نمط الحياة في أيام زيارة الأربعين
إنّ المتأمل في طريق زيارة الأربعين يشاهد صورًا يصعب أن تجتمع في مكانٍ آخر بهذا الاتساع والاستمرار، فالغني والفقير، والكبير والصغير، والعالم والعامل، والرجل والمرأة، وأبناء مختلف القوميات واللغات يقفون جميعًا في صفٍ واحد، يخدم بعضهم بعضًا دون تمييز أو تكلف. فلا يسأل الخادم الزائر عن بلده أو لغته أو طبقته الاجتماعية، ولا ينتظر منه مقابلًا أو شكرًا، وإنّما يرى في خدمته وسامًا وشرفًا يتقرب به إلى الله عز وجل. وهكذا تتحول المواساة إلى ثقافة عامة، ويصبح الإحسان لغةً عالمية يفهمها الجميع دون حاجة إلى ترجمة.
ولعل السر في هذا المشهد الفريد أنّ نهضة الإمام الحسين عليه السلام قامت بناء على المواساة والتضحية. فقد واساه أصحابه بأنفسهم وأموالهم، وقدموا أغلى ما يملكون دفاعًا عن الحق، حتى صار الحسين عليه السلام رمزًا للعطاء بلا حدود. ومن هنا فإنّ خدمة زواره ليست عملًا منفصلًا عن أهداف عاشوراء، بل هي امتدادٌ طبيعيٌ لذلك النهج؛ لأنّ محبة الحسين الحقيقية لا تقتصر على الدموع، وإنّما تظهر في خدمة الناس، وإغاثة المحتاج، وإكرام الضيف، والتخفيف عن المتعب، وإشاعة روح الأخوة بين المؤمنين. ومن هنا، فإنّ أسلوب الحياة في زيارة أربعينية الإمام الحسين عليه السلام يقدم نموذجًا حضاريًا راقيًا يحتاج إليه العالم المعاصر، والذي يعاني من تنامي النزعة الفردية، وسيطرة المصالح الشخصية، وضعف الروابط الاجتماعية. ففي الوقت الذي تبنى فيه كثير من العلاقات على المنفعة، تقدم الأربعين نموذجًا لمجتمعٍ يقوم على العطاء المجاني، والخدمة الطوعية، والتكافل الصادق، والرحمة المتبادلة، فيتجلى الإسلام فيه بوصفه دينًا يصنع الإنسان قبل أن يصنع الحضارة.
تجلي القيم الإنسانية السامية
لقد قامت ثورة الإمام الحسين عليه السلام دفاعًا عن الإنسان وكرامته، وحفاظًا على القيم التي جاء بها الإسلام. فلم يكن هدف الإمام تحقيق مكسب سياسي أو مصلحة شخصية، وإنّما أراد أن يعيد للإنسان حريته وكرامته، ويصون دينه وأخلاقه من الانحراف. وقد تجلّت هذه القيم الإنسانية في مواطن كثيرة من حركة الإمام الحسين عليه السلام، على سبيل المثال: حينما وصل الحرّ بن يزيد الرياحي مع جيشه إلى الإمام الحسين عليه السلام في ذو حسم، سقاهم الإمام من الماء الذي كان في حوزته مع أنّهم كانوا أعداءه. فقد ورد: «استبقنا إلى ذي حسم، فسبقناهم إليه، وأمر الحسين عليه السّلام بأبنية فضربت فنزل فيها، وجاء القوم زهاء ألف فارس مع-الحر بن يزيد الرياحي التميمي -، فأتى حتى وقف هو وخيله مقابل الحسين في حرّ الظهيرة، والحسين وأصحابه معتمون متقلدو أسيافهم، فقال الحسين لأصحابه: اسقوا القوم، وأرووهم من الماء، ورشفوا الخيل ترشيفا. فسقوهم حتى ارتووا، وكانوا شاكين في السلاح لا يرى منهم إلاّ الحدق، وأقبلوا يملئون القصاع والطساس من الماء، ثم يدنونها من الفرس، فإذا عبّ فيها ثلاثا أو أربعا أو خمسا عزلت عنه، وسقي آخر حتى سقوها عن آخرها.»(1).
من أبرز المشاهد التي يلاحظها كل من يحضر مسيرة الأربعين اختفاء الفوارق الاجتماعية بصورة تكاد تكون كاملة. فالجميع يسيرون في طريق واحد، ويجلسون على موائد واحدة، ويشربون من أوانٍ واحدة، ويقفون في صفوف متساوية دون أن يكون للمال أو المنصب أو الشهرة أي امتياز.
المواساة والإعانة
إذا كان كثير من المجتمعات تتحدث عن قيم التكافل والإحسان في الخطب والكتب، فإنّ طريق الأربعين يحول هذه القيم إلى واقع حي يشاهده الإنسان في كل خطوة. فالزائر الذي يشعر بالتعب يجد من يعرض عليه مكانًا للراحة قبل أن يطلبه، والعطشان يجد الماء في كل مكان، والجائع يجد موائد الطعام مفتوحة على مدار الساعة، والمريض يجد الأطباء والمتطوعين يسارعون إلى خدمته، وكبير السن يجد من يسنده ويحمل عنه أمتعته، والأطفال يجدون الرعاية والاهتمام، حتى أصبح الطريق كله أشبه بمدينة كبيرة يعيش سكانها بروح الأسرة الواحدة. وهذا هو المصداق الحقيقي لقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾(2).
وهذا المشهد لا يقتصر على أصحاب المواكب، بل يشارك فيه الجميع، فمن لا يستطيع الإنفاق يخدم بجهده، ومن لا يقدر على الخدمة البدنية يقدم الابتسامة والكلمة الطيبة والدعاء؛ ليشعر كل فرد بأنه قادر على المشاركة في هذه المدرسة الإنسانية. وقد قال الإمام الصادق عليه السلام حول هذا الأمر: «ثَلَاثُ خِصَالٍ هُنَّ أَشَدُّ مَا عُمِلَ بِهِ الْعَبْدُ: إِنْصَافُ الْمُؤْمِنِ مِنْ نَفْسِهِ، وَمُوَاسَاةُ الْمَرْءِ لِأَخِيهِ، وَذِكْرُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.»(3).
أثر المواساة في الصحة الروحية
إنّ الإنسان كائن اجتماعي بطبيعته، لا يستطيع أن يعيش بمعزل عن الآخرين، بل يحتاج إلى من يشاركه أفراحه وأحزانه، ويعينه عند الشدائد، ويخفف عنه أعباء الحياة.
ومسيرة الأربعين من أوضح النماذج العملية التي تتجلى فيها هذه الحقيقة؛ فهي لا تقتصر على إحياء ذكرى الإمام الحسين عليه السلام، وإنّما تصنع بيئة نفسية يشعر فيها الإنسان بأنه ليس وحده في مواجهة صعوبات الحياة، وأن هناك قلوبًا تحبه، وأيديًّا تمتد لمساعدته، ووجوهًا تستقبله بالابتسامة والترحيب دون انتظار مقابل. ومن هنا أصبحت المواساة في الأربعين مدرسةً متكاملة لبناء الصحة النفسية للفرد والمجتمع.
وقد يظن البعض أنّ المواساة تعني مجرد تقديم المساعدة المادية، بينما حقيقتها أوسع من ذلك بكثير، فالمواساة تعني أن يشعر الإنسان بآلام الآخرين، وأن يشاركهم همومهم، وأن يبعث في نفوسهم الأمل والسكينة، سواء بكلمة طيبة، أو بدعاء، أو بابتسامة، أو بموقف عملي يخفف عنهم معاناتهم. وقد أثبتت الدراسات النفسية الحديثة أنّ الإنسان الذي يشعر بأنّه يحظى بدعم اجتماعي حقيقي يكون أكثر قدرة على مواجهة الضغوط والأزمات، وأقل عرضة للإصابة بالقلق والاكتئاب واليأس؛ ولذلك فإنّ الإسلام سبق إلى ترسيخ هذه الحقيقة حين جعل الأخوة الإيمانية علاقة تقوم على التعاون والتراحم، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾(4).
الأربعين مدرسة لتعلم التعاطف والإعانة
التعاطف هو قدرة الإنسان على أن يشعر بما يشعر به الآخر، وأن يدرك معاناته واحتياجاته، فيتفاعل معها بروح الرحمة والمسؤولية. وهو ليس مجرد عاطفة مؤقتة، بل مهارة أخلاقية تجعل الإنسان أكثر إنسانية وأكثر قربًا من الآخرين.
ويمتاز طريق زيارة الأربعين بأنّه لا يكتفي بتعليم القيم نظريًا، بل يحولها إلى ممارسة يومية. فالزائر يرى بعينيه كبار السن الذين يحتاجون إلى المساعدة، والمرضى الذين ينتظرون من يعينهم، والأطفال الذين يحتاجون إلى الرعاية، والمتعبين الذين يبحثون عن مكان للراحة. وهنا يتعلم أنّ التعاطف الحقيقي لا يقتصر على الشعور الداخلي، بل يدفع صاحبه إلى العمل. فمن يشعر بحاجة أخيه، ثم يبادر إلى مساعدته، يكون قد ترجم الرحمة إلى سلوك، وهو ما يريده الإسلام من المؤمن.
وإذا كان التعاطف يبدأ بالشعور، فإنّ الإعانة هي الثمرة الطبيعية لذلك الشعور؛ ولهذا نرى أن طريق زيارة الأربعين الحسيني يمتلئ بصور متنوعة من الإعانة، فهناك من يقدم الطعام، وآخر يوزع الماء، وثالث يعالج المرضى، ورابع يحمل أمتعة كبار السن، وخامس ينظف الطريق، وسادس يرشد الزائرين إلى وجهتهم. وقد لا يملك الإنسان مالًا كثيرًا، لكنه يستطيع أن يعين غيره بابتسامة، أو بكلمة تشجيع، أو بإفساح الطريق، أو بالدعاء، أو بمساعدة بسيطة تغير يوم إنسان متعب.
نشر ثقافة الإيثار والأخوة
الإيثار من أسمى الفضائل الأخلاقية، ويعني أن يقدم الإنسان غيره على نفسه، وأن يبذل من ماله أو وقته أو جهده أو راحته ابتغاء مرضاة الله تعالى، دون انتظار مكافأة أو منفعة شخصية. وفي طريق الأربعين تتحول آية الإيثار وهي: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾(5)، إلى واقعٍ ملموس، فترى أصحاب المواكب ينفقون أموالهم طوال العام؛ ليخدموا الزائرين، ويتركون أعمالهم وأوقات راحتهم، ويقفون ساعات طويلة في خدمة الغرباء، وهم يشعرون بالسعادة؛ لأنّهم وُفِّقوا لهذا العمل.
وهناك العديد من المجتمعات تتحدث عن الأخوّة في الخطب والشعارات، لكن الواقع قد يكون بعيدًا عنها. أمّا في الأربعين فإنّ الأخوّة تتحول إلى ممارسة يومية، فالناس يأكلون معًا، ويسيرون معًا، ويتعاونون معًا، ويتقاسمون أماكن الراحة، ويهتم بعضهم ببعض دون معرفة سابقة. وهذا الاحتكاك المباشر يزيل الحواجز النفسية، ويغرس في النفوس أنّ الإنسان أقرب إلى أخيه المؤمن مما كان يظن، وأنّ العلاقات الإنسانية لا تحتاج إلى مصالح مشتركة بقدر حاجتها إلى قلوب مؤمنة.
هذه جملة من الأمور المرتبطة بنمط الحياة الأربعيني. نتمنى أن لا تنسونا من صالح أدعيتكم في زيارة الأربعين.
1) مقتل الحسين / موفق بن أحمد الخوارزمي / المجلد: 1 / الصفحة: 329 / الطبع: أنوار الهدى – قم.
2) سورة الحشر / الآية: 9.
3) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 78 / الصفحة: 264 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
4) سورة الحجرات / الآية: 10.
5) سورة الحشر / الآية: 9.





