الجواب من السيّد علي الحسيني الميلاني: ليس الكلام حول أبي هريرة من جهة كثرة أحاديثه عن رسول الله صلّى الله عليه وآله فقط بل الكلام في عدالته ووثاقته أيضاً ، ولسنا نحن الوحيدين في التكلّم في أبي هريرة. وقولك بأنّ أهل السنّة يثقون به ويعتمدون عليه خاطئ ، فقد وجدنا في الصّحابة والتابعين وكبار أئمّة أهل السنّة السابقين وفي الكتّاب المعاصرين منهم من يتكلّم في هذا الرجل ، وتلك مصادركم هي التي تحكي طعن الأكابر فيه ، ونحن نذكر هنا طرفاً من ذلك : قال شيخ الإسلام السرخسي : لما بلغ عمر رضي الله عنه أن أبا هريرة يروى بعض ما لا يعرف قال : لتكفن عن هذا أو لألحقنك بجبال دوس (1). بل لقد اعترف أبو هريرة بذلك عندما قال : لقد حدَّثتكم بأحاديث لو حدَّثتُ بها زمن عمر لضربني عمر بالدِّرَّة (2). وسيأتي عن الإمام ابن قتيبة تكذيب عمر وعثمان وعلي وعائشة. هذا بالنسبة إلى الصحابة باختصار ، وأمّا التابعون فانظر تكذيبهم لأبي هريرة وتكلّمهم فيه في البداية والنهاية لابن كثير (3). هذا ، وقد كان من أسباب الطعن في أبي هريرة كثرة حديثه. قال الإمام ابن قتيبة : وأما طعنه على أبي هريرة بتكذيب عمر وعثمان وعليٍّ وعائشة له ، فإن أبا هريرة صحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، نحواً من ثلاث سنين ، وأكثرَ الرواية عنه وعُمِّر بعده نحواً من خمسين سنة ، وكانت وفاته ، سنة تسع وخمسين ، وفيها توفيت أم سلمة ، زوج النبي صلّى الله عليه وسلّم ، وتوفيت عائشة رضي الله عنها ، قبلهما بسنة. فلما أتى من الرواية عنه ، ما لم يأت بمثله من صحبه من جلة أصحابه والسابقين الأولين إليه ، اتهموه ، وأنكروا عليه ، وقالوا : كيف سمعت هذا وحدك ؟ ومن سمعه معك ؟ وكانت عائشة رضي الله عنها ، أشدهم إنكاراً عليه ، لتطاول الأيام بها وبه. وكان عمر أيضاً ، شديداً على من أكثر الرواية ، أو أتى بخبر في الحكم ، لا شاهد عليه ... (4) وأبو هريرة نفسه كان يعلم بذلك ؛ فقد روي عنه : وعنه ، قال : إِنَّكم تقولون : أكثر أبو هريرة عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ، والله الموعِدُ ... (5) إذن الصحابة تكلّموا فيه ، التابعون تكلّموا فيه ، وسائر العلماء تكلّموا فيه ... ، فإن كانوا على حقّ فأبو هريرة يستحقّ ذلك ، وإن كانوا مبطلين فما ذنبنا. وأمّا ما ذكرتم من خبر فإنّه إن صحّ يدلّ على أنّ أبا هريرة قد حفظ ببركة دعاء النبي كلّ ما سمع من النبي صلّى الله عليه وآله ، أمّا أنّه قد سمع كلّ ما كان يروي فلا دلالة للخبر عليه. هذا ، ونتمنّى لكم التوفيق لأن تكونوا من المحقّقين لا من المقلّدين. الهوامش 1. كتاب الأصول « للسرخسي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 341 / الناشر : دار المعرفة ـ بيروت. 2. جامع البيان العلم « لابن عبد البر » / المجلّد : 1 / الصفحة : 1003 / الناشر : دار ابن الجوزي / الطبعة : 2. 3. البداية والنهاية « لابن كثير » / المجلّد : 8 / الصفحة : 109 / الناشر : دار الفكر. 4. تأويل مختلف الحديث « لابن قتيبة » / الصفحة : 41 / الناشر : دار الكتب العلمية ـ بيروت. 5. المرقاة في شرح المشكاة « لملا علي القاري » / المجلّد : 5 / الصفحة : 458.
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: أطبقت آراء علماء المذاهب الإسلاميّة على انحراف وضلالة ابن تيميّة ، وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر بعض الموارد : 1. قالوا : « كفاك لعنة اقتدائك بالشقي ابن تيميّة ، أجمع علماء عصره على ضلاله وحبسه ، ونودي من كان على عقيدة ابن تيميّة حل ماله ودمه » (1) . 2. « ولا زال ابن تيميّة يتتبع الأكابر ، حتّى تمالا عليه أهل عصره ، ففسّقوه وبدّعوه ، بل كفّره كثير منهم » (2) . 3. رفض مجموعة من علماء المذاهب المختلفة آراءه ومعتقداته ، مثل : الإمام صدر الدين بن الوكيل المعروف بابن المرحل الشافعي ، الإمام أبو حيّان ، الإمام عزّ الدين ابن جماعة ، الإمام كمال الدين الزملكاني الشافعي ، ملّا علي القاري الحنفي ، شهاب الدين الخفاجي الحنفي ، الإمام محمّد الزرقاني المالكي ، الإمام تقي الدين السبكي الشافعي ، الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي ، الإمام عبد الرؤوف المنّاوي الشافعي ، الشيخ مصطفى الحنبلي الدمشقي ، الإمام شهاب الدين أحمد بن حجر المكّي الشافعي ، الإمام صفي الدين الحنفي البخاري ، الحافظ عماد الدين بن كثير الشافعي ، شيخ الإسلام صالح البلقيني الشافعي ، الحافظ جلال الدين السيوطي الشافعي (3) . 4. إنّ شيخهم ابن تيميّة ، قال عنه علّامة زمانه علاء الدين البخاري : إنّ ابن تيميّة كافر ، كما قاله علّامة زمانه زين الدين الحنبلي ، إنّه يعتقد كفر ابن تيميّة ، ويقول : « إنّ الإمام السبكي معذور بتكفير ابن تيميّة ، لأنّه كفّر الأُمّة الإسلاميّة » (4) . 5. قال علماء المذاهب : إنّ ابن تيميّة زنديق ، وقال ابن حجر : إنّ ابن تيميّة عبد خذله الله ، وأضلّه وأعماه ، وأصمّه وأذلّه ، وقال العلماء : إنّ ابن تيميّة تبع مذهب الخوارج في تكفير الصحابة ، وقال الأئمّة الحفّاظ : « إنّ ابن تيميّة من الخوارج ، كذّاب أشر أفّاك » (5) . 6. فاعلم إنّي نظرت في كلام هذا الخبيث ـ ابن تيميّة ـ الذي في قلبه مرض الزيغ المتتبع ما تشابه في الكتاب والسنّة ابتغاء الفتنة (6) . هذا جملة ممّا أردنا ذكره هنا بعد إعراضنا عن الكثير ممّا قيل في هذا المجال. الهوامش 1. سيف الجبّار : 19. 2. تطهير الفؤاد من دنس الاعتقاد : 10. 3. أُنظر : شواهد الحقّ : 177. 4. فضل الذاكرين والردّ على المنكرين : 23. 5. نفس المصدر السابق. 6. التوسّل بالنبيّ وبالصالحين : 216.
الجواب من الشيخ محمد السند: قد حقّق العلّامة السيّد عبد الرزّاق المقرّم في كتابة السيّدة سكينة بنت الإمام الشهيد عليه السلام أنّ مصعب الزبيري صاحب كتاب « نسب قريش » الذي كان من أشدّ الناس عداوة لأمير المؤمنين وولده ، وقد نسب كلّ ما كان لسكينة بنت خالد بن مصعب بن الزبير التي تجتمع مع ابن أبي لبيعة الشاعر والمغنيات يُغنّينَ لهم ، فنسب ذلك إلى بنت الحسين عليه السلام ، ثمّ تابعه المدائني ، ثمّ زاد عليهما الزبير بن بكار وابنه ، وهما من آل الزبير ، وهم المعروفون بعدائهم لآل علي عليهم السلام ، ثمّ تلقّاها المبرد عن هؤلاء الوضّاعين ، وعنه أخذها تلميذه الزجاجي وغيره من دون تمحيص ، فأضلّوا كثيراً من الكتاب والمؤرّخين حتّى رووها بلا اسناد موهمين أنّها من المسلمات إلى غير ذلك من الكتاب كأبي الفرج الأصفهاني الأمويي النزعة والعداوة لآل البيت عليهم السلام ، وقد استعرض العلّامة المقرّم سند تلك الروايات وبيان تراجمهم في كتب الجرح والتعديل عند أهل السنّة وشهادتهم عليهم بالوضع والعداوة لأهل البيت عليهم السلام. وكيف يتصوّر في بنت سيّد الشهداء التي قال عنها عليه السلام : « يا خيرة النسوان » [ ينابيع المودّة لذوي القربى ، المجلد : 3 / الصفحة : 79 / الناشر : دار الأسوة / الطبعة : 1 ] ، أن ينسب لها تلك الرذائل ومقارفة المحرّمات ، وقال عنها عليه السلام : « وأمّا سكينة فغالب عليها الاستغراق مع الله » [ الكنى والألقاب ، المجلّد : 2 / الصفحة : 455 / الناشر : مؤسسة النشر الإسلامي / الطبعة : 1 ] . لاحظ « اسعاف الراغبين » للصبان بهامش نور الأبصار : 202 ، وكانت سلام الله عليها في كنف السجّاد ، ثمّ الباقر والصادق عليهم السلام بعد الطفّ. كما أنّه تعرض إلى رواية تزوّج مصعب بن الزبير بها وأنّها رواية موضوعة ، وذكر في ذلك فصول عديدة من كتابه وشواهد دامغة. فلاحظ الكتاب المزبور.
من سماحة الشيخ حسن الجواهري إنّ الأئمة الاثنى عشر قد عيّنهم النبي صلى الله عليه وآله بأمر من الله تعالى ، وقد وردت بذلك نصوص كثيرة في كتب الشيعة والسُنّة ، فلا يمكن ادراج أحد أو إخراج أحد في الأئمة الاثنى عشر . أمّا معنى العصمة : فهو بمعنى أن يتمثل الذنب للمكلف بصورة قبيحة جداً ، فلا يفكر في الاقدام عليه ، مثلاً إذا كنت مقتنعة بفساد أكل القاذورات ، فلا تفكرين في أكلها ، وهذا معناه أنّك معصومة من تناول القاذورات ، فالأئمة سلام الله عليهم تكون الذنوب بالنسبة لهم القاذورات بالنسبة لنا ، فلا يفكرون في فعل الذنوب ، فهم معصومون من ذلك . والمعصوم : وهو الذي لا يغفل عن ذكر الله تعالى ، وعدم غفلته هذه تمنعه من ارتكاب الذنوب ومن الغفلة والنسيان والخطأ . وقد يعدّ المعصوم ترك الأوْلى بالنسبة له ذنباً يستغفر الله منه ؛ لأنّه يرى أن مقامه يستدعي أن يفعل الأولى والأصلح ، فلو أقدم في فعله على ترك الأولى والأصلح اعتبره ذنباً ، فاستغفر الله منه . والخلاصة : إنّ المعصوم هو الذي لا يغفل عن ذكر الله ، ولا ينسى عظمة الله ، ولا ينظر إلى الذنب إلا كالقاذورة الخارجية ، فهو لا يقدم على ذنب أصلا ً ولا يفكر فيه ، ولا ينسى واجباته وتكاليفه ، ولا يخطأ بها ؛ لأنّه دائماً في ذكر الله تعالى . هذا وقد قامت الأدلة القرآنية والروائية على عصمة الأئمة من أهل البيت ؛ قال تعالى : { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } (الأحزاب/33). فإذا ذهب الرجس عن الأئمة وطُهّروا ، فمعناه أنّهم معصومون . وقال صلى الله عليه وآله : « إنّي مخلّف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبداً » ، فجعل التمسك بأهل البيت ، والتمسّك بالقرآن موجباً لعدم الضلالة ، إذا كان أهل البيت يخطأون ويذنبون ، فكان التمسك بهم ضلالة واتباعاً لهم في الحرام ، بينما قال الحديث : بعدم الضلالة إذا تمسك بهما . أمّا السيّدة زينب : فمن الممكن أنّها قد وصلت إلى مرحلة أنّها تنظر إلى الذنب كنظرنا إلى القاذورات ، ولا تفكر في ارتكابها فتكون معصومة ثبوتاً وواقعاً ، وإن لم يكن دليل لفظي على عصمتها ، كما ورد ذلك بالنسبة إلى الأئمة سلام الله عليهم ، وإلى السيّدة فاطمة الزهراء ، وإن احتمل وجود ذلك لو بحثنا عنه .
الجواب من السيد علي الميلاني: إنّ أهل العلم يعلمون بأنّ من أولى قواعد البحث وأصول المناظرة حجيّة الكلام المحتجّ به عند الطرف الآخر المحتجّ عليه ، وإلّا فلا يجوز الاحتجاج ؛ وقد نصّ على هذا أئمّة الفنّ في كتب هذا الشأن ، وصرّح به أكابر العلماء كابن حزم الاندلسي الحافظ في كتابه « الفصل » ؛ فهذه هي القاعدة العامّة. وبالنسبة إلى هذه الرسالة ، فإنّها موضوعة مكذوبة عند الإماميّة ، فلا يجوز لأحد أن يحتجّ بها عليهم ، بل إنّها عند أهل السُنّة أيضاً غير ثابتة. فإنّا لمّا وقفنا عليها منذ مدّة مديدة ، راجعنا سندها في كتب القوم ، فلم نجد لهم فيها ذكراً ، فهي بلا سند معتبر حتّى عندهم أيضاً ، فكيف يحتجّون بها على الإماميّة ؟ ثمّ إنّ قائل : « حدّثنا الشيخ الفقيه » ، في أوّل الرسالة ، من هو ؟ والذي تمّت كتابته على يده المذكور في آخرها من هو ؟ هذا ، ولا يخفى أنّه يكفي بسقوط الخبر عن الاعتبار عدم وثاقة واحد من رجاله. إنّه ـ لهذه النقاط وغيرها ـ لم نهتمّ بهذه الرسالة حين وقفنا عليها في السابق ، ولا يهتمّ بها عاقل له أقلّ حظّ من العلم والفهم !! وأمّا الكلام على مطالب هذه الرسالة ومواضيعها فله مجال آخر ، ويأتي دوره بعد البحث والتحقيق عن سند الرسالة ؛ فعلى من يحتجّ بهذه الرسالة علينا ، إمّا إثبات صحّة سندها المذكور في أوّلها حتّى نباحث في مواضيعها ، وإمّا الإقرار بكذبها ووضعها ، ثمّ طرح مطالبها من غير أن تنسب إلى الإمام عليه السلام ، وحينئذ لا مانع من البحث معه فيها والجواب عمّا جاء فيها كأيّ سؤال آخر يصلنا ونجيب عنه.
الجواب من السيد علي الميلاني: هناك في واقعة الهجرة قضيّتان وردت في كلّ منها آية من القرآن الكريم : احداهما : تتعلّق بالإمام علي عليه السلام ، وهي قضيّة مبيته على فراش النبي صلّى الله عليه وآله. نزل فيها قوله تعالى : ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ) (1). والاُخرى : تتعلّق بأبي بكر ، وهي قضيّة كونه مع النبي صلّى الله عليه وآله في الغار. نزل فيها قوله تعالى : ( ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) (2). لكنّ مفاد الآية في قضيّة علي عليه السلام أنّه باع نفسه لله بكلّ سكينة وارتياح واطمينان ، ومفاد الآية في قضيّة أبي بكر أنّه كان خائفاً مرتبكاً مضطرباً ؛ فأيّهما أفضل ؟ ! ثمّ إنّ المأمون العباسي ـ وهو عند القوم أمير المؤمنين ـ ، بحث عن قضيّة أبي بكر مع يحيى بن أكثم ـ وهو قاضي القضاة ـ ، في جلسة حضرها كبار علماء بغداد ، وانتهت الجلسة بأنّ لا فضيلة لأبي بكر في القضية ؛ فراجعوا التفصيل في كتاب « العقد الفريد » لابن عبد ربه القرطبي. (3) على أنّ بعض المحقّقين يرى أنّ النبي أخذ أبا بكر معه لئلّا يطّلع المشركون على موضعه عن طريق أبي بكر ؛ لأنّه كان رجلاً ضعيفاً رقيقاً ، كان يمكن افشاؤه السرّ لو ضُغط عليه ، وقد جاء في صحيح البخاري وغيره ما يدلّ على ضعف أبي بكر في موارد مختلفة. (4) الهوامش 1. البقرة : 207. 2. التوبة : 40. 3. راجع : العقد الفريد « للقرطبي » / المجلّد : 5 / الصفحة : 92 ـ 102 / الناشر : دار الكتاب العربي ـ بيروت. 4. راجع : صحيح البخاري / المجلّد : 1 / الصفحة : 268 ـ 279 / الناشر : عالم الكتب ـ بيروت / الطبعة : 5.
الجواب من السيّد علي الحسيني الميلاني: في آية الغار ودلالتها على فضيلة ومنقبة لأبي بكر بحوث منذ صدر الإسلام ؛ وقد كتب العلماء من الفريقين في هذا المسألة رسائل كثيرة ، وما ذكر هنا طرف من تلك البحوث المطروحة من الجانبين. ولعلّ من الأفضل الرجوع إلى مناظرة الخليفة المأمون مع علماء عصره بشأن هذه الآية ومدلولها ؛ وذلك لأنّ المأمون « أمير المؤمنين » عند القوم ، والراوي للمناظرة هو العالم السنّي الأندلسي « ابن عبد ربّه » رواها في كتابه المشهور « العقد الفريد » ، وقد أذعن العلماء الحاضرون في المجلس ـ وهم أئمّة القوم ـ بما قاله الخليفة ... هذا أوّلاً. (1) ثانياً : قول الإماميّة بأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله أخذ أبابكر معه لئلّا يطّلع المشركون عن طريقه على مكان النبي ، يدعمه ما جاء في صحاح القوم وغيرها من كتبهم من وصف أبي بكر بأنّه : « كان رجلاً رقيق القلب » و « ضعيف الحال » ... ، أيّ في الحقيقة « كان رجلاً جباناً » ، ومن كان هذا حاله فإنّه يخشى أن يكشف عن السرّ بأقلّ تهديد وأخفّ إكراه ... ، فلا يبقى لاصطحاب النبي إيّاه دلالة على فضيلة له إن لم يكن العكس. (2) وثالثاً : ولو أصرّ أحد على دلالة الآية على شأن لأبي بكر ـ وبغضّ النظر عن الإيرادات والانتقادات ـ ، فلا ريب في أنّه قد استولى عليه الخوف والحزن هناك ، لكنّ عليّاً الشجاع المقدام والبطل الهمام نزل في مبيته على فراش أخيه ما لم ينزل في حقّ غيره ، ووصف بأنّه قد باع نفسه لله ولحماية الإسلام وحفظ رسول الله ، وكم فرق بين الأمرين يا أهل العلم والانصاف. الهوامش 1. العقد الفريد « للقرطبي » / المجلّد : 5 / الصفحة : 92 ـ 102 / الناشر : دار الكتاب العربي ـ بيروت. 2. راجع : صحيح البخاري / المجلّد : 1 / الصفحة : 268 ـ 279 / الناشر : عالم الكتب ـ بيروت / الطبعة : 5.
الجواب من الشيخ محمد السند: قال تعالى : ( أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى ) (1) ، فجعل الله تعالى إيواء النبي صلّى الله عليه وآله عند أبي طالب من نعم الله تعالى التي يمتنّ الباري تعالى بها على النبي صلّى الله عليه وآله على حذو امتنانه على الرسول صلّى الله عليه وآله بهداية الناس إلى الإيمان برسالة النبي صلّى الله عليه وآله ، وعلى حذو امتنانه تعالى على إغناء النبي صلّى الله عليه وآله بمال خديجة ، وهذا ممّا يدلّل على مديح القرآن الكريم لأبي طالب ، وأنّه قد قام بالمهمّة العظيمة الكبرى لخدمة الرسالة. هذا مضافاً إلى أشعاره المذكورة في المصادر التاريخيّة ، وقد ذكرها المجلسي في البحار وغيرها من الكتب عن تلك المصادر القديمة (2). مضافاً إلى عدم تعقّل كون أبي طالب على دين مشركي قريش ، وهو يحامي مستميتاً عن دين الرسول صلّى الله عليه وآله ، ويتحمّل كل هذا العناء والمقاطعة من قريش في شعب أبي طالب ، ويفدي النبي صلّى الله عليه وآله بأبنائه وهو يرى اعتناقهم لدين النبي صلّى الله عليه وآله . ومع كل ذلك كيف يتعقّل أن يكون على غير دين النبي صلّى الله عليه وآله وهو يقف بصلابة محامياً عن الدين الحنيف ، ويكون موته عام حزن للنبي صلّى الله عليه وآله ؟! وهل يحزن النبي على مشرك والعياذ بالله تعالى ؟! ويقول له جبرئيل عن الله تعالى : « اخْرُجْ مِنْ مَكَّةَ ، فّلَيْسَ لَكَ فيها ناصِر » (3). فيجعل الباري تعالى المسلمين كلّهم في كفّة ، وأبو طالب في كفّة اُخرى في نصرة النبي صلّى الله عليه وآله. الهوامش 1. الضحى : 6 ـ 8. 2. بحار الأنوار / المجلّد : 35 / الناشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت / الطبعة : 2. 3. الكافي « للكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 373 ـ 374 / الناشر : المكتبة الإسلامية ـ طهران.
الجواب من الشيخ محمّد هادي آل راضي: الإيراد المذكور يتوقف على أمرين : الأوّل : صحّة هذه الرواية. الثاني : تأخّر تشريع هذا الحكم عن وفاة أبي طالب عليه السلام. وكلّ منهما يمكن المناقشة فيه. أمّا الرواية : فليس لها سند واضح ، وقد رواها ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة بعنوان : « وروي » ، بلا سند. (1) وأمّا الثاني : فقد يقال ـ على تقدير عدم وجود ما يدلّ على الحكم قبل الآية ـ إنّ المتأخر هو إعلان التشريع وإبلاغه للمسلمين دون أصل التشريع ، بمعنى إنّ أصل الحكم كان مشرعاً ومعلوماً للنبي صلّى الله عليه وآله ، وإنّما تأخّر الإعلان عنه لمصلحة التدرّج في بيان الأحكام الشرعيّة المعلومة للجميع ، وهذا يمنع من إقرار النبي صلّى الله عليه وآله هذا النكاح ، لو لم يكن أبو طالب عليه السلام مسلماً. ثمّ إنّ عدم تماميّة هذا الدليل على إيمان أبي طالب عليه السلام لا يعني إلّا بطلان دليل واحد من بين عشرات الأدلّة المحكمة الدالّة على إيمانه ، ممّا يعني إنّ اعتقادنا بإيمانه لا يتأثر بهذا الإيراد حتّى لو كان تامّاً. الهوامش 1. شرح نهج البلاغة « لابن أبي الحديد » / المجلّد : 14 / الصفحة : 69 / الناشر : منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي ـ قم / الطبعة : 2.
الجواب من الشيخ محمد السند: قال تعالى : ( فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّـهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا * ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ) (1). فإيتاء الكتاب لا يكون إلّا بوحي نبوي ، والتعبير بـ ( وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ) هو بالفعل لا مستقبلاً ، وإلّا لكان حقّ التعبير هو ( سيجعلني نبياً ) ، وكيف يتمّ إيتاء الكتاب وهو مجموع تشريعات الدين والشريعة ، ولا يكون ذلك وحياً نبوياً ؟! ولفظ ( آتَانِيَ ) يفيد التحقّق بصيغة فعل الماضي ، ويشير ( وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ) . ( أَوْصَانِي ) فعل ماضي ، وليس فعل مضارع ولا مستقبل ؛ فهذه أصول تشريعيّة أمر الله تعالى عيسى وهو في المهد صبياً. ثمّ أنّ الذي يحكى عن المستقبل هو علم بالغيب المستقبلي بتوسط الوحي النبوي ، فهذه المقولة للبعض متناقضة. الهوامش 1. مريم : 29 ـ 34.
من سماحة الشيخ محمّد السند
من سماحة الشيخ علي الكوراني عقيدتنا أنّه يستحيل رؤية الله تعالى بالبصر في الدنيا أو في الآخرة ؛ لأنّ الشيء الذي يمكن أن يرى هو الموجود المادّي الخاضع لقوانين المكان والزمان ، والله تعالى ليس من نوع المخلوقات التي صنعها وجعلها خاضعة للزمان والمكان ، وإن أردت تفصيل الموضوع فراجع أوّل المجلد الثاني من العقائد الإسلامية في شبكة رافد ، والله يرعاك .
الجواب: من سماحة السيّد علي الميلاني المانع هو الدليل العقلي والنقلي على أنّ الله تعالى ليس بجسم ، وما ليس بجسم ، فلا يرى مطلقاً ، والقرآن الكريم يفسّر بعضه بعضاً ، وهذه الآية ونحوها لا بدّ من حملها على ما هو أظهر منها : كقوله تعالى لموسى : { لَنْ تَرَانِي } {الأعراف/143} . وقوله لأصحابه :{ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ ... } {البقرة/55} . وقوله تعالى : { لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } {الأنعام/103}. وهو مطلق ، وغيرها من الآيات ، وعلى فرض عدم وجود ما يدلّ على الامتناع في القرآن ، ففي الأدلّة العقلية والنقليّة القطعية كفاية . والأحاديث الواردة كلّها عاميّة ، وقول أهل البيت (عليهم السلام) الثابت عنهم هو الامتناع كما في ( الكافي ) للكليني (رحمه الله) ، و (كتاب التوحيد ) للصدّوق (رحمه الله) وغيرهما من كتب مشايخ الطائفة ، وأقوال الصوفيّة لا اعتبار بها في مثل هذه المسائل الأساسيّة المهمة .
من سماحة الشيخ محمّد السند قد وردت عدة روايات منها ما قاله أمير الؤمنين ( ع ) لأخيه عقيل : « انظر لي امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب لأتزوجها فتلد لي غلاماً فارساً ، ولكي أصيب منها ولد يكون شجاعاً وعضداً ينصر ولدي الحسين ويواسيه في طفّ كربلاء » . فقال له عقيل : « تزوج يا أمير المؤمنين أم البنين الوحيدية الكلابية ؛ فإنّه ليس في العرب أشجع من آبائها » . فتزوجها علي ( ع ) . وقد روي عنها أنّها رأت في المنام قبل زواجها به ( ع ) أنّ هاتفاً يهتف بها : بشراك فاطمة بالسادة الغرر * ثلاثة أنجم والزاهر القمر أبوهم سيّد في الخلق قاطبة * بعد الرسول كذا قد جاء في الخبر واُمّها : ثمامة بنت سهيل بن عامر ، وكانت ثمامة بمكان من النبل والأدب . وأبوها : أبو المحل ، واسمه حزام بن خالد بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن بكر بن هوازن ، من شجعان العرب وفرسانهم . ومعنى الوحيدية الكلابية نسبة إلى الوحيد بن كعب ، وكلاب بن ربيعة ، وأهلها من سادات وأشراف العرب وأبطالهم .