دروس من واقعة المباهلة لنمط الحياة العائلية
اليوم الرابع والعشرين من شهر ذي الحجة هو ذكرى واقعة المباهلة، وواقعة المباهلة من أهم الوقائع في التاريخ الإسلامي، حيث أظهرت هذه الحادثة المقام العالي والفضائل السامية لأئمة أهل البيت عليهم السلام. لكن لا تقتصر آثارها على الجانب العقائدي فحسب، بل تمتد لتشكّل منهجًا متكاملًا في بناء الأسرة المسلمة وإدارة الحياة العائلية. فقد حدثت المباهلة في موقع كانت فيه الحاجة إلى إظهار الحق والدفاع عنه بأوضح الصور، فاختار النبي صلى الله عليه وآله أن يخرج بأقرب الناس إليه وأحبّهم إليه. فخرج مع أميرالمؤمنين وفاطمة الزهراء والإمام الحسن والحسين عليهم السلام؛ ليكونوا شركاء في هذا الموقف المصيري الذي ارتبط بحفظ الرسالة وإثبات صدقها.
في عصر تتعرض فيه الأسرة لكثير من التحديات الفكرية والاجتماعية والثقافية، تزداد الحاجة إلى استلهام الدروس من المواقف القرآنية والتاريخية المشرقة التي قدمها النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام. ومن أبرز هذه المواقف واقعة المباهلة التي تقدم للأسرة المسلمة رؤية واضحة حول أهمية وحدة البيت، ومشاركة جميع أفراده في حمل الرسالة والقيم، وغرس الثقة بالنفس، وتعزيز روح التضحية والإيثار، وربط الحياة اليومية بالأهداف الإيمانية الكبرى.
وبمدارسة واقعة المباهلة والروايات التي وردت حولها، نفهم أنّه ينبغي أن يسمى هذا اليوم العظيم بيوم العالمي للأسرة والعائلة.

توضيح واقعة المباهلة
قبل الخوض في الموضوع، يجب أن نعلم ما هي واقعة المباهلة كي نستطع أن نتعلّم منها الدروس المناسبة لنمط الحياة العائلية.
قال الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم: ﴿ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ﴾.(1)
ويروي الشيخ الطبرسي تفصيل واقعة المباهلة، ويقول: «نزلت الآيات في وفد نجران: العاقب والسيد ومن معهما، قالوا لرسول الله: هل رأيت ولدا من غير ذكر؟ فنزل: (إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم) الآيات، فقرأها عليهم. فلما دعاهم رسول الله إلى المباهلة، استنظروه إلى صبيحة غد من يومهم ذلك. فلما رجعوا إلى رجالهم، قال لهم الأسقف: انظروا محمدا في غد، فإن غدا بولده وأهله، فاحذروا مباهلته. وإن غدا بأصحابه فباهلوه، فإنّه على غير شئ. فلما كان الغد جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم آخذا بيده علي بن أبي طالب عليه السلام، والحسن عليه السلام، والحسين عليه السلام بين يديه يمشيان، وفاطمة عليها السلام تمشي خلفه، وخرج النصارى يقدمهم أسقفهم. فلما رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أقبل بمن معه سأل عنهم، فقيل له: هذا ابن عمه، وزوج ابنته، وأحب الخلق إليه. وهذان ابنا بنته من علي عليه السلام. وهذه الجارية بنته فاطمة، أعز الناس عليه، وأقربهم إلى قلبه. وتقدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجثا على ركبتيه. قال أبو حارثة الأسقف: جثا –والله- كما جثا الأنبياء للمباهلة فكع، ولم يقدم على المباهلة. فقال السيد: أدن يا أبا حارثة للمباهلة. فقال: لا، إنّي لأرى رجلا جريئا على المباهلة، وأنا أخاف أن يكون صادقا، ولئن كان صادقا لم يحل –واللّه- علينا حول وفي الدنيا نصراني يطعم الماء. فقال الأسقف: يا أبا القاسم، إنا لا نباهلك، ولكن نصالحك فصالحنا على ما ينهض به، فصالحهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم على الفي حلة من حلل الاواقي قسمة كلّ حلة أربعون درهما فما زاد أو نقص فعلى حساب ذلك أو على عارية ثلاثين درعا وثلاثين رمى وثلاثين فرسا إن كان باليمن كيد، ورسول اللّه ضامن حتّى يؤديها، وكتب لهم بذلك كتابا.
وروي أن الأسقف قال لهم: إنّي لأرى وجوها لو سألوا اللّه أن يزيل جبلا من مكانه لازاله، فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة. وقال النبي: والذي نفسي بيده لو لاعنوني لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم الوادي عليهم نارا، ولما حال الحول على النصارى حتى يهلكوا كلهم! قالوا: فلما رجع وفد نجران لم يلبث السيد والعاقب إلا يسيرا حتى رجعا إلى النبي، وأهدى العاقب له حلة وعصا وقدحا ونعلين، وأسلما».(2)

أهمية الأسرة والعائلة
تكشف واقعة المباهلة أنّ الأسرة ليست مجرد إطار اجتماعي يجمع الزوج والزوجة والأبناء، بل هي جزء أساسي من المشروع الإلهي في هداية البشرية. فقد أراد الله تعالى أن يظهر الحق من خلال أسرة النبي صلى الله عليه وآله، وأن تكون هذه الأسرة شاهدة على صدق الرسالة وممثلة لقيمها العليا.
ومن أهم الدروس التي تقدمها المباهلة تأكيدها على قوة الروابط العائلية وأهميتها. فالنبي صلى الله عليه وآله كان في موقف يتطلب إظهار أعظم الشواهد على صدقه، فاختار أقرب الناس إليه وأشدهم ارتباطاً به. وهذا الاختيار يبين أنّ العلاقات الأسرية في الإسلام ليست علاقات شكلية أو مادية، وإنّما تقوم على المحبة والانسجام الروحي والتكامل في الأهداف. فالأسرة الناجحة هي التي يعيش أفرادها الشعور بوحدة المصير وتشارك المسؤولية وتحمل التحديات معاً؛ ولهذا السبب بالضبط قال الأسقف: «انظروا محمدا في غد، فإن غدا بولده وأهله، فاحذروا مباهلته. وإن غدا بأصحابه فباهلوه، فإنّه على غير شئ».(3)
مشاركة النساء في الأمور المهمة
من الدروس المهمة التي تقدمها المباهلة أن مشاركة المرأة في القضايا المهمة لا تتعارض مع عفتها وحيائها وخصوصيتها الإسلامية. فالسيدة الزهراء عليها السلام شاركت في هذا الموقف التاريخي مع حفاظها الكامل على مقامها ووقارها وحجابه، وهي التي قالت حول المرأة: «خير النساء أن لايرين الرجال ولا يراهن الرجال، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنها مني».(4) وهذا يقدّم نموذجاً متوازناً يرفض الإفراط والتفريط معاً، فلا يُقصي المرأة عن المساهمة في القضايا المهمة، ولا يدعو إلى إلغاء خصوصيتها أو التخلي عن القيم الأخلاقية التي تميزها، بل يؤكد أن المرأة تستطيع أن تؤدي أدواراً عظيمة وهي متمسكة بدينها وكرامتها وهويتها.

الاتحاد في الأسرة
إن الأسرة المتحدة تصبح أكثر قدرة على مواجهة المشكلات والصعوبات؛ لأنّ أفرادها يشعرون أنّهم جزء من كيان واحد، وأن نجاح أحدهم نجاح للجميع، وأن ما يصيب فرداً منهم يهمهم جميعاً. وأمّا الأسرة التي تمزقها الخلافات والصراعات الداخلية فإنّها تضعف أمام أبسط التحديات مهما كانت إمكاناتها كبيرة. فقد روي: «فلما كان الغد جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم آخذا بيده علي بن أبي طالب عليه السلام، والحسن عليه السلام، والحسين عليه السلام بين يديه يمشيان، وفاطمة عليها السلام تمشي خلفه».(5) لم يجتمع أهل البيت عليهم السلام في المباهلة لمجرد رابطة النسب، وإنّما اجتمعوا حول هدف واحد هو نصرة الحق وإعلاء كلمة الله تعالى، فالعلاقة الحقيقية التي جمعتهم لم تكن رابطة الدم فقط، بل كانت علاقة العقيدة والإيمان والرسالة.
المحبة أساس الاتحاد
لا يمكن أن يتحقق الاتحاد الحقيقي من دون وجود المحبة والمودة بين أفراد الأسرة. وواقعة المباهلة تعكس بوضوح عمق العلاقة التي كانت تربط النبي صلى الله عليه وآله بأهل بيته عليهم السلام. فقد اختار أحب الناس إليه وأقربهم إليه؛ ليكونوا معه في هذا الموقف العظيم. وبناء عليه، قال الأسقف: «وهذه الجارية بنته فاطمة، أعز الناس عليه، وأقربهم إلى قلبه».
إنّ المحبة تخلق الثقة، والثقة تعزز التعاون، والتعاون يؤدي إلى الوحدة والاستقرار؛ ولذلك فإنّ الأسرة التي تسعى إلى الاتحاد ينبغي أن تحرص على تنمية مشاعر المودة والرحمة بين أفرادها من خلال الاحترام المتبادل، والكلمة الطيبة، والتسامح، والمشاركة الوجدانية.
الختام
نقول في ختام هذا المقال، إنّ المباهلة ليست بواقعة عادية وعابرة، بل إنّه من أعظم الأيام عند الله تبارك وتعالى وفي هذه الواقعة، دروس مهمة حول الأسرة والعائلة، ويا حبذا إن كان يسمى هذا اليوم بيوم العالمي للأسرة والأسرة.
1) سورة آل عمران / الآية: 61.
2) مجمع البيان في تفسير القرآن / الشيخ الطبرسي / المجلد: 2 / الصفحة: 309 / الطبع: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات – بيروت.
3) مجمع البيان في تفسير القرآن / الشيخ الطبرسي / المجلد: 2 / الصفحة: 309 / الطبع: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات – بيروت.
4) مكارم الأخلاق / الشيخ الطبرسي / المجلد: 1 / الصفحة: 233 / الطبع: مؤسسة الأعلمي – بيروت.
5) مجمع البيان في تفسير القرآن / الشيخ الطبرسي / المجلد: 2 / الصفحة: 309 / الطبع: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات – بيروت.


