أم كلثوم بنت أميرالمؤمنين عليه السلام في عهد النبي والأئمة عليهم السلام
دراسة حياة أم كلثوم عليها السلام لها أهمية خاصة؛ لأنّها تنتمي إلى أسرة اجتمعت فيها عناصر النسب النبوي، والفضيلة، والعلم، والجهاد، والصبر، والتضحية. فهي ابنة أمير المؤمنين علي عليه السلام، وأخت الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام وشقيقتهما، كما أنّها عاشت في بيئة تربوية فريدة هي بيت علي وفاطمة عليهما السلام، ذلك البيت الذي كان امتداداً لبيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومركزاً من مراكز التربية الإيمانية والأخلاقية في الإسلام. ومن هنا فإنّ الحديث عنها لا ينبغي أن يُختزل في واقعة واحدة أو قضية تاريخية منفردة، بل ينبغي أن يُنظر إليها ضمن السياق العام لحياة نساء أهل البيت عليهم السلام ودورهن في حفظ هوية الأسرة النبوية.
وتزداد أهمية هذا الموضوع عند الحديث عن أم كلثوم بنت أمير المؤمنين عليه السلام في عهد النبي والأئمة عليهم السلام؛ لأنّ حياة الإنسان داخل الأسرة النبوية لا يمكن فصلها عن الظروف السياسية والاجتماعية والعقائدية التي أحاطت بأهل البيت عليهم السلام. فقد عاشت هذه الأسرة في مرحلة شهدت غصب الخلافة من أميرالمؤمنين عليه السلام وما وقع بعده من الأحداث؛ لذلك فمن الجميل أن نقرأ القليل من سيرتها الذاتية.
أم كلثوم في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم
ذكر المؤرّخون ولادة أم كلثوم بنت فاطمة في عهد رسول الله صلی الله عليه وآله. فقد ذكر صاحب الإصابة: « أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب الهاشمية ... قال أبوعمرو: وُلدت قبل وفاة النبي»(1).
والمشهور بين المؤرّخين أيضاً أنّ زينب هي أكبر بنات الإمام علي عليه السلام، وأنّ أم كلثوم هي الرابعة من أولاد الإمام من فاطمة عليهما السلام، فإنّها وُلدت قبل وفاة النبي بقليل حسبما ورد في الإصابة وغيره، أي في السنة التاسعة أو العاشرة من الهجرة، فتكون زينب هي أكبر من أم كلثوم بلا شك.
وأم كلثوم من المعتقون من النار بنص الإمام الصادق عليه السلام. حيث روى محمد بن مروان وحماد بن عثمان: «قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، فَمَا مَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ: إِنَّ فَاطِمَةَ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا، فَحَرَّمَ اللَّهُ ذُرِّيَّتَهَا عَلَى النَّارِ؟ فَقَالَ: الْمُعْتَقُونَ مِنَ النَّارِ هُمْ وُلْدُ بَطْنِهَا: الْحَسَنُ، وَالْحُسَيْن،ُ وَزَيْنَبُ، وَأم كلثوم.»(2).
أم كلثوم بعد استشهاد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم
إنّ أم كلثوم كانت حاضرة في زمن أحداث ما بعد استشهاد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وغصب خلافة أميرالمؤمنين عليه السلام، وقد كانت من الحاضرين في بيت أمها فاطمة الزهراء سلام الله عليها حينما هجموا على البيت، وفعلوا ما فعلوا بفاطمة الزهراء سلام الله عليها. فقد روى المفضل عن الإمام الصادق عليه السلام ما سيحدث حين رجعتهم في زمن ظهور صاحب الزمان عليه السلام: «يَا مُفَضَّلُ، وَنَحْنُ بَيْنَ يَدَيْ جَدِّنَا رَسُولِ اللَّهِ نَشْكُو إِلَيْهِ مَا نَزَلَ بِنَا مِنَ الْأُمَّةِ بَعْدَهُ... ثُمَّ تَبْتَدِئُ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَامُ بِشَكْوَى مَا نَالَهَا مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْ أَخْذِ فَدَكَ مِنْهَا... وَسَبِّ عُمَرَ لَهَا، وَجَمْعِ الْحَطَبِ الْجَزْلِ عَلَى النَّارِ لِإِحْرَاقِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَزَيْنَبَ وَرُقَيَّةَ وَأم كلثوم وَفِضَّةَ، وَإِضْرَامِهِمُ النَّارَ عَلَى الْبَابِ، وَخُرُوجِ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ وَخِطَابِهَا لَهُمْ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ.»(3).
وأيضا هي كانت من الذين حملهم أميرالمؤمنين عليه السلام إلى دور المهاجرين والأنصار لطلب النصرة منهم، فقد روى المفضل عن الإمام الصادق عليه السلام في الرواية السابقة: «وَتَشْكُو حَمْلَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَهَا فِي سَوَادِ اللَّيْلِ، وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَزَيْنَبَ وَأم كلثوم، إِلَى دُورِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، يُذَكِّرُهُمْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَعَهْدِهِ الَّذِي بَايَعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ عَلَيْهِ فِي أَرْبَعِ مَوَاطِنَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ.»(4).
وجود أم كلثوم عند تغسيل أمّها عليها السلام
إنّ أم كلثوم كانت حاضرة عند تغسيل أمها فاطمة الزهراء سلام الله عليها مع أختها زينب الكبرى سلام الله عليها وذلك بأمر من والدتها، فقد روي: «لَمَّا حَضَرَتْهَا الْوَفَاةُ قَالَتْ لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ: إِذَا أَنَا مِتُّ فَانْظُرِي إِلَى الدَّارِ، فَإِذَا رَأَيْتِ سِجْفًا مِنْ سُنْدُسٍ مِنَ الْجَنَّةِ قَدْ ضُرِبَ فُسْطَاطًا فِي جَانِبِ الدَّارِ، فَاحْمِلِينِي وَزَيْنَبَ وَأم كلثوم، فَاجْعَلُونِي مِنْ وَرَاءِ السِّجْفِ، وَخَلُّونِي وَبَيْنَ نَفْسِي... وَرُوِيَ أَنَّهَا تُوُفِّيَتْ عَلَيْهَا السَّلَامُ بَعْدَ غَسْلِهَا وَتَكْفِينِهَا وَحَنُوطِهَا؛ لِأَنَّهَا طَاهِرَةٌ لَا دَنَسَ فِيهَا، وَأَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهَا إِلَّا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالْحَسَنُ، وَالْحُسَيْنُ، وَزَيْنَبُ، وَأم كلثوم، وَفِضَّةُ جَارِيَتُهَا، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ.»(5).
أم كلثوم في واقعة الجمل
إنّ أم كلثوم كانت حاضرة في المدينة فيحين واقعة الجمل، وقد دافعت عن أميرالمؤمنين عليه السلام، فقد ورد: «لَمَّا بَلَغَ عَائِشَةَ نُزُولُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِذِي قَارٍ، كَتَبَتْ إِلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ:
أَمَّا بَعْدُ، فَلَمَّا نَزَلْنَا الْبَصْرَةَ، وَنَزَلَ عَلِيٌّ بِذِي قَارٍ، وَاللَّهِ دَاقٌّ عُنُقَهُ كَدَقِّ الْبَيْضَةِ عَلَى الصَّفَا، إِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَشْقَرِ؛ إِنْ تَقَدَّمَ نُحِرَ، وَإِنْ تَأَخَّرَ عُقِرَ. فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ إِلَى حَفْصَةَ، اسْتَبْشَرَتْ بِذَلِكَ، وَدَعَتْ صِبْيَانَ بَنِي تَيْمٍ وَعَدِيٍّ، وَأَعْطَتْ جَوَارِيَهَا دُفُوفًا، وَأَمَرَتْهُنَّ أَنْ يَضْرِبْنَ بِالدُّفُوفِ ... فَبَلَغَ أُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا اجْتِمَاعُ النِّسْوَةِ عَلَى مَا اجْتَمَعْنَ عَلَيْهِ، فَبَكَتْ، وَقَالَتْ: أَعْطُونِي ثِيَابِي؛ حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْهِنَّ، وَأُوقِعَ بِهِنَّ. فَقَالَتْ أم كلثوم بِنْتُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَنَا أَنُوبُ عَنْكِ، فَإِنَّنِي أَعْرَفُ مِنْكِ. فَلَبِسَتْ ثِيَابَهَا، وَتَنَكَّرَتْ، وَتَخَفَّرَتْ، وَاسْتَصْحَبَتْ جَوَارِيَهَا مُتَخَفِّرَاتٍ، وَجَاءَتْ حَتَّى دَخَلَتْ عَلَيْهِنَّ كَأَنَّهَا مِنَ النَّضَارَةِ. فَلَمَّا رَأَتْ مَا هُنَّ فِيهِ مِنَ الْعَبَثِ وَالسَّفَهِ، كَشَفَتْ نِقَابَهَا، وَأَبْرَزَتْ لَهُنَّ وَجْهَهَا، ثُمَّ قَالَتْ لِحَفْصَةَ: إِنْ تَظَاهَرْتِ أَنْتِ وَأُخْتُكِ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَدْ تَظَاهَرْتُمَا عَلَى أَخِيهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ مِنْ قَبْلُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيكُمَا مَا أَنْزَلَ، وَاللَّهُ مِنْ وَرَاءِ حَرْبِكُمَا. وَأَظْهَرَتْ حَفْصَةُ خَجَلًا، وَقَالَتْ: إِنَّهُنَّ فَعَلْنَ هَذَا بِجَهْلٍ، وَفَرَّقَتْهُنَّ فِي الْحَالِ.»(6).
ناقلة أحداث شهادة أميرالمؤمنين عليه السلام
ذكر العلامة المجلسي: «قَالَتْ أم كلثوم بِنْتُ عَلِيٍّ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، قَدَّمْتُ إِلَيْهِ عِنْدَ إِفْطَارِهِ طَبَقًا فِيهِ قُرْصَانِ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ، وَقَصْعَةٌ فِيهَا لَبَنٌ وَمِلْحٌ جَرِيشٌ...»(7). إلى آخر رواية كيفية استشهاد أميرالمؤمنين عليه السلام.
خروجها مع أخيها الإمام الحسين عليه السلام من المدينة
نقل الدِّينوري ما دار بين الإمام الحسين عليه السلام ومروان بن الحكم، ثمّ خروجه عليه السلام من المدينة إلى مكة ومعه أُختاه أم كلثوم وزينب، ووُلْد أخيه الحسن، وإخوته: أبوبكر، وجعفر، والعبّاس، وعامّة من كان بالمدينة من أهل بيته إلّا أخاه محمّد ابن الحنفية(8).
أم كلثوم في ليلة عاشوراء
وأيضا روي حينما كان ليلة عاشوراء، قال الإمام الحسين عليه السلام:
«يَا دَهْرُ، أُفٍّ لَكَ مِنْ خَلِيلٍ
كَمْ لَكَ بِالْإِشْرَاقِ وَالْأَصِيلِ
مِنْ طَالِبٍ وَصَاحِبٍ قَتِيلِ
وَالدَّهْرُ لَا يَقْنَعُ بِالْبَدِيلِ
وَكُلُّ حَيٍّ سَالِكٌ سَبِيلِي
مَا أَقْرَبَ الْوَعْدَ مِنَ الرَّحِيلِ
وَإِنَّمَا الْأَمْرُ إِلَى الْجَلِيلِ
وَجَعَلَتْ أم كلثوم تُنَادِي: وَامُحَمَّدَاهُ، وَاعَلِيَّاهُ، وَأُمَّاهُ، وَأَخَاهُ، وَاحُسَيْنَاهُ، وَاضَيْعَتَنَا بَعْدَكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ. قِيلَ: فَعَزَّاهَا الْحُسَيْنُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالَ لَهَا: يَا أُخْتَاهُ، تَعَزَّي بِعَزَاءِ اللَّهِ، فَإِنَّ سُكَّانَ السَّمَاوَاتِ يَفْنَوْنَ، وَأَهْلَ الْأَرْضِ كُلَّهُمْ يَمُوتُونَ، وَجَمِيعَ الْبَرِيَّةِ يَهْلِكُونَ. ثُمَّ قَالَ: يَا أُخْتَاهُ يَا أم كلثوم، وَأَنْتِ يَا زَيْنَبُ، وَأَنْتِ يَا فَاطِمَةُ، وَأَنْتِ يَا رُبَابُ، انْظُرْنَ إِذَا أَنَا قُتِلْتُ فَلَا تَشُقْقْنَ عَلَيَّ جَيْبًا، وَلَا تَخْمِشْنَ عَلَيَّ وَجْهًا، وَلَا تَقُلْنَ هَجْرًا.»(9).
1) الإصابة / ابن حجر العسقلاني / المجلد: 8 / الصفحة: 464 / الطبع: دار الكتب العلمية – بيروت.
2) معاني الأخبار / الشيخ الصدوق / المجلد: 1 / الصفحة: 107 / الطبع: دار المعرفة للطباعة والنشر – بيروت.
3) الهداية الكبرى / الحسين بن حمدان الخصيبي / المجلد: 1 / الصفحة: 407 / الطبع: مؤسسة البلاغ – قم.
4) الهداية الكبرى / الحسين بن حمدان الخصيبي / المجلد: 1 / الصفحة: 408 / الطبع: مؤسسة البلاغ – قم.
5) إرشاد القلوب / الحسن بن محمد الديلمي / المجلد: 2 / الصفحة: 361 / الطبع: دار الأسوة – قم.
6) الجمل / الشيخ المفيد / المجلد: 1 / الصفحة: 150 / الطبع: شيخ المفيد – قم.
7) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 42 / الصفحة: 276 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
8) الأخبار الطوال / الدينوري / المجلد: 1 / الصفحة: 228 / الطبع: منشورات الرضي – قم.
9) الملهوف / السيد ابن طاووس / المجلد: 1 / الصفحة: 50 / الطبع: أنوار الهدى – قم.
.jpg/w/400)






