عزاء السيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها
قال سليم قلت: يا سلمـــان هل دخلوا، ولم يك استئــــذان
فقال: أي وعزة الجبــــار ليس على الزهراء من خمـــار
فمذ رأوها عصروها عصـرة كادت بروحي أن تموت حســرة
يا فاطمةُ الزهراء، يا بنتَ رسول الله، يا بضعةَ المصطفى، ويا سرَّ الحزن الذي لم يفارق قلبَ عليٍّ بعد رحيلكِ! ما أصعبَ أن يفقد الإنسانُ أحبَّ الناس إليه، وما أقسى أن يرى حبيبَه يتألّم أمام عينيه، ولا يستطيع أن يدفع عنه الألم! ولكن، ماذا لو كان هذا الحبيبُ ابنةَ رسول الله؟ وماذا لو كانت هذه الابنةُ هي فاطمة، التي كان أبوها إذا دخلت عليه قام إليها، وقبّل يدها، وأجلسها في مجلسه؟
يا تُرى، مَن الذي يستطيع أن يواسي عليًّا إذا بكى؟ ومَن الذي يمسح دموعَ أبي الحسن إذا انحنى على جسد فاطمة؟ ذلك الرجل الذي ما هزّته الحروب، ولا أخافته السيوف، ولا أضعفته كثرة الأعداء، كيف كانت حاله حين رأى زهرةَ حياته تذبل أمام عينيه؟ تعالوا نترك ضجيج الدنيا خلفنا، ونقترب من بيتٍ صغيرٍ في المدينة؛ بيتٍ كان مهبطَ الوحي، ومأوى النبوّة، ومأوى الحسن والحسين وزينب وأمّ كلثوم، ثم صار بعد رحيل النبيّ صلى الله عليه وآله بيتًا يختبئ في زواياه الحزن، وتبكي في أرجائه الذكريات.
تسلي الزهراء سلام الله عليها بقول أبيها
عندما كان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في فراش المرض وقد اقترب موعد فراقه الحياة، جاءت فاطمة الزهراء سلام الله عليها إليها باكية حزينة. يروي علي بن الهلال عن أبيه، أنّه قال: «دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَهُوَ فِي الْحَالَةِ الَّتِي قُبِضَ فِيهَا، فَإِذَا فَاطِمَةُ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَبَكَتْ حَتَّى ارْتَفَعَ صَوْتُهَا، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ إِلَيْهَا رَأْسَهُ، فَقَالَ: حَبِيبَتِي فَاطِمَةُ، مَا الَّذِي يُبْكِيكِ؟ فَقَالتْ: أَخْشَى الضَّيْعَةَ مِنْ بَعْدِكَ. فَقَالَ: يَا حَبِيبَتِي، أَمَا عَلِمْتِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ اطَّلَعَ عَلَى الْأَرْضِ اطِّلَاعَةً، فَاخْتَارَ مِنْهَا أَبَاكِ، فَبَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ اطَّلَعَ اطِّلَاعَةً، فَاخْتَارَ مِنْهَا بَعْلَكِ، وَأَوْحَى إِلَيَّ أَنْ أُنْكِحَكِ إِيَّاهُ؟ يَا فَاطِمَةُ، وَنَحْنُ أَهْلُ بَيْتٍ قَدْ أَعْطَانَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ سَبْعَ خِصَالٍ، لَمْ يُعْطِ أَحَدًا قَبْلَنَا، وَلَا يُعْطِي أَحَدًا بَعْدَنَا: أَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَأَكْرَمُ النَّبِيِّينَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَحَبُّ الْمَخْلُوقِينَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنَا أَبُوكِ؛ وَوَصِيِّي خَيْرُ الْأَوْصِيَاءِ، وَأَحَبُّهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُوَ بَعْلُكِ؛ وَشَهِيدُنَا خَيْرُ الشُّهَدَاءِ، وَأَحَبُّهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُوَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، عَمُّ أَبِيكِ وَعَمُّ بَعْلِكِ؛ وَمِنَّا مَنْ لَهُ جَنَاحَانِ يَطِيرُ فِي الْجَنَّةِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ حَيْثُ يَشَاءُ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ أَبِيكِ وَأَخُو بَعْلِكِ؛ وَمِنَّا سِبْطَا هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَهُمَا ابْنَاكِ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ، وَهُمَا سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأَبُوهُمَا، وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، خَيْرٌ مِنْهُمَا. يَا فَاطِمَةُ، وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، إِنَّ مِنْهُمَا مَهْدِيَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ، إِذَا صَارَتِ الدُّنْيَا هَرْجًا وَمَرْجًا، وَتَظَاهَرَتِ الْفِتَنُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، وَأَغَارَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَلَا كَبِيرٌ يَرْحَمُ صَغِيرًا، وَلَا صَغِيرٌ يُوَقِّرُ كَبِيرًا، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ مِنْهُمَا مَنْ يَفْتَحُ حُصُونَ الضَّلَالَةِ وَقُلُوبًا غُلْفًا، يَقُومُ بِالدِّينِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ كَمَا قُمْتُ بِهِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَيَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا.
يَا فَاطِمَةُ، لَا تَحْزَنِي وَلَا تَبْكِي، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَرْحَمُ بِكِ وَأَرْأَفُ عَلَيْكِ مِنِّي، وَذَلِكَ لِمَكَانِكِ مِنِّي وَمَوْقِعِكِ مِنْ قَلْبِي. قَدْ زَوَّجَكِ اللَّهُ زَوْجَكِ، وَهُوَ أَعْظَمُهُمْ حَسَبًا، وَأَكْرَمُهُمْ مَنْصِبًا، وَأَرْحَمُهُمْ بِالرَّعِيَّةِ، وَأَعْدَلُهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، وَأَبْصَرُهُمْ بِالْقَضِيَّةِ، وَقَدْ سَأَلْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ أَنْ تَكُونِي أَوَّلَ مَنْ يَلْحَقُنِي مِنْ أَهْلِ بَيْتِي.
قَالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَمْ تَبْقَ فَاطِمَةُ بَعْدَهُ إِلَّا خَمْسَةً وَسَبْعِينَ يَوْمًا، حَتَّى أَلْحَقَهَا اللَّهُ بِهِ.»(1).
من رحيل الأب إلى المصيبة العظمى
لم تكن مصيبةُ الزهراء عليها السلام مصيبةَ فقد الأب وحده؛ فقد اجتمع على قلبها ألمُ الفراق، ومرارةُ الأحداث التي أعقبت رحيل رسول الله، والقلقُ على مستقبل الرسالة، والحزنُ على ما جرى في بيتها.
وتخيّلوا فاطمة، وهي التي كانت بالأمس ابنةَ رسول الله، تدخل اليوم مرحلةً من حياتها لا تجد فيها أباها إلى جانبها، وتخيّلوا أيضا عليًّا، وهو الذي كان يقف في ميادين القتال كالجبل الراسخ، يعود إلى بيته، فيرى زوجته تتألّم، فيحاول أن يخفّف عنها، ويبحث عن كلمةٍ تُطمئن قلبها، ولكنّ بعض الآلام أكبر من الكلمات. يا عليّ، مَن كان يواسيك إذا اشتدّ بك الحزن؟ يا أبا الحسن، مَن كان يسمع أنينك إذا أرخى الليلُ ستاره؟ لقد كنتَ سندَ رسول الله في شدائده، ورفيقَه في محنته، وأنت اليوم ترى ابنتَه وحبيبته تتألّم، ولا تملك إلّا الصبر والاحتساب.
ولما دفن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، جاءت فاطمة الزهراء سلام الله عليها إلى قبر أبيها باكية العين وقالت: «كيف طابت أنفسكم ان تحثوا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم التراب؟ أخذت تربة من تراب الرسول صلى اللّه عليه وسلم، وشمت، ثم أنشدت:
ما ذا على من شم تربة أحمد * أن لا يشمّ مدى الزمان غواليا
صبت علي مصائب لو أنّها * صبت على الأيام صرن لياليا»(2).
وقد روي عن حالها سلام الله عليها: «أَنَّهَا مَا زَالَتْ بَعْدَ أَبِيهَا مُعَصَّبَةَ الرَّأْسِ، نَاحِلَةَ الْجِسْمِ، مُنْهَدَّةَ الرُّكْنِ، بَاكِيَةَ الْعَيْنِ، مُحْتَرِقَةَ الْقَلْبِ، يُغْشَى عَلَيْهَا سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ.»(3).
شهادة فاطمة الزهراء سلام الله عليها
لهفي لها لقد أضيع قدرهــــا * حتى توارى بالحجاب بدرهـا
تجرعت من غصص الزمـــان * ما جاوز الحد من البيـــان
إنّ حديث الباب ذو شجــــون * مما جنت به يد الخــــؤن
أيضرم النار بباب دارهـــــا * وآية النور على منارهــــا
وبابها باب نبي الرحمـــــة * وباب أبواب نجاة الأمــــة
ما اكتسبوا بالنار غير العـــار * ومن وراءه عذاب النــــار
لكن كسر الضلع ليس ينجبـــر * إلا بصمصام عزيز مقتـــدر
وجاوزوا الحد بلطم الخــــدّ * شلت يد الطغيان والتعـــدي
ومن سواد متنها أسود الفضــا * يا ساعد الله الإمام المرتضـى
ولست أدري خبر المسمــــار * سل صدرها خزانة الأســرار
يا علي، اقتربت اللحظات التي لا يريد المحبّ أن تأتي، لكنّها تأتي، مهما حاول أن يؤخّرها. كم من حديثٍ دار بين عليٍّ وفاطمة في سنوات الحياة! كم من ليلةٍ اجتمعا فيها على هموم الرسالة! وكم من صباحٍ استيقظا فيه على أصوات الحسن والحسين!
ولكنّ الحديث في ساعة الوداع مختلف؛ ففي تلك الساعة، لا يسأل الإنسان عن الدنيا، ولا عن متاعها، بل يتمنّى لو يستطيع أن يوقف الزمن. تخيّلوا عليًّا عند فراش فاطمة، ينظر إلى وجهها، ويحاول أن يحفظ ملامحها في ذاكرته. فاطمة التي شاركته حياته، وصبرت معه على شدائدها، ها هي تستعدّ للرحيل. أيُّ فراقٍ هذا يا أبا الحسن؟ لقد ودّعتَ رسول الله من قبل، ووقفتَ عند مصيبته صابرًا محتسبًا، فهل كنتَ تتخيّل أنّك ستقف يومًا آخر عند مصيبةٍ تشبهها، بل تزيدها مرارةً أنّ الراحلة هي ابنةُ رسول الله وأمانتُه؟
يا علي، شلون تودّع فاطمة؟
شلون ترجع للبيت وما تسمع صوتها؟
شلون تمرّ من يمّ فراشها وما تشوفها؟
يا فاطمة، يا ضوءَ بيتِ عليّ
من بعدِكِ البيتُ صارَ خالي
يا بنتَ طه، يا دمعَ عيني
من أسمعُ اليومَ صوتَكِ الغالي؟
عليٌّ ينادي، والليلُ ساكت
والقلبُ من بعدِكِ صارَ يبكي
يا فاطمة، يا وجعَ الحسين
يا دمعةَ زينبْ طولَ السنين
السلام عليكِ يا فاطمة الزهراء، السلام على قلبكِ الصابر، وعلى روحكِ الطاهرة، وعلى ذلك البيت الذي بقيت ذكراه حيّةً في وجدان المؤمنين، السلام على عليٍّ حين وقف أمام مصيبته، وعلى الحسن والحسين حين فقدا أمّهما، وعلى زينب وأمّ كلثوم حين ودّعتا حضن الأمّ الحنون.
اللهم ارزقنا شفاعة الزهراء يوم تقوم الساعة، اللهمّ ارزقنا محبّةَ فاطمة، والاقتداءَ بأخلاقها، والثباتَ على نهجها، واجعلنا من السائرين على طريق محمّدٍ وآل محمّد، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.
1) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 51 / الصفحة: 79 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
2) إحقاق الحق / القاضي نور الله التستري / المجلد: 25 / الصفحة: 521 / الطبع: نشر مكتبة آية الله المرعشي النجفي – قم.
3) مناقب آل أبي طالب / ابن شهر آشوب / المجلد: 3 / الصفحة: 362 / الطبع: نشر العلامة – قم.







