رسالة نبي الإسلام إلى المسيحيين والتوصية بالحرية الدينية والسلام
أكّد نبي الإسلام في رسالته إلى رهبان دير سانت كاترين (St. Catherine's Monastery) في جبل سيناء على حفظ الحرية الدينية والسلام وحمايتهما. وأعلن في هذه الرسالة لأتباعه أن للمسيحيين الحق في أن يعيشوا بحرية في المجتمعات الإسلامية، وأن يتمتعوا بحقوقهم الدينية.
المقدمة
كان النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) نبي الإسلام، يحرص دائمًا على القيم الإنسانية والسلامية. ومن أبرز الأمثلة على هذا الاهتمام رسالة كتبها إلى رهبان دير سانت كاترين في جبل سيناء، فقد بيّنت هذه الرسالة بوضوح أنّ النبي كان يؤكد على حفظ الحرية الدينية وحماية الحقوق الدينية للجميع.
دير سانت كاترين في جبل سيناء
في قلب شبه جزيرة سيناء بمصر، وفي منطقة جبلية تحيط بها قمم صخرية شاهقة، تقع مدينة سانت كاترين التاريخية والدينية، والتي ارتبط اسمها بأحد أكثر المواقع قداسة في الذاكرة الدينية للمنطقة. ويقع دير سانت كاترين عند سفح جبل سيناء، المعروف في المصادر الإسلامية باسم جبل موسى، وفي المصادر المسيحية واليهودية باسم جبل سيناء أو جبل حوريب. ويُنظر إلى هذه المنطقة بوصفها موقعًا ذا أهمية روحية استثنائية للديانات الإبراهيمية الثلاث: الإسلام، والمسيحية، واليهودية. وقد أدرجت منظمة اليونسكو منطقة سانت كاترين على قائمة التراث العالمي عام 2002؛ تقديرًا لقيمتها الدينية والتاريخية والمعمارية والثقافية.
وترتبط قداسة المكان بصورة خاصة بقصة النبي موسى عليه السلام، فبحسب الرواية الكتابية، تلقّى موسى ألواح الشريعة عند جبل حوريب، بينما يحتل جبل سيناء مكانة مهمة في الذاكرة الإسلامية كذلك؛ إذ يرتبط بقصة موسى عليه السلام ولقائه بالله تعالى، ولذلك ظل هذا الجبل وما يحيط به مقصدًا للزائرين والحجاج والرحالة على مدى قرون طويلة. وتوجد على الطريق المؤدي إلى قمة جبل موسى معالم وآثار دينية، من بينها بقايا مصليات، كما توجد في القمة نفسها آثار مسجد وكنيسة صغيرة، وهو ما يعكس الطبيعة الدينية المتعددة للمكان.
وأمّا دير سانت كاترين نفسه، فقد تأسس في القرن السادس الميلادي في عهد الإمبراطور البيزنطي جستنيان، وظل محتفظًا بوظيفته الرهبانية منذ تأسيسه حتى اليوم؛ ولذلك تصفه اليونسكو بأنّه أقدم دير مسيحي ما زال مستخدمًا بوظيفته الأصلية بصورة متواصلة. وتحاط منشآت الدير بجدران بيزنطية ضخمة، وتضم مجموعة استثنائية من المباني والأعمال الفنية والأيقونات والمخطوطات القديمة.
ولا تقتصر أهمية الدير على مبانيه أو موقعه الجغرافي، بل تمتد إلى ما يحويه من آثار ومقتنيات جعلته واحدًا من أهم المراكز لدراسة تاريخ المسيحية والكتابة والمخطوطات في الشرق. وقد ساعد موقعه المعزول في منطقة صحراوية وجبلية على بقاء عدد كبير من المخطوطات والوثائق القديمة، كما أنّ استمرار الحياة الرهبانية في المكان حافظ على المكتبة ضمن سياقها التاريخي الأصلي.
محتوى الرسالة
هذا عهد كتبه محمد بن عبد الله رسول الله، لجميع النصارى. هذا كتاب كتبه محمد بن عبد الله لجميع الناس؛ ليبشرهم وينذرهم… لئلا يكون للناس على الله حجة بعد النبي، والله عزيز حكيم. كتب هذا الكتاب لأهل ملته، ولكل من كان نصرانيا في مشرق الأرض أو مغربها، قريبا كان أو بعيدا، عربيا فصيحا أو عجميا، معروفا أو مجهولا. هذا الكتاب عهد لهم، ومن نقض العهد فيه، وخالفه، وتعدى عما أمر به، فقد نقض عهده، وخالف ميثاق الله، واستهزأ بدين الله، وهو مستوجب للعنة، سواء كان من الحكام أو من المسلمين المؤمنين… للنصارى ما لي ولأقربائي ولمِلتي ولأنصاري. كأنّهم رعيتي وأهل ذمتي. نحن نمنع كل إيذاء لهم… لا يجب على أسقف أن يغير أسقفيته، ولا يجب على راهب أن يترك رهبانيته. من كان في دير فليبق فيه، ومن كان سائِحا فليسح. لا يهدم شيء من بناء الكنائس وأماكن تجارتهم، ولا يدخل شيء من أموال الكنائس في بناء المساجد ومنازل المسلمين. ومن فعل ذلك فقد نقض عهد الله، وخالف رسوله. لا جزية على الرهبان والأساقفة ولا غرامة، وأنا أحفظ ذمتهم أينما كانوا: في البر أو الصحراء، في الشرق أو الغرب، في الجنوب أو الشمال، هم في ذمتي وميثاقي وآمنون من كل سوء. وكذلك كل من يتعبد في الجبال أو المواضع المباركة فهم كذلك، ولا تأخذوا من محصول زروعهم خراجا ولا زكاة… ولا تجادلوهم إلا بالتي هي أحسن… ومن خالف عهد الله وعمل بخلافه، فقد خالف ميثاق الله وخالف رسول الله… لا ينبغي لأحد ما دامت الدنيا باقية أن يخالف هذا العهد حتى تنتهي الدنيا.
جاء في موقع Orthodoxy Cognate جزءٌ من الرسالة بهذه الصياغة:
لا ينبغي لهم [المسيحيون] أن يدفعوا شيئًا من دخلهم إلا ما يُرضيهم، ولا ينبغي أن يُؤذَوا، ولا ينبغي أن يُغيَّر قضاتُهم، ولا أن يُمنعوا من أداء واجباتهم، والرهبان أحرارٌ في ممارسة نظامهم الديني…
ولا ينبغي أن تُفرض أي ضريبة على الذين كرّسوا أنفسهم لعبادة الله في الجبال، ولا على الذين يزرعون الأراضي المقدسة.
المبادئ المشتركة بين الأديان
من أبرز النقاط في رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التأكيد على المبادئ المشتركة بين الأديان. فهو يذكّر أتباعه بأنّ الأديان الإلهية جميعها تنبع من مصدر واحد، وأن أصولها الأساسية، كالعدل والمحبة والتعايش السلمي، مشتركة بينها. وهذه النظرة الوحدوية تؤدي دورًا مهمًّا في خفض التوترات الدينية وتعزيز التماسك الاجتماعي.
الأهمية التاريخية والثقافية للرسالة
هذه الرسالة صادرةٌ من النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى جميع المسلمين إلى يوم القيامة، ومخالفتها توجب إيذاءَ النبي الكريم وتُعدّ من موجبات الغضب الإلهي.
وهذه الرسالة لا تدلّ فقط على النظرة الإنسانية والأخلاقية لنبي الإسلام، بل تُعَدّ أيضًا وثيقةً تاريخية تشهد على جهوده في إرساء التعايش السلمي في مجتمع ذلك العصر، وحفظ الحقوق الدينية لجميع أتباع الأديان.
كنوز مكتبة سانت كاترين
تُعد مكتبة دير سانت كاترين في سيناء واحدة من أهم المكتبات الرهبانية القديمة في العالم؛ لما تضمه من آلاف المخطوطات والكتب القديمة التي تمثل تراثًا دينيًا وثقافيًا متنوعًا. وتضم المكتبة نحو 3300 مخطوط، ثلثاها تقريبًا باللغة اليونانية، إلى جانب مخطوطات بالعربية والسريانية والجورجية والسلافية وغيرها، مما يعكس اتساع التواصل الديني والثقافي الذي شهدته المنطقة عبر القرون.
ومن أبرز كنوز المكتبة المخطوط السينائي (Codex Sinaiticus)، والذي يعود إلى القرن الرابع الميلادي، ويُعد من أقدم المخطوطات الكتابية المعروفة. وقد عُثر في الدير على أجزاء منه، بينما توجد أجزاء أخرى اليوم في المكتبة البريطانية ومكتبة جامعة لايبزيغ والمكتبة الوطنية الروسية في سانت بطرسبورغ. وتحتوي المكتبة أيضا على مخطوطات سريانية قديمة ذات أهمية كبيرة لدراسة تاريخ الأناجيل والترجمات المسيحية المبكرة.
ولا تقتصر محتويات المكتبة على النصوص الدينية، بل تشمل مخطوطات في الطب والفلسفة واللغة والأدب والتاريخ، إضافة إلى الرسائل والسجلات والوثائق القانونية. وتكشف هذه المجموعة المتنوعة عن الدور الثقافي الذي أداه الدير على مدى قرون. وفي عام 1975 اكتُشفت مجموعة كبيرة من أوراق المخطوطات والشظايا القديمة مخبأة داخل أحد جدران الدير، مما أضاف كنوزًا جديدة إلى مجموعته وأتاح للباحثين مواد مهمة لدراسة تاريخ الكتابة والمخطوطات في سيناء.
ومن الوثائق التي ارتبطت بتاريخ العلاقة بين المسلمين ودير سانت كاترين العهد المنسوب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، المعروف في بعض المصادر باسم «العهدة» أو «العهد النبوي» أو Actiname. وتذكر وثائق اليونسكو أن الدير يحتفظ بوثيقة يُقال إنها موقعة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتتضمن حماية للرهبان والدير، وإعفاءهم من بعض الالتزامات، والدعوة إلى معاملتهم بالحماية والمساعدة.
وقد اكتسبت هذه الوثيقة أهمية خاصة؛ لما تحمله من دلالة على تاريخ العلاقات بين المسلمين والرهبان المسيحيين في سيناء. وتذكر مصادر مصرية رسمية أن السلطان العثماني سليم الأول أخذ النسخة الأصلية عند دخوله مصر سنة 1517، وترك للرهبان نسخة مصدقة عنها مع ترجمة عثمانية.
ومع ذلك، فإنّ نسبة الوثيقة إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم موضع نقاش تاريخي؛ ولذلك يُفضّل علميًا استخدام تعبير «العهد المنسوب إلى النبي محمد» بدل الجزم بصحة نسبته. وحتى اليونسكو تستخدم عند الحديث عنه صياغة تفيد بأنّه يُقال إنّه وثيقة موقعة من النبي.
وهكذا لا تكمن أهمية مكتبة سانت كاترين في عدد مخطوطاتها فحسب، بل في تنوعها وقيمتها التاريخية، وفي الوثائق التي تحفظها وتكشف عن تفاعل الأديان والثقافات في سيناء. وقد أسهم هذا التراث، إلى جانب قداسة الموقع واستمرار الحياة الرهبانية فيه منذ القرن السادس، في جعل دير سانت كاترين شاهدًا على تاريخ ديني وثقافي طويل، وموقعًا ذا قيمة عالمية أدرجته اليونسكو ضمن قائمة التراث العالمي.





.jpg/w/300)

