لأيّ الأمور تدفن ليلا؟

يا باب فاطم لا طرقت بخيفـــةٍ     ويد الهدى سدلت عليك حجابــا
أو هي عليك إما علمت بفاطــم      وقفت وراك تناشد الأصحابـــا
لهفي عليك أما استطعت تصدهـم       لما أتاك بنو الضلال غضابـــا

يا فاطمة الزهراء! بأيِّ لسانٍ نرثيكِ، وأنتِ ابنةُ صاحب الرسالة؟ وبأيِّ كلماتٍ نواسي عليًّا، وأنتِ رفيقةُ عمره وشريكةُ آلامه؟ وكيف نذكر مصيبتكِ، وفي كلّ فصلٍ من فصولها جرحٌ لا يندمل، ودمعةٌ لا تجفّ، وحكايةٌ يعجز اللسان عن إتمامها؟ يا بنت رسول الله، رحل أبوكِ، فبكت المدينة، وبكى أهلُ بيت النبوّة، وبقيتِ تحملين في قلبكِ حزنَ الفراق. ثم توالت عليكِ المحن، حتى جاء اليوم الذي خفتت فيه أنفاسكِ، وأصبح بيتُ عليٍّ على موعدٍ مع أصعب لحظةٍ في حياته.

يَا فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ، يَا نَبْضَ الْهُدَى *  يَا دَمْعَةً فِي مُقْلَةِ الْأَحْزَانِ
مَضَيْتِ، فَاسْتَوْحَشَتْ دِيَارُ مُحَمَّدٍ  * وَتَكَسَّرَتْ أَفْرَاحُهَا بِزَمَانِ
يَا بِنْتَ خَيْرِ الْخَلْقِ، كَيْفَ نُوَدِّعُكِ؟ *  وَالْقَلْبُ بَعْدَكِ تَائِهٌ وَالْجَانِ

مكانة الزهراء عند أمير المؤمنين عليه السلام

إنّ لفاطمة الزهراء سلام الله عليها مكانة عالية عند زوجها أمير المؤمنين عليه السلام، وكان أمير المؤمنين عليه السلام يباهي بأنّ زوجتها هي فاطمة الزهراء سلام الله عليها، فقد روي: «خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه بالكوفة بعد منصرفه من النهروان وبلغه أن معاوية يسبه، ويلعنه، ويقتل أصحابه، فقام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ... ثم قال: ... وأنا زوج البتول سيده نساء العالمين فاطمة التقية النقية الزكية المبرة المهدية، حبيبة حبيب الله وخير بناته وسلالته وريحانة رسول الله.»(1).
وعندما تزوج أمير المؤمنين عليه السلام بفاطمة الزهراء سلام الله عليها، قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لأمير المؤمنين عليه السلام: «كيف وجدت أهلك؟ قال: نعم العون على طاعة الله، وسأل فاطمة، فقالت: خير بعل. فقال: اللهم اجمع شملهما، وألف بين قلوبهما، واجعلهما وذريتهما من ورثة جنة النعيم، وارزقهما ذرية طاهرة طيبة مباركة، واجعل في ذريتهما البركة، واجعلهم أئمة يهدون بأمرك إلى طاعتك، ويأمرون بمايرضيك. ثم أمربخروج أسماء، وقال: جزاك الله خيرا، ثم خلا بها بإشارة الرسول صلى الله عليه واله. ولما كان صبيحة عرس فاطمة جاء النبي صلى الله عليه واله بعس فيه لبن، فقال لفاطمة: اشربي فداك أبوك، وقال لعلي: اشرب فداك ابن عمك.»(2).

فاطمة ركن أمير المؤمنين عليه السلام

كان لأمير المؤمنين عليه السلام ركنان، وانهدم كلاهما بعد شهادة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وفاطمة الزهراء سلام الله عليها. فقد روي أن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قال لأمير المؤمنين عليه السلام: «يا أبا الريحانتين، فعن قليل يذهب ركناك، والله خليفتي عليك، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: على هذا أحد الركنين. فلما ماتت فاطمة رضى الله عنها قال: هذا الركن الآخر.»(3).

فاطمة على فراش الشهادة

دعونا نقترب بقلوبنا من بيت أمير المؤمنين عليه السلام، ونستحضر صورةً من أشدّ الصور إيلامًا في وجدان محبّي أهل البيت: فاطمة على فراش المرض، وأطفالها من حولها، وعليٌّ إلى جانبها، والبيت الذي كان يمتلئ بالحياة يستعدّ لفراق سيّدته. يا لها من لحظة! الأمّ التي كانت تجمع أبناءها حولها، أصبحت تحتاج إلى من يقترب منها، ويطمئنّ عليها. والزوجة التي كانت تشارك عليًّا هموم الحياة، أصبح زوجها ينظر إليها بقلبٍ مثقلٍ بالخوف من الفراق. والبنت التي كانت إذا دخلت على أبيها أكرمها، أصبحت تتمنّى لو أنّ الأيام تعود، ولو للحظةٍ واحدة؛ لترى وجه أبيها وتسمع صوته. 
يا عليّ، انظر إلى فاطمة! هذه هي فاطمة التي عشتَ معها سنواتٍ من الصبر والإيمان، وهذه هي أمّ الحسن والحسين، وهذه هي ابنة رسول الله التي أحبّها وأكرمها. كيف يطيق قلبك أن يراها تتألّم؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يواسي مَن أحبّ، حين لا يملك أن يرفع عنه وجع المرض؟ 

عَلِيٌّ إِلَى جَنْبِ الْحَبِيبَةِ جَالِسٌ * وَالْقَلْبُ مِنْ وَجَعِ الْفِرَاقِ كَسِيرُ
يَرْنُو إِلَيْهَا وَالْعُيُونُ حَزِينَةٌ *  وَالصَّمْتُ فِي أَرْجَاءِ بَيْتِهِمُ يَدُورُ
يَا رَبِّ، هَوِّنْ وَجْعَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ * فَبِنْتُهُ الْيَوْمَ الْحَزِينَةُ تَغُورُ

ساعة الشهادة والفراق

تخيّلوا تلك الساعة التي يتوقّف فيها الكلام، وتصبح النظراتُ لغةَ الوداع. في الحياة، قد نختلف مع أحبّائنا، وقد ننشغل عنهم، وقد نؤجّل لقاءهم، ونحن نظنّ أنّ الوقت ما زال أمامنا، لكنّ الموت إذا جاء، أغلق أبواب العودة، وترك في القلب أسئلةً لا تجد جوابًا.
وفي بيت عليٍّ، جاء يومُ الفراق. فاطمة الزهراء عليها السلام، ابنة رسول الله، وزوجة أمير المؤمنين، وأمّ الحسن والحسين، قد فارقت الدنيا. يا فاطمة! مَن يصدّق أنّ ذلك البيت الذي شهد حياتكِ سيشهد غيابكِ؟ مَن يصدّق أنّ عليًّا الذي كان يجد في قربكِ سكينةً، سيأتي عليه يومٌ يبحث فيه عنكِ، فلا يجدكِ؟ مَن يصدّق أنّ الحسن والحسين سيقفان يومًا أمام أمّهما، وقد أصبح حضنها ذكرى؟ آهٍ يا فاطمة! 
قال أمير المؤمنين عليه السلام لعمار بن ياسر: «وإنّ أعظم ما لقيت من مصيبتها أنّي لمّا وضعتها على المغتسل وجدت ضلعا من أضلاعها مكسورا، وجنبها قد اسودّ من ضرب السياط»(4).

الدفن ليلا

هذه الكتب فاسألوها تروها * بالمواريث ناطقاً فحواها
وبمعنى "يوصيكم الله"أمر * شامل للعباد في قرباها
مالكم قد منعتمونا حقوقاً * أوجب الله في الكتاب أداها
وسبيتم من الهدى ذات خدر * عزّ يوماً على النبيّ سباها
ولأيّ الاُمور تدفن سرّاً * بضعة المصطفى ويعفى ثراها
فمضت وهي أعظم الناس وجدا * في فم الدهر غصّة من جواها
وثوت لا يرى لها الناس مثوى * أيُّ قدس يضمُّه مثواها

روي أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لما كفّنها: «حملها على يده، وأقبل بها إلى قبر أبيها، ونادى: السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا نور الله، السلام عليك يا صفوة الله مني السلام عليك والتحية واصلة مني إليك ولديك، ومن ابنتك النازلة عليك بفنائك، وإنّ الوديعة قد استردت، والرهينة قد أخذت، فوا حزناه على الرسول، ثم من بعده على البتول! ولقد اسودت علي الغبراء، وبعدت عني الخضراء، فوا حزناه ثم وا أسفاه!»(5).
وعندما دفنها، وعفى موضع قبرها، هكذا ورد في الكتب والمصادر: «فَلَمَّا نَفَضَ يَدَهُ مِنْ تُرَابِ الْقَبْرِ هَاجَ بِهِ الْحُزْنُ، وَأَرْسَلَ دُمُوعَهُ عَلَى خَدَّيْهِ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَنِّي وَعَنِ ابْنَتِكَ وَحَبِيبَتِكَ، وقُرَّةِ عَيْنِكَ وَزَائِرَتِكَ، وَالثَّابِتَةِ فِي الثَّرَى بِبُقْعَتِكَ، الْمُخْتَارِ اللَّهُ لَهَا سُرْعَةَ اللِّحَاقِ بِكَ، قَلَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَنْ صَفِيَّتِكَ صَبْرِي، وَضَعُفَ عَنْ سَيِّدَةِ النِّسَاءِ تَجَلُّدِي، إِلَّا أَنَّ فِي التَّأَسِّي لِي بِسُنَّتِكَ وَالْحُزْنِ الَّذِي حَلَّ بِي لِفِرَاقِكَ لَمَوْضِعَ التَّعَزِّي، وَلَقَدْ وَسَّدْتُكَ فِي مَلْحُودِ قَبْرِكَ بَعْدَ أَنْ فَاضَتْ نَفْسُكَ عَلَى صَدْرِي، وَغَمَضْتُكَ بِيَدِي، وَتَوَلَّيْتُ أَمْرَكَ بِنَفْسِي. نَعَمْ، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ نِعْمَ الْقَبُولُ، وَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‌. قَدِ اسْتُرْجِعَتِ الْوَدِيعَةُ، وَأُخِذَتِ الرَّهِينَةُ، وَاخْتُلِسَتِ الزَّهْرَاءُ، فَمَا أَقْبَحَ الْخَضْرَاءَ وَالْغَبْرَاءَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمَّا حُزْنِي فَسَرْمَدٌ، وَأَمَّا لَيْلِي فَمُسَهَّدٌ، لَا يَبْرَحْ الْحُزْنُ‌ مِنْ قَلْبِي أَوْ يَخْتَارَ اللَّهُ لِي دَارَكَ الَّتِي فِيهَا أَنْتَ مُقِيمٌ ... وَسَتُنْبِئُكَ ابْنَتُكَ بِتَظَاهُرِ أُمَّتِكَ عَلَيَّ وَعَلَى هَضْمِهَا حَقَّهَا، فَاسْتَخْبِرْهَا الْحَالَ...»(6).

أُمَّاهُ! مَنْ لِلْحَسَنِ الْيَوْمَ الَّذِي * يَشْكُو إِلَيْهِ هُمُومَهُ وَعَنَاهُ؟
وَمَنِ الَّذِي يَحْمِي الْحُسَيْنَ بِحُبِّهِ * وَيَضُمُّهُ إِنْ أَوْجَعَتْهُ خُطَاهُ؟
يَا أُمَّ زَيْنَبَ، كَمْ سَتَبْكِي بَعْدَنَا * عَيْنٌ تَذُوبُ وَيَسْتَطِيلُ أَسَاهَا!

 


1) معاني الأخبار / الشيخ الصدوق / المجلد: 1 / الصفحة: 59 / الطبع: دار المعرفة للطباعة والنشر – بيروت.
2) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 43 / الصفحة: 117 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
3) ذخائر العقبى / محب الدين الطبري / المجلد: 1 / الصفحة: 56 / الطبع: دار الكتب المصرية – القاهرة.
4) طرف من الأنباء والمناقب / السيد ابن طاووس / المجلد: الصفحة: 396 / الطبع: مطبعة الهادي – قم.
5) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 43 / الصفحة: 180 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
6) الأمالي / الشيخ الطوسي / المجلد: 1 / الصفحة: 110 / الطبع: دار الثقافة – قم.

 


 

التعليقات

Profile of User
Loading...

محتوى ذو صلة