جوهر العاقة الزوجية هي المودة والرحمة الذي عبّر عنه القرآن بقوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ (1). وهذا الجوهر الأساسي في معرض للمخاطر في الانفصال العاطفي. الانفصال العاطفي بين الزوجين من أخطر الظواهر الصامتة التي تهدد كيان الأسرة واستقرارها الداخلي، إذ يحدث غالبًا دون صدامات ظاهرة أو قرارات رسمية بالانفصال، لكنه يترك آثارًا عميقة تتراكم بمرور الزمن. ففي هذا النوع من الانفصال، يستمر الزوجان في العيش تحت سقف واحد، وتبقى الرابطة الزوجية قائمة شكليًا، غير أن جوهر العلاقة القائم على المودة والرحمة والتواصل الوجداني يكون قد تآكل إلى حدّ كبير.
تكمن خطورة الانفصال العاطفي في كونه يمهّد لانهيار تدريجي للعلاقة الزوجية دون وعي مباشر من الطرفين. كما ينعكس سلبًا على الصحة النفسية للزوجين، ويؤثر بعمق في الأبناء، إذ ينشأ الأطفال في بيئة تفتقر إلى الدفء العاطفي والاستقرار الوجداني، مما قد يترك آثارًا طويلة المدى على نموهم النفسي والاجتماعي. 
من هنا، تبرز أهمية دراسة ظاهرة الانفصال العاطفي بين الزوجين، والكشف عن أسبابها وعلاماتها، والسعي إلى تقديم رؤىة علاجية ووقائية تسهم في إعادة بناء التواصل العاطفي في الحياة الزوجية.

 

علامات الانفصال العاطفي


لا يبدأ الانفصال العاطفي دائمًا بالمشاجرات أو بالكلمات القاسية، بل قد يتسلّل أحيانًا بهدوء وصمت، فيُحدث انشقاقا في عمق العلاقة دون أن ينتبه إليه الطرفان، إلى أن يأتي يوم يشعران فيه بأنّه لم يعد بينهما حديثٌ مشترك. ويُطلق علماء النفس على هذه الحالة اسم الانفصال الصامت، ويعتقدون أنّ التعرّف المبكّر على علاماته يمكن أن يسهم في إنقاذ العلاقة.


الأول: تقليل الحوارات العميقة بين الزوجين


يقول الدكتور جون غوتمن، عالم النفس المتخصص في شؤون الأسرة: «عندما تقتصر المحادثات اليومية على نقل تفاصيل الأعمال والمهام الروتينية، ويختفي الحديث عن المشاعر أو الأحلام أو المخاوف، فإن جرس إنذار الانفصال يكون قد بدأ بالقرع» (2). وتُظهر أبحاثه التي أُجريت على أكثر من 3000 زوج أنّ تراجع وتقليل الحوارات العاطفية يُعدّ مؤشرًا تنبؤيًا على حدوث الانفصال خلال ثلاث إلى خمس سنوات قادمة.
ولهذا الأمر أكّدت الشريعة الإسلامية على التواصل الفعّال والعميق بين الزوجين. فقد روى الإمام الصادق عليه السلام عن جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « قول الرجل للمرأة إني أحبك لا يذهب من قلبها أبدا » (3). وأيضا روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « خير الرجال من أمتي الذين لا يتطاولون على أهليهم ويحنون عليهم ولا يظلمونهم » (4).


الثاني: عدم المبالاة تجاه الآخر


تُظهر دراسة أُجريت في جامعة هارفارد في عام 2020 أنّ الأزواج الذين لا يُبدون استجابات انفعالية إيجابية أو تعاطفًا وجدانيًا تجاه نجاحات وإخفاقات وفعاليات بعضهم البعض، يبدؤون تدريجيًا في اختبار شعور الوحدة داخل العلاقة. الاستجابة العاطفية المتبادلة أحد الركائز الأساسية في ترسيخ الروابط الزوجية، إذ يشعر الفرد من خلالها بأنّ مشاعره وتجربته الحياتية محلّ اهتمام وتقدير من الطرف الآخر. وعندما يُقابل نجاح أحد الزوجين بالفتور أو التجاهل، أو تُستقبل إخفاقاته بعدم الاكتراث أو التقليل من شأنها، يتكوّن تدريجيًا شعور داخلي بعدم الأهمية وبفقدان الدعم الوجداني داخل العلاقة. وإلى هذا أمر الإمام الباقر عليه السلام حيث قال: « إذا سافر أحدكم فقدم من سفره فليأت أهله بما تيسر » (5). وهذا أحد الطرق لإبراز الأهمية والمبالاة تجاه شريكة الحياة.


الثالث: تقليل التواصل الجسدي غير الجنسي


اللمس، والعناق، ومسك اليدين إحدى لغات الحب الأساسية. إنّ تراجع هذا النوع من التواصل يؤدي إلى انخفاض مستوى هرمون العاطفة، مما يُضعف الإحساس بالقرب العاطفي بين الزوجين.
يجب أن يعلم الزوجان أنّ التواصل الجسدي بينهما لايجب أن يقتصر على العلاقات الجنسية فحسب. بل يجب أن أن يستمرّ التواصل الجسدي بينهما ويُبيّنا علاقتهما ومحبتهما إلى الآخر بهذا النوع من التواصل أيضا. وقال أميرالمؤمنين عليه السلام إلى إبنه محمد بن الحنفية حول المرأة: « فدارها على كل حال وأحسن الصحبة لها فيصفو عيشك » (6).


الرابع: الحضور الجسدي وغياب الذهن


التواجد الجسدي وحده غير كافٍ لتحقيق التواصل العاطفي داخل العلاقة الزوجية، لأنّ جوهر القرب الحقيقي يكمن في الحضور الذهني والانتباه الوجداني. فعندما يكون أحد الزوجين حاضرًا بجسده فقط، بينما يغيب بوعيه واهتمامه، يشعر الطرف الآخر تدريجيًا بالإهمال وعدم الأهمية، حتى وإن لم تُعبَّر هذه المشاعر بشكل مباشر. وعلى هذا يمكننا أن نفهم ما المراد من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « جُلُوسُ الْمَرْءِ عِنْدَ عِيَالِهِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنِ اعْتِكَافٍ فِي مَسْجِدِي هَذَا » (7). فإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يريد من الرجال، مجرد الجلوس عند العيال، لأنّ الجلوس الصرف، نقض لغرض الجلوس. فإن الأمر بالجلوس عند العيال يكون بغرض التحبب والتعاطف بين الزوجين. ولا يحصل هذا الغرض من الجلوس عند الزوجة والعيال إلا بالحضور الجسدي والذهني والاصغاء الحقيقي إلى الزوجة.


الخامس: قلّة الدعابة بين الزوجين


يلعب روح الدعابة المشتركة دورًا محوريًا في تعزيز القرب بين الزوجين، إذ تُسهم في تخفيف الضغوط اليومية وكسر التوترات وخلق مساحة آمنة للتقارب والتفاعل الإيجابي. فالضحك المشترك لا يُعدّ مجرد لحظات عابرة من التسلية، بل هو مؤشر عميق على وجود انسجام نفسي وتفاهم داخلي بين الطرفين. وعندما تتراجع هذه الروح، غالبًا ما يكون ذلك انعكاسًا لحالة من الإرهاق العاطفي أو التوتر المزمن أو تراكم المشاعر السلبية غير المُعالجة. في هذه المرحلة، يصبح التفاعل بين الزوجين أكثر رسمية وجفافًا، وتفقد العلاقة قدرتها على تجديد طاقتها الوجدانية. ولهذا أجاز بل حثّ الله تعالى على مداعبة المرأة. فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « كُلُّ لَهْوِ الْمُؤْمِنِ بَاطِلٌ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ فِي تَأْدِيبِهِ الْفَرَسَ وَرَمْيِهِ عَنْ قَوْسِهِ وَمُلَاعَبَتِهِ امْرَأَتَهُ فَإِنَّهُنَّ حَقٌّ » (8).


علاج الانفصال العاطفي بين الزوجين


هناك طرق مختلفة لعلاج الانفصال العاطفي بين الزوجين. سنشير إلى أهمها.


الأول: الاعتراف بالمشكلة وكسر حالة الإنكار


الخطوة الأولى في علاج الانفصال العاطفي هو الاعتراف بوجوده. فكثير من الأزواج يتعايشون مع البرود الوجداني، معتبرين إياه أمرًا طبيعيًا ناتجًا عن ضغوط الحياة، فيؤجلون التعامل معه. إنّ إدراك تراجع القرب العاطفي يُشكّل نقطة تحوّل أساسية تمهّد الطريق لأي مسار علاجي فعّال.


الثاني: إعادة إحياء التواصل العاطفي الواعي


ضعف التواصل من أبرز أسباب الانفصال العاطفي، ولذلك فإنّ إعادة بناء الحوار تمثّل حجر الزاوية في العلاج. ولا يقتصر ذلك على تبادل المعلومات اليومية، بل يشمل التعبير عن المشاعر والاحتياجات النفسية والمخاوف. وهنا تتبيّن أهمية الاصغاء.


الثالث: ممارسة التعاطف وعكس المشاعر


التعاطف يعني القدرة على فهم مشاعر الشريك والشعور بها وهذا يُسهم في ترميم الجسور العاطفية المنكسرة. وتُعدّ تقنية «عكس المشاعر» من الأساليب العلاجية الفعّالة، حيث يقوم أحد الزوجين بإعادة صياغة ما يسمعه من الطرف الآخر مع التركيز على المشاعر الكامنة خلف الكلمات، مما يعزّز الشعور بالفهم والاحتواء.


الرابع: تخصيص وقت مشترك


في ظل تسارع إيقاع الحياة، يفقد الزوجان في كثير من الأحيان المساحات المشتركة العميقة. إنّ تخصيص وقت منتظم للتفاعل الثنائي، بعيدًا عن الهاتف والعمل والضغوط الخارجية، يُعيد إحياء الإحساس بالخصوصية والانتماء. ولا يشترط أن يكون هذا الوقت طويلًا، بل أن يكون قائمًا على الحضور الذهني والانتباه المتبادل.


الخامس: إحياء روح الدعابة والذكريات الإيجابية


تُسهم روح الدعابة المشتركة في تخفيف التوترات وإعادة التوازن العاطفي للعلاقة. كما أنّ استحضار الذكريات الإيجابية وبدايات العلاقة يُساعد الزوجين على إعادة الاتصال بالمشاعر الأولى التي شكّلت أساس الارتباط، ويُذكّرهما بقيمة العلاقة ومعناها.


السادس: اللجوء إلى الإرشاد الزواجي المتخصص


في الحالات التي يتعذّر فيها على الزوجين تجاوز الانفصال العاطفي بمفردهما، يُعدّ الإرشاد الزواجي خيارًا فعّالًا. إذ يوفّر المختص مساحة آمنة للحوار، وأدوات علمية لفهم أنماط التفاعل السلبية، وإعادة بناء العلاقة على أسس صحية.


نتمنى لكم حياة زوجية سالمة بعيدة عن المشاكل.

 


1) سورة الروم / الآية: 21.
2) https://www.tebyan.net/news
3) وسائل الشيعة (للشيخ حرّ العاملي) / المجلد: 14 / الصفحة: 10 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – بيروت / الطبعة: 1.
4) مكارم الأخلاق (للشيخ الطبرسي) / المجلد: 1 / الصفحة: 217 / الناشر: مؤسسة الأعلمي – بيروت / الطبعة: 1.
5) وسائل الشيعة (للشيخ حرّ العاملي) / المجلد: 8 / الصفحة: 337 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – بيروت / الطبعة: 1.
6) مكارم الأخلاق (للشيخ الطبرسي) / المجلد: 1 / الصفحة: 218 / الناشر: مؤسسة الأعلمي – بيروت / الطبعة: 1.
7) تنبيه الخواطر (لورام بن أبي فراس) / المجلد: 2 / الصفحة: 122 / الناشر: مكتبة الفقيه – قم / الطبعة: 1.
8) الكافي (لمحمد بن يعقوب الكليني) / المجلد: 5 / الصفحة: 50 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 4.

 

 

التعليقات

Loading...
لا يوجد تعليقات!

محتوى ذو صلة