الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: ليس معنى ذلك اختصاص الروايات الصحاح بما يسمّى صحيحاً بالمصطلح الجديد بل هو نوع تعميم للروايات التي يجوز العمل بها ، فبعد أن ثبت حجّية خبر الثقة أضيف على الصحيح بالمعنى القديم ثلاث أقسام من الروايات التي يعمل بها : « الصحيح ، والموثّق ، والحسن » أو قسمين « خصوص الصحيح والموّثق » ، لكن القائلين بالصحيح بالمصطلح الجديد لا يضايقون العمل برواية ثبت صحّتها بطرق أُخرى كالقرائن الداخليّة أو الخارجيّة الموجبة للوثوق والاطمينان بصدور الرواية عن المعصومين. ولذا نقول : « إنّ أكثر القائلين بالمصطلح الجديد يقولون : بأنّ عمل المشهور برواية ـ حتّى لو كانت ضعيفة بالمصطلح الجديد ـ يوجب انجبارها ، وجواز العمل بها كما أنّ الرواية مهما ازدادت صحّة من حيث السند لو أعرض عنها المشهور ازدادت وهناً وضعفاً. نعم الاختلاف قد يكون في تشخيص القرائن الموجبة للوثوق بصدور الرواية ، وهذا أمر آخر تابع لاجتهاد المجتهدين ، ولا ربط له بمعنى الصحّة والضعف كالاختلاف الواقع في وثاقة الرواة بالتوثيقات العامّة أو الخاصّة.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: أكثر المفسّرين وأصحاب كتب الحديث صرّحوا بأنّ الآية الكريمة نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام ، وإليك بعض النماذج : 1 ـ الفخر الرازي في تفسيره الكبير في سورة المائدة في ذيل تفسير قوله تعالى : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ ... ) . (1) 2 ـ الشبلنجي في نور الأبصار. (2) 3 ـ الزمخشري في الكشّاف. (3) 4 ـ ابن جرير الطبري في تفسيره. روى بسنده عن غالب بن عبد الله قال سمعت مجاهداً يقول في قوله إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ قال نزلت في علي بن أبي طالب تصدق وهو راكع. (4) 5 ـ السيوطي في الدرّ المنثور في ذيل تفسير قوله تعالى : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ ... ) من سورة المائدة قال : وأخرج الخطيبُ في « المتفقِ والمفترِقِ » عن ابنِ عباسٍ قال : تصدَّقَ عليٌّ بخاتِمه وهو راكعٌ ، فقال : النبيُّ صلّى الله عليه وسلم للسائلِ : « مَن أعطاك هذا الخاتم ؟ ». قال : ذاك الراكعُ. فأنزلَ اللهُ فيه : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ ... ) . (5) 6 ـ الواحد في أسباب النزول ، بسنده عن أبي صالح عن ابن عبّاس وعن جابر بن عبد الله. (6) 7 ـ كنز العمّال ، عن ابن عبّاس. وكنز العمّال ، عن أبي رافع. (7) 8 ـ الهيثمي في مجمع الزوائد ، عن عمّار بن ياسر. (8) 9 ـ ذخائر العقبى ، عن عبد الله بن سلام. (9) 10 ـ الرياض النضرة. (10) الهوامش 1. راجع : التفسير الكبير « للرازي » / المجلّد : 12 / الصفحة : 25 ـ 31 / الطبعة : 3. 2. راجع : نور الأبصار « للشبلنجي » / الصفحة : 86 ـ 87 / الناشر : دار الفكر. 3. راجع : الكشّاف عن حقايق التنزيل وعيون الأقاويل « للزمخشري » / المجلّد : 1 / الصفحة : 624 / الناشر : دار المعرفة ـ بيروت. 4. جامع البيان في تفسير القرآن « للطبري » / المجلّد : 6 / الصفحة : 186 / الناشر : دار المعرفة ـ بيروت / الطبعة : 2. 5. راجع : الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور « للسيوطي » / المجلّد : 5 / الصفحة : 359 ـ 363 / الناشر : مركز هجر للبحوث والدراسات العربية والإسلامية. 6. راجع : أسباب النزول « للنيسابوري » / الصفحة : 113 ـ 114 / الناشر : دار الكتب العلميّة ـ بيروت / الطبعة : 5. 7. راجع : كنز العمال « للحسام الدين الهندي » / المجلّد : 13 / الصفحة : 108 / الناشر : دار الكتاب العربي ـ بيروت / الطبعة : 3. 8. راجع : مجمع الزوائد ومنبع الفوائد « للهيثمي » / المجلّد : 7 / الصفحة : 16 ـ 17 / الناشر : دار الكتب العربي ـ بيروت / الطبعة : 3. 9. راجع : ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى « للمحب الدين الطبري » / الصفحة : 102 / الناشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت. 10. راجع : الرياض النضرة « للمحب الطبري » / المجلّد : 3 / الصفحة : 178 / الناشر : دار الكتب العلمية ـ بيروت.
من سماحة السيّد جعفر علم الهدى المحقّقون من علماء الشيعة يقولون : بعدم تحريف القرآن الكريم لا بالزياددة ولا بالنقيصة ، ولكن وردت الروايات كثيرة من طرق السنّة والشيعة كليهما ظاهرها وقوع النقيصة في القرآن . وأوّل مَن اعتقد ذلك هو عمر بن الخطّاب حيث إنّه جاء بآية رجم الشيخ والشيخة إلى أبي بكر حينما أراد أن يجمع القرآن ، وادعى عمر أنّ هذه الآية من القرآن ، وطلب من أبي بكر أن يثبّته في المصحف لكن لم يقبل منه ذلك . وقد ورد عن عائشة أنّها قالت : « كانت سورة الأحزاب مئتي آية على عهد رسول الله ، فلمّا جمع عثمان المصاحف لم نقدر إلاّ على ما هو الآن » . وروي أيضاً عن أبّي ابن كعب إنّ سورة الأحزاب كانت لتضاهي سورة البقرة . إلى غير ذلك من الروايات التي يرويها إهل السنّة . وهناك روايات من طرق الشيعة أيضاً ، لكنّ المحقّقون من علمائنا الأبرار حملوها هذه الروايات على إرادة التفسير والتأويل ، وبيان شأن النزول بمعنى أنّ النقصان لم يكن في أصل القرآن الكريم ، ولم تسقط منه آية أو كلمة ، بل الساقط والمحذوف تفسير الآية وتأويلها . ولعلّ النوري (رحمه الله) ذكر الروايات الدالّة بظاهرها على وقوع النقيصة في كتابه : (فصل الخطاب) ، وأراد أن يجيب عن شبهة التحريف ، لكنّه لم يوفّق لذلك ، فطبع هذا القسم. وينقل بعض الأجلاء إنّ الشيخ النوري كتب مجلدين أحدهما هذا الكتاب الموجود المسمّى بفصل الخطاب ، يذكر فيه أدلّة القائلين بوقوع النقيصة في القرآن الكريم ، والثاني الجزء الآخر لهذا الكتاب ، وقد تعرّض للجواب عن هذه الأدلّة ، لكن الجزء الثاني من كتابه صار مفقوداً ، ولم يطبع ، فطبع الجزء الأوّل فقط . وعلى تقدير اعتقاده بوقوع النقيصة في القرآن فهو رأي شخصي له قد خالف في ذلك أكثر المحقّقيين من علمائنا المتقدّمين والمتأخرين ، فراجع كتاب البيان في تفسير القرآن للسيّد الخوئي (قدسّ سرّه) . ومن المحتمل أنّ الشيخ النوري (رحمه الله) قصد من تأليف هذا الكتاب بيان أنّ القوم قد أسقطوا ما ورد عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من التفسير والـتأويل للقرآن الكريم ، لا وقوع النقيصة فيما نزل على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من آيات القرآن وكلماته التي أوحاها الله إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، فالنقيصة إنّما حصلت في أمر خارج عن القرآن ، لكنّه مرتبط به أشدّ الارتباط ؛ لأنّه تفسير وتأويل وتفصيل لآياته .
الجواب من السيّد علي الحائري: العبّاس سلام الله عليه ليس إماماً ، وبعض الروايات تدلّ على أنّه عليه السلام كان له ابن. أمّا عن زواج الإبن وسلالته واستشهاده مع أبيه فلم نعثر على شيء بهذا الصدد ، والله العالم. وبإمكانكم مراجعة كتاب : [ قمر بني هاشم ] للسيّد عبد الرزّاق المقرّم.
الجواب من السيّد علي الحائري: خالفوا أمر النبيّ صلّى الله عليه وآله لأسباب عديدة من أهمّها أنّهم وسائر من كان بالمدينة حين رحيل الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله عاشوا ـ منذ اللحظات الأولى من رحيله صلّى الله عليه وآله ـ جوّ الإرهاب والتخويف الذي خلّفه الحزب المتآمر ـ والحاكم في ما بعد ـ للسيطرة على الوضع بيد حديديّة ، فإذا كان عمر في اللحظة الأولى من وفاة النبيّ صلّى الله عليه وآله قائماً على باب المسجد واقفاً شاهراً سيفه يتهدّد ويتوّعد الناس وهو يقول : إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لم يمت لكنّه ذهب إلى ربّه كما ذهب نبيّ الله موسى ـ عليه السلام ـ ، وإنّه سيعود ويقطع أيدي وأرجل رجال يزعمون إنّه مات. وكان لا يدع أحداً يدخل إلى الدار ، كي لا تتبيّن حقيقة الحال ، ولا يتّضح لدى المسلمين أن النبيّ صلّى الله عليه وآله قد مات ، ولا يفكّر أحد في ترتيب الخلافة إلى أن يأتي صاحبه أبو بكر وقد كان خارج المدينة ، فلمّا أتى قرأ على الناس قوله تعالى : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّـهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّـهُ الشَّاكِرِينَ ) (1) ، ثمّ ذهبا إلى سقيفة بني ساعدة ، وجرى هناك ما جرى من غسل الدماغ وتحريف المفاهيم وبيان أفضليّة المهاجرين وأفضليّة قريش وأفضليّة عشيرة النبيّ صلّى الله عليه وآله والتخويف والتهديد بالقتل لمَن لا يبايع ... إلى آخر الأحداث التي سجّلها المؤرّخون ـ سنّة وشيعة ـ. (2) أقول : إذا كان الأمر كذلك فأنّى للأنصار ـ ورئيسهم سعد بن عبادة مريض مسجّى ، وهو مضافاً إلى ذلك يَطمع أو يُطمع في شأنه أن يكون خليفة ـ أن يقاوموا ذاك الجوّ من الأرهاب الفكري والسياسي. وأمّا الشورى فهي كذب محض فلم تكن البيعة بالشورى ، ولم تكن عامّة في بداية الأمر لكنّها شيئاً فشيئاً اتّسعت رقعتها وشملت المسلمين ، فهي فلتة كما قالها أصحابها. ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (3). الهوامش 1. آل عمران : 144. 2. راجع صحيح البخاري / المجلّد : 3 / الصفحة : 172 ـ 173 / الناشر : دار الاحياء التراث العربي. راجع صحيح البخاري / المجلّد : 5 / الصفحة : 7 ـ 8. راجع صحيح البخاري / المجلّد : 8 / الصفحة : 209 ـ 211. راجع صحيح البخاري / المجلّد : 9 / الصفحة : 100 ـ 101. راجع مسند أحمد / المجلّد : 1 / الصفحة : 55 / الناشر : دار الفكر. 3. الشعراء : 227.
الجواب من السيّد علي الحائري: أركان الإسلام تنقسم إلى أصول وفروع : فالأصول عبارة عن : « التوحيد بالمعنى الشامل للعدل أيضاً » و « النبوّة بامتدادها الشامل للإمامة أيضاً » و « المعاد ». والفروع عبارة عن : « الصلاة » و « الصوم » و « الزكاة » و « الخمس » و « الحجّ » و « الجهاد » و « الأمر بالمعروف » و « النهي عن المنكر » و « التوليّ » و « التبريّ ».
الجواب من السيّد علي الحائري: الرواية الأولى والثانية وكذلك الرواية الثالثة التي وردت فيها جملة : « لا أحبّ ذلك » مرتبطة بتحليل الأَمَة ، والروايتان الأخيرتان مرتبطتان بوطي المرأة في الدّبر ، وهاتان مسألتان فقهيّتان مطروحتان في الفقه. المسألة الاولى : مسألة تحليل الأمة ، ولا موضوع لها في عصرنا الحاضر ؛ إذ لايوجد حاليّاً عبيد وإماء ، أمّا في العصر الذي كان يوجد فيه عبيد وإماء كان لابدّ من تشريع أحكامٍ بشأنهم ، فمن جملة الأحكام المشرَّعة في الشريعة الإسلامية بشأن الإماء هو أنّ مَن مَلَكَ أمةً جاز له وطؤها ، وجاز له أيضاً تحليلها لغيره ، فمِلك الأمة خطّ موازٍ لخطّ النكاح في الشريعة بمعنى أنّ المرأة الأجنبيّة لا تحلّ للانسان إلّا عن أحد طريقين : عقد النكاح والزواج ـ سواء الدائم والمنقطع ـ هذا هو الطريق الأوّل : وهو خطّ النكاح ، أمّا الطريق الثاني : فهو ملك اليمين : أيّ أن يتملك الإنسان أَمَةً أو إماءاً ـ فيما إذا كان يوجد في المجتمع عبيد وإماء ـ فإنّه إذا ملك الأمة حلّت له بدون الحاجة إلى إجراء عقد النكاح والزواج ، بل لا معنى لأن يتزوّجها مالكها إلّا إذا أعتقها وحرّرها من الرّقّية فأصبحت حُرّةً ؛ فإنّه حينئذٍ يتزوّجها بعقد الزواج كما يتزوّج الحرائر ، وقد ورد ملك اليمين كخطٍّ موازٍ لخطّ الزواج في العديد من الآيات الشريفة في القرآن الكريم ، من قبيل قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ) [ الأحزاب : 50 ] ، وغيرها من الآيات . وعلى أيّ حال فمالك الأمة كما يجوز له أن يبيع أمته لغيره ويملّكه رقبتها ، كذلك يجوز له أن يحلّلها لغيره ، أيّ أن يحلّل له فرجها ، والاستمتاع بها دون أن يملّكه رقبتها ، فالروايات الثلاثة الأولى مرتبطة بهذه المسألة الفقهية التي لا موضوع لها في عصرنا الحاضر ، وطبعاً للمسألة شروط خاصّة مذكورة في الفقه. أمّا المسألة الثانية : فهي مسألة وطي المرأة ـ زوجةً كانت أم أَمَةً ـ في دبرها ، وإتيانها من خلفها ، وهي أيضاً مسألة فقهيّة مطروحة في الفقه ، واختلف الفقهاء في حكمها ، فمنهم مَن حرّم الوطي في الدبر ، ومنهم مَن أجاز ، ومنهم مَن فَصَّل بين فرض رضاها بذلك ، وفرض عدم رضاها به ، فأجاز في الفرض الأوّل ، ومَنَع في الفرض الثاني ، والسبب في اختلاف فتاوى الفقهاء هو اختلاف الروايات. وعلى الإنسان أن يراجع فتوى المرجع الذي يقلّده لكِي يعرف حكم هذه المسألة ، والروايتان الأخيرتان تعتبران من الروايات الدالة على جواز ذلك ، لكن توجد أيضاً روايات أُخرى معارضة لها ، ففهم هذه الروايات بأجمعها ومعالجة التعارض بينها أمر لا يتمكّن منه إلّا ذووا الاختصاص في الفقه ، وهم الفقهاء ، وعلى سائر الناس أن يراجعوا الفقهاء الأخصّائيين لمعرفة أحكامهم ، والله المسدّد.
الجواب من السيّد علي الحائري: الاختلاف والخصام الذي أشير إليه في السؤال وكذلك الانتقاص من شأن المرأة ممّا لا يقرّ به الإسلام بل يرفضه رفضاً باتاً ، فلقد كان الناس أُمّة واحدة ثمّ اختلفوا فلذا بعث الله النبيين مبشّرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب لتحقّق العدالة ويقوم القسط بينهم ويزول الاختلاف والخصام الذي يتنافى مع القسط والعدل ، ولقد أقرّ الإسلام وأكّد على مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة ورفض أيّ انتقاص لشأن المرأة. وطبعاً يجب أن نميّز بين « المساواة » وبين « المماثلة » ، فالمساواة التي ينادي بها الإسلام بين الرجل والمرأة لا تعني مماثلة الرجل للمرأة في الحقوق والواجبات بل تعني أنّهما متساويان في الحقوق والواجبات المتناسبة مع طبيعة كلّ واحد منهما ، وعلى هذا الأساس فلا أصل لما سمّيتموه بالتفسير الذكوري والتفسير النسوي. ونحن نرى أنّ المنهج الأسلم لاستيعاب المفاهيم القرآنيّة عبارة عن الاستفادة من الدروس الحوزويّة في التفسير وفي سائر المعارف الإسلاميّة والقرآنيّة ، وهي غنيّة ومتوفّرة ، والحمد لله والسّلام عليكم.
الجواب من السيّد علي الحائري: لا علاقة لذلك بالنزعة العنصريّة أبداً ، فالعنصريّة هي النزعة التي تميّز الناس وترجّح بعضهم على بعض على أساس الدّم ، والعنصر الذي ينتمون إليه فيفضَّل مثلاً العنصر الآري على غيره ، وهذا ممّا لا يقرّ به الإسلام ويشجبه تماماً. أمّا مسألة حرمة زواج المسلمة من الكافر فهي عبارة عن ترجيح عقيدة على عقيدة وتفضيل مبدأ على مبدأ ، فالإسلام يرى أنّ أهمّ ما في الإنسان هو عقيدته ومبدؤه ويحاول الاجتناب عن كلّ ما يمكن أن يشكّل خطراً على المبدأ والعقيدة ويوجب الانحراف ، والمرأة عادةً تتأثّر بأفكار زوجها ، فإذا كان الزوج كافراً فمن الطبيعي أن يُتوقّع تأثّر الزوجة المسلمة بالتدريج بأفكاره ، وهذا ممّا لا يمكن للإسلام ـ الذي يرى أنّ الإيمان أهمّ شيء في الإنسان ـ أن يقبله ، فالقضية بعيدة كلّ البعد عن النزعة العنصريّة بل هي تمثّل النزعة العقيديّة والمبدأيّة في الإسلام ، واللّه العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: الإسلام دين شامل لكلّ جوانب الحياة وله موقف ورأي في كلّ الشؤون التي تمسّ الإنسان ومنها الشأن العامّ والشأن السياسي ، ومن الطبيعي جدّاً بالنسبة إلى كلّ مسلمٍ أن يحتكم إلى الشارع في كلّ شؤونه ، ويدعو أيضاً إلى الاحتكام إليه في كلّ الشؤون ، وليس هذا شيئاً قد ظهر في الآونة الأخيرة ـ كما توهّم السائل ـ بل الإسلام يمتاز بالشموليّة. قال تعالى : ( وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ) [ إبراهيم : 34 ] . وعن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « ما من شيء يقرّبكم إلى الجنّة ويبعدكم عن النار إلّا وقد أمرتكم به ، وما من شيء يبعدكم عن الجنّة ويقرّبكم إلى النار إلّا وقد نهيتكم عنه » . ويقول تعالى في الشأن العام والشأن السياسي : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّـهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) [ الأحزاب : 36 ] . وقال تعالى : ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) [ النساء : 65 ] . وقال تعالى : ( أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ) [ النساء : 59 ] . إذن لا مجال للديمقراطيّة ـ بمعناها الغربي ـ ولا للشورى ورأي الأمّة أو الأكثريّة في النظام السياسي الإسلامي وليست الأُمّة مصدر السلطات ولا الشورى ملزمة ، والمسلم لا يحتكم إلى رأي الجمهور ولا إلى الأكثريّة في تحديد النظام السياسي ، بل يحتكم إلى الكتاب والسنّة ، وقد عيّن الكتاب والسنّة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله على رأس النظام السياسي فقال : ( النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) [ الأحزاب : 6 ] ، ومن بعده الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه أفضل الصلاة والسّلام بالنصوص الكثيرة من القرآن والسنّة ، ومن بعده أحد عشر إماماً أوّلهم الحسن ثمّ الحسين ، ثمّ الأئمّة التسعة من ولد الحسين سلام اللّه عليهم أجمعين ، ونصّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله على عددهم في الحديث المتّفق عليه بين المسلمين فقال : « الأئمّة من بعدي اثنا عشر » ، وفي عصر غيبة الإمام الثاني عشر ـ كما في عصرنا الحاضر ـ أرجع الإسلام الناس إلى الفقهاء ، فهم ولاة الأمر في عصر الغيبة وهم الذين يحدّدون شكل الحكومة وسائر ما يرتبط بالجانب السياسي للمجتمع الإسلامي ، نعم قد يرى الفقيه الوليّ المتصدّي للجانب السياسي والحكومي المصلحة في أخذ رأي الناس أو التشاور مع مجموعة من الأخصّائيين وأهل الخبره في جانب من الجوانب ، فله ذلك والمجال مفتوح أمامه ، فتكون الشورى حينئذٍ من أجل تنضيج الفكرة الموجودة عنده ، لكنّها ليست ملزمة له ولا لغيره ، بل القرار النهائي يتّخذه وليّ الأمر ـ نبيّاً أو إماماً أو نائب إمام ـ ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ ) [ آل عمران : 159 ] فالعزم عزمه والقرار قراره ، وعلى الجميع أن يتّبعوه ويطيعوه. وصفوة القول هي أنّ الأكثريّة ليست مقياساً للحقّ ولا هي أقرب إلى الحقّ ولا هي مصدر السلطة ولا هي ملزمة ، وكذلك الشورى ورأي الأُمّة ، واللّه العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: إنّما يُحكّم العرف عندنا في فهم النصوص الشرعيّة ، وبالتالي في استنباط الأحكام الشرعيّة من مصادرها المقرّة ـ وهي عبارة عن القرآن الكريم والسنّة الشريفة ـ فالمناسبات العرفيّة المرتكزة في ذهن العرف تُلقي الضوء على الآية أو الرواية ، وبالتالي تجعلها ظاهرة عرفاً في معنى معيّن ، ويكون هذا الظهور العرفي حجّةً لدى الفقيه كما هو المقرّر في علم « أصول الفقه » ، فليس العرف بنفسه مصدراً للفتوى واستنباط الحكم الشرعي عندنا ، وإنّما المصدر هو الكتاب والسنّة ، غاية الأمر أنّ العرف ممّا يُستعان به في فهم الحكم الشرعي من مصدره ، والسّلام عليكم.
الجواب من السيّد علي الحائري: قبل الإجابة على الأسئلة الواردة أعلاه أودّ التنبيه على أمور ثلاثة : الأوّل : أنّ من الآداب التي ينبغي أن يلتزم بها كلّ مسلمٍ هو أن يصف الله بما هو وصف هو نفسه به ، ونحن نرى أنّه تبارك وتعالى وصف نفسه في القرآن الكريم بـ ( الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) حيث قال في آية الكرسي : ( وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) (1) ؛ فلماذا تقولون : صدق الله العظيم ؟!! الثاني : أنّ الرواية الأخرى القائلة : « كتاب الله وسنّتي » ليست ممّا اتّفق عليه الفريقان ، بل المتّفق عليه بين السنّة والشيعة هي الرواية الأولى القائلة : « كتاب الله وعترتي أهل بيتي » (2). الثالث : أنّ المستحب شرعاً عند ذكر إسم النبيّ هو الصلاة عليه وعلى آله ، أمّا الصلاة عليه فقط فهي الصلاة البتراء التي نهى صلّى الله عليه وآله عنها ؛ فلماذا تقولون : يقول النبيّ محمّد « صلّى اللّه عليه وسلّم » ؟ أليست هذه هي الصلاة البتراء المنهيّ عنها بإجماع المسلمين قاطبة ؟ والآن ندخل في صميم الموضوع ، ونحاول الإجابة على الأسئلة بالقدر الممكن في المقام : أمّا عن السؤال الأوّل ف هو أنّ عترة النبيّ صلّى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام هم : عليّ وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة التسعة من ذريّة الحسين وولده. وهم : علي بن الحسين السجّاد زين العابدين ، ومحمّد بن علي الباقر ، وجعفر بن محمّد الصادق ، وموسى بن جعفر الكاظم ، وعلي بن موسى الرضا ، ومحمّد بن علي التقي الجواد ، وعلي بن محمّد الهادي النقيّ ، والحسن بن علي العسكري ، ومحمّد بن الحسن المهدي القائم المنتظر. هؤلاء فقط هم عترته وأهل بيته المقصودون في هذا الحديث « حديث الثقلين ». وأمّا عن السؤال الثاني ف هو أنّ وجه الوصيّة بالعترة وأهل البيت عليهم السّلام هو أمر الله تبارك وتعالى نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بذلك ، والنبيّ صلّى اللّه عليه وآله لا يأتي بشيء من عنده : ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) (3) ؛ وقد صَرَّح صلّى الله عليه وآله في الحديث المتّفق عليه بين المسلمين كلّهم بأنّ الأئمّة من بعدي اثنا عشر (4). إذن هؤلاء هم العترة وهم أهل البيت وهم الأئمّة وهم خلفاؤه الحقيقيّون الذين وصّانا بهم النبيّ صلّى الله عليه وآله بأمرٍ من الله تبارك وتعالى ، بوصفهم امتداداً للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله في كلّ الصفات والخصوصيّات ما عدا النبوّة والوحي ، إذ لا نبيّ بعده صلّى الله عليه وآله ، فهو خاتم الرّسل والنبييّن قطعاً ، والشريعة الإسلاميّة هي خاتمة الشرائع ، والرسالة المحمّدية هي آخر رسالةٍ نزلت من السماء للبشريّة كلّها إلى يوم القيامة ، وحلال محمّد صلّى الله عليه وآله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة ، إلّا أنّ حلاله وحرامه لا يُعرف حقّاً إلّا من خلال الكتاب والعترة ؛ فالكتاب وحده لا يكفي ، إذ ليست فيه تفاصيل التشريعات والأحكام. فمقولة : « حسبنا كتاب الله » (5) مقولة خاطئة ، وتُنبئ عن سوء فهم للشريعة وللقرآن. هذا بالاضافة إلى أنّ القرآن نفسه بحاجة إلى مَن يفسّره ويشرحه للأُمّة ، إذ فيه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب ، وفيه أيضاً آيات متشابهات لابدّ من شرحها وبيان المقصود منها ، وهذا ممّا لا يعلمه إلّا العترة وأهل البيت الذين أكّدت الأحاديث الكثيرة على أنّهم ورثة علم رسول الله وخزّان الوحي وتراجمته. وأمّا عن السؤال الثالث ف هو أنّه لا يوجد هناك أيّ نزاع وخلاف بين المسلمين في حبّهم ، ولا ينكر أحد وجوب مودّتهم بوصفهم ذوي القربى الذين فرض الله تعالى مودّتهم وجعلها أجر الرسالة ، ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (6) ؛ فالمسلمون قاطبة مجمعون على مودّتهم. نعم هناك شرذمة قليلة تعاديهم وتعادي شيعتهم ، وهم النواصب ـ خذلهم الله تعالى ـ ، وهم محكومون بالكفر عندنا وإن انتحلوا الإسلام. وأمّا عن السؤال الرابع ف أنّ حبّهم وإن كان فرضاً وواجباً كما قلنا إلّا أن الذي أكّد عليه الحديث المذكور أعلاه ـ وهو حديث الثقلين ـ ليس عبارة عن حبّهم فحسب ، بل هو عبارة عن « الأخذ بالكتاب وبالعترة » أو « التمسّك بهما » على اختلاف النقل. ومن الواضح أنّ الأخذ والتمسّك بالشيء لا يتحقّق من خلال حبّه فقط ، بل يتحقّق من خلال اتّباعه والسير على منهجه وخطّه ، والعمل بما يقوله ويأمر به ، والارتداع عمّا ينهى عنه. فكما أنّ التمسّك بالقرآن لا يكون بحبّ القرآن بل بالعمل بالقرآن ، كذلك التمسّك بالعترة فلابدّ من العمل بأقوالهم واتّباع أفعالهم. ومن هنا كانت « السُنّة » عندنا أوسع دائرةً من السنّة النبويّة ؛ فهي تشمل أيضاً سنّة العترة أيّ أقوالهم وأفعالهم وكلّ ما أقرّوه وأمضوه ؛ فإنّ ذلك كلّه حجّة عندنا. وأمّا عن السؤال الخامس والأخير ف نعم ، بالإمكان جعل حبّ العترة هو المحور الرئيسي الذي يصلح أن يكون مدخلاً للتقارب وتوحيد الصف بين المسلمين ، وهذا ما نؤكّد عليه دائماً. والسّلام عليكم. الهوامش 1. البقرة : 255. 2. مسند أحمد / المجلّد : 3 / الصفحة : 14 و 17 / الناشر : دار الفكر. 3. النجم : 3 ـ 4. 4. بحار الأنوار « للمجلسي » المجلّد : 8 / الصفحة : 366 / الناشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت / الطبعة : 2. 5. صحيح البخاري / المجلّد : 5 / الصفحة : 11 ـ 12 / الناشر : دار إحياء التراث العربي. 6. الشورى : 23.
الجواب من السيّد علي الحائري: هو أنّ هذه المشكلة محلولة لدى فقهائنا من خلال « علم الرجال » الذي هو أحد العلوم التي يستند إليها الإجتهاد والاستنباط وتعتمد عليها الفقاهة ، فالفقيه لا يكون فقيهاً إلّا بعد أن يتقن جملةً من العلوم ويقضي شطراً كبيراً من عمره في الإمعان فيها ، ومن جملة هذه العلوم « علم الرجال » الذي يتكفّل إثبات الوثاقة أو عدم الوثاقة في كلّ طبقات الرواية إلى أن يصل السند إلى الأئمّة عليهم السلام. وهناك ضوابط ومقاييس لإثبات الوثاقة في كلّ راوٍ من الرواة وفي كلّ طبقة من الطبقات ، وهناك أيضاً ضوابط ومعايير لاعتماد الفقيه على رواية من الروايات في مجال فهم الحكم الشرعي واستنباطه أو عدم اعتماده على رواية في هذا المجال ، كلّ هذا ممّا تتطلبه عمليّة الاستنباط والاجتهاد وهي عمليّة تخصّصية تحتاج إلى دراسةٍ حوزويّة متقنة في الحوزات العلميّة وعلى يد أساتذة من أهل الفنّ والاختصاص في هذا المجال ، ولا يتاح ذلك لكلّ أحد فكما لا يمكن لكلّ إنسان أن يمارس « الطبابة » ، لأنّ الطبّ علم واختصاص ويتوقّف على دراسة متقنة وطويلة الأمد ، كذلك لا يمكن لكلّ إنسان أن يمارس « الاجتهاد ». إذن فالواجب على أمثال الأخ العزيز السائل مراجعة الفقهاء والمجتهدين وذوي الإختصاص واتّباعهم في معرفة الحكم الشرعي وليس الواجب عليه أن يجتهد هو ويستنبط كِي يواجه هذه المشكلة ، تماماً كما يراجع الطبيب الأخصّائي في معرفة المرض وعلاجه من دون أن يمارس هو شخصيّاً عمليّة « الطبابة » ، فالواجب عليه التقليد لا الاجتهاد.
من سماحة السيّد علي الحائري