الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: في كتاب الغيبة للشيخ الطوسي : وأخبر جماعة عن أبي محمّد هارون ، عن محمّد بن همام ، عن عبدالله بن جعفر ، قال : حججنا في بعض السنين بعد مضي أبي محمّد عليه السلام ، فدخلت على أحمد بن اسحاق بمدينة السلام ، فرأيت أبا عمرو عنده ، فقلت : انّ هذا الشيخ ـ وأشرت إلى أحمد بن اسحاق وهو عندنا الثقة المرضي ـ حدّثنا فيك بكيت وكيت ، واقتصصت عليه ما نقدم ـ يعني ما ذكرناه عنه من فضل أبي عمرو ومحله ـ وقلت : أنت الآن من لا يشكّ في قوله وصدقه ، فاسألك بحقّ الله وبحقّ الإمامين اللذين وثّقاك ، هل رأيت ابن أبي محمّد الذي هو صاحب الزمان ؟ فبكى ثمّ قال : على ان لا تخبر بذلك أحداً وأنا حيّ ؟ قلت : نعم ، قد رأيته عليه السلام وعنقه هكذا ـ يريد انّها اغلظ الرقاب حسناً وتماماً ـ قلت : والاسم ، قال : قد نهيتم عن هذا. ورواه بسند آخر قال : أخبرني جماعة عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه ، وأبي غالب الزراري ، وأبي محمّد التلعكبري ، كلّهم عن محمّد بن يعقوب الكليني ، عن محمّد بن عبدالله ومحمّد بن يحيى ، عن عبدالله بن جعفر الحميري ، قال : اجتمعت أنا والشيخ أبو عمرو عند أحمد بن اسحاق الأشعري القمي ، فغمزني أحمد بن اسحاق أن أسأله عن الخلف إلى أن قال : ... ، فقلت له : أنت رأيت الخلف من أبي محمد عليه السلام ؟ فقال : اي والله ورقبته مثل ذا وأومأ بيديه ... والسند صحيح. من هذا الحديث نطير ان أبا عمرو عثمان بن سعيد الذي هو أحد السفراء الأربعة قد رأى الحجّة عليه السلام. وروى الشيخ الطوسي في الغيبة رواية طويلة تدلّ على انّ جماعة من الشيعة ، منهم علي بن بلال وأحمد بن هلال ومحمّد بن معاوية بن حكيم والحسن بن أيّوب بن نوح ، قالوا جميعاً : اجتمعنا الى أبي محمّد الحسن بن علي عليه السلام نسأله عن الحجّة من بعده ، وفي مجلسه أربعون رجلاً ، فقام اليه عثمان بن سعيد ابن عمرو العمري فقال : يا ابن رسول الله أريد أن أسألك عن أمر أنت أعلم به منّي. فقال له : اجلس يا عثمان ـ الى أن قال الإمام عليه السلام ـ جئتم تسألوني عن الحجّة من بعدي. قالوا : نعم. فإذا غلام كأنّه قطعة قمر أشبه الناس بأبي محمّد عليه السلام ، فقال : هذا إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم فأطيعوه ولا تتفرّقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم ... ، وقد كان عثمان بن سعيد الذي هو من السفراء في ذلك الجمع الذين رأوا الحجّة عليه السلام. وفي كتاب الغيبة ، قال ابن نوح : أخبرني أبو نصر هبة الله ابن بنت اُمّ كلثوم بنت أبي جعفر العمري ، قال : كان لأبي جعفر محمّد بن عثمان العمري كتب مصنّفة في الفقه ، ممّا سمعها من أبي محمّد الحسن ومن الصاحب عليه السلام ـ وفي قوله سمعها ـ دلالة على أنّه رأى صاحب الزمان وسمع منه. وفي كتاب الغيبة ، بسنده عن عبدالله بن جعفر الحميري ، انّه قال : سألت محمّد بن عثمان رضي الله عنه ، فقلت له : رأيت صاحب هذا الأمر ؟ قال : نعم ، وآخر عهدي به عند بيت الله الحرام وهو يقول اللهم أنجز لي ما وعدتني. قال محمّد بن عثمان رضي الله عنه : ورأيته صلوات الله عليه متعلّقاً بأستار الكعبة في المستجار ، وهو يقول : اللهم انتقم بي من أعدائك.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: سئلت امرأة عجوزة كانت مشغولة بالحياكة : هل للعالم خالق ؟ فرفعت يدها عن آلة الحياكة فتوقّف ، ثمّ قالت : هذه الآلة البسيطة لا تتحرّك إلّا إذا كان لها محرّك ولذلك توقّفت عن الحركة بمجرّد ان رفعت يدي عنها ؛ فكيف بهذا العالم المليء من الحكم والأسرار والنظام يتحرّك من دون محرّك ولمجرّد الصدفة ؟! وقع جدال بين عالم ربّاني وبين زنديق ـ أيّ منكر لوجود الله ـ فوعده العالم أن يأتي إليه غداً ، وكانت دار المنكر في الصفة الأخرى من النهر العريض ، وحينما صار الغد تأخّر العالم مدّة طويلة وبقي الزنديق ينتظره إلى أن جاءه ، فاعترض عليه لماذا تأخّرت ؟ قال : لم تكن هناك سفينة أركبها لأعبر النهر ، ولذلك كنت متحيّراً ماذا أصنع ؟ وإذا بريح عاصفة أتت بشجرة كبيرة فتقطعت وصارت بصورة ألواح من الخشب ، ثمّ أتت الريح بمسامير وركبت بعضها على بعض ، فصارت سفينته صدفة فركبتها ، وأتيت إليك لنناقش معاً مسألة وجود الله تعالى ، ولأجل ذلك تأخّرت. فضحك الزنديق من كلامه وقال : كيف ان توجد سفينة من دون أناس يصنعونها ؟ فقال العالم : أنت تستبعد حدوث سفينة بدون صانع مدبّر ، فكيف يمكن وجود هذا الكون بلا صانع قادر حكيم عليم ؟ فبهت الذي كفر وأذعن بوجود الله تعالى.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: السبب هو إخفاء هجرة النبي صلّى الله عليه وآله عن المشركين ، لكي يتمكّن من الهجرة والوصول إلى مأمن بعيداً عن كيد المشركين ؛ فطلب النبي صلّى الله عليه وآله من الإمام علي عليه السلام ان ينام في فراشه حيث كانت داره تحت مراقبة المشركين الذين أرادوا قتله ، فكانوا ينظرون إلى فراشه لكي لا يفرّ منهم إلى أن ينام الناس وتهدأ العيون ، فيحملون عليه ويقتلونه ، وكانوا يرمون فراش النبي صلّى الله عليه وآله بالحجارة لكي يتأكّدوا من وجوده. وكان علي عليه السلام يئن ويتوجّع من ألم الحجارة ، فيتخيّلون ان النبي صلّى الله عليه وآله موجود في فراشه. ولمّا حان الموعد حملوا عليه ، ولكنّهم وجدوا عليّاً عليه السلام نائم مكان رسول الله صلّى الله عليه وآله ، فتركوا قتله لسببين : الأوّل : انّهم كانوا يعلمون أنّ عليّاً بطل شجاع ولا يمكن القضاء عليه إلّا بعد مقتل جماعة منهم. والثاني : فوات غرضهم حيث أنّهم أرادوا قتل النبي صلّى الله عليه وآله والتخلّص من دعوته ، فماذا يفيدهم قتل علي عليه السلام غير إثارة غضب بني هاشم.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: جواب هذا السؤال واضح جدّاً ، وهو انّ الأئمّة عليهم السلام لم يتمكّنوا من ذلك ، فقد كانوا مضطهدين ومظلومين ومحبوسين ، أو على الأقلّ كانوا تحت الرقابة الشديدة من قبل الحكّام الظالمين. نعم ، سوف يأتي دور الأئمّة عليهم السلام في الانتقام من قتلة الحسين عليه السلام وسائر الأئمّة عليهم السلام بل الانتقام من جميع الظالمين ، وذلك بظهور المهدي من آل محمّد عليه السلام الذي نطقت الأحاديث المتواترة المرويّة من طرق الشيعة والسنّة جميعاً ، مضمونها : انّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال : لو لم يبق من الدنيا الّا يوم واحد لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً. ثمّ انّ قولنا : « يا لثارات الحسين » له معنى أعظم وأرفع من طلب الانتقام للحسين عليه السلام وهو استمرار خطّ الحسين عليه السلام ومنهجه ومسيرته ونهضته ؛ فنحن الشيعة نعلن للعالم بهذه الجملة انّنا نسير على نهج الحسين عليه السلام في القيام بوجه الظالمين والكافرين ، ونجاهد في سبيل الله تعالى ، ونضحى بأنفسنا وأولادنا ، كما جاهد الحسين عليه السلام وضحّى بنفسه وأهل بيته عليهم السلام في سبيل الله ؛ فهذه الجملة في الحقيقة اعلان حرب ضدّ الطواغيت في جميع الاعصار والأزمنة.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: لو كان عمر قد شرب من ذلك اللبن لم يكن جاهلاً بالأحكام الالهيّة ، ولم يحتجّ الى علم أمير المؤمنين علي عليه السلام في مواطن كثيرة ، حتّى قال مراراً وكراراً : « لولا علي لهلك عمر » ، « لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن » ، ولم يقل : « كلّ الناس أفقه من عمر حتّى المخدّرات في الحجال » . راجع ـ ان كنت منصفاً ـ كتاب الغدير ، المجلّد : 6 ، الصفحة : 83 إلى 324. فقد أخرج من كتب علماء أهل السنّة ما يدلّ على مبلغ علم عمر ، وقد سمّى ذلك « نوادر الأثر في علم عمر ». أوّلا : هذه الأحاديث كلّها موضوعة ومكذوبة ، قد صرّح علماء أهل السنّة بضعف رواتها وكذبهم وعدم وثاقتهم. وبعض مضامينها مخالف للعقل والمنطق ، بل يكون مدحاً لعمر بن الخطاب ، وقدحاً لرسول الله صلّى الله عليه وآله واساءة الى مقامه العظيم. امّا ما ورد عن بلال بن رباح مرفوعاً ... عن رسول الله صلّى الله عليه وآله : « لو لم ابعث فيكم لبعث عمر ». فقد اخرجه ابن عدي بطريقين ، وقال : لا يصح زكريا « الوكار » كذاب يضع وابن واقد ـ عبدالله ـ متروك ومشرح بن عاهان لا يحتجّ به. وأورده ابن الجوزي في الموضوعات ، فقال : هذان حديثان لا يصحّان عن رسول الله صلّى الله عليه وآله. أمّا الأوّل فلانّ زكريّا بن يحيى كان من الكذّابين الكبار. قال ابن عدي : كان يضع الحديث. وأمّا الثاني فقال أحمد ويحيى : عبدالله بن واقد ليس بشيء. وقال النسائي متروك الحديث. وقال ابن حبان : انقلبت على مشرح صحائفه فبطل الاحتجاج به. وأخرجه ابن عساكر في تاريخه 3 / 287 ، من طريق مشرح بن عاهان بلفظ : لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب. وقد عرفت انه لا يحتج بحديثه. وفي الحديث ان يحيى بن اكثم قال للامام محمّد بن علي الجواد عليه السلام في ضمن كلام له بمحضر الخليفة المأمون العبّاسي : ... فقال يحيى : قد روى انّ النبي صلّى الله عليه وآله قال : لو لم ابعث لبعث عمر. فقال عليه السلام : كتاب الله أصدق من هذا الحديث ، يقول الله في كتابه : ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ ) ، فقد أخذ الله ميثاق النبيين ؛ فكيف يمكن ان يبدل ميثاقه وكان الأنبياء عليهم السلام لم يشركوا طرفة عين ، فكيف يبعث بالنبوّة من أشرك وكان أكثر أيّامه مع الشرك بالله ، وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله : « نبئتُ وآدم بين الروح والجسد » [ بحار الأنوار ج 50 / 82 ]. ثانياً : وامّا انّه وافقه القرآن الكريم ثلاث مرّات ، فهو مجرّد ادّعاء. مضافاً الى انّ الكافر والمشرك ان قال كلاماً صحيحاً ولو صدفة واتّفاقاً ، فيوافقه القرآن اذا كان صدقاً وصحيحاً في الواقع ، ولذا نرى ان القرآن الكريم وافق عزيز مصر ، ونقل كلامه مع التقرير والقبول. قال الله تعالى : ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) [ يوسف : 26 ـ 27 ]. فلمّا رأى قميصه قدّ من دبر قال : ( إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ) [ يوسف : 28 ]. وهذا الكلام صدر من كافر ، لكنّه قرّره القرآن بنحو يظنّ أكثر الناس أنّه قول الله عزّ وجلّ. ثالثاً : وامّا ما نقلته من مرسول بلاد فارس ، فلعمري انّ الغريق يتشبّث بكلّ حشيش. أولم لعمر فضيلة اُخرى حتّى تستشهد لفضله بقول كافر مجوسي ؟! نعم مثل عمر لابدّ ان يمدحه الكفّار والمشركون ويشهدون له بالعدل ، ولكن شهادة الكفّار غير مسموعة شرعاً ، ولابدّ في الشاهد الاسلام والعدالة. رابعاً : وأمّا قولك افتراءً على الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم : « لو وزن ايمان أبوبكر وايمان جميع الخلق لرجح ايمان أبي بكر » ، فمن المعلوم انّه كذب ودجل ومخالف للواقع ، حيث انّ ايمان الأنبياء والرسل على رأسهم رسول الله صلّى الله عليه وآله هو الأرجح حتّى عند علماء أهل السنّة. وعلى الإجمال نقول : ذكر العجلوني في كتابه كشف الخفاء ، الصفحة : 419 ، فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه أشهر المشهورات من الموضوعات كحديث : انّ الله يتجلّى للناس عامّة ولأبي بكر خاصّة. وحديث : ما صبّ الله في صدري شيئاً الّا وصبّه في صدر أبي بكر. وحديث : ... ـ إلى أن قال : ـ وأمثال هذا المفتريات المعلوم بطلانها ببديهة العقل. وذكر ذلك الفيروزآبادي في خاتمة كتابه « سفر السعادة ».
الجواب من الشيخ محمد كنعان: أحسنت هذه صفات معاوية أيعقل أن يبايعه الإمام الحسن عليه السلام والإمام الحسين عليه السلام ، فلا يخطر على بالك أنّها بيعة إكراه ، أضف إلى ذلك ما الذي أخذه معاوية ؟ أنتم تتصوّرون ، وتعتقدون دائماً بأنّ الإمام الحسن عليه السلام أقرّ لمعاوية بالإمامة ؟! أبداً لم يكن ذلك ؛ لأن لم ينازع إمامٌ من أئمّتنا في إمامته على السلطة التشريعيّة حدّ أدنى ، لكن نوزع على السلطة التنفيذيّة ، عندما تكون حجيّة إمامته أوسع بكثير من السلطة التنفيذيّة تركها. إذن ، إذا تقرأ بدقّة بنود صلح الإمام الحسن عليه السلام (2) سوف تحصل على جواب سؤالك. من بنوده أن لا يقرّا له بإمرة المؤمنين ماذا تعني ؟ تعني بإنّه لا شرعيّة له ، وأن لا يتولّى له شيء ، واقرأ البنود الباقية حتّى تعرف أنّ الذي تخلّى عنه الإمام الحسن عليه السلام هي السلطة التنفيذيّة وليست الإمامة. الهوامش 1. البداية والنهاية « لابن كثير » / المجلّد : 9 / الصفحة : 86 ، الناشر : هجر : قد روَى البيهقيُّ ، عن الحاكِم ، عن عليِّ بن حَمْشاذَ ، عن هشامِ بنِ عليٍّ ، عن موسى بنِ إسماعيلَ ، حدَّثني أبو عَوانةَ ، عن أبي حَمْزةَ ، سمِعْتُ ابنَ عباس قال : كنتُ ألْعَبُ مع الغِلمانِ ، فإذا رسولُ اللهِ صّلى الله عليه وسلّم قد جاء ، فقلتُ : ما جاء إلا إليَّ. فذهبْتُ فاخْتَبأْتُ على بابٍ ، فجاء فحطَأني حَطْأةً وقال : « اذْهَبْ فادْعُ مُعاويةَ » . وكان يَكْتُبُ الوَحْيَ. قال : فذهَبْتُ فدعَوْتُه له ، فقيل : إنه يأكُلُ. فأتَيْتُ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم فقلتُ : إنه يأكُلُ. فقال : « اذْهَبْ فاْدعُه لي ». فأتَيْتُه الثانيةَ ، فقيل : إنه يأكُلُ. فأتَيْتُ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم فأخْبَرْتُه ، فقال في الثالثةِ : « لا أشْبَعَ اللهُ بطنَه » . قال : فما شبِع بعدَها. 2. وهي شروط كثيرة لم يستطع التاريخ أن يفصح لنا إلّا عن بعض منها ، غير أنّه قد أشار التاريخ إلى كثرة هذه الشروط حين صرّح بأنّ معاوية قد أرسل إلى الإمام الحسن عليه السلام وثيقة ضمن له فيها شروطاً ، ولكن الإمام الحسن عليه السلام قد شرط عليه أضعاف ذلك. [ راجع : تاريخ الطبري « لمحمد بن جرير الطبري » / المجلّد : ٤ / الصفحة : ١٢٤ / الناشر : الأعلمي للمطبوعات ، راجع : جواهر المطالب في مناقب الإمام علي عليه السلام « لمحمد ابن احمد الدمشقي » / المجلّد : ٢ / الصفحة : ١٩٨ / الناشر : مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة / الطبعة : 1 ]. أن لا يسمّي الإمام الحسن عليه السلام معاوية أميرَ المؤمنين. [ راجع : علل الشرائع « للشيخ الصدوق » / المجلّد : 1 / الصفحة : 212 / الناشر : منشورات المكتبة الحيدريّة ] ولا يقيم عنده شهادة. [ راجع : علل الشرائع « للشيخ الصدوق » / المجلّد : ١ / الصفحة : ٢١٢ / الناشر : منشورات المكتبة الحيدرية ] وأن يعمل معاوية بكتاب الله وسنّة رسوله. [ راجع : كشف الغمة « للاربلي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 570 / الناشر : بني هاشمي / الطبعة : 1 ، بحار الأنوار « للعلامة المجلسي » / المجلد : 44 / الصفحة : 65 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2 ] وليس لمعاوية أن يعهد لأحد من بعده. [ راجع : كشف الغمة في معرفة الأئمة « للأربلي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 570 / الناشر : بني هاشمي / الطبعة : 1 ، بحار الأنوار « للعلامة المجلسي » / المجلّد : 44 / الصفحة : 65 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2 ] أن يترك سبّ أمير المؤمنين وأن لا يذكر عليّ الا بخير. [ راجع : مقاتل الطالبيين « لأبي الفرج الاصفهاني » / الصفحة : 75 / الناشر : شريف الرضي ] ولكن معاوية لم يلتزم ببنود الصلح باعترافه. الإرشاد « للمفيد » / المجلّد : 2 / الصفحة : 14 / الناشر : المؤتمر العالمي بمناسبة ذكرى ألفيّة الشيخ المفيد : فلمّا استتمّتِ الهُدنةُ على ذلكَ ، سارَ معاويةُ حتّى نزلَ بالنُّخَيْلةِ ، وكانَ ذلكَ يومَ جمعةٍ فصلّى بالنّاسِ ضحى النّهارِ ، فخطَبَهُم وقالَ في خطبتهِ : إِنِّي واللهِ ما قاتلتُكم لتُصلُّوا ولا لتصوموا ولا لتحجُّوا ولا لتزكُّوا ، إِنّكم لتفعلونَ ذلكَ ، ولكنِّي قاتلتُكم لأتأمّرَ عليكم ، وقد أعطاني اللهُ ذلكَ وأنتم له كارِهونَ. أَلا وإِنِّي كنتُ منَّيتُ الحسنَ وأعطيتُه أشياءَ ، وجَمِيعُها تحتَ قَدَمَيَّ لا أفي بشيءٍ منها له.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: لابدّ من توجيه هذه الآيات وتفسيرها بنحو لا يتنافي مع عصمة الأنبياء عليهم السلام. مثلاً بالنسبة لآدم عليه السلام نقول : انّه ترك الأولى ، فسمّي ذلك عصياناً. أو نقول بانّ قوله تعالى : ( وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ) (1) ، يراد به مخالفة الأمر الارشادي ، لا الأمر المولوي ؛ فانّ الله تعالى أوحى لآدم انّك إذا أردت البقاء في الجنّة فلا تأكل من هذه الشجرة ، وهذا النهي ارشادي ، كنهي الطبيب المريض عن أكل الحامض مثلاً ، ومثل هذا النهي لا يكون مخالفته قادحاً في العصمة ، بل غاية ما هنالك انّه يترتّب عليه الأثر ، وهو الخروج من الجنّة والابتلاء بالاستقرار في الأرض. وأمّا بالنسبة للنبي الأعظم محمّد صلّى الله عليه وآله ، فأكثر الآيات الموهمة لوقوع الخطأ أو الذنب يراد بها غير النبي صلّى الله عليه وآله ، كقوله : ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) (2) ، فان الشرك مستحيل في حقّ النبي المعصوم ، لكن الخطاب متوجّه ظاهراً إلى النبي صلّى الله عليه وآله ، لكنّه واقعاً متوجّه إلى سائر المسلمين من باب « اياك اعني واسمعي يا جارة ». وهناك رواية مفصّلة عن الإمام الرضا عليه السلام ذكر تأويل الآيات التي تكون ظاهرها متنافية مع عصمة الأنبياء في مجلس المأمون ، نذكر بعض أجوبته : فقال المأمون : لله درّك يا أبا الحسن ، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ : ( عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ) . قال الرضا عليه السلام : « هذا ممّا نزل بإيّاك أعني واسمعي يا جارة ، خاطب الله عزّ وجلّ نبيّه صلّى الله عليه وآله وأراد به اُمّته ، وكذلك قوله عزّ وجلّ : ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) وقوله عزّ وجلّ : ( وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ) » . قال : صدقت يابن رسول الله ، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ : ( وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّـهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّـهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّـهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّـهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ) . قال الرضا عليه السلام : « إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قصد دار زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي في أمرٍ أراده ، فرأى امرأته تغتسل ، فقال لها : سبحان الذي خلقك ! وإنّما أراد بذلك تنزيه الباري عزّ وجلّ عن قول من زعم أنّ الملائكة بنات الله ، فقال الله عزّ وجلّ : ( أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا ) . فقال النبي صلّى الله عليه وآله : لمّا رآها تغتسل : سبحان الذي خلقك أن يتّخذ ولداً ، يحتاج إلى هذا التطهير والاغتسال ، فلمّا عاد زيد إلى منزله أخبرته امرأته بمجيء رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وقوله لها : سبحان الذي خلقك ! فلم يعلم زيد ما أراد بذلك ، وظنّ أنّه قال ذلك لما أعجبه من حسنها ، فجاء إلى النبي صلّى الله عليه وآله ، وقال له : يا رسول الله ، إنّ امرأتي في خلقها سوء ، وإنّي اُريد طلاقها. فقال له النبي صلّى الله عليه وآله : أمسك عليك زوجك واتّق الله ، وقد كان الله عزّ وجلّ عرّفه عدد أزواجه ؛ وأنَّ تلك المرأة منهنّ ، فأخفى ذلك في نفسه ولم يبده لزيدٍ ، وخشي الناس أن يقولوا : إنّ محمّداً يقول لمولاه : إنّ امرأتك ستكون لي زوجة ، فيعيبونه بذلك ، فأنزل الله عزّ وجلّ : ( وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّـهُ عَلَيْهِ ) يعني بالإسلام ( وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ) يعني بالعتق ( أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّـهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّـهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّـهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ) . ثمّ إنّ زيد بن حارثة طلّقها واعتدّت منه ، فزوّجها الله عزّ وجلّ من نبيّه محمّد صلّى الله عليه وآله وأنزل بذلك قرآناً ، فقال عزّ وجلّ : ( فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّـهِ مَفْعُولًا ) . ثمّ علم الله عزّ وجلّ أنّ المنافقين سيعيبونه بتزويجها ، فأنزل الله تعالى : ( مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ) . (3) الهوامش 1. طه : 121. 2. الزمر : 65. 3. عيون أخبار الرضا عليه السلام « للصدوق » / المجلّد : 1 / الصفحة : 262 ـ 264 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم / الطبعة : 1. راجع : بحار الأنوار « للمجلسي » / المجلّد : 11 / الصفحة : 83 ـ 84 / الناشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت / الطبعة : 2. راجع : الاحتجاج « للطبرسي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 434 ـ 436 / الناشر : انتشارات أسوة / الطبعة : 1.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: بعد التحقيق والتتبّع التامّ يظهر انّ أصل قضيّة زواج عمر بن الخطاب من اُمّ كلثوم بنت علي عليه السلام وفاطمة عليها السلام كذب محض ، وصنعه واخترعه الزبير بن بكار ، وهو من أعداء أهل البيت عليهم السلام. قال الشيخ المفيد ـ وهو من أعظم علماء الإماميّة ـ في المسائل السرويّة : إنّ الخَبَرَ الوارِدَ بتَزْويجِ أَميرِ المُؤْمنينَ عَليهِ السَّلامُ ابْنَتَهُ مِنْ عُمَرَ غيرُ ثابتٍ ، وطريقُهُ مِنَ الزُّبَيْر بن بَكّار ، ولَمْ يكُن مَوْثُوقاً بهِ في النَّقْلِ ، وكانَ متَّهَماً فِيما يَذْكُره ، وكانَ يبْغضُ أميرَ المُؤْمنينَ عَليهِ السَّلامُ ، وَغَيْر مَأْمُونٍ فِيما يدَّعِيهِ على بَني هاشِم. وإِنّما نَشَرَ الحَديثَ إثْباتُ أبي مُحمّدٍ الحَسَن بن يَحْيَى صاحِب النَّسَب ذلكَ في كِتابه ، فَظّنَّ كثيرٌ مِنَ النَّاس أنَّه حَقٌّ لرواية رَجُلٍ عَلَويٍّ لَهُ ، وهو إنَّما رواه عن الزُّبَيْرِ بنِ بكّار. والحَديثُ بنَفْسِهِ مُختَلِفٌ ، فتارةٌ يُروى : أَنَّ أَميرَ المُؤمنينَ عَليهِ السَّلامُ تولَّى العَقْدَ لَهُ على ابنته. وتارةٌ يُروى أنَّ العبّاس انّه تولّى ذلك عنه. وتارةً يُروى : أنَّه لَمْ يَقَعِ العَقْدُ إِلّا بعد وَعِيد مِن عُمَرَ وتَهْديدٍ لِبَني هاشِم. وتارةُ يُروى أنَّهُ كان عن اخْتيارٍ وإيثار. ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الرُّواةِ يَذْكُرُ أنَّ عُمَرَ أوْلَدَها ولداً أسماهُ زَيْداً. وبَعْضُهُمْ يَقولُ : إنَّهُ قُتلَ قَبْلَ دُخولهِ بهَا. وبعْضُهُمْ يقولُ : إِنَّ لِزَيْد بن عُمَرَ عَقِباً. ومِنْهُم مَن يَقُولُ : إنَّّهُ قُتِلَ ولا عَقِبَ لَهُ. ومِنْهُم مَنْ يَقولُ : إنَّه وأُمَّهُ قُتِلا. ومِنْهُم مَنْ يَقولُ : إنَّ أُمَّهُ بَقِيَت بَعده. ومِنْهُم مَنْ يَقولُ : إنَّ عُمَرَ أمْهَرَ أُمَّ كُلثوم أربعينَ أَلْفَ دِرْهَم. ومِنْهُم مَنْ يَقولُ : مَهَرَها أربعةَ آلاف دِرْهَم. ومِنْهُم مَنْ يَقولُ :كانَ مَهْرُها خَمسمائة دِرْهَم. وبُدُوّ هذا الاخْتِلافِ فِيه يُبْطِل الحَديث ، فلا يكونُ لَهُ تأْثِيرٌ على حال. فصل : [ تَأْوِيلُ الخَبَر ] ثُمَّ إنَّه لو صَحَّ لَكَانَ له وَجْهان لا يُنافيان مَذْهَبَ الشِّيعةِ في ضَلالِ المُتَقَدِّمينَ على أميرِ المُؤْمِنينَ عَليهِ السَّلامُ : أحدهما : أنَّ النِكاحَ إنَّما هُوَ على ظاهِر الإِسلامِ الذي هُوَ : الشَّهادَتان ، والصَّلاةُ إلى الكَعْبَةِ ، والإِقْرارُ بجُملَةِ الشَّريعةِ. وإن كان الْأَفْضَل مُناكَحةُ مَنْ يَعتَقِد الإِيمانَ ، وتَرْكُ مُناكَحةِ مَن ضَمَّ إلى ظاهِرِ الإِسلامِ ضَلالاً لا يُخْرِجُهُ عَنِ الإِسلامِ ، إلّا أنَّ الضَرورَةَ متى قادَت مُناكَحَة الضَالّ مع إظْهَارِهِ كَلِمة الإِسلامِ زالتِ الكراهةُ مِن ذلكَ ، وَسَاغَ ما لَمْ يكُن بِمُسْتَحَبّ مع الاخْتِيار. وأَميرُ المُؤمنينَ عَليهِ السَّلامُ كانَ مُحتاجاً إلى التَأْليفِ وحَقْنِ الدِماء ، ورأَى أنَّه إنْ بَلَغ مَبلغ عُمَر عمّا رَغِبَ فيهِ مِن مُناكحتِهِ ابنته أثَّر ذلك الفَسادَ في الدِّين والدُنيا ، وأَنَّه إنْ أجابَ إليهِ أعْقَبَ صَلاحاً في الْأَمْرَينِ ، فأجابَهُ إلى مُلْتَمَسِهِ لِما ذكرناه. والوَجْهُ الآخَر : أنَّ مُناكَحَة الضَالِّ ـ كَجَحْدِ الإِمامة ، وادِّعائها لِمَن لا يستَحِقُّها ـ حرامٌ ، إِلّا أَنْ يَخافَ الإِنسانُ على دِينه وَدَمِه ، فيجوزُ لَهُ ذلك ، كما يجوزُ لَهُ إظْهارُ كَلِمة الكُفْرِ المُضَادَّة لِكَلِمةِ الإِيمانِ ، وكما يَحِلُّ لَهُ أَكْلُ الميتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ عِنْدَ الضَّروراتِ ، وإِنْ كانَ ذلكَ مُحَرَّماً معَ الاخْتِيار. وأَميرُ المُؤمنينَ عَليهِ السَّلامُ كانَ مُضْطَرّاً إلى مُناكَحَةِ الرَّجُل لأنَّه يُهَدِّدُه ويُواعِدُه ، فَلَمْ يَأْمَنْهُ وأَميرُ المُؤمنينَ عَليهِ السَّلامُ على نَفْسِه وشِيْعَتِهِ ، فأَجابَهُ إلى ذلكَ ضَرورةً كما قُلنا إنَّ الضَّرورةَ تُشَرِّعُ إظْهارَ كَلِمَةِ الكُفْرِ ، قالَ تعالى : ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ) . فصل : [ زواجُ بَناتِ الرَّسُولِ صلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ ] ولَيسَ ذلكَ بأَعْجَبَ مِنْ قَولِ لُوطٍ عَليهِ السَّلامُ ـ كما حَكى الله تَعالى عنه ـ ( هَـٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ) فَدَعاهُمْ إلى العَقد عليهم لِبَناتِه وهُم كُفّارٌ ضُلَّالٌ قد أذِن اللهُ تعالى في هلاكِهم. وقد زَوَّج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ ابْنَتَيهِ قَبْلَ البِعْثَةِ كافِرَينِ كانا يَعْبُدانِ الْأَصنامَ ، أحَدهُما : عُتْبَة بن أبي لَهَبٍ ، والآخَر : أبو العاصِ بن الرَّبيع. فَلمَّا بُعِث صلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ فَرَّق بَيْنَهُما وبَيْنَ ابْنَتَيْهِ. فَماتَ عُتْبَةُ على الكُفْرِ ، وأَسْلَمَ أَبو العاصِ بَعْدَ إِبانةِ الإِسْلام ، فَرَدَّها علَيهِ بالنكاحِ الْأَوَّل. ولَمْ يَكُنْ صلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ في حالٍ مِنَ الْأَحْوالِ مُوالِياً لأهْلِ الكُفْر ، وَقَدْ زَوَّجَ مَن تبرَّأ مِنْ دِينهِ ، وَهُوَ مُعادٍ لَهُ في اللهِ عزَّ وجلَّ. (1) أقول : وقد استفاد المخترعون لهذه الاُكذوبة من التشابه الاسمي بين اُمّ كلثوم بنت علي وفاطمة عليها السلام وبين اُمّ كلثوم بنت أبي بكر ، وهي اُخت محمّد بن أبي بكر واُمّهما أسماء بنت عميس ، وقد تكفّل أمير المؤمنين علي عليه السلام بتربيتهما بعد وفاة أبي بكر ، وكانا تحت رعايته وتربيته وحضانته وبمنزلة ولديه. وقد خطب عمر بن الخطاب اُمّ كلثوم بنت أبي بكر من أمير المؤمنين علي عليه السلام ، لأنّه كان وليّها ، وأصرّ على ذلك حتّى وقع كلام بينه وبين اُختها عائشة في ذلك. فإذا كان هناك زواج كُرهاً أو طوعاً فقد كان بين عمر واُمّ كلثوم بنت أبي بكر ، لكن القوم اشتبهوا أو تعمّدوا وذكروا انّ الزواج كان بين عمر واُمّ كلثوم بنت أمير المؤمنين عليه السلام. وممّا ينفي هذا الزواج ، انّ فاطمة الزهراء عليها السلام حينما خطبها عمر بن الخطاب ، ردّه النبي صلّى الله عليه وآله وقال : « انّها صغيرة » (2) ، والمراد انّها صغيرة بالنسبة الى عمر بن الخطاب ؛ فكيف يتزوّج عمر بابنتها اُمّ كلثوم ولا تكون صغيرة بالنسبة إليه ؟! الهوامش 1. مصنّفات الشيخ المفيد / المجلّد : 7 / الصفحة : 86 ـ 93 / الناشر : المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد / الطبعة : 1. 2. راجع سنن النسائي / المجلّد : 6 / الصفحة : 62 / الناشر : دار الفكر ـ بيروت / الطبعة : 1. راجع المستدرك على الصحيحين « للحاكم النيسابوري » / المجلّد : 2 / الصفحة : 518 / الناشر : دار المعرفة ـ بيروت / الطبعة : 1. راجع صحيح ابن حبان / المجلّد : 15 / الصفحة : 399 / الناشر : مؤسسة الرسالة ـ بيروت / الطبعة : 3.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: الكتب المعروفة أي « الكافي والاستبصار والتهذيب ومن لا يحضره الفقيه » بل وغيرها من الكتب المعتبرة ، هي مجاميع متّخذة من كتب أصحاب الأئمّة عليهم السلام التي كانت معروفة بالأصول الأربعمائة ؛ وقد كانت الروايات غالباً مبعثرة وغير مبوّبة ، حيث انّ الراوي كان يكتب كلّ ما يسمعه من الإمام المعصوم عليه السلام وهو في مقام الإجابة عن الأسئلة أو التدريس ؛ وقد كان يحضر مجلس الإمام أو درسه جماعات كثيرين من فقهاء العامّة ، ومن الطبيعي ان يراعي الإمام التقيّة حفظاً لدماء الشيعة ، ولذلك عمد المشايخ الثلاثة الى تهذيب هذه الكتب ودفع معارضاتها حسب المستطاع ، واسقاط ما دسّ فيها وعرضها على الكتاب والسنّة القطعيّة ، وبعد تهذيبها وتمحيصها أوردوها في كتبهم. وكان أكثر اهتمامهم بدرج الروايات والأحاديث الواردة في بيان الأحكام الشرعيّة ، ولأجل ذلك لم يهتمّوا بادراج جميع الأدعية والزيارات ونحوها في مجاميعهم الحديثيّة. نعم الى جانب ذلك ألّف بعض القدماء كتباً تختصّ بالدعاء والزيارة ونحو ذلك ، كالشيخ وابن طاووس وابن قولويه والمفيد ، وأوردوا في كتبهم ما يختصّ بهذه الأمور ، ولعلّهم نقلوها من بعض الأصول الأربعمائة أو مؤلّفات أصحابنا القدامى التي ثبت عندهم صحّتها واعتبارها. ودعاء التوسّل أخرجه العلّامة المجلسي عن بعض الكتب الصحيحة والمعتبرة ، وفيه انّ محمّد بن بابويه روى هذا الدعاء عن الأئمّة عليهم السلام ، وقال : ما دعوت به في أمر إلّا وجدت أثر الإجابة فوراً. وقد ورد التوسّل بمحمّد صلّى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام في روايات وزيارات كثيرة ، بل حتّى عند العامّة : ففي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد / المجلّد : 4 / خطبة مفصلة لفاطمة الزهراء عليها السلام ، تقول فيه : واحمد الله الذي لعظمته ونوره يبتغي من في السماوات والأرض اليه الوسيلة ونحن وسيلته في خلقه. وفي صحيح البخاري / باب مناقب علي بن أبي طالب « كتاب الفضائل » / الصفحة : 25 / نقل عن عمر استسقائه بالعبّاس وقوله : اللهمّ انّا كنّا نتوسّل اليك بنبيّنا فتسقينا وانّا نتوسّل اليك بعمّ نبيّك فاسقنا ؟! وفي الزيارات المأثورة لأمير المؤمنين عليه السلام : أنت وسيلتي الى الله وبك أتوسّل الى ربّي. وفي دعاء صفوان المعروف بدعاء علقمة بعد زيارة عاشوراء نقول : فانّي بهما أتوجّه اليك في مقامي هذا وبهم أتوسّل وبهم أتشفّع ... وفي زيارة الإمام العسكري عليه السلام كما في المفاتيح الجنان ، نقول : واتوسّل اليك يا ربّ بامامنا ... وفي زيارة الإمام المهدي عليه السلام : فانّي اتوسّل بك وبآبائك الطاهرين الى الله تعالى. وفي دعاء طلب الرزق [ الكافي ج 3 باب الصلاة في طلب الرزق ص 473 ] عن أبي حمزة عن الباقر : يا محمّد يا رسول الله انّي اتوجّه بك الى الله ... وفيه باب صلاة الحوائج عن الصادق عليه السلام في دعاء : يا محمّد يا رسول الله أشكوا الى الله واليك حاجتي والى أهل بيتك الراشدين حاجتي وبكم اتوجّه الى الله في حاجتي. وفي البحار / ج 26 / باب فيه روايات متعدّدة ، انّ دعاء الأنبياء استجيب بالتوسّل والاستشفاع بمحمّد صلّى الله عليه وآله واهل بيته عليهم السلام. وفي التوقيع المقدّس المرويّ في البحار كتاب الدعاء عن احتجاج الطبرسي ، الى أن قال : اذا اردتم التوجّه بنا الى الله تعالى والينا فقولوا كما قال الله تعالى : ( سَلَامٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ ) ... وفي البحار ج 17 / ص 335 و 336 : توسّل آدم ونوح وابراهيم وموسى عليهم السلام بقولهم : اللهمّ انّي اسألك بحقّ محمّد وآل محمّد فاستجاب لهم.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: إذا كان المقصود ورود مثل هذا الحديث في الروايات التي يرويها علماء أهل السنّة في كتبهم ، فمن المعلوم أنّهم لا يذكرون مثل ذلك ، إمّا خوفاً من الحكومات التي كانت تمنع من ذكر فضائل أهل البيت عليهم السلام ، أو لأجل انّ ذلك يتنافي مع معتقداتهم. مضافاً الى أنّ الكتب الحديثيّة التي ألّفها علماء أهل السنّة هي متأخّرة عن عصر النبي صلّى الله عليه وآله ، بخلاف أحاديث الشيعة ، فانّها مرويّة عن الأئمّة المعصومين عليهم السلام عن علي عليه السلام عن رسول الله صلّى الله عليه وآله ؛ كما قال القائل : إذا شئت أن ترضى لنفسك مذهباً ينجّيك يوم البعث من ألم النار فدع عنك قول الشافعيّ ومالك وأحمد والنعمان أو كعب الأحبار ووال اُناساً قولهم وحديثهم روى جدُّنا عن جبرئيل عن الباري (1) والمسلم المؤمن لابدّ أن يأخذ معالم دينه من القرآن والعترة الطاهرة من ذريّة النبي صلّى الله عليه وآله ، حيث أمرنا الرسول الأعظم بذلك في حديث الثقلين المعروف والمشهور بين الفريقين. قال النبي صلّى الله عليه وآله : إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما ان تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً وانّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض. (2) وقال صلّى الله عليه وآله : أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلّف عنها غرق. (3) وهناك روايات عديدة من طرق أهل البيت عليهم السلام ، تدلّ على نزول جبرئيل على فاطمة بعد وفاة النبي صلّى الله عليه وآله ، يحدّثها ويسلّيها ويخبرها بما كان وما يكون إلى يوم القيامة ، وكان علي يكتب ذلك ، فجمع وسمّي مصحف فاطمة ، ليس قرآناً ، وليس شيء من القرآن ، وهو من مصادر علوم أئمّة أهل البيت عليهم السلام. ففي بصائر الدرجات بسنده الصحيح عن أبي عبيدة عن الصادق عليه السلام ، في حديث : قال له : فمصحف فاطمة ؟ فسكت طويلاً ثمّ قال : انّكم لتبحثون عمّا تريدون وعمّا لا تريدون ، انّ فاطمة مكثت بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله خمسة وسبعون يوماً وقد كان دخلها حزن شديد على أبيها وكان جبريل يأتيها فيحسن غراءها على أبيها ويظيب نفسها يخبرها عن أبيها ومكانه ويخبرها بما يكون بعدها في ذريّتها وكان عليّ يكتب ذلك فهذا مصحف فاطمة. . (4) وفي الكافي روى بسنده عن حماد بن عثمان ، قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : تظهر الزنادقة في سنة ثمان وعشرين ومائة ، وذلك انّي نظرت في مصحف فاطمة عليها السلام. قلت : وما مصحف فاطمة ؟ قال : انّ الله تعالى لما قبض نبيّه دخل على فاطمة عليها السلام من وفاته من الحزن ما لا يعلمه إلّا الله عزّ وجلّ فارسل اليها ملكاً يسلّي غمّها ويسلّيها ـ إلى أن قال : ـ فجعل أمير المؤمنين عليه السلام يكتب كلّ ما سمع حتّى أثبت من ذلك مصحفاً ـ ثمّ قال : ـ امّا انّه ليس في شيء من الحلال والحرام ولكن فيه علم ما يكون. (5) الهوامش 1. بحار الأنوار « للمجلسي » / المجلّد : 105 / الصفحة : 117 / الناشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت / الطبعة : 2. 2. راجع : مسند أحمد / المجلّد : 3 / الصفحة : 14 و 17 و 26 و 59 / الناشر : دار الفكر . راجع : مسند أحمد / المجلّد : 4 / الصفحة : 376 / الناشر : دار الفكر. حلية الأولياء « للاصبهاني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 335 / الناشر : دار الفكر ـ بيروت / الطبعة : 2. مستدرك الصحيحين « للحاكم النيسابوري » / المجلّد : 3 / الصفحة : 109 / الناشر : دار الفكر ـ بيروت. صحيح الترمذي / المجلّد : 5 / الصفحة : 663 / الناشر : دار إحياء التراث العربي ـ بيروت. صحيح مسلم / المجلّد : 4 / الصفحة : 1873. 3. الحدائق الناظرة « للبحراني » / المجلّد : 9 / الصفحة : 360 / الناشر : منشورات جماعة المدرسين في الحوز العلميّة في قم المقدسة. 4. بصائر الدرجات « لابن فروخ صفار القمي » / راجع : الكافي « للكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 187 ـ 188 / الناشر : منشورات المكتبة الإسلامية ـ طهران. 5. الكافي « للكليني » / المجلّد : 1 الصفحة : 186 ـ 187 / الناشر : منشورات المكتبة الإسلامية ـ طهران.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: لا يدلّ قلّة العدد على بطلان المعتقدات ، كما لا يدلّ كثرة العدد على انّ الحقّ معهم. وإذا كان الأمر كما قلت ، لقال النصارى أو اليهود أو المشركين : لو كان الإسلام حقّاً فلماذا يمثل المسلمون الأقليّة في العالم ؟! والظاهر أنّك لا تقرأ القرآن الكريم ، حيث انّ القرآن يصف المؤمنين بقلّة العدد ، ويصف الكفّار والفاسقين بكثرة العدد. قال الله تعالى : ( وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ) (1). وقال تعالى : ( وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ) (2). وقال تعالى : ( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ) (3). وقال تعالى : ( ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ ) (4). وقال تعالى : ( فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ) (5). وقال تعالى : ( فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ) (6). وقال تعالى : ( وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ) (7). وقال تعالى : ( وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ) (8). وقال تعالى : ( وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) (9). وقال تعالى : ( إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ) (10). وقال تعالى : ( ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) (11). وقال تعالى : ( فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ) (12). وقال تعالى : ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ) (13). وقال تعالى : ( مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ) (14). وقال تعالى : ( يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّـهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ) (15). وقال تعالى : ( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّـهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ ) (16). وقال تعالى : ( وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ) (17). وقال تعالى : ( وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ) (18). وقال تعالى : ( وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ) (19). إلى غير ذلك. الهوامش 1. هود : 40. 2. سبأ : 13. 3. ص : 24. 4. الواقعة : 13 ـ 14. 5. الحديد : 26. 6. الحديد : 27. 7. المائدة : 49. 8. يونس : 92. 9. الأعراف : 187 ، يوسف : 21 ، يوسف : 40 ، يوسف : 68 ، النحل : 38 ، الروم : 6 ، الروم : 30 ، سبأ : 28 ، سبأ : 36 ، غافر : 57. 10. هود : 17. 11. يوسف : 40 ، الروم : 30. 12. الإسراء : 89 ، الفرقان : 50. 13. البقرة : 100. 14. آل عمران : 110. 15. المائدة : 103. 16. يوسف : 106. 17. المؤمنون : 70. 18. يونس : 60 ، النمل : 73. 19. الشعراء : 8 ، الشعراء : 67 ، الشعراء : 103 ، الشعراء : 121 ، الشعراء : 139 ، الشعراء : 158 ، الشعراء : 174 ، الشعراء : 190.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: أوّلاً : حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء ، فالقرآن يقول بصراحة : ( وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) (1). ويقول : ( أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ) (2). و ( الْوَسِيلَةَ ) في هذه الآية هم الأشخاص والأفراد ولا الأعمال الصالحة ، لأنّه عبّر عنها بقوله ( أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ) . وضمير الجمع المذكّر لا يطلق على الأعمال أو الأشياء. ثمّ المراد من ( أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ ) المؤمنون الذين يدعون الله ، لأنّ الله تعالى وصفهم في ذيل الآية : ( يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ) . وعليه فقد مدح الله تعالى المؤمنون الذين يدعونه ويتوسّلون إليه بالنبي صلّى الله عليه وآله الذين هم أقرب الناس إلى الله تعالى. ثانياً : قال الله تعالى : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّـهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّـهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ) (3) ، فالله الذي هو قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه أمر المؤمنين بالمجيء إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وطلب الاستغفار منه ، وجعل قبول توبتهم استغفارهم مع استغفار النبي صلّى الله عليه وآله لهم ، فهل تعترض على القرآن ؟ هل تقول للقرآن لماذا يجيب على من ظلم نفسه ان يأتي الى رسول الله صلّى الله عليه وآله ، ويطلب منه الاستغفار له ، فإنّ الله قريب يسمع دعاءه واستغفاره ، ولا حاجة إلى التوسّل بالنبي صلّى الله عليه وآله. ثالثاً : هل كان عمر بن الخطاب ضالّاً منحرفاً حينما توسّل بالعبّاس عمّ النبي صلّى الله عليه وآله لأجل نزول المطر. كما ورد في صحيح البخاري ونحوه وقال : اللهمّ إنّا كنّا نتوسّل بنبيّك فتمطرنا وها نحن نتوسّل بعمّ نبيّك فأمطرنا (4). لماذا لا تقول له ولأمثاله من الصحابة الذين كانوا يتوسّلون بالنبي صلّى الله عليه وآله : انّ الله قريب يجيب دعوة الداعي فلا حاجة الى التوسّل ؟ رابعاً : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : الأئمة من ولد الحسين من أطاعهم فقد أطاع الله ، ومن عصاهم فقد عصى الله عز وجل ؛ وهم العروة الوثقى ، وهم الوسيلة إلى الله عز وجل. (5) خامساً : روي توسّل الأعمى بالنبي صلّى الله عليه وآله كما في حديث عثمان بن حنيف الأنصاري ، قال الأعمى : اللهم إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك محمّد نبي الرحمة يا محمّد انّي أتوجّه بك إلى ربّك أن يكشف لي بصري فردّ الله تعالى عليه بصره (6). سادساً : القرآن الكريم يحدّثنا انّ أولاد يعقوب ( قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ ) (7) ، فلماذا لم يقولوا : اللهمّ اغفر لنا ، بل قالوا يا أبانا استغفر لنا أيّ اطلب لنا من الله المغفرة. فهذا توسّل بأبيهم يعقوب ولم ينههم أبوهم بل وعدهم وقال : ( سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ ) (8) ، مع انّ الله قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه. سابعاً : ورد عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لما اقترف آدم الخطيئة قال يا ربّ اسألك بحق محمد ما غفرت لي. (9). ثامناً : ذكر ابن حجر في كتابه الصواعق المحرقة ، توسّل الامام الشافعي بآل البيت عليهم السلام : آل النبي ذريعتي وهم إليه وسيلتي أرجو بهم أعطى غداً بيدي اليمين صحيفتي (10) والحاصل انّ الله تعالى قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه ، لكن قد تكون هناك بين العبد وربّه موانع تحجب الدعاء وتمنع من استجابة الدعاء ، فإنّ الله تعالى يقول : ( وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ) (11) ، ولذا نحتاج في رفع هذه الموانع ان نتوسّل بمن اختارهم الله تعالى وجعلهم وسائل ووسائط بينه وبين خلقه ، فيسمع دعاءنا ويستجيب لنا كرامة لهم وتعظيماً لمقامهم العظيم ومنزلتهم عند الله تعالى. الهوامش 1. المائدة : 35. 2. الاسراء : 57. 3. النساء : 64. 4. صحيح ابن حبان / المجلّد : 7 / الصفحة : 110 ـ 111 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 1 : أخبرنا عمرُ بن محمد الهمداني ، قالَ حَدَّثنا محمدُ بنُ المثنى ، قال حَدَّثنا الأنصاريُّ ، قال : حَدَّثني أبي ، عن ثُمامةَ ، عن أنسٍ قالَ : كانوا إذا قَحِطُوا على عَهْدِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ، استسقَوْا بالنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ، فَيَسْتَسْقي لَهُمْ فَيُسْقَوْنَ ، فَلَمَّا كان بعدَ وفاةِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في إمارةِ عُمَرَ قَحَطُوا على عَهْدِ نبيِّكَ صلّى الله عليه وسلّم واسْتَسْقَيْنا بِهِ فَسَقَيْتَنا ، وإِنَّا نتوسَّلُ إليكَ اليومَ بعمِّ نَبِيِّكَ صلّى الله عليه وسلّم ؛ فَاسْقِنا ، قالَ : فَسُقُوا. راجع : صحيح البخاري / المجلّد : 4 / الصفحة : 209 / الناشر : دار الفكر. المعجم الأوسط « للطبراني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 49 / الناشر : دار الحرمين للطباعة والنشر والتوزيع. المبسوط « للسرخسي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 77 / الناشر : دار المعرفة. 5. إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات « للحر العاملي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 57 / الناشر : أعلمي / الطبعة : 1. 6. مسند أحمد بن حنبل / المجلّد : 28 / الصفحة : 480 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 1 : عن عثمان بنِ حُنَيف ، أن رجلاً ضريراً أتى النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم ، فقال : يا نبيَّ الله ادعُ الله أن يُعافيني ، فقال : « إنْ شِئْتَ أَخَّرْتُ ذلِكَ ، فهو أَفْضَلُ لآخِرتكَ ، وإنْ شِئْتَ دَعَوْتُ لَك ». قال : لا بل ادع الله لي. فأمره أن يتوضأ ، وأن يُصَلِّيَ ركعتين ، وأن يدعو بهذا الدعاء : « اللهم إني أسألُكَ وأتوجَّهُ إليك بنبيك محمد صلّى الله عليه وسلّم نبي الرحمة ، يا محمدُ إني أتوجَّه بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضى ، وتُشَفَّعُني فيه ، وتُشَفِّعُهُ فيَّ ». قال : فكان يقولُ هذا مراراً. ثم قال بعد : أحسب أن فيها : أن تشفعني فيه. قال : ففعل الرجلُ ، فَبَرأ. راجع : السنن الكبرى « للنسائي » / المجلّد : 6 / الصفحة : 169 / الناشر : دار الكتب العلميّة / الطبعة : 1. المعجم الكبير « للطبراني » / المجلّد : 9 / الصفحة : 31 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 2. 7. يوسف : 97. 8. يوسف : 98. 9. المستدرك على الصحيحين « للحاكم النيسابوري » / المجلّد : : 2 / الصفحة : 615 / الناشر : دار المعرفة. راجع : تاريخ مدينة دمشق « لابن عساكر » / المجلّد : 7 / الصفحة : 437 / الناشر : دار الفكر. البداية والنهاية « لابن كثير » / المجلّد : 1 / الصفحة : 91 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 1. 10. ينابيع المودة لذوي القربى « للقندوزي » / المجلّد : 4 / الصفحة : 463 / الناشر : دار الأسوة / الطبعة : 1. 11. البقرة : 40.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: قال الله تعالى : ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) (1). كيف يكون طلب العون من غير الله تعالى شركاً مع انّ القرآن الكريم يصرّح بأنّ سليمان النبي عليه السلام طلب من ملائه أن يأتوا بعرش بلقيس ، فقال عفريت من الجنّ : أنا آتيك بعرشها في قبل ان تقوم من مقامك ، وقال آصف بن برخيا : أنا آتيك به في طرفة عين ، وقد أتى به بطريق إعجازي. (2) فهل كان سليمان مشركاً ؟ ولماذا لم يطلب من الله تعالى وطلب من المخلوقين ؟ ثمّ ماذا تقول عن إخوة يوسف حيث قالوا لأبيهم يعقوب النبي عليه السلام : ( يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ ) (3) ؛ فلم يقل لهم أبوهم يعقوب طلبكم هذا شرك فاطلبوا من الله تعالى أن يغفر لكم ، بل قرّرهم ووعدهم بأن يستغفر لهم (4). فهل كان طلبهم العون من أبيهم وشركاً ؟ وهل قرّرهم النبي يعقوب عليه السلام على الشرك ؟! وإذا كان طلب العون من غير الله تعالى ـ مع العلم بأنّ الله تعالى هو مسبّب الأسباب ـ شركاً ، فكيف تفسير قول الله تعالى : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّـهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّـهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ) (5) ، كيف صار المجيء إلى الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله شرطاً لقبول توبتهم ؟ وهل هذا إلّا طلب العون من الرسول لكي يتوسّط بينهم وبين الله تعالى ليغفر لهم ؟!! وإذا كان طلب العون من المخلوق شركاً ، فذهاب المريض إلى الطبيب وطلب العلاج منه شرك ، لأنّه طلب العون من غير الله تعالى. ثمّ ماذا تصنع بالحديث الذي يرويه البخاري في صحيحه وغيره من المحدّثين : انّ عمر بن الخطاب توسّل بالعبّاس عمّ النبي صلّى الله عليه وآله في الإستسقاء ، وقال : اللهمّ إنّا كنّا نتوسّل بنبيّك فتمطرنا وها نحن نتوسّل بعمّ نبيّك فأمطرنا. (6) وهل كان عمر مشركاً حيث طلب من العبّاس ان يدعو الله لأجل الإستسقاء ؟! إن قلت انّ هؤلاء توسّلوا بالأحياء وطلبوا العون من الأحياء ، قلنا هل الطلب من غير الله شرك أم لا ؟ فإذا كان شركاً فلا فرق بين الطلب من الحيّ أو الميّت ، ولا بين الطلب من الإنسان أو الجماد ، وإذا لم يكن شركاً فلا فرق أيضاً بين الطلب من الحيّ أو من الميّت ، غاية الأمر يكون الطلب من الميّت لغواً وعبثاً لا أنّه شرك ، لأنّه لو كان شركاً فلأجل كونه طلباً من غير الله وهذا يصدق في الطلب من الحيّ. فالصحيح هو انّ الله تعالى مسبّب الأسباب وعلّة العلل ولا مؤثّر في الوجود إلّا الله تعالى ، غاية الأمر أبى الله تعالى إلّا أن يجري الأمور بأسبابها ، فحينما نطلب العون من السبب التكويني أو السبب العيني ففي الحقيقة نطلب من الله تعالى الذي هو مسبّب الأسباب ، فالله تعالى أراد أن يبيّن ويوضح للأمّة مقام رسول الله صلّى الله عليه وآله ومنزلته الشريفة ، فأمر الناس بالتوجّه إلى النبي صلّى الله عليه وآله وجعله واسطة بينه وبين خلقه ليقضي حوائجهم ويغفر لهم ذنوبهم ، فقال : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ ) (7). فالمسلم كان بإمكانه أن يستغفر بنفسه ويطلب المغفرة من الله تعالى ، لكن الله أمره أن يأتي إلى النبي ويطلب منه الإستغفار له ، كما انّ المسلمين كانوا يتمكّنون من الدعاء والاستسقاء بأنفسهم ، لكنّ الله تعالى أمرهم بالتوسّل إلى النبي وجعله واسطة بينهم وبين الله تعالى لينزل عليهم المطر ، كما يظهر من قول عمر : اللهم إنّا كنّا نتوسّل بنبيّك فتمطرنا. هذا مضافاً إلى قوله تعالى : ( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (8). بل حتّى الأموات قد يكون أحياء في عالم البرزخ والقبر. قال علي بن الحسين عليهما السلام : ان القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران. (9) وورد في الحديث : النّاس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. (10) وتكلّم النبي صلّى الله عليه وآله مع موتى المشركين في قليب بدر معروف ومشهور ولما اعترض بعض الصحابة : كيف تكلّم الموتى ؟ قال : انّهم أسمع منكم. (11) الهوامش 1. محمّد : 24. 2. النمل : 38 ـ 40 : قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ 3. يوسف : 97. 4. يوسف : 97 : قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ 5. النساء : 64. 6. صحيح البخاري / المجلّد : 4 / الصفحة : 209 / الناشر : دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع : اَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ كانَ اِذا قَحِطُوا اسْتَسْقى بِالْعبّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقالَ اللّهُمَّ اِنّا كُنّا نَتَوَسَّلُ اِلَيْكَ بِنَبِيِّنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَسْقينا وَاِنّا نَتَوَسَّلُ اِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنا فَاسْقِنا قالَ فَيُسْقَوْنَ. 7. النساء : 64. 8. آل عمران : 169. 9. تفسير القمي « لعلي بن ابراهيم القمي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 94 / الناشر : دار الكتاب. 10. خصائص الأئمّة « للشريف الرضي » / الصفحة : 112 / الناشر : مجمع البحوث الإسلاميّة. 11. صحيح البخاري / المجلّد : 2 / الصفحة : 101 / الناشر : دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع : اطَّلَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلى اَهْلِ الْقَليبِ فَقالَ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً فَقيلَ لَهُ اَتَدْعُو اَمْواتاً فَقالَ ما اَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لا يُجيبُونَ .
الجواب من العلامة الأميني: مواقف معاوية مع أبي محمد الحسن السبط عليه السلام إنَّ لابن آكلة الأكباد مع السبط المجتبى مواقف تقشعرُّ منها الجلود ، وتقفّ منها الشعور ، وتندى منها جبهة الإنسانيّة ، ويلفظها الدين والحفاظ ، وينبذها العدل والإحسان ، وينكرها كرم الأُرومة وطيب المحتد ، ارتكبها معاوية مستسهلاً كلّ ذلك ، مستهيناً بأمر الدين والمروءة. من هو الحسن عليه السلام ؟ لا أقلّ من أن يكون هو سلام الله عليه أوحديّاً من المسلمين ، وأحد حملة القرآن ، وممّن أسلم وجهه لله وهو محسن ، يحمل بين أضالعه علوم الشريعة ، ومغازي الكتاب والسنّة ، والملكات الفاضلة جمعاء ، وهو القدوة والأُسوة في مكارم الأخلاق ، ومعالم الإسلام المقدّس ، فمن المحظور في الدين الحنيف النيل منه ، والوقيعة فيه ، وإيذائه ومحاربته ، على ما جاء لهذا النوع من المسلمين من الحدود في شريعة الله ، فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم. أضف إلى ذلك : أنّه صحابيّ مبجّل ليس في أعيان الصحابة بعد أبيه الطاهر من يماثله ويساجله ، ودون مقامه الرفيع ما للصحابة عند القوم من العدالة والشأن الكبير ، وأعظم فضائله : أنّه ليس بين لابتي العالم من يستحقّ الإمامة والاقتداء به واحتذاء مثاله يومئذٍ غيره ، لفضله وقرابته. فهو أولى صحابيّ ثبت له ما أثبتوه لهم من الأحكام ، فلا يجوز منافرته والصدّ عنه ، والإعراض عن آرائه وأقواله ، وارتكاب مخالفته ، وما يجلب الأذى إليه من السبِّ له ، والهتك لمقامه ، واستصغار أمره. زد عليه : أنّه سبط رسول الله وبضعته من كريمته سيّدة نساء العالمين ، لحمه من لحمه ، ودمه من دمه. فيجب على معتنقي تلك النبوّة الخاتمة حفظ صاحب الرسالة فيه ، والحصول على مرضاته ، وهو لا يرضى إلّا بالحقِّ الصراح والدين الخالص. وهو عليه السلام قبل هذه كلّها أحد أصحاب الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً. وهو أحد من أثنى عليهم الله بسورة هل أتى ، الذين يطعمون الطعام علىٰ حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً. وهو من ذوي قربى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الذين أوجب الله مودّتهم وجعلها أجر الرسالة. وهو أحد من باهل بهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم نصارى نجران كما جاء في الذكر الحكيم. وهو أحد الثقلين اللذين خلّفهما النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم بين أُمّته ليقتدى بهم وقال : « ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبداً » . وهو من أهل بيت مثلهم في الأمَّة : « مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق » . وهو من الذين أوجب الله الصلاة عليهم في الفرائض ، ومن لم يُصلِّ عليهم لا صلاة له. وهو أحد من خاطبهم النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بقوله : « أنا حربٌ لمن حاربتم ، وسلمٌ لم سالمتم » . وهو أحد أهل خيمة خيّمها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال : « معشر المسلمين أنا سلمٌ لمن سالم أهل الخيمة ، حربٌ لمن حاربهم ، وليّ لمن والاهم ، لا يحبّهم إلّا سعيد الجدّ طيّب المولد ، ولا يبغضهم إلّا شقيّ الجدّ رديء الولادة » . وهو أحد ريحانتي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يشمّهما ويضمّهما إليه. وهو وأخوه الطاهر « سيّدا شباب أهل الجنّة » . وهو حبيب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يأمر بحبّه قائلاً : « اللّهمّ إنّي أُحبّه فأحبّه ، وأحبّ من يحبّه » . وهو أحد السبطين كان جدّهما صلّى الله عليه وآله وسلّم يأخذهما على عاتقه ويقول : « من أحبّهما فقد أحبّني ، ومن أبغضهما فقد أبغضني » . وهو أحد اللذين أخذ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بيدهما فقال : « من أحبّني وأحبَّ هذين وأباهما وأمّهما كان معي في درجتي يوم القيامة » . وهو أحد ابني رسول الله كان يقول صلّى الله عليه وآله وسلّم : « الحسن والحسين ابناي من أحبّهما أحبّني ، ومن أحبّني أحبّه الله ، ومن أحبّه الله أدخله الجنّة ، ومن أبغضهما أبغضني ومن أبغضني أبغضه الله ، ومن أبغضه الله أدخله النار » (1). هذا هو الإمام الحسن المجتبى عليه السلام ؛ وأمّا معاوية ابن آكلة الأكباد فهو صاحب تلك الصحيفة السوداء التي مرّت عليك في الجزء العاشر ( ص 178 ) ، وأمّا جنايات معاوية على ذلك الإمام المطهّر فقد سارت بها الركبان ، وحفظ التاريخ له منها صحائف مشوّهة المجلى ، مسودّة الهندام. فهو الذي باينه وحاربه وانتزع حقّه الثابت له بالنصّ والجدارة ، وخان عهوده التي اعترف بها عندما تنازل الإمام عليه السلام له بالصلح حقناً لدماء شيعته ، وحرصاً على كرامة أهل بيته ، وصوناً لشرفه الذي هو شرف الدين ، وما كان يرمق إليه معاوية ويعلمه الإمام عليه السلام بعلمه الواسع من أنَّ الطاغية ليس بالذي يقتله إن استحوذ عليه ، لكنّه يستبقيه ليمنَّ بذلك عليه ، ثم يطلق سراحه ، وهو بين أنيابه ومخالبه ، حتى يقابل به ما سبق له ولأسلافه طواغيت قريش يوم الفتح ، فملكهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أرقّاء له ، ثم منَّ عليهم وأطلقهم ، فسمّوا الطلقاء وبقي ذلك سبّة عليهم إلى آخر الدهر ، فراق داهية الأمويّين أن تكون تلك الشية ملصقة ببني هاشم سبّة عليهم ، لكنّه أكدت آماله ، وأخفقت ظنونه ، وفشل ما ارتآه بهذا الصلح الذي كان من ولائده الإبقاء على شرف البيت الهاشمي ، ودرء العار عنهم ، إلى نتائج مهمّة ، كلّ منها كان يلزم الإمام عليه السلام بالصلح على كلّ حال ، وإن كان معاوية هو الخائن المائن في عهوده ومواثيقه ، والكائد الغادر بإلّه وذمّته ، فعهد إليه أن لا يسبَّ أباه على منابر المسلمين ، وقد سبّه وجعله سنّة متّبعة في الحواضر الإسلاميّة كلّها. وعهد إليه أن لا يتعرّض لشيعة أبيه الطاهر بسوء ، وقد قتّلهم تقتيلاً ، واستقرأهم في البلاد تحت كلِّ حجر ومدر ، فطنّب عليهم الخوف في كلّ النواحي بحيث لو كان يقذف الشيعي باليهوديّة لكان أسلم له من انتسابه إلى أبي تراب سلام الله عليه. وعهد إليه أن لا يعهد إلى أحد بعده وكتب إليه سلام الله عليه : إن أنت أعرضت عمّا أنت فيه وبايعتني وفيت لك بما وعدت ، وأجريت لك ما شرطت ، وأكون في ذلك كما قال أعشى بني قيس : وإن أحدٌ أسدى إليك أمانةً فأوف بها تدعى إذا متَّ وافيا ولا تحسد المولى إذا كان ذا غنى ولا تجفه إن كان في المال فانيا ثم الخلافة لك من بعدي ، فأنت أولى الناس بها (2). ومع هذا عهد إلى جروه ذلك المستهتر الماجن بعدما قتل الإمام السبط ليصفو له الجوّ. ولمّا تصالحا كتب به الحسن كتاباً لمعاوية صورته : بسم الله الرحمن الرحيم « هذا ما صالح عليه الحسن بن عليّ رضي الله عنهما معاوية بن أبي سفيان ، صالحه على أن يسلّم إليه ولاية المسلمين ، على أن يعمل فيها بكتاب الله تعالى وسنَّة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وسيرة الخلفاء الراشدين المهديّين ، وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد إلى أحد من بعده عهداً ، بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين ، وعلى أنّ الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله تعالى في شامهم وعراقهم وحجازهم ويَمَنِهم ، وعلى أنَّ أصحاب عليّ وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم حيث كانوا ، وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك عهد الله وميثاقه ، وأن لا يبتغي للحسن بن عليّ ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من بيت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم غائلة سرّاً وجهراً ، ولا يخيف أحداً منهم في أفق من الآفاق ، أشهد عليه فلان ابن فلان وكفى بالله شهيداً » (3). فلمّا استقرَّ له الأمر ودخل الكوفة وخطب أهلها فقال : يا أهل الكوفة أتراني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحجِّ ؟ وقد علمت أنَّكم تصلّون وتزكّون وتحجّون ، ولكنّني قاتلتكم لأتأمّر عليكم وعلى رقابكم ـ إلى أن قال : وكلُّ شرطٍ شرطته فتحت قدميَّ هاتين (4). وقال أبو إسحاق السبيعي : إنَّ معاوية قال في خطبته بالنخيلة : ألا إنَّ كلّ شيء أعطيته الحسن بن عليّ تحت قدميّ هاتين لا أفي به (5). قال أبو إسحاق : وكان والله غدّاراً (6). وكان الرجل ألدَّ خصماء ذلك السبط المفدّى ، وقد خفر ذمّته ، واستهان بأمره واستصغره ، وهو الإمام العظيم ، وقطع رحمه ، وما راعى فيه جدّه النبيّ العظيم ، ولا أباه الوصيّ المقدّم ، ولا أُمّه الصديقة الطاهرة ، ولا نفسه الكريمة التي اكتنفتها الفضائل والفواضل من شتّى نواحيها ، ولم ينظر فيه ذمّة الإسلام ، ولا حرمة الصحابة ، ولا مقتضى القرابة ، ولا نصوص رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فيه ، ولعمر الحقِّ لو كان مأموراً بقطعه وبغضه ومباينته لما وسعه أن يأتي بأكثر ممّا جاء به ، وناء بعبئه ، وباء بإثمه ، فقد قنت بلعنه في صلواته التي تلعن صاحبها ، قال أبو الفرج : حدّثني أبو عبيد محمد بن أحمد ، قال : حدّثني الفضل بن الحسن المصري ، قال : حدّثني يحيى بن معين ، قال : حدّثني أبو حفص اللبّان ، عن عبد الرحمن بن شريك ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن حبيب ابن أبي ثابت ، قال : خطب معاوية بالكوفة حين دخلها والحسن والحسين جالسان تحت المنبر فذكر عليّاً فنال منه ، ثم نال من الحسن ، فقام الحسين ليردّ عليه فأخذه الحسن بيده فأجلسه ثم قام فقال : « أيّها الذاكر عليّاً أنا الحسن وأبي عليّ ، وأنت معاوية وأبوك صخر ، وأُمّي فاطمة وأُمّك هند ، وجدّي رسول الله وجدّك عتبة بن ربيعة ، وجدّتي خديجة وجدّتك قتيلة ، فلعن الله أخملنا ذكراً ، وألأمنا حسباً ، وشرّنا قديماً وحديثاً ، وأقدمنا كفراً ونفاقاً » . فقال طوائف من أهل المسجد : آمين. قال الفضل : قال يحيى بن معين : وأنا أقول : آمين. قال أبو الفرج : قال أبو عبيد : قال الفضل : وأنا أقول : آمين ، ويقول علي بن الحسين الأصفهاني : آمين. قلت : ويقول عبد الحميد بن أبي الحديد مصنّف هذا الكتاب : آمين (7). قال الأميني : وأنا أقول : آمين (8). وآخر ما نفض به كنانة غدر الرجل أن دسّ إليه عليه السلام السمّ النقيع ، فلقي ربّه شهيداً مكموداً ، وقد قطع السمّ أحشاءه. قال ابن سعد في الطبقات (9) : سمّه معاوية مراراً ، لأنّه كان يقدم عليه الشام هو وأخوه الحسين. وقال الواقدي : إنّه سُقي سمّاً ثم أفلت ، ثم سُقي فأفلت ، ثم كانت الآخرة توفّي فيها ، فلمّا حضرته الوفاة قال الطبيب وهو يختلف إليه : هذا رجلٌ قطع السمّ أمعاءه ، فقال الحسين : « يا أبا محمد أخبرني من سقاك ؟ » قال : « ولِمَ يا أخي ؟ » قال : « أقتله والله قبل أن أدفنك ، وإن لا أقدر عليه أو يكون بأرض أتكلّف الشخوص إليه » . فقال : « يا أخي إنّما هذه الدنيا ليالٍ فانية ، دعه حتى ألتقي أنا وهو عند الله ، وأبى أن يسمّيه » . وقد سمعت بعض من يقول : كان معاوية قد تلطّف لبعض خدمه أن يسقيه سمّاً (10). وقال المسعودي : [ عن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهم ، قال : دخل الحسين على عمّي الحسن بن علي ] (11) لمّا سُقي السمّ ، فقام لحاجة الإنسان ثم رجع ، فقال : « لقد سقيت السمّ عدّة مرار فما سُقيت مثل هذه ، لقد لفظت طائفة من كبدي فرأيتني أقلّبه بعودٍ في يدي » ، فقال له الحسين : « يا أخي من سقاك ؟ » قال : « وما تريد بذلك ؟ فإن كان الذي أظنّه فالله حسيبه ، وإن كان غيره فما أُحبُّ أن يؤخذ بي بريءٌ » . فلم يلبث بعد ذلك إلّا ثلاثاً حتى توفي رضي الله عنه. وذُكِر : أنَّ امرأته جعدة بنت أشعث بن قيس الكندي سقته السمّ ، وقد كان معاوية دسّ إليها أنّك إن احتلت في قتل الحسن وجّهت إليك بمائة ألف درهم ، وزوّجتكِ يزيد. فكان ذلك الذي بعثها على سمّه ، فلمّا مات الحسن وفى لها معاوية بالمال وأرسل إليها : إنّا نحبُّ حياة يزيد ولولا ذلك لوفينا لكِ بتزويجه ! وذكر : أنَّ الحسن قال عند موته : « لقد حاقت شربته ، وبلغ أُمنيّته ، والله ما وفى بما وعد ، ولا صدق فيما قال » . وفي فعل جعدة يقول النجاشي الشاعر ، وكان من شيعة عليّ ، في شعر طويل : جعدة بَكّيه ولا تسأمي بعد بكاء المعْوِل الثاكلِ (12) لم يُسْبَلِ السترُ على مثلِهِ في الأرضِ من حافٍ ومن ناعلِ كان إذا شبّت له ناره يرفعها بالسندِ الغاتلِ (13) كيما يراها بائسٌ مرملٌ وفرد قومٍ ليس بالآهلِ يغلي بنيء اللحم حتى إذا أنضج لم يغل على آكلِ أعني الذي أسلَمَنا هلكُهُ للزمن المستحرج (14) الماحلِ (15) قال أبو الفرج الأصبهاني : كان الحسن شرط على معاوية في شروط الصلح : أن لا يعهد إلى أحد بالخلافة بعده ، وأن تكون الخلافة له من بعده ، وأراد معاوية البيعة لابنه يزيد ، فلم يكن شيء أثقل عليه من أمر الحسن بن عليّ وسعد بن أبي وقّاص فدسَّ إليهما سمّاً فماتا منه ، أرسل إلى ابنة الأشعث أنِّي مزوِّجك بيزيد ابني على أن تَسُمّي الحسن. وبعث إليها بمائة ألف درهم ، فسوَّغها المال ولم يزوِّجها منه. مقاتل الطالبيّين (16) ( ص 29 ). وحكاه عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج ( 4 / 11 ، 17 ) (17) من طرق مغيرة وأبي بكر بن حفص. وقال أبو الحسن المدائني : كانت وفاته في سنة ( 49 ) وكان مريضاً أربعين يوماً وكان سنّه سبعاً وأربعين سنة ، دسّ إليه معاوية سمّاً على يد جعدة بنت الأشعث زوجة الحسن ، وقال لها : إن قتلتِه بالسمّ فلك مائة ألف ، وأزوّجك يزيد ابني. فلمّا مات وفى لها بالمال ولم يزوّجها من يزيد ، وقال : أخشى أن تصنع بابني ما صنعت بابن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. شرح ابن أبي الحديد (18) ( 4 / 4 ). وقال : كان الحصين بن المنذر الرقاشي يقول : والله ما وفى معاوية للحسن بشيء ممّا أعطاه ، قتل حُجراً وأصحاب حُجر ، وبايع لابنه يزيد ، وسمَّ الحسن. شرح ابن أبي الحديد (19) ( 4 / 7 ). وقال أبو عمر في الاستيعاب (20) ( 1 / 141 ) : قال قتادة وأبو بكر بن حفص : سُمَّ الحسن بن عليّ ، سمّته امرأته بنت الأشعث بن قيس الكندي. وقالت طائفة : كان ذلك منها بتدسيس معاوية إليها وما بذل لها في ذلك وكان لها ضرائر فالله أعلم. ثم ذكر صدر ما رواه المسعودي. وقال سبط ابن الجوزي في التذكرة (21) ( ص 121 ) : قال علماء السير ، منهم ابن عبد البرّ : سمّته زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي. وقال السُدي : دسّ إليها يزيد بن معاوية أن سمِّي الحسن وأتزوَّجك. فسمّته فلمّا مات أرسلت إلى يزيد تسأله الوفاء بالوعد ، فقال : أنا والله ما أرضاك للحسن ، أفنرضاك لأنفسنا ؟! وقال الشعبي : إنّما دسّ إليها معاوية فقال : سمِّي الحسن وأُزوِّجكِ يزيد وأعطيكِ مائة ألف درهم ، فلمّا مات الحسن بعثت إلى معاوية تطلب إنجاز الوعد ، فبعث إليها بالمال وقال : إنّي أُحبُّ يزيد ، وأرجو حياته ، ولولا ذلك لزوّجتك إيّاه ! وقال الشعبي : ومصداق هذا القول أنَّ الحسن كان يقول عند موته وقد بلغه ما صنع معاوية : « لقد عملت شربته وبلغت أُمنيّته ، والله لا يفي بما وعد ، ولا يصدق فيما يقول » . ثم حكى عن طبقات ابن سعد : أنَّ معاوية سمّه مراراً كما مرّ. وقال ابن عساكر في تاريخه (22) ( 4 / 229 ) : يقال : إنَّه سقي السمَّ مراراً كثيراً فأفلت منه ثم سقي المرَّة الأخيرة فلم يفلت منها. ويقال : إنَّ معاوية قد تلطّف لبعض خدمه أن يسقيه سمّاً فسقاه فأثّر فيه حتى كان يوضع تحته طست ويرفع نحواً من أربعين مرَّة. وروى محمد بن المرزبان : أنَّ جعدة بنت الأشعث بن القيس كانت متزوّجة بالحسن فدسَّ إليها يزيد أن سمّي الحسن وأنا أتزوّجك ففعلت ، فلمّا مات الحسن بعثت إلى يزيد تسأله الوفاء بالوعد ، فقال لها : إنّا والله لم نرضك للحسن فكيف نرضاك لأنفسنا ؟ فقال كثير ، ويروى أنّه للنجاشي : يا جعدة ﭐبكيه ولا تسأمي بكاء حقٍّ ليس بالباطلِ لن تستري البيت على مثلِهِ في الناس من حاف ولا ناعلِ أعني الذي أسلَمَهُ أهلُه للزمن المستحرج الماحلِ كان إذا شبّت له نارهُ يرفعها بالنسب الماثلِ كيما يراها بائسٌ مرملٌ أو وفد قومٍ ليس بالآهلِ يغلي بنيء اللحم حتى إذا أنضج لم يغل على آكلِ وروى المزّي في تهذيب الكمال في أسماء الرجال (23) ، عن أُمّ بكر بنت المسور ، قالت : سُقي الحسن مراراً وفي الآخرة مات ، فإنّه كان يختلف كبده. فلمّا مات أقام نساء بني هاشم عليه النوح شهراً. وفيه ، عن عبد الله بن الحسن : قد سمعت من يقول : كان معاوية قد تلطّف لبعض خدمه أن يسقيه سمّا. وقال أبو عوانة ، عن مغيرة ، عن أمّ موسى : إنَّ جعدة بنت الأشعث سقت الحسن السمَّ فاشتكى منه أربعين يوماً. وفي مرآة العجائب وأحاسن الأخبار الغرائب (24) ؛ قيل : كان سبب موت الحسن بن عليّ من سمّ سمَّ به يقال : إنَّ زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي سقته إيّاه ، ويُذكر والله أعلم بحقيقة أمورهم : أنَّ معاوية دسّ إليها بذلك على أن يوجّه لها مائة ألف درهم ويزوِّجها من ابنه يزيد ، فلمّا مات الحسن وفى لها معاوية بالمال وقال : إنِّي أحبُّ حياة يزيد. وذكروا : أنَّ الحسن قال عند موته : « لقد حاقت شربته والله لا وفى لها بما وعد ولا صدق فيما قال » . وفي سمّه يقول رجل من الشيعة : تعرّفكم (25) لك من سلوة تفرِّج عنك قليل الحزَنْ بموت النبيِّ وقتل الوصيِّ وقتل الحسين وسمّ الحسنْ وقال الزمخشري في ربيع الأبرار (26) في الباب الحادي والثمانين : جعل معاوية لجعدة بنت الأشعث امرأة الحسن مائة ألف درهم حتى سمّته ، ومكث شهرين وإنَّه يرفع من تحته طستاً من دم وكان يقول : « سُقيت السمّ مراراً ما أصابني فيها ما أصابني في هذه المرّة ، لقد لفظت كبدي » . وفي حسن السريرة (27) : لمّا كان سنة سبع وأربعين من الهجرة دسَّ معاوية إلى جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي زوجة الحسن بن عليّ أن تسقي الحسن السمَّ ، ويوجّه لها مائة ألف ويزوّجها من ابنه يزيد. ففعلت ذلك. كان معاوية يرى أمر الإمام السبط عليه السلام حجر عثرة في سبيل أمنيّته الخبيثة بيعة يزيد ، ويجد نفسه في خطر من ناحيتين ، عهده إليه عليه السلام في الصلح معه بأن لا يعهد إلى أحد من جانب ، وجدارة أبي محمد الزكيّ ونداء الناس به من ناحية أخرى ، فنجّى نفسه عن هذه الورطة بسمِّ الإمام عليه السلام ، ولمّا بلغه نعيه غدا مستبشراً ، وأظهر الفرح والسرور وسجد وسجد من كان معه. قال ابن قتيبة : لمّا مرض الحسن بن عليّ مرضه الذي مات فيه ، كتب عامل المدينة إلى معاوية يخبره بشكاية الحسن ، فكتب إليه معاوية : إن استطعت أن لا يمضي يومٌ يمرُّ بي إلّا يأتيني فيه خبره فافعل. فلم يزل يكتب إليه بحاله حتى توفّي فكتب إليه بذلك. فلمّا أتاه الخبر أظهر فرحاً وسروراً حتى سجد وسجد من كان معه ، فبلغ ذلك عبد الله بن عبّاس وكان بالشام يومئذٍ فدخل على معاوية ، فلمّا جلس قال معاوية : يا بن عباس هلك الحسن بن عليّ. فقال ابن عباس : نعم هلك ، إنّا لله وإنّا إليه راجعون. ترجيعاً مكرّراً ، وقد بلغني الذي أظهرت من الفرح والسرور لوفاته ، أما والله ما سدّ جسده حفرتك ، ولا زاد نقصان أجله في عمرك ، ولقد مات وهو خيرٌ منك ، ولئن أُصِبنا به لقد أُصبنا بمن كان خيراً منه جدّه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فجبر الله مصيبته ، وخلف علينا من بعده أحسن الخلافة. ثم شهق ابن عبّاس وبكى. الحديث (28). وفي العقد الفريد (29) ( 2 / 298 ) لمّا بلغ معاوية موت الحسن بن عليّ خرَّ ساجداً لله ، ثم أرسل إلى ابن عبّاس وكان معه في الشام فعزّاه وهو مستبشرٌ. وقال له : ابن كم سنة مات أبو محمد ؟ فقال له : سنّه كان يُسمع في قريش فالعجب من أن يجهله مثلك قال : بلغني أنّه ترك أطفالاً صغاراً ، قال : كلُّ ما كان صغيراً يكبر ، وإنَّ طفلنا لكهل وإنَّ صغيرنا لكبير ، ثم قال : ما لي أراك يا معاوية مستبشراً بموت الحسن بن عليّ ؟ فوالله لا ينسأ في أجلك ، ولا يسدّ حفرتك ، وما أقلَّ بقاءك وبقاءنا بعده ! وذكره الراغب في المحاضرات (30) ( 2 / 224 ). وفي حياة الحيوان (31) ( 1 / 58 ) ، وتاريخ الخميس ( 2 / 294 ) وفي طبعة ( 328 ) : قال ابن خلّكان (32) : لمّا مرض الحسن كتب مروان بن الحكم إلى معاوية بذلك وكتب إليه معاوية : أن أَقبِلِ المطيَّ إليَّ بخبر الحسن ، فلمّا بلغ معاوية موته سمع تكبيرة من الخضراء فكبّر أهل الشام لذلك التكبير ، فقالت فاختة بنت قريظة لمعاوية : أقرّ الله عينك ، ما الذي كبّرت لأجله ؟ فقال : مات الحسن. فقالت : أعلى موت ابن فاطمة تكبّر ؟ فقال : ما كبّرت شماتةً بموته ، ولكن استراح قلبي (33). ودخل عليه ابن عبّاس فقال : يا بن عبّاس هل تدري ما حدث في أهل بيتك ؟ قال : لا أدري ما حدث إلّا أنّي أراك مستبشراً وقد بلغني تكبيرك ، فقال : مات الحسن. فقال ابن عبّاس : رحم الله أبا محمد ـ ثلاثاً ـ ، والله يا معاوية لا تسدّ حفرته حفرتك ، ولا يزيد عمره في عمرك ، ولئن كنّا أُصبنا بالحسن فلقد أُصبنا بإمام المتّقين وخاتم النبيّين ، فجبر الله تلك الصدعة ، وسكّن تلك العبرة ، وكان الخلف علينا من بعده. انتهى. وكان ابن هند جذلانَ مستبشراً بموت الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قبل ولده الطاهر السبط ، فبلغ الحسن عليه السلام وكتب إليه فيما كتب : « قد بلغني أنك شمتَّ بما لا يشمت به ذوو الحجى ، وإنَّما مثلك في ذلك كما قال الأوّل : وقل للذي يبقى خلاف الذي مضى تجهّز لأخرى مثلها فكأن قدِ وإنّا ومن قد مات منّا لكالذي يروح فيمسي في المبيت ليقتدي » ولإرضاء معاوية منع ذلك الإمام الزكيّ عن أن يقوم أخوه الحسين السبط بإنجاز وصيّته ويدفنه في حجرة أبيه الشريفة التي هي له ، وهو أولى إنسان بالدفن فيها. قال ابن كثير في تاريخه (34) ( 8 / 44 ) : فأبى مروان أن يدعه ، ومروان يومئذٍ معزول يريد أن يرضي معاوية. وقال ابن عساكر (35) ( 4 / 226 ) : قال مروان : ما كنت لأدع ابن أبي تراب يدفن مع رسول الله ، وقد دفن عثمان بالبقيع ، ومروان يومئذٍ معزولٌ يريد أن يرضي معاوية بذلك ، فلم يزل عدوّاً لبني هاشم حتى مات. انتهى. هذه نماذج من جنايات معاوية على ريحانة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ولعلَّ فيما أنساه التاريخ أضعافها ، وهل هناك مسائلٌ ابن حرب عمّا اقترفه السبط المجتبى سلام الله عليه من ذنب استحقَّ من جرّائه هذه النكبات والعظائم ؟ وهل يسع ابن آكلة الأكباد أن يعدَّ منه شيئاً في الجواب ؟ غير أنّه عليه السلام كان سبط محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم وقد عطّل دين آباء الرجل الذي فارقه كرهاً ولم يعتنق الإسلام إلّا فَرَقا ، وأنّه شبل عليّ خليفة الله في أرضه بعد نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو الذي مسح أسلافه الوثنيّين بالسيف ، وأثكلت أُمّهات البيت الأمويّ بأجريتهن (36) ، ولمّا ينقضي حزن معاوية على أولئك الطغمة حتى تشفّى بأنواع الأذى التي صبّها على الإمام المجتبى إلى أن اغتاله بالسمِّ النقيع ، ولم يملك نفسه حتى استبشر بموته ، وسجد شكراً ، وأنا لا أدري ألِلاته سجد أم لله سبحانه ؟ وإنّ لسان حاله كان ينشد ما تظاهر به مقول نغله يزيد : قد قتلت القِرْمَ من ساداتهم وعدلنا ميل بدرٍ فاعتدلْ ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا جزعَ الخزرجِ من وقع الأسلْ لعبت هاشمُ بالملكِ فلا خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزلْ وأنّه بضعة الزهراء فاطمة الصدِّيقة حبيبة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ومنها نسله الذين ملأوا الدنيا أوضاحاً وغرراً من الحسب الوضّاء ، والشرف الباذخ ، والدين الحنيف ، كلُّ ذلك ورغبات معاوية على الضدِّ منها ، وما تغنيه الآيات والنذر. وفي الذكر الحكيم ( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ) (37). الهوامش 1. هذه الأحاديث تأتي بأسانيدها ومصادرها في مسند المناقب ومرسلها إن شاء الله. ( المؤلف ) 2. شرح ابن أبي الحديد : 4 / 13 [ 16 / 37 الوصية 31 ]. ( المؤلف ) 3. الصواعق لابن حجر : ص 81 [ ص 136 ]. ( المؤلف ) 4. راجع ما مرّ في الجزء العاشر : ص 326. ( المؤلف ) 5. شرح ابن أبي الحديد : 4 / 16 [ 16 / 46 الوصية 31 ]. ( المؤلف ) 6. راجع ما أسلفناه في الجزء العاشر : ص 262. ( المؤلف ) 7. شرح ابن أبي الحديد : 4 / 16 [ 16 / 46 ـ 47 الوصية 31 ]. ( المؤلف ) 8. ويقول العاملون في مركز الغدير : آمين آمين. 9. تتميم طبقات ابن سعد : 1 / 352 ح 315. 10. تاريخ ابن كثير : 8 / 43 [ 8 / 47 حوادث سنة 49 هـ ]. ( المؤلف ) 11. من مروج الذهب. 12. في تاريخ ابن كثير [ 8 / 47 حوادث سنة 49 هـ ] : بكاء حقّ ليس بالباطل. ( المؤلف ) 13. في تاريخ ابن كثير [ 8 / 47 حوادث سنة 49 هـ ] : يرفعها بالنسب الماثل. ( المؤلف ) 14. من الحرج وهو الضيق والشدّة. 15. مروج الذهب : 2 / 50 [ 3 / 6 ـ 7 ]. ( المؤلف ) 16. مقاتل الطالبيّين : ص 80 رقم 4. 17. شرح نهج البلاغة : 16 / 29 ، 49 الوصية 31. 18. شرح نهج البلاغة : 16 / 11 ، 17 الوصية 31. 19. شرح نهج البلاغة : 16 / 11 ، 17 الوصية 31. 20. الاستيعاب : القسم الأول / 389 رقم 555. 21. تذكرة الخواص : ص 211 ـ 212. 22. تاريخ مدينة دمشق : 13 / 282 ـ 284 رقم 1383 ، وفي مختصر تاريخ دمشق : 7 / 39. 23. تهذيب الكمال : 6 / 252 رقم 1248. 24. تأليف الشيخ أبي عبد الله محمد بن عمر زين الدين. ( المؤلف ) 25. كذا ، وفي مروج الذهب : 3 / 7 : تأسَّ فكم لك. 26. ربيع الأبرار : 4 / 208. 27. ألّفه الشيخ عبد القادر بن محمد بن [ يحيى الحسيني الشافعي ] الطبري ابن بنت محبّ الدين الطبري مؤلّف الرياض النضرة. [ توفي سنة 1033 ، وكتابه ( حسن السريرة في حسن السيرة ) : شرح منظومة في السير. راجع ذيل كشف الظنون : 3 / 404 ]. ( المؤلف ) 28. الإمامة والسياسة : 1 / 144 [ 1 / 150 ]. ( المؤلف ) 29. العقد الفريد : 4 / 156. 30. محاضرات الأدباء : مج 2 / ج 4 / 500. 31. حياة الحيوان : 1 / 83 ـ 84. 32. وفيات الأعيان : 2 / 66 ـ 67. 33. إلى هاهنا ذكره الزمخشري أيضاً في ربيع الأبرار [ 4 / 209 ] في الباب الحادي والثمانين ، والبدخشي في نُزُل الأبرار [ ص 147 ـ 148 ]. ( المؤلف ) 34. البداية والنهاية : 8 / 48 حوادث سنة 49 هـ. 35. تاريخ مدينة دمشق : 13 / 287 ، 288 رقم 1383 ، وفي مختصر تاريخ دمشق : 7 / 42. 36. الأجرية : جمع جرو. 37. الأعراف : 146. مقتبس من كتاب : الغدير في الكتاب والسنّة والأدب / المجلّد : 11 / الصفحة : 11 ـ 25