شرح زيارة السيدة فاطمة المعصومة سلام الله عليها

تحتلّ الزيارات المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام مكانةً متميزةً في التراث الإسلامي الشيعي؛ فهي لا تقتصر على كونها كلمات تُتلى عند المشاهد المقدسة، ولا تنحصر في التعبير عن المحبة والولاء لشخصيات أهل البيت عليهم السلام، بل تمثل في كثير من الأحيان نصوصًا معرفية وتربوية وعقدية متكاملة، تكشف عن مقام المزور، وتعرّف الزائر بجوانب من شخصيته ومنزلته، وتوجّه قلبه وسلوكه نحو القيم التي جسّدها ذلك المقام الطاهر. 
ومن بين الزيارات المأثورة التي حظيت بمكانة خاصة في التراث الإمامي، زيارة السيدة فاطمة المعصومة سلام الله عليها، تلك السيدة الجليلة التي ارتبط اسمها بمدينة قم، وأصبحت مرقدها الشريف على مرّ القرون من أبرز مراكز الزيارة والعلم والمعرفة. واليوم العاشر من شهر ربيع الثاني هو ذكرى وفاة السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام؛ لهذا فمن الجميل أن نتأمل قليلا في زيارتها، ونسلط الضوء على بعض فقراتها ومفاهيمها.

الزيارة المأثورة

إنّ الزيارة الواردة في الكتب الأدعية والمزارات للسيدة فاطمة المعصومة عليها السلام هي زيارة مأثورة وردت عن الإمام الرضا عليه السلام. والمقصود من الزيارة أو الدعاء المأثور، هي الزيارة أو الدعاء التي بينّها أحد الأئمة المعصومين عليهم السلام. وزيارة السيدة المعصومة عليها السلام هي من الزيارات المأثورة. 
فقد روى العلامة المجلسي: «رأيت في بعض كتب الزيارات حدث علي بن إبراهيم عن أبيه عن سعد عن علي بن موسى الرضا عليه‌السلام قال: قال عليه السلام: يا سعد، عندكم لنا قبر، قلت : جعلت فداك قبر فاطمة بنت موسى عليهما‌السلام؟ قال: نعم، من زارها عارفا بحقها فله الجنة، فاذا أتيت القبر فقم عند رأسها مستقبل القبلة، وكبر أربعا وثلاثين تكبيرة، وسبح ثلاثا وثلاثين تسبيحة، وأحمد ثلاثا وثلاثين تحميدة، ثم قل ...»(1). 

تسبيح السيدة المعصومة سلام الله عليها

حينما نقرأ الرواية السابقة التي ذكرناها، يلتفت انتباهنا إلى نقطة مهمة، وهي أنّ الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام قال: «فاذا أتيت القبر، فقم عند رأسها مستقبل القبلة، وكبر أربعا وثلاثين تكبيرة، وسبح ثلاثا وثلاثين تسبيحة، وأحمد ثلاثا وثلاثين تحميدة.» فقبل قراءة الزيارة، ينبغي أن يسبح الزائر تسبيحا تشبه تسبيح فاطمة الزهراء سلام الله عليها، ما يكشف لنا المشابهة بين السيدة فاطمة المعصومة وجدتها فاطمة الزهراء سلام الله عليها. وهذه التسبيحات من أهم المشابهات بينهما، ويكفي في أهمية تسبيح الزهراء سلام الله عليها ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «يَا أَبَا هَارُونَ، إِنَّا نَأْمُرُ صِبْيَانَنَا بِتَسْبِيحِ فَاطِمَةَ عليها السلام، كَمَا نَأْمُرُهُمْ بِالصَّلَاةِ، فَالْزَمْهُ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ عَبْدٌ فَشَقِيَ.»(2).

السلام علي الأئمة والأنبياء عليهم السلام

في بداية الزيارة، نخاطب الأنبياء أولي العزم والأئمة المعصومين عليهم السلام، ونسلّم عليهم، ونحن عند مضجع السيدة معصومة سلام الله عليها. 
السَّلامُ عَلَى آدَمَ صَفْوَةِ الله، السَّلامُ عَلَى نُوحٍ نَبِيِّ الله، السَّلامُ عَلَى إِبْراهِيمَ خَلِيلِ الله، السَّلامُ عَلَى مُوسى كَلِيمِ الله، السَّلامُ عَلَى عِيسى رُوحِ اللهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ الله.
وهذا التخاطب والسلام المباشر يبيّن لنا عظمة هذا المقام الشريف، فإنّ الأنبياء والأئمة المعصومين عليهم السلام يأتون إلى هذا المقام الشريف؛ ولهذا نحن نخاطبها، ونسلم عليهم بصيغة المخاطبة، وإلا لم يكن ينبغي أن نسلم عليهم بصيغة المخاطبة. وهذا السلام والتخاطب موجود في زيارات باقي الأئمة عليهم السلام أيضا، وهو من الأمور المثيرة للعجب لأيّ شخص لم يعرف قدر السيدة المعصومة سلام الله عليها.

النسب الطاهر للسيدة المعصومة عليها السلام

إنّ النسب الطاهر، من أهم الأمور المهمة التي يقتضي الكرامة والعظمة. فإذا كان الإنسان ينتسب إلى أحد الأئمة المعصومين عليهم السلام وله قرابة إلى أحدهم، فهو يتباهي باقي الناس بهذا النسب الشريف. كيف بالسيدة المعصومة التي هي بنت الإمام الكاظم عليه السلام، وأخت الإمام الرضا عليه السلام، وعمة الإمام الجواد عليه السلام، وجدها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام، وجدتها السيدة خديجة بنت خوليد وفاطمة الزهراء سلام الله عليها. وهذا ما نقّحه الإمام الرضا عليه السلام بقوله: «السَّلامُ عَلَيْكِ يا بِنْتَ رَسُولِ الله، السَّلامُ عَلَيْكِ يا بِنْتَ فاطِمَةَ وَخَدِيجَةَ، السَّلامُ عَلَيْكِ يا بِنْتَ أَمِيرِ المُوْمِنِينَ، السَّلامُ عَلَيْكِ يا بِنْتَ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ، السَّلامُ عَلَيْكِ يا بِنْتَ وَلِيِّ الله، السَّلامُ عَلَيْكِ يا أخْتَ وَلِيِّ الله، السَّلامُ عَلَيْكِ يا عَمَّةَ وَلِيِّ الله».

مقام الشفاعة

إنّ مقام الشفاعة في القيامة يعدّ من أعظم المقامات؛ فإنّ الله تعالى يبيّن عظمة ومقام أوليائه عليهم السلام في عرصات يوم القيامة بواسطة الشفاعة، وإنّ السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام لها مقام الشفاعة في يوم القيامة، وقد قال الإمام الصادق عليه السلام: «إِنَّ لِلَّهِ حَرَمًا وَهُوَ مَكَّةُ، أَلَا إِنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ حَرَمًا وَهُوَ الْمَدِينَةُ، أَلَا وَإِنَّ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَرَمًا وَهُوَ الْكُوفَةُ، أَلَا وَإِنَّ قُمَّ الْكُوفَةُ الصَّغِيرَةُ، أَلَا إِنَّ لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ، ثَلَاثَةٌ مِنْهَا إِلَى قُمَّ. تُقْبَضُ فِيهَا امْرَأَةٌ مِنْ وَلَدِي اسْمُهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ مُوسَى، وَتَدْخُلُ بِشَفَاعَتِهَا شِيعَتِي الْجَنَّةَ بِأَجْمَعِهِمْ.»(3).
ولهذا نقرء في زيارة السيدة فاطمة المعصومة: «يا فاطِمَةُ، اشْفَعِي لِي فِي الجَنَّةِ فَإِنَّ لَكَ عِنْدَ الله شَأْنا مِنَ الشَّأْنِ».

ملازمتهم في الجنان

عندما نلاحظ الروايات، نفهم أنّ من أعظم النعم على أهل الجنة، هي المرافقة مع المعصومين عليهم السلام ومجاورتهم، ويكفي في مقام وعصمة السيدة المعصومة سلام الله عليها ومكانتها الرفعية ومنزلتها السامية أنّا ندعوا الله أن نكون من مجاوريها ومجاوري أجدادها في الجنان، حيث نقول: «السَّلامُ عَلَيْكِ عَرَّفَ الله بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ فِي الجَنَّةِ، وَحَشَرَنا فِي زُمْرَتِكُمْ، وَأَوْرَدَنا حَوْضَ نَبِيِّكُمْ، وَسَقانا بِكَأْسِ جَدِّكُمْ مِنْ يَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالِبٍ صَلَواتُ الله عَلَيْكُمْ».

زيارة السيدة المعصومة سلام الله عليها

في رواية الإمام الرضا عليه السلام المتقدمة بعد تسبيح الزهراء سلام الله عليها عند زيارتها يقول الزائر:

«السَّلامُ عَلَى آدَمَ صَفْوَةِ الله السَّلامُ عَلَى نُوحٍ نَبِيِّ الله، السَّلامُ عَلَى إِبْراهِيمَ خَلِيلِ الله، السَّلامُ عَلَى مُوسى كَلِيمِ الله، السَّلامُ عَلَى عِيسى رُوحِ اللهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ الله، السَّلامُ عَلَيْكَ يا خَيْرَ خَلْقِ الله، السَّلامُ عَلَيْكَ يا صَفِيَّ الله، السَّلامُ عَلَيْكَ يا مُحَمَّد بْنَ عَبْدِ الله خاتَمِ النَّبِيِّينَ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طالِبٍ وَصِيَّ رَسُولِ اللهِ، السَّلامُ عَلَيْكِ يا فاطِمَةُ سَيِّدَةَ نِساءِ العالَمِينَ، السَّلامُ عَلَيْكُما يا سِبْطَي نَبِيّ الرَّحْمَةِ وَسَيِّدَيْ شَبابِ أَهْلِ الجَنَّةِ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا عَلِيَّ بْنَ الحُسَيْنِ سَيِّدَ العابِدِينَ وَقُرَّةَ عَيْنِ النَّاظِرِينَ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ باقِرَ العِلْمِ بَعْدَ النَّبِيِّ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ البارَّ الاَمِينَ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا مُوسى بْنَ جَعْفَرٍ الطَّاهِرَ الطُّهْرَ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا عَلِيَّ بْنَ مُوسى الرِّضا المُرْتَضى، السَّلامُ عَلَيْكَ يا مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ التَّقِيَّ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ النَّقِيَّ النَّاصِحَ الاَمِينَ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا حَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، السَّلامُ عَلى الوَصِيِّ مِنْ بَعْدِهِ اللّهُمَّ صَلِّ عَلى نُورِكَ وَسِراجِكَ وَوَلِيِّ وَلِيِّكَ وَوَصِيِّ وَصِيِّكَ وَحُجَّتِكَ عَلى خَلْقِكَ، السَّلامُ عَلَيْكِ يا بِنْتَ رَسُولِ الله، السَّلامُ عَلَيْكِ يا بِنْتَ فاطِمَةَ وَخَدِيجَةَ، السَّلامُ عَلَيْكِ يا بِنْتَ أَمِيرِ المُوْمِنِينَ، السَّلامُ عَلَيْكِ يا بِنْتَ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ، السَّلامُ عَلَيْكِ يا بِنْتَ وَلِيِّ الله، السَّلامُ عَلَيْكِ يا أخْتَ وَلِيِّ الله، السَّلامُ عَلَيْكِ يا عَمَّةَ وَلِيِّ الله، السَّلامُ عَلَيْكِ يا بِنْتَ مُوسى بْنَ جَعْفَرٍ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكاتُهُ. السَّلامُ عَلَيْكِ عَرَّفَ الله بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ فِي الجَنَّة،ِ وَحَشَرَنا فِي زُمْرَتِكُمْ وَأَوْرَدَنا حَوْضَ نَبِيِّكُمْ، وَسَقانا بِكَأْسِ جَدِّكُمْ مِنْ يَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالِبٍ صَلَواتُ الله عَلَيْكُمْ. أَسْأَلُ الله أَنْ يُرِينا فِيكُمُ السُّرُورَ وَالفَرَج،َ وَأَنْ يَجْمَعَنا وَإِيَّاكُمْ فِي زُمْرَةِ جَدِّكُمْ مُحَمَّدٍ صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله، وَأَنْ لا يَسْلُبَنا مَعْرِفَتَكُمْ إِنَّهُ وَلِيُّ قَدِيرٌ، أَتَقَرَّبُ إِلى الله بِحُبِّكُمْ وَالبَرائةِ مِنْ أَعْدائِكُمْ وَالتَّسْلِيمِ إِلى الله راضِيا بِهِ غَيْرَ مُنْكِرٍ وَلا مُسْتَكْبِرٍ وَعَلى يَقِينٍ ما أَتى بِهِ مُحَمَّدٌ، وَبِهِ راضٍ نَطْلُبُ بِذلِكَ وَجْهَكَ يا سَيِّدِي، اللّهُمَّ وَرِضاكَ وَالدَّارَ الآخِرةَ. يا فاطِمَةُ، اشْفَعِي لِي فِي الجَنَّةِ؛ فَإِنَّ لَكَ عِنْدَ الله شَأْنا مِنَ الشَّأْنِ، اللّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تَخْتِمَ لِي بِالسَّعادَةِ، فَلا تَسْلُبْ مِنِّي ما أَنا فِيهِ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاّ بِالله العَلِيِّ العَظِيمِ، اللّهُمَّ اسْتَجِبْ لَنا، وَتَقَبَّلْهُ بِكَرَمِكَ وَعِزَّتِكَ وَبِرَحْمَتِكَ وَعافِيَتِكَ، وَصَلّى الله عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أَجْمَعِينَ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً يا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.»(4).

 


1) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 102 / الصفحة: 266 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
2) الكافي / محمد بن يعقوب الكليني / المجلد: 3 / الصفحة: 343 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
3) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 60 / الصفحة: 228 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
4) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 102 / الصفحة: 266 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.

 

التعليقات

Profile of User
Loading...

محتوى ذو صلة