النساء المدفونات بجوار فاطمة المعصومة عليها السلام
تحتلّ السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام مكانة بارزة في الوجدان الشيعي، ليس فقط بوصفها ابنةً للإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام وأختاً للإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام؛ وإنّما أيضاً لما ارتبطت به حياتها من العلم والعبادة والطهارة والولاء لأهل البيت عليهم السلام، ولما ترك مرقدها الشريف في مدينة قم من أثر عميق في الحياة الدينية والعلمية والاجتماعية لهذه المدينة. فمنذ أن احتضنت قم جسدها الطاهر، تحوّل موضع دفنها إلى مركز روحي استقطب المحبين والزائرين، وأصبح أحد أبرز المعالم الدينية في العالم الإسلامي، حتى غدت مدينة قم مرتبطة في الذاكرة الشيعية باسمها وبركات وجودها ومرقدها الشريف.
وتشير المصادر التاريخية إلى وجود عدد من النساء اللاتي دُفنَّ في جوار السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام، وقد ارتبطت بعضهن بأسر علوية وبيوتات معروفة، كما عُرفت بعضهن بالصلاح والفضل أو بالانتساب إلى أهل البيت عليهم السلام. ومن هنا فإنّ دراسة أسماء هؤلاء النساء وسيرهن ومدافنهن لا تمثل بحثاً هامشياً في تاريخ مدينة قم، بل تفتح نافذة على جانب مهم من تاريخ المرأة في البيئة الإسلامية، وعلى طبيعة المجتمع الذي نشأت فيه هذه الشخصيات وعاشت فيه، وعلى الطريقة التي حفظ بها المسلمون، ولا سيما أتباع أهل البيت عليهم السلام ذكر النساء الصالحات ومكانتهن بعد وفاتهن.
وبمناسبة حلول ذكرى استشهاد السيدة فاطمة المعصومة سلام الله عليها نقدم لكم مقالا يسلط الضوء على النساء المدفونات بجوارها عليهم السلام.
زينب بنت الإمام الجواد عليه السلام
كانت زينب بنت الإمام الجواد عليه السلام من العلويين الذين هاجروا إلى إيران، واستقروا في مدينة قم. وكانت هجرتها إلى مدينة قم بعد استشهاد عمتها السيدة فاطمة المعصومة سلام الله عليها. وبحسب الأخبار التاريخية، فقد شيّدت قبةً ومرقداً ذا بناء على قبر السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام(1).
وقد أشارت بعض المصادر التاريخية أنّ زينب هذه هي بنت موسى المبرقع، وهي نفسها التي امتلكت قدرةً ماليةً بعد وصول أموال أخيها المتوفى إليها، ثم بادرت إلى ترميم مرقد السيدة فاطمة المعصومة سلام الله عليها(2). وفي زمن إقامة زينب في قم، كان قبر السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام مغطّى بسقف من البَوارِي، وقد بناه موسى بن خزرج.
وتوفيت زينب بنت الإمام الجواد عليه السلام في مدينة قم، ودُفنت بجوار السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام، كما دُفنت أختاها أم محمد وميمونة في المكان نفسه، إلى جوار مرقد السيدة المعصومة عليها السلام(3).
أم محمد بنت الإمام الجواد عليه السلام
هي إحدى بنات الإمام الجواد عليه السلام، وقد ذكر صاحب كتاب تاريخ قم أنّ أم محمد سلام الله عليها أيضا جاءت إلى مدينة قم مع أختها زينب، وبعد ما توفيت في هذه المدينة الشريفة، دفنت بجوار عمتها السيدة فاطمة المعصومة وأختها السيدة زينب سلام الله عليهم(4).
ميمونة بنت الإمام الجواد عليه السلام
هذه السيدة الجليلة هي ميمونة ابنة الإمام موسى الكاظم عليه السلام(5)، وقد ذكر بعض أهل التاريخ أنّها بنت الإمام الجواد عليه السلام، وقد جاءت إلى مدينة قم مع أختيها زينب وأمّ محمد، من بنات الإمام الجواد عليه السلام، وكانت من النساء العفيفات التقيّات. وقد ورثت نصف أموال أخيها محمد، وبناءً على وصيتها دُفنت بعد وفاتها خارج ضريح السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام، وأُقيم على قبرها قبّة مماثلة للقبة الأولى للسيدة فاطمة المعصومة عليها السلام(6).
هناك حكاية حول السيدة ميمونة لا بأس بنقلها. إنّ حادثةً وقعت قبل سنوات غير بعيدة أثبتت وجود قبرها في الحرم المطهّر، وقد نُقل عن المرحوم آية الله الحاج حسين المجتهد، وهو الجدّ لعائلة الحرم پناهي، والجدّ الأمي لعائلة الإشراقي: أنّه أثناء فرش الحرم المطهّر للسيدة فاطمة المعصومة عليها السلام بأحجار المرمر، ظهرت فجأةً فتحةٌ تؤدي إلى سرداب، في الجهة السفلية من الضريحk فدخلت امرأتان صالحَتان إلى السرداب، فلاحظتا أنّ القبر المطهّر للسيدة فاطمة المعصومة عليها السلام ليس هناك، بل إنّ ذلك السرداب يقع في الجزء السفلي من الحرم المطهّر. وهناك شاهدتا ثلاثة أجساد طاهرة تبدو عليها آثار الجِدّة، حتى كأنّ أرواح أصحابها قد فارقت أجسادهم في اليوم نفسه. ويُحتمل أن تكون إحداهنّ ميمونة، وأن تكون المرأتان الأخريتان اللتان كانتا سوداويّتي الوجه، اثنتين من جواريها(7).
أم اسحاق
أم اسحاق هي خادمة محمد بن موسى المبرقع، كانت تُعَدّ من النساء الشيعيات البارزات، وكانت تعمل في خدمة محمد بن موسى بن محمد بن علي بن موسى الرضا عليه السلام. وكان محمد بن موسى من الأشخاص الأوائل الذين هاجروا من الكوفة إلى مدينة قم بجوار السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام، وكان من السادة الرضوية، فأقام في قم سنة 256 هـ، وتوفي فيها سنة 296 هـ(8).
أم حبيب
هي خادمة أبي علي محمد الأعرج بن أحمد بن موسى بن جعفر عليه السلام، فهي خادمة حفيد الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام، وقد توفيت في مدينة قم، ودفنت بجوار السيدة المعصومة بعد وفات السيدة ميمونة.
أم قاسم
هي ابنة علي الكوكبي من أحفاد الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام، وقد توفّيت بعد ميمونة وأمّ حبيب.
أم أحمد
أم أحمد هي ابنة أحمد بن موسى بن محمد الجواد بن علي بن موسى بن جعفر عليه السلام، وقد قدمت من الكوفة إلى قم برفقة أبناء أخيها محمد الأعرج. وكانت تلك السيدة من النساء التقيّات، وبعد وفاتها دُفنت في مشهد محمد بن موسى مبرقع، المعروف بـبابلان. (9).
زيارة النساء الدفونات بجوار السيدة فاطمة المعصومة
هناك كتابة قديمية مكتوبة على جدار حرم السيدة فاطمة المعصومة سلام الله عليها، وفيها أسماء بعض النساء المدفونات بجوار السيدة فاطمة المعصومة سلام الله عليها، وأيضا ذكرت في هذه الكتابة، زيارة مختصرة لهذه النساء المؤمنات.
الكتابة كالتالي: «في الروضة المطهرة للسيدة فاطمة المعصومة عليها السلام دُفنت ثماني نساء من أهل البيت، وهنّ: أم محمد وميمونة وزينب بنات الإمام الجواد عليه السلام. بُرَسَة، ابنة موسى المبرقع وحفيدة الإمام الجواد عليه السلام. أم حبيب، ابنة أحمد بن موسى المبرقع. أم القاسم، ابنة علي الكوكبي، من أحفاد الإمام السجاد عليه السلام. أم حبيب، جارية محمد بن أحمد بن موسى المبرقع. أم إسحاق، جارية موسى المبرقع.
زيارة النساء المدفونات بجوار السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام:
السَّلَامُ عَلَيْكِ يَا ذُرِّيَّةَ رَسُولِ اللَّهِ، وَبَنَاتِ مَوْلَانَا وَسَيِّدِنَا مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ التَّقِيِّ الْجَوَادِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ جَمِيعًا، وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.»
قباب الحرم الشريف بقم
في القرن الثالث الهجري، كانت هناك قبّتان بدلًا من القبّة الواحدة الحالية. ففي إحدى القبّتين دُفنت السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام وأمّ محمد وأمّ إسحاق، وفي القبّة الثانية دُفنت أمّ حبيب وأمّ قاسم وميمونة. ثم جرى توحيد القبّتين؛ لتصبحا قبّةً واحدة، ودُفن جميع هؤلاء السيدات الجليلات تحت القبّة الحالية.
وقد اكتسبت هذه المدافن أهمية خاصة؛ لأنّ مجاورة قبر إحدى الشخصيات العظيمة من أهل البيت عليهم السلام ليست مجرد واقعة مكانية، بل هي ظاهرة تكشف عن مكانة المرأة الصالحة في المجتمع الإسلامي.
1) رياحين الشريعة / ذبيح الله المحلاتي / المجلد: 4 / الصفحة: 316 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
2) تاريخ قم / الحسن بن محمد الأشعري القمي / المجلد: 1 / الصفحة: 319 / الطبع: مكتبة آية الله المرعشي النجفي – قم.
3) تاريخ قم / الحسن بن محمد الأشعري القمي / المجلد: 1 / الصفحة: 319 / الطبع: مكتبة آية الله المرعشي النجفي – قم.
4) تاريخ قم / الحسن بن محمد الأشعري القمي / المجلد: 1 / الصفحة: 320 / الطبع: مكتبة آية الله المرعشي النجفي – قم.
5) الإرشاد / الشيخ المفيد / المجلد: 2 / الصفحة: 244 / الطبع: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث – قم.
6) تاريخ قم / الحسن بن محمد الأشعري القمي / المجلد: 1 / الصفحة: 320 / الطبع: مكتبة آية الله المرعشي النجفي – قم.
7) اختران حريم معصومة / جمع من المؤلفين / المجلد: 1 / الصفحة: 58 / الطبع: نشر الزائر – قم.
8) تاريخ قم / الحسن بن محمد الأشعري القمي / المجلد: 1 / الصفحة: 320 / الطبع: مكتبة آية الله المرعشي النجفي – قم.
9) تاريخ قم / الحسن بن محمد الأشعري القمي / المجلد: 1 / الصفحة: 322 / الطبع: مكتبة آية الله المرعشي النجفي – قم.







