لماذا تفكر بعض النساء المتزوجات في الانتحار؟

يُعرف يوم 10 سبتمبر في التقويم العالمي باليوم العالمي للوقاية من الانتحار، وهي مناسبة لرفع مستوى الوعي حول واحدة من أعقد قضايا الصحة العامة، ولتسليط الضوء على هؤلاء الأشخاص الذين قد يعانون في صمت من آلام نفسية وأسرية واجتماعية عميقة. إنّ تناول هذا الموضوع لا يعني بأي حال من الأحوال تطبيع هذه الظاهرة أو الترويج لها، بل الهدف هو فهم العوامل التي قد توحي للفرد بالوصول إلى مرحلة من اليأس والعجز، والتركيز على السبل التي تمنع وصوله إلى مثل هذه الظروف.
وعندما نتحدث عن انتحار النساء المتزوجات، لا ينبغي لنا أن ننسب ذلك إلى قرار فردي أو مشكلة نفسية فحسب. ففي كثير من الحالات تتضافر مجموعة من العوامل مع بعضها البعض؛ إذ يمكن للمشاكل الزوجية، والعنف الأسري، والضغوط الاقتصادية، والعزلة الاجتماعية، والتجارب المؤلمة، والاكتئاب، والشعور بالعجز، أن تؤدي جميعها إلى تفاقم الأوضاع، والحد من قدرة المرأة على مواجهة الأزمات.

عندما لا يعود البيتُ ملاذاً آمناً

تُعدّ الأسرة بالنسبة للكثير من النساء المصدر الأول والأهم للأمان والدعم، ولكن إذا اقترنت الحياة الزوجية بالعنف، والخوف، والإساءة، والنزاعات المستمرة، فإنّ هذه البيئة نفسها قد تتحول إلى إحدى أهم مصادر الضغط النفسي.
وقد أظهرت الدراسات التي أُجريت على النساء المتزوجات، أنّ عنف الزوج والنزاعات الزوجية من العوامل المهمة المرتبطة بمحاولات الانتحار. ففي أوساط النساء اللواتي شملتهن الدراسة، تم الإبلاغ عن تجارب تعرضهن لعنف الزوج، والخوف منه، والتعرض للإهانة، والشك، واللامبالاة. كما ذكرت بعض النساء أنّ أزواجهن يقيّدون تواصلهن مع الأهل ونشاطاتهن الاجتماعية.
وتشير هذه النتائج إلى أنّ العنف الأسري لا يقتصر على الضرر الجسدي فحسب، بل يشمل التخويف، والتحقير، والتحكم في العلاقات، والقيود الصارمة، والتجاهل المستمر، حيث يمكن له هذه العوامل أن تؤثر جميعها على الصحة النفسية للمرأة، لا سيما عندما تستمر هذه السلوكيات لفترة طويلة.

العنف والصدمات النفسية؛ جرح قد لا يندمل

من المواضيع المهمة الأخرى، التجارب المؤلمة والصدمات النفسية (التروما). فالمواجهة المتكررة للعنف والتوتر المزمن يمكن أن تقلل من قدرة الفرد على ضبط مشاعره ومواجهة المشكلات، مما يؤدي إلى تفاقم مشاعر اليأس.
وفي الدراسة محل البحث، أبلغت بعض النساء عن سابقة تعرضهن للعنف في مرحلة الطفولة. وهذا لا يعني أنّ عنف الطفولة هو السبب المباشر للسلوك الانتحاري، ولكن التجارب الأليمة في الماضي يمكن أن تلعب دوراً في تشكيل الهشاشة النفسية لدى الفرد. كما أنّ تجربة العنف الأسري أو الجنسي قد تتبعها عواقب نفسية وخيمة، تزيد من ضعف الفرد وقابليته للتأثر في الظروف الحرجة.
وبناءً عليه، عند دراسة حالة امرأة متزوجة، لا ينبغي النظر فقط إلى المشكلات الراهنة في حياتها الزوجية، فالتجارب المريرة في الماضي قد تؤثر أيضاً على كيفية تعاملها مع أزمات اليوم.

الاكتئاب؛ حينما يتحول الضغط الخارجي إلى أزمة داخلية

لا تؤدي المشكلات الأسرية والاجتماعية بمفردها دائماً إلى تشكّل أفكار الانتحار، لكنها يمكن أن تفاقم الأزمة لدى الفرد الذي أصبح يعاني من هشاشة نفسية.
فإنّ اليأس، والعجز، والضغط النفسي الذي لا يُحتمل، هي من العوامل المرتبطة بالسلوكيات الانتحارية، كما أنّ الاكتئاب الشديد قد يزيد من تفاقم هذا الخطر. فقد تواجه المرأة ظاهرياً "مشكلة زوجية" فقط، ولكن في طبقات أعمق، قد تكون الإصابة بالاكتئاب، أو القلق، أو تبعات تجربة مؤلمة سابقة قد جعلت وضعها أكثر صعوبة.
وبناء عليه، فإنّ التعامل مع امرأة تواجه أزمة في حياتها الزوجية لا ينبغي أن يقتصر فقط على نصائح مثل "اصبري أكثر" أو "حلي خلافاتك مع زوجك"، بل أحياناً يكون من الضروري أن تحظى صحتها النفسية باهتمام وفحص جدي.

الشعور بالاحتجاز داخل الحياة الزوجية

تتشكل إحدى أصعب الحالات النفسية عندما يعاني الفرد من الظروف الراهنة، ولا يرى في الوقت نفسه سبيلاً لتغييرها.
فالمرأة التي تعاني من عنف زوجها، قد تخشى الانفصال، أو تشعر بالقلق تجاه مستقبل أطفالها، أو وضعها الاقتصادي، أو ردود فعل أسرتها، أو التبعات الاجتماعية للطلاق. وإذا كانت فرص العمل والاستقلال المالي محدودة، فإنّ الشعور بالتبعية والاحتجاز قد يزداد حدة.
وفي الدراسة محل البحث، تم اعتبار "الحساسية تجاه الطلاق" إلى جانب العنف، وإدمان الزوج، وغيرها من المشكلات الزوجية، من العوامل المرتبطة بمحاولات الانتحار. ومن هذا المنظور، فإنّ القضية أحياناً ليست مجرد "طلاق" أو "خلاف زوجي"؛ بل هي الشعور بانعدام البدائل والعجز عن تغيير الظروف، مما يضاعف من الضغط النفسي.


لماذا لا تتحدث بعض النساء عن معاناتهن؟

كان من بين النتائج اللافتة في الدراسة أن عددًا من النساء ذكرن أن أزواجهن كانوا يقيّدون علاقاتهن العائلية وأنشطتهن الاجتماعية. ومن جهة أخرى، لم تكن نسبة كبيرة من النساء اللواتي شملتهن الدراسة على دراية بوجود مراكز ومصادر للدعم في المجتمع.
إنّ العزلة أمر بالغ الأهمية؛ لأنّ الفرد الذي يمر بظروف حرجة يكون في أمسّ الحاجة إلى التواصل مع أشخاص موثوقين أكثر من أي وقت مضى. فالأسرة، أو الصديقة، أو المستشارة، أو مركز الدعم، يمكن أن يساعدوا الفرد على رؤية المشكلات من زاوية مختلفة، وإيجاد سبل أخرى للخروج من الأزمة.

لماذا لا تتحدث بعض النساء عن معاناتهن؟

كان من بين النتائج اللافتة في الدراسة، أنّ غالبية النساء اللواتي شملتهن الدراسة لم يتحدثن مع الآخرين عن نيتهن في الإقدام على الانتحار.
إنّ الخوف من إطلاق الأحكام، أو اللوم، أو فقدان السمعة، أو تفاقم الخلافات الأسرية، قد يدفع المرأة إلى إخفاء مشاكلها. وأحياناً يُتوقع من النساء تحمل مشكلات الحياة الزوجية وعدم الحديث عنها مع الآخرين. وفي مثل هذه الظروف، يمكن للصمت أن يجعل المحيطين غافلين عن شدة الأزمة.
إنّ خلق مساحة آمنة تستطيع فيها المرأة التحدث عن مشاكلها دون خوف أو لوم، يعدّ أحد الركائز المهمة للوقاية. فالإنصات، وأخذ الأمر على محمل الجد، وتقديم المساندة، قد تكون الخطوة الأولى لإيصال الفرد إلى الدعم التخصصي والاجتماعي اللازم.

لماذا تظهر فروقات بين النساء والرجال؟

في العديد من المجتمعات، تُسجل محاولات الانتحار لدى النساء بمعدلات أعلى، بينما تُسجل حالات الوفاة الناتجة عن الانتحار بشكل أكبر لدى الرجال؛ ولا يمكن عزو هذا التفاوت إلى سبب واحد، بل تلعب العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية والاختلافات في سلوك طلب المساعدة دوراً في ذلك.
فالنساء قد يتحدثن أكثر عن آلامهن النفسية أو يراجعن الجهات المتخصصة لطلب الدعم النفسي والاجتماعي، في حين قد تدفع بعض المعايير الاجتماعية الرجال إلى إخفاء ضعفهم ومشكلاتهم النفسية. وأمّا فيما يخص النساء المتزوجات فتكتسب عوامل مثل: العنف الأسري، وأعباء الرعاية، والتبعية الاقتصادية، وتجارب الصدمات السابقة، ومحدودية الوصول إلى الدعم، أهمية خاصة.

ما هو دور الأسرة والمجتمع في الوقاية؟

إنّ الوقاية من انتحار النساء المتزوجات ليست مسؤولية الأطباء النفسيين والمراكز العلاجية فحسب، فالأسرة والمجتمع يؤدون دوراً جوهرياً في تهيئة بيئة آمنة لطلب المساعدة.
فإذا كانت المرأة تعاني من العنف، أو الاكتئاب، أو القلق، أو الضغط النفسي الشديد، فلا ينبغي أن تكون ردة فعل المحيطين بها هي اللوم أو التقليل من شأن مشكلتها، بل إنّ الإنصات دون إصدار أحكام، وأخذ مؤشرات الأزمة على محمل الجد، والمساعدة في الوصول إلى الخدمات التخصصية، وحماية الفرد من العنف، أمورٌ تكتسي أهمية بالغة.
كما أنّ تعليم مهارات الحياة، والتعريف بالعنف الأسري، ورفع الوعي حول خدمات الاستشارة والدعم، ومتابعة الأفراد المعرضين للخطر، هي تدابير يمكنها أن تساهم بفاعلية في الوقاية.

الانتِحارُ في مَنظورِ الإسلام

لقد جعلَ الإسلامُ حِفظَ النَّفسِ من أسمى مقاصدِ الشَّريعة، فالحياةُ أمانةٌ إلهيَّةٌ لا مَلكَ للإنسانِ إنهاءَها. وقد جاءَ النهيُ القرآنيُّ حازماً ومصحوباً بالرحمةِ في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾(1). ويُؤكّدُ هذا المنهجُ واقعَ الابتلاءِ الذي قد يمرُّ بهِ المؤمنُ، كما في قولِ الإمامِ الباقرِ (عليه السلام): «إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُبْتَلَى بِكُلِّ بَلِيَّةٍ، وَيَمُوتُ بِكُلِّ مِيتَةٍ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَقْتُلُ نَفْسَهُ.»(2). فبينما يقرُّ الدِّينُ بقسوةِ الابتلاءاتِ وصعوبةِ الضُّغوطِ، فإنهُ يفتحُ بابَ الصَّمودِ. ويجعلُ من طلبِ العونِ والمواجهةِ طريقاً إيمانياً لمواجهةِ اليأسِ، بدلاً من الاستسلامِ لإنهاءِ الحياةِ.»


1.    سورة النساء ، الآية : 29. 
2.    الكافي / الشيخ الكليني / المجلد : 3 / الصفحة : 112 / ط الاسلامية    
 

 

التعليقات

Profile of User
Loading...

محتوى ذو صلة