليكم » ، انّ أهل الجنّة ينظرون إلى علي وشيعته يوم الجمعة ، كما ينظر أهل الدنيا إلى النجم في السماء. ويؤيّد ذلك قول أمير المؤمنين عليه السلام : انّ أهل الجنّة ينظرون إلى منازل شيعتنا كما ينظر الإنسان الى الكواكب. وكان يقول : من أحبّنا فكان معنا ، ومن قاتل معنا بيده فهو معنا في الدرجة. [ بحار الأنوار / المجلّد : 8 / الصفحة : 148 ] وفي الحديث عن علي بن أبي طالب عليه السلام ، قال جاء رجل من الأنصار إلى النبي صلّى الله عليه وآله فقال : يا رسول الله ما استطيع فراقك وانّي لأدخل منزلي فأذكرك فأترك ضيعتي واقبل حتّى انظر إليك حبّاً لك فذكرت اذا كان يوم القيامة وادخلت الجنّة فرفعت في أعلى عليّين فكيف لي بك يا نبي الله ؟ فنزل : ( وَمَن يُطِعِ اللَّـهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَـٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّـهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقًا ) . فدعا النبي صلّى الله عليه وآله الرجل فقرأها عليه وبشّره بذلك. [ بحار الأنوار / المجلّد : 8 / الصفحة : 188 ]
الجواب من الشيخ محمّد جواد آل الفقيه: التشيُّع . . . مَا هُوَ ؟ لكي تنثبت من الحقائق ، ونرفض كل ما يشيعه المغرضون حول عقيدة الشيعة ، ونشوئها في الاسلام ، يلزمنا ـ في هذا الحال ـ الرجوع الى عهود بعيدة ، مضت عليها قرون متعاقبة . ولكن ، حينما يتحد المضمون ، تتلاشى عنده كل المواقيت ، وكل مؤشرات القرب والبعد ، فهو لا يتغير ، ولا يتبدل ، ولا يخضع لأي ضوابط ، زمانية كانت أو غيرها . المضمون بالنسبة لنا واحد ، ألا وهو « الاسلام » فهو في كياننا اليوم ، كما كان بالأمس ، وكما كان قبل قرون ، وكما يكون غداً ، لا يتغير ولا يتبدل . والتشيع بالنسبة لنا ، هو من صميم ذلك المضمون . ليس طارئا ، وليس جديداً على الاسلام ، بل هو أصل من أصوله ، دعا اليه رسول الله (ص) ، كما دعا الى بقية أركان الدين . فليس التشيع ، سوى حب أهل البيت عليهم السلام ، ومودتهم ، والتمسك بهم . وموالاة علي عليه السلام بعد رسول الله (ص) وأخذ معالم الدين من معدنه . قال تعالى : « قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ » « 42 ـ 23 » هذا هو التشيع ببساطة . قال الأزهري : الشيعة ، هم الذين يهوون عترة النبي (ص) ، ويوالونهم (1) . وقد نشأ التشيع لعلي ( عليه السلام ) في عهد الرسول الله (ص) الذي أوصى المسلمين في مواطن كثيرة ، بالتمسك بأهل البيت ( عليه السلام ) كما دعاهم الى ولاء علي (ع) ونصَّ على ذلك في حجة الوداع الاخيرة . حيث جاء في خطبته (ص) : معاشر المسلمين ، ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا : اللهم بلى . قال : « من كنت مولاه ، فهذا علي مولاه ، اللهم والِ من والاه ، وعادِ من عاداه وانصر من نصره ، واخذل من خذله » . وقد روي هذا الحديث بطرق مختلفة ، وألفاظ متغايرة ، بمضمون واحد . فقد رواه من الصحابة اكثر من مائة وعشرة صحابياً . ومن التابعين أربعة وثمانون تابعياً ، ورواه من العلماء ، ثلاثمائة وستون عالماً (2) عدا من ألَّف فيه . وهذا الحديث هو المسمى بحديث الغدير ، نسبة لغدير خُمّ . وقد تمسك به الشيعة الإمامية كدليل هام في إثبات الخلافة لعلي عليه السلام بعد رسول الله (ص) ، بالاضافة الى الأدلة الاخرى الكثيرة ، التي سنذكرها فيما بعد . وعرف من الشيعة في عهد رسول الله (ص) جماعة ، منهم أبو ذر رضي الله عنه . . قال أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني : « إن لفظ الشيعة على عهد رسول الله (ص) كان لقب أربعة من الصحابة ، سلمان الفارسي ، وأبي ذر الغفاري ، والمقداد بن الأسود الكندي وعمار بن ياسر (3) الى آخره . من جهة أخرى ، فقد ورد لفظ الشيعة ( شيعة علي (ع) ) على لسان النبي (ص) في عدة مناسبات . وما علينا الآن إلا أن نعرض بعض الاحاديث النبوية الشريفة المتضمنة لذلك . 1 ـ عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال : « كنا عند النبي (ص) فأقبل علي بن أبي طالب ، فقال رسول الله ( ص ) : قد أتاكم أخي ! قال جابر : ثم التفت رسول الله (ص) الى الكعبة ، فضربها بيده ، ثم قال : والذي نفسي بيده ، إن هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة . . ثم قال : إنه أولكم إيماناً معي ، وأوفاكم بعهد الله تعالى ، وأقومكم بأمر الله ، وأعدلكم في الرعية ، وأقسمكم بالسوية ، واعظمكم عند الله مزيِّة . قال : ونزلت فيه « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ » . قال : وكان أصحاب محمد (ص) اذا أقبل عليهم علي عليه السلام ، قالوا : قد جاء خير البرية » (4) . 2 ـ أخرج الحافظ جمال الدين الذرندي ، عن ابن عباس رضي الله عنهما . « ان هذه الآية لما نزلت ، قال (ص) لعلي : هم أنت وشيعتك ، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين . . (5) الخ . 3 ـ أخرج أحمد في المناقب أنه ( ص ) قال لعلي ( ع ) : أما ترضى أنك معي في الجنة والحسن والحسين ، وذريتنا خلف ظهورنا ، وأزواجنا خلف ذريتنا ، وشيعتنا عن ايماننا وشمائلنا . » 4 ـ واخرج الديلمي : يا علي ان الله عز وجل قد غفر لك ، ولذريتك ، ولولدك ، ولأهلك ولشيعتك ، ولمحبي شيعتك . 5 ـ وأخرج الطبراني عن علي (ع) قال : يا علي ستقدم على الله وشيعتك راضين مرضيين ، ويقدم عليه أعداؤك غضابا مُقمَحين (6) . . 6 ـ وأخرج ابن مردويه ، عن علي عليه السلام قال : قال لي رسول الله ( ص ) ألم تسمع قول الله : « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ » هم انت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض ، اذا جائت الامم للحساب ، تدعون غُرَّاً محجلين . 7 ـ وفي النهاية ( لإبن الاثير ـ مادة قمح ) : وفي حديث علي (ع) قال له النبي (ص) : ستقدم على الله أنت وشيعتك راضين مرضيين ، ويقدم عليه عدوك غضاباً مقمحين . ثم جمع يده الى عنقه يريهم كيف الإقماح . 8 ـ عن ربيع الأبرار ، يروى عن رسول الله ( ص ) أنه قال : يا علي ، اذا كان يوم القيامة ، أخذتُ بحُجزة الله تعالى ، وأخذت أنت بحُجزتي وأخذ ولدك بحجزتك ، وأخذ شيعة ولدك بحجزهم . فتُرى أين يؤمر بنا ؟ (7) وأما الأحاديث الأخرى التي تدعو المسلمين الى التمسك بعلي ( عليه السلام ) وأهل البيت الطاهر فان استقصاءها وذكرها يحتاج الى وضع مجلد ضخم . لكننا نذكر بعضاً منها هنا ، لأجل التبرك بها من جهة ، ولاطلاع القاریء الكريم على مدى ما تحمل من أهمية ، من جهة أخرى . 1 ـ روى الجويني بسنده عن ابن عباس (رض) قال : قال رسول الله (ص) : من سره أن يحيا حياتي ، ويموت مماتي ، ويسكن جنة عدن غرسها ربي ، فليوال علياً من بعدي ، وليقتدِ بالأئمة من بعدي ، فانهم عترتي ، خلقوا من طينتي ، ورزقوا فهماً وعلماً ، ويل للمكذبين بفضلهم من أمتي ، القاطعين فيهم صلتي ، لا أنالهم الله شفاعتي (8). 2 ـ وعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا أنس ، أسكب لي وضوءاً ( قال : ) ثم قام فصلى ركعتين ثم قال : يا أنس ، أول من يدخل عليك من هذا الباب ، أمير المؤمنين ( وسيد المسلمين ) وقائد الغر المحجلين ، وخاتم الوصيين . قال أنس : قلت : اللهم اجعله رجلا من الانصار ـ وكتمته ـ اذ جاء علي صلوات الله عليه ، فقال : من هذا يا أنس ؟ فقلت : علي . فقام ( ص ) مستبشراً ، فاعتنقه ثم جعل يمسح عرق وجهه بوجهه ، ويمسح عرق وجه علي بوجهه . فقال علي عليه السلام : يا رسول الله ، لقد رأيتك صنعت شيئا ، ما صنعت بي من قبل ؟ قال (ص) : وما يمنعني ، وأنت تؤدي عني ، وتسمعهم صوتي ، وتبين لهم ما اختلفوا فيه بعدي . 3 ـ وعن ابي ذر الغفاري ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا خاتم الأنبياء ، وأنت يا علي خاتم الأوصياء الى يوم الدين . ولفظ أبي ذر : أنا خاتم النبيين ، كذلك علي خاتم الأوصياء الى يوم الدين . 4 ـ وعن جابر بن عبد الله ( الأنصاري ) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام : أنت مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي . ( هذا الحديث رواه الجويني بعدة طرق ، وهو حديث مشهور وهو المسمى بحديث ( المنزلة ) . ورواه مسلم في صحيحه عن سعد بن ابي وقاص عن أبيه » راجع فضائل الصحابة / 4 ـ 1870 ) . 5 ـ وجاء في حديث طويل ، عن أبي أيوب الأنصاري : يا عمار ، إن علياً لا يردك عن هدى ، ولا يدلك على ردى . يا عمار ، طاعة علي طاعتي ، وطاعتي طاعة الله عز وجل . ! 6 ـ وعن ابن مسعود ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : علي بن أبي طالب حلقة معلقة بباب الجنة ، من تعلق بها دخل الجنة . 7 ـ وعن انس بن مالك ، قال : إن سائلا أتى المسجد وهو يقول : من يقرض المليّ الوفي ؟ وعلي ـ عليه السلام ـ راكع يقول (9) بيده خلفه للسائل خذه ، أي اخلع الخاتم من يدي . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا عمر ، وجبت . قال : بأبي انت وأمي يا رسول الله ، ما وجبت ؟ قال : وجبت له الجنة . والله ما خلعه من يده ، حتى خلعه من كل ذنب وخطيئة (10) . 8 ـ وعن ابن عباس رضي الله عنه ، قال : أقبل عبد الله بن سلّام ، ومعه نفر من قومه ، ممن قد آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله ، إن منازلنا بعيدة ، وليس لنا مجلس ، ولا متحدث دون هذا المجلس ، وان قومنا لما رأونا آمنا بالله ورسوله ، وصدقناه ، رفضونا ، وآلوا على أنفسهم أن لا يجالسونا ، ولا يناكحونا ( أي لا يتزوجون منا ولا نتزوج منهم ) ولا يكلمونا ، فشق ذلك علينا . فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : « إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ » ( 55 ـ المائدة ) ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج الى المسجد ، والناس بين قائم وراكع ، وبصر بسائل . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : هل أعطاك أحد شيئاً ؟ قال : نعم ، خاتم من ذهب. فقال النبي (ص) : من أعطاكه ؟ قال : ذلك القائم ـ وأومأ بيده الى علي بن أبي طالب ـ . فقال النبي (ص) : على أي حال أعطاك ؟ قال : اعطاني وهو راكع ! . فكبَّر النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قرأ : « وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ » ( 56 ـ المائدة ) . فأنشأ حسان بن ثابت يقول : أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي وكل بطيیء في الهوى ومسارع أيذهب مدحي والمحبين ضائعاً وما المدح في جنب الإله بضائع فأنت الذي اعطيت اذ كنت راكعاً فدتك نفوس القوم يا خير راكع فانزل فيك الله خير ولاية وبينها في محكمات الشرائع (11) وقصة التصدّق بالخاتم ـ هذه ـ من أشهر المشهورات ، وقد رواها الجويني بعدة طرق ، وبأسانيد مختلفة ، كما رواها غيره من أرباب الحديث . ونكتفي هنا بهذا العرض لبعض الروايات في هذا المضمون ، والتي هي نزر قليل من الكثير الكثير ، اذ لو أردنا استقصاء وذكر الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وآله في فضل أمير المؤمنين علي عليه السلام ، والمشتملة على النص بالولاية منه (ص) له (ع) من بعده ، وعلى إلزام المسلمين بالأخذ عن أهل البيت (ع) معالم دينهم لألزمنا ذلك بافراد كتاب مستقل ، ولأخرجنا عن الموضوع . ومجمل القول : فان الشيعة يعتقدون بأن الإمامة ، لا تكون إلا بالنص من الله تعالى ، على لسان النبي ، أو على لسان الإمام الذي قبله ، وأن الإمام لا بد وأن يكون معصوماً من جميع الرذائل ، ومن السهو والخطأ والنسيان ، كما لا بد وأن يكون أفضل الناس بعد النبي (ص) . ولا يهمنا من بحث الإمامة هنا « اثبات انهم هم الخلفاء الشرعيون ، وأهل السلطة الإلهية ، فان ذلك أمر مضى في ذمة التأريخ ، وليس في اثباته ما يعيد دورة الزمن من جديد أو يعيد الحقوق المسلوبة الى أهلها ، وانما يهمنا منه ، ما ذكرنا من لزوم الرجوع اليهم في الأخذ بأحكام الله الشرعية ، وتحصيل ما جاء به الرسول الأكرم على الوجه الصحيح الذي جاء به ، وان في أخذ الأحكام من الرواة والمجتهدين الذين لا يستقون من نمير مائهم ، ولا يستضيئون بنورهم ، ابتعاداً عن محجة الصواب في الدين . » (12) الهوامش 1. متن اللغة 3 / مادة شيع 2. راجع كتاب الغدير ج 1 من ص 8 الى ص 151 . 3. الشيعة وفنون الاسلام ص 31 . 4. فرائد السمطين 1 / 156 . 5. الصواعق المحرقة / 159 . 6. حق اليقين 1 / 171 و 205 . 7. أصل الشيعة وأصولها 110 / 111 . 8. فرائد السمطين / للجويني بسنده / 53 . 9. يقول : يشير . 10. فرائد السمطين 1 / 145 و 147 و 123 و 178 و 180 و 188 . 11. فرائد السمطين 1 / 189 / 190 . راجع مجمع البيان وشواهد التنزيل ، وذخائر العقبى . فانه أشار فيه الى هذه الآية وثماني آيات نزلت في علي . راجع ص 88 ـ 89 ـ ومن أحب الاستزادة في فضائل الامام ، فليراجع صحيح مسلم م 4 ص 1870 وفضائل الخمسة من الصحاح الستة ، وغيرها . 12. عقائد الشيعة الامامية / 99 . مقتبس من كتاب : أبو ذر الغفاري / الصفحة : 44 ـ 53
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: السؤال : هل أئمّة أهل البيت عليهم السلام يدبّرون الكون ؟ الجواب الله تبارك وتعالى هو المدبّر بالذات ، قال عزّ وجلّ : ( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ) [ السجدة : 5 ] ، لكن الله تعالى أعطى القدرة لبعض الملائكة والأنبياء والرسل والأئمّة عليهم السلام ، وفوّض اليهم تدبير بعض الأمور في الكون. قال الله تعالى : ( فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ) [ النازعات : 5 ] ، وقد ورد في تفسير الآية انّها الملائكة تدبّر أمر العباد من السنة الى السنة ، كما عن أمير المؤمنين ، وقيل انّ المراد بذلك جبرئيل وميكائيل وملك الموت واسرافيل يدبّرون امور الدنيا. فامّا جبرئيل فموكّل بالرياح والجنود ، وامّا ميكائيل فموكّل بالقطر والنبات ، وامّا ملك الموت فموكّل بقبض الأنفس ، وامّا اسرافيل فهو يتنزل بالأمر عليهم. فكما انّ الله تعالى جرت مشيئته ان يبتني نظام الكون على قانون العلل والمعلولات والأسباب والمسببات الطبيعيّة ، فكذلك جرت مشيئته ان يتصرّف في الكون بواسطة الملائكة وأوليائه في بعض الأمور. ولذا نرى انّ عيسى بن مريم عليه السلام ابرء الأكمه والأبرص بإذن الله ، وأحيى الموتى بإذن الله ، كما صرّح بذلك القرآن الكريم ، حيث قال الله تعالى مخاطباً لعيسى بن مريم : ( وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ) [ المائدة : 110 ] ، فنسب الابراء واخراج الموتى الى نفس عيسى لكن كان ذلك بإذن الله بالقدرة التي أفاضها الله عليه. وأئمّة أهل البيت عليهم السلام لهم هذه القدرة لكن لا بالذات ، بل بإذن الله تعالى وإرادته بإفاضة القدرة عليهم ، فقدرتهم على ذلك مستمدة من قدرة الله. ولذا نرى انّ الإمام الكاظم عليه السلام أشار إلى صورة الأسد وأمره بأن يفترس المستهزئ به في مجلس الخليفة ، فصارت الصورة أسداً حقيقة وافترسه. وفي الكافي بسنده عن الصادق عليه السلام كان يقول : اللهمّ صلّ على محمّد صفيّك وخليلك ونجيّك المدبّر لأمرك. قال المجلسي في شرحه يدلّ على انّ للنبي محمّد مدخلاً في تدبير أمور العالم ، وانّ الملائكة الموكّلين بذلك مأمورين بأمره.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: لزيارة عاشوراء طرق كثيرة واسناد متعدّدة بعضها معتبرة (1) ، ويكفي في صحّتها واعتبارها اعتماد الفقهاء عليها وذكرها في كتب الأدعية والزيارات (2) ، بل ألّفوا كتباً عديدة في شرح هذه الزيارة ممّا يدلّ على المفروغيّة عن صحّتها. وقد ذكر آية الله الشيخ محمّد تقي البهجة انّ مضمون زيارة عاشوراء شاهد على اعتبارها ويوضح عظمتها ، بل يظهر من بعض اسناد زيارة عاشوراء أنّها من قبيل الحديث القدسي ، ولأجل ذلك كان علماؤنا وأساتذتنا مع كثرة مشاغلهم العلميّة يواظبون على قراءة هذه الزيارة. وقد نقل انّه وقع وباء في سامراء أيّام زعامة ومرجعيّة الميرزا الشيرازي وكان يموت من السنّة والشيعة عدد كثير في كلّ يوم ، فأمر السيّد الشيرازي مقلّديه من الشيعة بقراءة زيارة عاشوراء فارتفع منهم الوباء ، ولمّا رأى السنّة انّ الشيعة لا يموتون بسبب الوباء سئلوا عن السبب فقيل لهم انّهم يقرؤون زيارة عاشوراء وببركتها ارتفع عنهم الوباء ، فشرع أهل السنّة في زيارة عاشوراء فارتفع عنهم البلاء أيضاً. وللمزيد راجع رسالة « زيارة عاشوراء فوق الشبهات » ، تحتوي على كلمات للمرجع الراحل آية الله العظمى الميرزا جواد التبريزي. الهوامش 1. راجع : كامل الزيارات « لابن قولويه » / الصفحة : 327 ـ 333 / الناشر : مؤسسة نشر الفقاهة / الطبعة : 1. مصباح المتهجد « للشيخ الطوسي » / الصفحة : 773 ـ 782 / الناشر : مؤسسة فقه الشيعة / الطبعة : 1. مصباح الزائر « للسيد ابن طاووس » / المجلد : 1 / الصفحة : 261 ـ 286 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / الطبعة : 1. 2. راجع : مصباح المتهجد « للشيخ الطوسي » / الصفحة : 773 ـ 782 / الناشر : مؤسسة فقه الشيعة / الطبعة : 1. مصباح الزائر « للسيد ابن طاووس » / المجلّد : 1 / الصفحة : 261 ـ 286 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / الطبعة : 1. المزار « لابن المشهدي » / الصفحة : 480 ـ 485 / الناشر : نشر القيوم / الطبعة : 1. المزار « للشهيد الأول » / المجلد : 1 / الصفحة : 142 ـ 145 / الناشر : مؤسسة الإمام الهادي عليه السلام / الطبعة : 1.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: لا يعلم ذلك إلّا الله تعالى. وقد ورد في الأحاديث : كذب الوقّاتون . فمن يعيّن وقتاً لظهور الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف حتّى على أساس العلامات المذكورة في الروايات فهو كاذب ، بل ورد انّ الله تعالى قد يؤخّر ظهور المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف لأجل تكذيب الوقّاتين. ففي كتاب الغيبة للشيخ الطوسي روى بسنده عن الفضيل ، قال : سألت أبا جعفر عليه السلام هل لهذا الأمر وقت ؟ فقال : كذب الوقّاتون ، كذب الوقّاتون ، كذب الوقّاتون. وفي التوقيع الوارد من الناحية المقدّسة ، قال : أمّا ظهور الفرج فانّه إلى الله وكذب الوقّاتون ... وفي حديث المفضل عن الصادق عليه السلام ، قال : أفلا يوقّت له وقت ؟ فقال : يا مفضل لا اوقّت له وقتاً ولا يوقّت له وقت ، ان من وقّت لمهدينا وقتاً فقد شارك الله في علمه وادّعى انّه ظهر على سرّه ... وعن الصادق عليه السلام ، قال : أبى الله إلّا ان يخلف وقت الموقّتين.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: أوّلاً : دلّت الروايات على انّ المهدي يشبه جدّه رسول الله صلّى الله عليه وآله في خلقه وخُلقه. ففي كمال الدين عن الإمام الصادق عليه السلام : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : القائم من ولدي اسمه اسمي وكنيته كنيتي وشمائله شمائلي وسنّته سنّتي. وفي روايات أهل السنّة كما في سنن أبي داود ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : المهدي منّي أجلى الجبهة أقنى الأنف يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً. أجلى الجبهة : الذي انحسر الشعر عن جبهته وخفّ على جانبيها. أقنى الأنف : طويلة مع دقّة ارنبته. ومثله في مسند أحمد وأبي يعلى. وفي حديث عن الباقر ، عن أمير المؤمنين عليهم السلام : يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي أبيض اللون مشرب بالحمرة مبدح البطن عريض الفخذين عظيم مشاش المنكبين ... وعن حذيفة عن النبي صلّى الله عليه وآله : المهدي رجل من ولدي وجهه كالقمر الدرّي ، اللون لون عربي والجسم جسم اسرائيلي ... لون عربي أيّ أسمر أو أبيض ، وجسم إسرائيلي أي طويل مملوء كأجسام بني يعقوب ، حيث كانوا معروفين بكمال أجسامهم وجمالهم. ثانياً : يظهر من رواياتنا انّ المهدي شاب المنظر لا يهرم بمرور الأيّام. ففي كمال الدين ، عن أبي الصلت الهروي ، قال : قلت للرضا عليه السلام : ما علامات المهدي القائم منكم إذا ظهر ؟ قال : علامته ان يكون شيخ السن شاب المنظر ، حتّى انّ الناظر إليه ليحسبه ابن أربعين سنة أو دونها ... [ البحار ج 52 / 285 ] ثالثاً : في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين ـ في وصف المهدي ـ : قد لبس للحكمة جنّتها وأخذها بجميع أدبها من الإقبال عليها والتفرّغ لها فهي عند نفسه ضالّته التي يطلبها وحاجته التي يسأل عنها ... وفي حديث طويل عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى : ( اللَّـهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... ) [ النور : 35 ] ، قال : فالمشكاة رسول الله صلّى الله عليه وآله ، والمصباح الوصي والأوصياء ، والزجاجة فاطمة ، والشجرة المباركة رسول الله صلّى الله عليه وآله ، والكوكب الدرّي القائم المنتظر الذي يملأ الأرض عدلاً. [ بحار الأنوار 93 / 3 ] وفي كتاب سليم بن قيس : انّ رسول الله صلّى الله عليه وآله غضب حينما سمع مقالة رجل من قريش : ما مثل محمّد في أهل البيت إلّا كمثل نخلة نبتت في كناسة. فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وآله فغضب وخرج ، فأتى المنبر فجلس عليه حتّى اجتمع الناس ، ثمّ قام فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : ألا ونحن بنو عبد المطلب سادة أهل الجنّة أنا وعلي وجعفر وحمزة والحسن والحسين وفاطمة والمهدي. وفي اثبات الهداة ، نقلاً عن اثبات الرجعة للفضل بن شاذان بسندين قال : ما من معجزة من معجزات الأنبياء والأوصياء إلّا ويظهر الله تبارك وتعالى مثلها في قائمنا لاتمام الحجّة على الأعداء. وفي الفردوس ـ من كتب أهل السنّة ـ عن ابن عبّاس ، عن النبي صلّى الله عليه وآله : المهدي طاووس أهل الجنّة . وفي كتاب ابن حماد ، عن كعب ، قال : المهدي خاشع لله كخشوع النسر بجناحه. وفي كشف اليقين / 117 ، عن الفردوس ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، عن النبي صلّى الله عليه وآله : الجنّة تشتاق إلى أربعة من أهلي قد أحبّهم الله وأمرني بحبّهم ، علي بن أبي طالب والحسن والحسين والمهدي الذي يصلّي خلفه عيسى بن مريم. وفي بيان الشافعي / 511 ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : يخرج المهدي على رأسه غمامة فيها مناد ينادي : هذا المهدي خليفة الله فاتّبعوه. ورواه في عقد الدرر / 135 ، فرائد السمطين 2 / 316 ، وغيرهما. رابعاً : الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف غائب عن الأنظار ، ولا يعرف مكانه أحد غير الله تعالى ، لكنّه موجود بين الناس يرونه فلا يعرفونه ، وفي الحديث انّه يحضر الموسم ـ أي الحج ـ فيراه الناس ولا يعرفونه.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: الله تبارك وتعالى يقول على لسان النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله : ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ) [ فصلت : 6 ] ؛ فالمعصومون من الأنبياء والرسل والأئمّة عليهم السلام من حيث القابليّات الجسميّة مثل سائر أفراد الإنسان ، فهم يأكلون ويشربون وينامون ويتمرّضون ويستريحون ويتعبون ، لكن هناك مطلبان لا بدّ من ملاحظتهما : أوّلاً : أنّ القابليّات المعصومين عليهم السلام الروحيّة والنفسيّة تختلف عن سائر البشر ، فالحلم والصبر والتحمّل والأخلاق الحميدة والصفات الكماليّة في المعصومين أعظم وأكثر وأشدّ ، ولأجل ذلك يتحمّلون المصائب والبلايا العظيمة ويصبرون عليها ، ويحصل لديهم حالة التسليم والرضا بقضاء الله وقدره. ثانياً : قد يفيض الله تعالى على بعض المعصومين عند وجود مصلحة من المصالح القوّة وقدرة بدنيّة خارة للعادة ، كما حصل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام حينما فتح قلعة خيبر ، فقلع باب الحصن الذي كان يعجز عن تحريكه أربعون رجلاً ، ثمّ جعله كالجسر لكي يعبّر عليه المسلمون ويدخلون الحصن ، كما قال ابن أبي الحديد المعتزلي : يا قالع الباب الذي عن هزّه عجزت أكفّ أربعون وأربع وكما حصل للإمام الجواد عليه السلام حيث لم يؤثر في جسمه الشريف السيوف ، حينما اغتالوه وهو نائم في فراشه.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: الروايات الكثيرة المعتبرة وكذلك حكايات التشرّف ورؤية الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف. وذكر هذه الروايات والحكايات يحتاج إلى تأليف كتاب مفصّل ؛ فراجع كتاب منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر المجلّد 2 / الصفحة 367 ـ 431 / الطبعة الثانية ، وكتاب المعجم الموضوعي لأحاديث الفصل 33 و 34 من الصفحة 771 إلى 838 ، وكتاب بحار الأنوار المجلّد 51 و 52 ، وكتاب كمال الدين وغيره. ولنذكر بعض الروايات : عن أبي هاشم الجعفري قلت لأبي محمّد ـ الإمام العسكري عليه السلام ـ : جلالتك تمنعني من مسألتك فتأذن لي أسألك ؟ فقال : سل. قلت : يا سيّدي هل لك ولد ؟ فقال : نعم. فقلت : فان حدث بك حدث فأين أسأل عنه ؟ قال : بالمدينة. في كمال الدين ، عن محمّد بن عثمان العمري قدس الله روحه ، يقول : لما ولد الخلف المهدي عجّل الله تعالى فرجه سطع نور من فوق رأسه إلى أعناق السماء ، ثم سقط لوجهه ساجداً لربّه تعالى ذكره ثمّ رفع رأسه وهو يقول : شهد الله أنّه لا إله إلّا هو والملائكة ... ، قال : وكان مولده يوم الجمعة. في كمال الدين ، بسند صحيح عن محمّد بن موسى بن المتوكّل ، قال : حدّثني عبدالله بن جعفر الحميري ، قال : حدّثني محمّد بن إبراهيم الكوفي : انّ أبا محمّد عليه السلام بعث الى بعض من سمّاه لي بشاة مذبوحة ، قال : هذه عقيقة ابني محمّد. [ بحار الأنوار 51 / 15 ] وفي كمال الدين ، عن أبي جعفر العمري ، قال : لما ولد السيّد قال أبو محمد : ابعثوا الى أبي عمر. فبعث إليه ، فصار إليه ، فقال : اشتر عشرة آلاف رطل خبز وعشرة آلاف لحم وفرّقه ـ احسبه قال على بني هاشم ـ وعق عنه بكذا وكذا شاة. [ ومثله في اثبات الهداة 3 / 483 وبحار الأنوار 51 / 5 ] إلى غير ذلك من الأحاديث المتواترة. وممّا يدلّ على ولادة الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه ، قول رسول الله صلّى الله عليه وآله للحسين عليه السلام ـ وقد رواه علماء الشيعة والسنّة ـ : أنت إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمّة تسعة تاسعهم قائمهم. حيث يظهر منه انّ المهدي هو التاسع من أولاد الحسين بن علي عليهما السلام ، وعليه فلا بدّ أن يكون للإمام الحسن العسكري عليه السلام الذي هو الثامن من أولاد الحسين عليه السلام ولد مولود ليصدق عليه انّه التاسع من أولاد الحسين عليه السلام. فالأوّل من أولاد الحسين هو : الإمام علي بن الحسين. والثاني : الإمام محمّد بن علي بن الحسين الباقر. والثالث من أولاد الحسين عليه السلام هو : جعفر بن محمّد الصادق. والرابع : موسى بن جعفر. والخامس : علي بن موسى الرضا. والسادس : محمّد بن علي الجواد. والسابع : علي بن محمّد الهادي. والثامن : الحسن بن علي العسكري. فيا ترى هو التاسع الذي هو قائمهم ؟ فلا بدّ أن يكون هو محمّد المهدي بن الحسن بن علي بن محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عليه السلام. فلا بدّ أن يكون ـ حسب كلام النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله ـ للحسن بن علي العسكري ولد مولود ، هو التاسع من ولد الحسين عليه السلام. ويدلّ على ذلك أيضاً حديث الثقلين المعروف والمشهور بين الفريقين : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما ان تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً وانّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض. يدلّ هذا الحديث على انّه لا بدّ ان يكون في كلّ عصر وزمان إمام معصوم من ذريّة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله ، وإلّا لزم افتراق العترة الطاهرة عن القرآن ، مع انّ النبي صلّى الله عليه وآله صرّح بأنّهما لن يفترقا إلى يوم القيامة ، فلا بدّ أن يكون في هذا الزمان إمام من العترة الطاهرة يجب التمسّك به مع التمسّك بالقرآن الكريم ، لأجل تحصيل الهداية. وهذا الإمام لا يكون غير المهدي عجّل الله تعالى فرجه ، وإن شئت أن تسمّيه باسم آخر غير المهدي فلا يغيّر الواقع ، حيث انّنا نعتقد بأنّه هناك إمام من العترة الطاهرة حتّى في زماننا يكون حجّة الله على الخلق. ويدلّ على ذلك أيضاً الحديث المعروف الذي رواه علماء الشيعة والسنّة عن النبي صلّى الله عليه وآله : من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة. فمن هو إمامنا في هذا الزمان الذي إذا لم نعرفه كانت موتتنا ميتة جاهليّة ؟!! إن قلت المقصود هو القرآن الكريم ، قلنا القرآن إمام جميع الأزمنة ولا يختصّ بزمان دون زمان ، مع أنّ النبي صلّى الله عليه وآله قال : من لم يعرف إمام زمانه ، أيّ الإمام الخاصّ بزمانه.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: قال الإمام الحسن عليه السلام : والله إنّه لعهد عهده إلينا رسول الله صلّى الله عليه وآله ، أنّ هذا الامر يملكه إثنا عشر اماماً من ولد ( علي عليه السلام و ) فاطمة عليها السلام ، ما منّا إلّا مسموم أو مقتول. (1) وقال الإمام الصادق عليه السلام : ما منّا إلّا مقتولٌ أو شهيد. (2) وقد اتّفق المسلمون من السنّة والشيعة على انّ النبي صلّى الله عليه وآله مات مسموماً ، لكن السنّة يدّعون أنّه مات بسبب السمّ الذي دسّته المرأة اليهوديّة في ذراع أهدته إليه. (3) وقد وردت في رواياتهم قوله صلّى الله عليه وآله : ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السمّ (4) ، رواه البخاري في صحيحه. لكن قصّة خيبر كانت في السنة الثامنة للهجرة ، والنبي صلّى الله عليه وآله استشهد في أوائل السنة الحادية عشر للهجرة ، ومن البعيد جدّاً أن يؤثر السم بعد سنتين. وأكثر وقد ورد في الروايات الواردة من طرق الشيعة والسنّة انّ الذراع أخبرته بأنّها مسمومة فلم يأكل منها ، وأكل منها بعض أصحابه فمات فوراً. (5) ولذلك يحتمل قويّاً ـ كما يظهر من بعض رواياتنا ـ انّه توفّي بسبب السمّ الذي دسّته إليه بعض أزواجه بعد واقعة الغدير بأمر من والديهما. وقد أشارت بعض روايات أهل السنّة إلى ذلك ، حيث يستفاد منها انّ بعض أزواجه أجبرت النبي صلّى الله عليه وآله على شرب شيء كان النبي يمتنع من شربه. ففي صحيح البخاري : حدثنا عَليُّ حَدَّثَنا يَحْيى وَزادَ قالَت عائِشَةُ لَدَناهُ في مَرَضِهِ فَجَعَلَ يُشيرُ اِلَيْنا اَنْ لا تَلدُّوني فَقُلْنا كَراهيّةُ الْمَريضِ لِلدَّواءِ فَلَمَّا اَفاقَ قالَ اَلَمْ اَنْهكُمْ اَنْ تَلُدُّوني قُلْنا كَراهِيّةُ المَريضِ لِلدَّواءِ فَقالَ لا يَبْقى اَحَدٌ فِي الْبَيْتِ اِلّا لُدَّ وَاَنا اَنْظُرُ العَبّاسَ فَاِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ (6) ـ وفي مسند أحمد : فإنَّه لم يَشْهَدْكُنَّ (7). ويظهر من ذلك انّ النبي صلّى الله عليه وآله اتّهم أزواجه بدسّ السمّ إليه ، وإلّا لا معنى لقوله : لا يبقى أحد في البيت إلّا لدّ . الهوامش 1. كفاية الأثر « للخزاز القمي » / الصفحة : 330 ـ 331 / الناشر : دليل ما. راجع : إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات « للحر العاملي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 344 / الناشر : أعلمي / الطبعة : 1. 2. الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة « لابن الصبّاغ » / المجلّد : 2 / الصفحة : 1093 / الناشر : دار الحديث للطباعة والنشر / الطبعة : 1. راجع : كشف الغمة في معرفة الأئمّة « لعلي بن أبي الفتح الإربلي » / المجلّد : 3 / الصفحة : 227 / الناشر : دار الأضواء. 3. سنن أبي داود / المجلّد : 2 / الصفحة : 369 ـ 370 / الناشر : دار الفكر / الطبعة : 1 : كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقبل الهدية ولا يأكل الصدقة ، زاد : فأهدت له يهودية بخيبر شاة مَصْلِيّة سمّتْهَا ، فأكل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم منها وأكل القوم ، فقال : « ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتني أنها مسمومة » فمات بشر بن البراء بن معرور الأنصاري ، فأرسل إلى اليهودية : « ما حملك على الذي صنعت » ؟ قالت : إن كنت نبياً لم يضرك الذي صنعت ، وإن كنت ملكا أرحت الناس منك ، فأمر بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقتلت ، ثم قال في وجعه الذي مات فيه : « ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت بخيبر ، فهذا أوان قطعت أبهري » . 4. صحيح البخاري / المجلّد : 5 / الصفحة : 137 / الناشر : دار الفكر : قالَ عُرْوَةُ قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْها كانَ النّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ يَقُولُ في مَرَضِهِ الَّذي ماتَ فيهِ يا عائشَةُ ما اَزالُ اَجِدُ اَلَمَ الطَّعامِ الَّذي اَكَلْتُ بِخَيْبَرَ فَهذا اَوانَ وَجَدْتُ انْقِطاعَ اَبْهَري مِنْ ذلِكَ السُّمِّ . راجع : السنن الكبرى « لأحمد بن الحسين البيهقي » / المجلّد : 10 / الصفحة : 11 / الناشر : دار الفكر. السيرة النبوية « لابن كثير » / المجلّد : 4 / الصفحة : 449 / الناشر : دار المعرفة للطباعة والنشر. فتح الباري « لابن حجر العسقلاني » / المجلّد : 2 / الصفحة : 208 / الناشر : دار المعرفة للطباعة والنشر / الطبعة : 2. 5. البرهان في تفسير القرآن « للسيّد هاشم البحراني / المجلّد : 2 / الصفحة : 117 / الناشر : مؤسسة الأعلمي / الطبعة : 2 : عن عبد الصمد بن بشير ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : أتدرون مات النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أو قتل إن الله يقول : ( أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ) فسُمّ قبل الموت إنهما سقتاه ، فقلنا : إنهما وأبويهما شر من خلق الله. 6. صحيح البخاري / المجلّد : 5 / الصفحة : 143 / الناشر : دار الفكر. 7. مسند أحمد بن حنبل / المجلّد : 40 / الصفحة : 308 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 1.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: أبو طالب كان مؤمناً موحّداً ومعتقداً بنبوّة ورسالة محمّد صلّى الله عليه وآله ، وكان يظهر إيمانه وإعتقاده من خلال الأشعار الكثيرة ، كقوله عليه السلام : ولقد علمت بانّ دين محمّد من خير أديان البريّة دينا وقوله : أنت النبي محمّد قرم أغرّ مسود لمسوّدين أكارم طابوا وطاب المحتد وكقوله في وصيّته : اوصي بنصر نبيّ الخير أربعة ابني عليّاً وعمّ القوم عباسا وحمزة الأسد الحامي حقيقته وجعفراً ان تذودا دونه الناسا وكقوله يمدح النبي الأعظم : لقد أكرم الله النبي محمّداً فاكرم خلق الله في الناس أحمد وشقّ له من اسمه ليجلّه فذو العرش محمود وهذا محمّد وكقوله في قصيدة في مدح النبي صلّى الله عليه وآله : أمين حبيب في العباد مسوّم بخاتم ربّ قاهر في الخواتم يرى الناس برهاناً عليه وهيبة وما جاهل في قومه مثل عالم نبيّ أتاه الوحي من عند ربّه ومن قال لا ، يقرع بها سنُّ نادم قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 3 / 314 ، قالوا وقد اشتهر عن عبد الله المأمون انّه كان يقول : أسلم أبوطالب والله بقوله : نصرتُ الرسول رسول المليك ببيض تلألأ كلمع البروق اذبّ واحمي رسول الإله حماية حام عليه شفيق وقوله للنجاشي يدعوه إلى الإسلام : تعلّم خيار الناس انّ محمّداً وزير لموسى وعيسى بن مريم أتى بالهدى مثل الذي أتيا به فكل بأمر الله يهدى ويعصم وانّكم تتلونه في كتابكم بصدق حديث لا حديث الترجّم فلا تجعلوا لله نداً وأسلموا فان طريق الحق ليس بمظلم وكان أمير المؤمنين علي عليه السلام يعجبه ان يروى شعر أبي طالب وان يدوّن ، وقال : تلموه وعلموه أولادكم فانّه على دين الله وفيه علم كثير . وقد ورد عن الأئمّة الأطهار عليهم السلام : انّ ايمان أبي طالب لو وضع في كفّة ميزان وايمان هذا الخلق في كفّة ميزان لرجح ايمان أبي طالب على إيمانهم . وعن الرضا عليه السلام في جواب كتاب عبدالعظيم الحسني : بسم الله الرحمن الرحيم امّا بعد فانّك ان شككت في إيمان أبي طالب كان مصيرك إلى النار. وعن الصادق عليه السلام انّه قال : يا يونس ما يقول الناس في أبي طالب ؟ قال : جعلت فداك يقولون هو في ضحضاح من النار وفي رجليه نعلان من نار تغلي منها امّ رأسه. فقال : كذب أعداء الله ، انّ أبا طالب من رفقاء النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. وفي الحديث : انّ نوره يوم القيامة يطفئ أنوار الخلائق إلّا خمسة أنوار. وفيه : انّ مثله مثل أصحاب الكهف وانّه كان مستودعاً للوصايا فدفعها الى رسول الله صلّى الله عليه وآله. وعليه فما ورد انّ النبي صلّى الله عليه وآله قال لأبي طالب عليه السلام عند موته : قل لا إله إلّا الله كذب محض ، فانّ النبي صلّى الله عليه وآله كان يعلم بايمان أبي طالب عليه السلام ، كيف نصدّق ذلك مع انّ أبا طالب لما حضرته الوفاة دعا بني عبد المطلب ، فقال : لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمّد وما اتبعتم أمره فاتّبعوه واعينوه ترشدوا. وفي لفظ : يا معشر بني هاشم اطيعوا محمّداً وصدّقوا تفلحوا وترشدوا. قال البرزنجي : هذا الحديث دليل على إيمان أبي طالب ، ونعما هو قال : قلت بعيد جدّاً ان يعرف انّ الرشاد في اتّباعه ويأمر غيره بذلك ويتركه هو ؟! وذكر ابن حجر في الإصابة 4 / 116 ، عن طريق اسحاق بن عيسى الهاشمي ، عن أبي رافع ، قال : سمعت أبا طالب يقول : سمعت ابن أخي محمّد بن عبد الله يقول : انّ ربّه بعثه بصلة الأرحام ، وان يعبد الله وحده ، ولا يعبد معه غيره ، ومحمّد الصدوق الأمين. [ أسنى المطالب / الصفحة : 6 ]. وروى الشيخ إبراهيم الحنبلي في نهاية الطلب ، عن عروة الوثقى ، قال : سمعت أبا طالب رضي الله عنه يقول : حدّثني ابن أخي الصادق الأمين ، وكان والله صدوقاً ، انّ ربّه أرسله بصلة الأرحام وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وكان يقول : أشكر ترزق ولا تكفر تعذّب. وللمزيد راجع البحار المجلّد 35 وكتاب الغدير.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: العقل يحكم بأن المسلم لابدّ أن يعرف أحكام دينه من الواجبات لكي يعمل بها ومن المحرّمات لكي يتركها. والعلم بالأحكام الإلهيّة يتحقّق بأمرين : إمّا أن يكون الشخص مجتهداً ، يتمكّن من استنباط ومعرفة الأحكام الشرعيّة من الكتاب والسنّة النبويّة والإجماع والعقل ، بأن يقضي عمراً طويلاً في دراسة القرآن والحديث وأقوال الفقهاء بحيث يحصل له ملكة الإجتهاد والتفقّه في الدين ؛ وإمّا أن يرجع إلى عالم مجتهد فيأخذ منه الأحكام الشرعيّة التي استنبطها وأخرجها من الأدلّة ، وهذا هو معنى التقليد. وهو يرجع إلى بناء العقلاء وسيرتهم من رجوع الجاهل في كلّ علم وحرفة وصنعة إلى العالم ، فالمريض يرجع إلى الطبيب العالم بالطبّ الذي هو يشخص المرض والعلاج ، ونفس هذا الطبيب يرجع إلى المهندس أو النجّار أو الحدّاد في بناء داره أو صنع الباب أو النوافذ الحديديّة. وبما ان تحصيل الاجتهاد والتمكّن من العلم بالأحكام الإلهيّة ليس ميسوراً لكلّ أحد ، إذ لابدّ أن يترك الناس أعمالهم وصنائعهم وحرفهم ويشتغلوا بعلم الفقه والتفسير والحديث ، فيختلّ النظام الإجتماعي ، فمن الطبيعي ان يتصدّى لذلك جماعة ويشتغل الآخرون بمشاغل أخرى يحتاج إليها النظام البشري. فالعقل يحكم على هؤلاء الذين لم يتمكّنوا من تحصيل الاجتهاد والتفقّه في الدين بالرجوع الى الفقهاء والمجتهدين ، فيكون التقليد واجباً عقلاً. نعم ، قد يرشد الشرع المقدّس الى وجوبه أيضاً لقوله تعالى : ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) [ الأنبياء : 7 ]. وقوله تعالى : ( فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) [ التوبة : 122 ]. نعم ، لو تمكّن أحد من الإحتياط التامّ بأن يفعل كل ما يحتمل وجوبه ويترك كلّ ما يحتمل حرمته يغني ذلك عن التقليد ، لكن هذا « الإحتياط الكامل في كلّ الأمور » لا يكون ممكناً لكلّ أحد ، إذ لابدّ أن يترك جميع أعماله ومشاغله ويشتغل بالإحتياط.